السبت، 1 أغسطس 2026

مملكة فطاني المنسية والان محافظة ضمن تايلاند


التاريخ والإسلام في فطاني.. 
نشأت كدولة إسلامية مزدهرة بجهود الدعاة والعلماء. 
وأصبحت مركزاً تجارياً وعلمياً عظيماً في عالم الملايو.
ثم ضمّت لاحقاً إلى مملكة سيام (تايلاند) في أوائل القرن العشرين.
ويرجع أصل سكانها للمجموعة الملايوية المسلمة، ويتكلمون اللغة الملايوية ويكتبونها حتى الآن بأحرف عربية بسبب تأثرهم بالتجار العرب منذ نشأة مملكة فطاني الإسلامية في القرن الثامن الهجري.
علم فطاني
فَطاني… مملكة الملايو التي بقيت حيّةً في ذاكرة أهلها
رواية ترحالية بقلم رحّال الخبر.. 
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:
لم تكن رحلتي إلى فَطاني رحلةً عابرة إلى مدينة من مدن جنوب تايلند، بل كانت دخولًا إلى صفحةٍ مطوية من تاريخ العالم الإسلامي في أقصى المشرق؛ إلى أرضٍ ما زالت تخبئ تحت خضرتها الاستوائية حكاية مملكة، وتحت مآذنها ذاكرة شعب، وفي لغتها الملايوية بقايا هوية قاومت ذوبانها في تعاقب السنين.
دخلت فطاني وأنا أبحث عن المملكة التي غابت عن الخرائط، لكنها لم تغب عن صدور أبنائها؛ مملكةٌ كانت يومًا ميناءً مشهورًا في طرق التجارة الآسيوية، تستقبل سفن الصين واليابان والهند وأرخبيل الملايو، ثم انتهى سلطانها السياسي وبقي سلطان الذاكرة والثقافة والدين.
ولعل أول ما ينبغي أن يعرفه الرحالة أن «Patani» في الدراسات التاريخية تشير غالبًا إلى المملكة الملايوية القديمة، في حين أن «Pattani» هي المحافظة التايلندية الحديثة التي تحمل الاسم اليوم. إنها أرض واحدة، لكن بين الاسمين انتقالٌ من زمن المملكة إلى زمن الدولة الحديثة.
حين تتغير ملامح تايلند
كلما اتجه المسافر جنوبًا، بدأت الصورة المعروفة عن تايلند تتغير شيئًا فشيئًا. تقل ملامح المدن السياحية الصاخبة، وتظهر القرى الخضراء، وأشجار المطاط والنخيل، والبيوت ذات الأسقف المائلة، وتنتشر المساجد والمآذن بين الحقول.
هنا تسمع لغةً غير اللغة التايلندية، وترى كثيرًا من النساء بلباسهن المحتشم، والرجال بقبعاتهم الملايوية، وتجد أسماء المحال مكتوبة بالتايلندية والملايوية، وأحيانًا بحروف الجاوي المشتقة من العربية.
لم أشعر أنني انتقلت إلى إقليم جغرافي مختلف فحسب، بل إلى بيئة ثقافية تنتمي في وجدانها إلى عالم الملايو الكبير، الممتد من ماليزيا وإندونيسيا إلى بروناي وأطراف الفلبين وجنوب تايلند.
وتشير اليونسكو إلى أن قرابة مليون من ملايو فطاني يعيشون في أقصى جنوب تايلند، وأن لغتهم وثقافتهم ظلتا محورًا أساسيًا في قضايا التعليم والهوية؛ ولذلك أُنشئت برامج تعليمية تجمع بين الملايوية الفطانية والتايلندية، مع تعليم خط الجاوي العربي إلى جانب الخطين التايلندي واللاتيني. 

فطاني بين النهر والبحر
تقوم محافظة فطاني الحديثة على أرض ساحلية منبسطة، يخترقها نهرا تاني وساي بوري، ويمتد ساحلها على خليج تايلند مسافة تقارب مئة وسبعين كيلومترًا. وفي هذه الجغرافيا اجتمعت أسباب نشوء الموانئ القديمة: النهر، والبحر، والأرض الزراعية، والقرب من طرق الملاحة والتجارة.

السياحة في تايلاند
والبحر هنا ليس مجرد مشهد جميل؛ إنه باب المملكة القديم، وذاكرتها المفتوحة على العالم. فمنه دخل التجار والرحالة والعلماء، وعبره وصلت البضائع والكتب والأفكار، وعلى شاطئه نمت مدينة أصبحت في القرنين السادس عشر والسابع عشر واحدةً من أبرز الممالك الساحلية الملايوية ومركزًا مهمًا في التجارة الآسيوية.

وقفت أتخيل السفن الخشبية وهي تنتظر في الخليج، والبحارة ينزلون بأقمشتهم وتوابلهم وخزفهم، والتجار يتحدثون بلغات الصين والهند واليابان والملايو والبرتغال. لم يبق من ذلك الميناء الصاخب إلا الصمت، لكن التاريخ حين يسكن المكان لا يحتاج دائمًا إلى جدران كي يُرى.

مدينة يَرَنْغ… ما تحت التراب أكثر مما فوقه
ومن أهم المواضع التي تعيد الرحالة إلى البدايات آثار مدينة يَرَنْغ القديمة، وهي منطقة احتفظت ببقايا مركز قديم ارتبط بالإدارة والتجارة والثقافة عبر قرون طويلة. وتعدها هيئة السياحة التايلندية من الشواهد المهمة على تاريخ المنطقة السابق للمدينة الحديثة.

السياحة في جنوب تايلاند فطاني سابقا. 
هناك لا ترى قصرًا كاملًا ولا سورًا مرتفعًا، بل ترى بقايا أساسات وتلالًا أثرية وطبقات من الطوب والتراب. ولكن قيمة الآثار لا تكون دائمًا فيما بقي ظاهرًا منها، بل فيما تفتحه من أسئلة:
من مرّ من هنا؟
وأي لغة كانت تسمع في الأسواق؟
وكم مركبًا رسا في هذه الأرض؟
وكم دولة قامت ثم مضت، وظنت في ساعة قوتها أنها لن تزول؟
كان الصمت في يرنغ أبلغ من كثير من الشروح؛ فالحضارات لا تختفي تمامًا، وإنما تتحول إلى طبقة تحت أقدام من جاء بعدها.

المملكة التي حكمتها الملكات
ومن أعجب فصول فطاني أنها عرفت فترة طويلة من حكم النساء، وهو أمر غير مألوف في تاريخ الممالك الإسلامية والملايوية. فقد تولت الحكم ملكات حملن أسماء الألوان: الملكة الخضراء راجا هيجاو، والزرقاء راجا بيرو، والأرجوانية راجا أونغو، والصفراء راجا كونينغ.
وتشير الدراسات التي قارنت المصادر الملايوية والصينية والأوروبية إلى أن حكم النساء أصبح مؤسسةً سياسية في سلطنة فطاني خلال معظم الفترة الممتدة تقريبًا من سنة 1584م إلى أوائل القرن الثامن عشر، وأن هذه المرحلة ارتبطت بازدهار المملكة واتساع تجارتها وصلاتها الخارجية.

توقفت طويلًا أمام هذه الصفحة؛ لا لأن الملكات كن نساءً فقط، بل لأن مجتمعًا بحريًا مسلمًا في ذلك الزمن استطاع أن يقبل نظامًا سياسيًا يختلف عما كان مألوفًا حوله، وأن يحافظ عليه زمنًا طويلًا.
وهنا ينبغي ألا نقرأ التاريخ بقوالبنا المعاصرة، ولا أن نحوّل تلك الحقبة إلى حكاية مثالية؛ ففطاني عرفت الازدهار والصراع معًا، وعرفت قوة البلاط ومنافسات النخب، ثم بدأ ضعفها الاقتصادي والسياسي مع تغير طرق التجارة وتزايد الضغوط الإقليمية. وتصور أقدم مدونة محلية معروفة، وهي حكاية فطاني – Hikayat Patani، المجتمع في أواخر تلك المرحلة وهو يحاول استعادة نظامه الأخلاقي والسياسي بعد اضطرابات وانقسامات طويلة.

مسجد كرو سي… جدار بقي شاهدًا
ومن أكثر معالم فطاني حضورًا في الذاكرة مسجد كرو سي، ذلك البناء التاريخي المشيد بالطوب الأحمر، بأقواسه المدببة وجدرانه العريضة وقبته غير المكتملة.
لا يبدو المسجد فخمًا بمقاييس المساجد الكبرى، لكنه يحمل من هيبة التاريخ ما لا تحمله أحيانًا الأبنية المزخرفة. كل طوبة فيه تبدو كأنها تحتفظ بحكاية، وكل قوس يطل على زمن مضى ولم ينته أثره.
وقفت أمامه لا أتأمل جمال البناء وحده، بل أتأمل المعنى الذي يحمله لأهل فطاني؛ فهو ليس أثرًا سياحيًا صامتًا، وإنما موضع عبادة وذاكرة ورمز ثقافي واجتماعي. وتضعه هيئة السياحة التايلندية في مقدمة المعالم التاريخية والثقافية بالمحافظة.

ولا يصح اختزال تاريخ المسجد في الأساطير الشائعة حول تعذر اكتمال قبته؛ فالمكان مرّ بأحداث سياسية وأمنية معاصرة جعلت ذاكرته شديدة الحساسية. ولذلك فاحترام المكان وأهله يقتضي أن يُروى تاريخه بتوازن، بعيدًا عن الإثارة أو تحويل آلام الناس إلى حكاية سياحية.
المسجد المركزي… حضور الإسلام في المدينة الحديثة
أما مسجد فطاني المركزي فيمثل وجه المدينة الإسلامية الحديث. شُرع في بنائه سنة 1954م، واستغرق إنجازه تسع سنوات، ثم أصبح من أبرز مساجد جنوب تايلند، بقِبابه ومئذنتيه وبركته المائية الممتدة أمامه.
حين تقترب منه تشعر أن فطاني لم تضع الإسلام في متحف التاريخ، بل ما زالت تعيشه في يومها العادي: في الأذان، وفي المدارس، وفي الأسواق، وفي ملابس الناس، وفي تحيتهم وهدوء مجالسهم.
دخلت المسجد فوجدت المكان بسيطًا رحبًا، لا يزدحم بالزخارف بقدر ما يمتلئ بالمصلين. وهنا أدركت أن المعلم الحقيقي ليس البناء وحده، وإنما المجتمع الذي يمنحه الحياة.

سوق يروي هوية المكان
في أسواق فطاني تختلط رائحة السمك القادم من الخليج برائحة التوابل والكاري والأرز والخبز المحمّر والشاي بالحليب. وترى الباعة المسلمين إلى جوار التجار الصينيين والتايلنديين، فتدرك أن تاريخ المدينة لم يكن أحادي اللون.
ومن معالم هذا التنوع مزار ليم كور نياو الصيني، الذي تضعه هيئة السياحة التايلندية إلى جانب مسجد كرو سي ضمن أهم معالم المحافظة. وهذا التجاور بين المسجد والمزار والسوق ليس تناقضًا، بل نتيجة طبيعية لمدينة ميناء استقبلت جماعات بشرية وتجارية متعددة عبر القرون. 

كان الطعام هنا جزءًا من الحكاية. فالمائدة في جنوب تايلند لا تعرف الحدود السياسية الصارمة؛ ترى فيها أثر ماليزيا والملايو وتايلند والصين والهند. والسمك حاضر لقرب البحر، والأرز أساس الوجبة، والتوابل أكثر حدّة، والشاي بالحليب رفيق المجالس.
وكعادتي في الرحلات، كنت أرى أن دخول مطبخ الناس يختصر كثيرًا من المسافات؛ فقد تختلف الكلمات، ولكن رغيفًا يُقسم بين ضيف ومضيف قادر على أن يشرح من الأخلاق ما تعجز عنه الخطب الطويلة.

فطاني التي سقطت ولم تختفِ
لم يكن انتهاء مملكة فطاني حادثة وقعت في يوم واحد. فقد خضعت لضغوط متصاعدة من مملكة سيام، ثم فقدت قدرًا كبيرًا من استقلالها بعد الحملات السيامية في أواخر القرن الثامن عشر. وفي سنة 1902م أُلغيت السلطة المحلية المتبقية وضُمت فطاني إداريًا إلى الدولة السيامية المركزية. وتبين دراسات حديثة أن ذلك لم يكن نتيجة الصراع المحلي وحده، بل ارتبط أيضًا بالتنافس البريطاني والفرنسي وإعادة رسم موازين القوة في شبه جزيرة الملايو. 

ولكن قراءة تاريخ فطاني على أنه مواجهة بسيطة بين شعب بريء ودولة معتدية لا تكفي لفهم الصورة كلها؛ كما أن تجاهل اقتلاع السلطة المحلية ومحاولات الدمج الثقافي خطأ لا يقل عنه.
الحقيقة أكثر تعقيدًا: 
مملكة ضعفت من الداخل، وقوة إقليمية سعت إلى توحيد أطرافها، واستعمار أوروبي أعاد رسم الحدود، وجماعة ملايوية مسلمة وجدت نفسها داخل دولة تختلف عنها في اللغة والدين والذاكرة التاريخية.
وقد بقي هذا التوتر حاضرًا في جنوب تايلند، حيث ارتبطت بعض أزمات المنطقة بالخوف من ذوبان الهوية الملايوية والإسلامية وبالصراع حول اللغة والتعليم والتمثيل السياسي. وتؤكد اليونسكو أن احترام اللغة والثقافة المحليتين أصبح جزءًا من مشروعات المصالحة والتعليم متعدد اللغات.

الناس قبل السياسة
ومع كل التاريخ المثقل بالصراعات، فإن أكثر ما يعلق في ذاكرة الرحالة ليس المعارك ولا أسماء السلاطين، بل الناس.
أهل فطاني هادئون في تعاملهم، قريبون في ملامحهم وعاداتهم من أهل شمال ماليزيا، ويأنسون بالضيف حين يعلمون أنه جاء ليتعرف إليهم لا ليتفرج عليهم. وبعضهم حين يعلم أن القادم عربي يسرع إلى تحيته بالعربية، بما حفظه من القرآن أو تعلمه في المدرسة والمسجد.
وقد قابلت في أسفاري شعوبًا كثيرة، ووجدت أن الجماعات التي تخشى على هويتها تكون شديدة الاهتمام بمن يحترم لغتها واسمها وتاريخها. وربما كان سؤال بسيط عن معنى كلمة ملايوية، أو قراءة اسم مكتوب بالجاوي، أبلغ في بناء المودة من حديث طويل عن السياسة.
فالسفر ليس أن نطلب من الناس أن يشبهونا، بل أن نفهم لماذا اختاروا أن يبقوا كما هم.
ماذا بقي من المملكة؟
خرجت من فطاني وأنا أسأل نفسي: ماذا يبقى من الممالك بعد سقوطها؟
لا يبقى العرش، ولا الحرس، ولا أعلام الجيوش. وربما لا يبقى القصر ولا السور. لكن يبقى اسم المكان، وتبقى اللغة في أفواه الأطفال، والآيات في محاريب المساجد، والخط العربي على الكتب القديمة، ووصفات الطعام في بيوت الأمهات، والحكايات التي يرويها الشيوخ.
انتهت مملكة فطاني سياسيًا، لكنها لم تنته ثقافيًا. فما زالت حاضرةً في هوية أبنائها، وفي لغتهم الملايوية، وفي خط الجاوي، وفي أسماء العلماء الذين انتسبوا إليها وحملوا لقب الفطاني إلى بلاد الحرمين ومراكز العلم في جنوب شرق آسيا.
وهنا أدركت أن الأرض قد تدخل في حدود دولة أخرى، لكن الذاكرة لا تدخل الحدود بالطريقة نفسها.
وداع فطاني
غادرت فطاني ولم أشعر أنني زرت مدينة تايلندية فحسب، بل شعرت أنني مررت بمملكة لا تزال تمشي بين الناس من غير تاج.
رأيتها في المسجد القديم، وفي الطفل الذي يتحدث الملايوية ثم يكتب التايلندية، وفي الشيخ الذي يقرأ العربية، وفي السوق الذي جمع المسلم والصيني والتايلندي، وفي البحر الذي جاء قديمًا بالتجار ثم بقي شاهدًا على تبدل الدول.
علّمتني فطاني أن التاريخ لا يختفي حين تسقط ممالكه، وإنما يغير مكان إقامته؛ يخرج من القصور ليسكن اللغة، ويغادر دواوين الحكم ليقيم في صدور الناس.
ومثلما دخلتها باحثًا عن مملكة ضائعة، خرجت منها مقتنعًا بأنها لم تضع تمامًا؛ لأن الأمة التي تحفظ اسمها ولغتها ودينها وحكايتها، قد تفقد سلطانها، لكنها لا تفقد نفسها.

الرحّال وائل الدغفق
رحّال الخبر


وهنا تقرير انقله كما هو لمملكة فطاني.
العالم الإسلامى تقارير فطاني المسلمون في مملكة فطاني المسلمة ..
بقلم محمد أيمن الزيزي 
وخلفية تاريخية لمملكة فطاني المسلمة

  أصل اسمها :
كانت مملكة (( فطاني )) مشهورة بمينائها الكبير الذي يعد من أكبر موانئ العالم آنذاك ، وهذا جعل دولة فطاني مركزاً هاماً لاستيراد وتصدير البضاعة من أوروبة إلى شرق آسيا . لقد ذكر المؤرخون والملاحون في مؤلفاتهم المختلفة دولة فطاني باللغة الإنكليزية والإيطالية والهولندية والبرتقالية باسمPatani ,Pattani ,Petani ,Fatani ,Fuodani ,Tani) (

وهنا سوف نذكر أصل اسم فطاني ومعناها حسب المعتمد عند المؤرخين الفطانيين والأجانب ؛ حيث ينتسب إلى أحد أصلين :

(1) (( باتاني )) ( Patani ) وسماها العرب فطاني :
كانت في البدء تسمى (( باتاني )) أو (( فتاني )) وهي كلمة مركبة من جزئين ، الأول هو (( فا )) يعني الأب أو ولي الأمر أو الراعي أو الرئيس . والثاني هو (( تاني )) ويعني الفلاح أو المزارع ، فإذا ما جمع معنى الجزئين أصبح يركب كلمة واحدة هي (( أبو الفلاح )) أو (( أبو المزارع )) ، لأن المنطقة كانت يسيطر عليها رجل واحد هو رئيس الفلاحين أو المزارعين جميعاً يعملون بأجر أو مسخرين في المزرعة الكبرى وهي المنطقة بكاملها .
فقد كان الإقطاع يسود المنطقة ، والفلاحون يدينون للإقطاع المسيطر عليها بالولاء والتبعية ويتصرف في أمورهم كيفما يشاء ، ويمنحهم مقابل ذلك الحماية من خلال سلطاته هو نفسه ، ومن تسلط الإقطاعيين الآخرين المنافسين له ، ثم تطور الزمن، وفقد أبو الفلاح (المزعوم) أو الإقطاعي مكانته ، وأصبحت (( باتاني أو فاتاني )) قرية لها ميزات القرى الملكية الفردية في الكسب من الزراعة وتربية المواشي .
وفي القرن التاسع الميلادي وعندما تكاثرت أعداد المسلمين ، واستقر في (( فاتاني )) العرب المسلمون ووجدوا أن بأهل المنطقة من الذكاء ما يدعو إلى الإعجاب والتقدير ، ووجدوا تقارباً بين كلمة (( الفطنة )) وكلمة (( فاتاني )) فقلبوها إلى (( فطاني )) . وأصبحت منذ ذلك الوقت تسمى بهذا الاسم (( فطاني )) .

(2) اسم شخصية محترمة لرجل يدعى (( تاني )) ( Tani ) :
قيل أنها سميت باسم شخصية محترمة لرجل يدعى (( تاني )) ، وأن أصل (( فتاني )) أي (( الأب تاني )) ، ويراد بكلمة الأب هنا الاحترام كما الجاري حتى الآن في الشرق…، ولا يبعد أن تكون كلمة (( فتاني )) مترجمة من اسم علم حسب المعروف الآن حيث ترخم الأسماء للتخفيف ، و(( فتاني )) صارت في النطق العربي (( فطاني )) .
وذكر الدكتور رؤوف شلبي شيئاً قريباً بل أكثر وضوحاً عن اسم فطاني في كتابه (( الدولة الإسلامية في فطاني وجزر الفليبين )) من أن سكان هذا الإقليم يرجع أصلهم إلى المهاجرين الذين آتو من مملكة (( تاشي جيهان )) (Tasy Jihan) . فقد اضطر سكان هذه السلطنة إلى الهجرة من بلادهم بسبب الضغوط البوذية والهندوسية التي عوقت عملهم في الصيد . فخرجوا من بلادهم إلى سواحل شبه جزيرة ملايو ، واستقروا في مكان رأوه صالحاً للصيد والزراعة معاً . وكان من بين المهاجرين شيخ مسن كبير يدعى (( تاني )) (Tani) ، وكانوا ينادونه (( فأتاني )) (PakTani) يعني (( يا عم تاني )) ، لأن كلمة (( Pak )) تساوي بالعربية (( عم )) مطلقاً ، وليس العم من العصب والنسب . وبتوالي الأيام عرف هذا المكان باسم (( فتاني )) (Fatani) يعني (( عم تاني )) . وأصبحت بالنطق العربي (( فطاني )) كما ذكرنا سابقاً ، فمعنى (( فطاني )) على هذا النسب : المكان الذي فيه جماعة المسلمين من شمال سومطرة الإندونيسية والذي استقروا فيه مع عمهم (( تاني ))

موقع فاطاني :

تقع منطقة فطاني بين ماليزيا وتايلاند، ويرجع أصل سكانها للمجموعة الملايوية المسلمة ، ويتكلمون اللغة الملايوية ويكتبونها حتى الآن بأحرف عربية بسبب أصولهم العربية منذ نشأة مملكة فطاني الإسلامية في القرن الثامن الهجري .

أصل شعبها ونشأته :

الشعب الفطاني من عناصر الشعوب الملايوية كسائر إخوانهم في ماليزيا ، وإندونيسيا ، وبروناي ، وسنغافورة ، هذا كما لاحظنا من خلال ثقافتهم والعادات والتقاليد ولاسيما العرق القومي .

يقول الملاحان الصينيان (( كانج تاي )) (Kan Tai) و(( تشو يينج )) (Chu Ying) في مؤلفاتهما أن هذه المناطق (جنوب شرق آسيا اليوم) كانت تُكون من ثلاث ممالك الإمبراطورية الكبيرة ، وهي مملكة (( فونان )) (Funan) التي تمتد سلطاتها إلى دولة (( لاوس )) بكاملها ، وشمال (( فيتنام )) حالياً ، ومملكة (( تشام فا )) (Champa) تمتد من جنوب فيتنام و(( كمبوديا )) وشرق تايلاند حالياً ، ومملكة (( لانكا سوكا )) (Lanka Suka) وتمتد من شمال شبه جزيرة ملايو حتى جنوبها .
كما أقام الملايويون في جزيرة سومطرة دولة (( سري ويجايا )) (Sri Wijaya) في الفترة من القرن السابع إلى القرن الثالث عشر الميلادي ، ومملكة (( ماجا فاهيت )) (Maja Pahit) في جزيرة (( جاوا )) (Jawa) الإندونيسية الواقعة في الفترة من القرن الثالث عشر إلى القرن الخامس عشر الميلادي .

ودولة فطاني هي الدولة التي يذهب إليها المؤرخون من عنصر (( مملكة لانكا سوكا )) ، وكانت قديماً تتأثر بالحضارة والثقافة البرهمية والبوذية والهندوسية من بلاد الهند التي انتشرت ثقافتها وحضارتها في أواخر القرن الثامن الميلادي .

ويعود أسلاف أهالي فطاني إلى مجموعة السكان التي وصلوا جنوب شرق آسيا في المدة الواقعة يبن 2543-1543قبل الميلاد ، والتي أطلق عليها من حيث تكوينها الطبيعي المجموعة الإندونيسية والأسترالية (السكان الأصليين) ، وتتسم بصغر الحجم وسمرة البشرة ، وأنهم أخلاط من عناصر منغولية ، ويماثلون الفرع المنغولي الجنوبي الذي يسكن جزر المحيط ، والذي أصبحت مقوماته الجسيمة أكثر اعتدالاً .
وهؤلاء السكان الأصليون (كالسكان الأصليين في أميركا من الهنود الحمر) مازالوا موجودين حالياً ومعروفين بقبيلة (( ساكاي )) (Sakai) في منطقة اسمها (( تان تو )) (Thanto) بولاية جالا (Yala) .

وفيما بعد ، قي القرن السابع الميلادي استمر التزاوج والاختلاط بين هذه العناصر والعرب والفرس والهنود والجاويين (الإندونيسيين) والصينيين الذين يفدون تجاراً إلى المنطقة ويستقرون فيها ، فنتج عن ذلك كله الجنس الملايوي المعروف حالياً والذي هو خليط من هذه الأجناس .

تاريخ وصول الإسلام إلى فطاني

أولاً : طريق التجار العرب :

من المعروف أن علاقة جزر الملايو قوية مع الهند ، وخاصة مع سواحلها الغربية التي انتشر فيها الإسلام في وقت مبكر نتيجة التجارة وانتقال المراكب المستمرة بينها ، وبين أطراف شبه جزيرة العربية التي انطلق منها الإسلام ، إضافة إلى علاقة شبه الجزيرة الملايوية مع التجار العرب مباشرة الذين يفدون إليها على ظهر سفنهم المنطلقة من بلادهم ، والتي تمخر عباب المحيط الهندي الذي عرف هذه السفن منذ زمن بعيد ، كما أن الملايو على صلة مع جزيرة (( سومطرة )) المواجهة من الغرب والتي وصل إليها الإسلام أيضاً ، لأن أطرافها الشمالية أقرب إلى الغرب حيث كانت تمخر السفن الإسلامية ، وتتحكم في طرق المحيط الهندي البحرية وفي موانئه وقواعده ومراكزه وبحاره .
وقد أسس التجار العرب المسلمون القادمون من الشرق الأوسط أول محطة لهم في (( كانتون )) في الصين منذ القرن السابع الميلادي ، وقد كان طريق سفرهم إلى الصين عن طريق فطاني ، وعودتهم عن الطريق نفسها حيث كانت مدينة فطاني ميناء كبيراً ، ومنه تقدم العرب إلى كمبوديا في طريقهم إلى الصين ، كما تشير إلى ذلك الأخبار التي تقول : (( إن أميراً من بني شام قد حكم رقعة صغيرة في كمبوديا في العام384 من الهجرة ، وربما اعتنق أهل هذه البلاد الإسلام ))

ومن البلاد العربية التي ذهب إليها المؤرخون الفطانيون (( اليمن الجنوبية )) التي كانت يطلق عليها اسم (( حضرموت )) ، وبين هذه الأفواج من التجار الذين تمخر بهم مراكبهم المحيط الهندي حتى يشرفوا على المحيط الهادي دعاة إلى الإسلام ، يثبتون الحضارة وروح الأخوة الإنسانية والعدالة الاجتماعية في إطار سلمى عام ، وفي هذه المواقع أخذ الإسلام يمدّ ظِله ، وتهب نسماته هادئة ليّنة فتغزو القلوب بمختلف أساليبها مصحوبة بالاستيطان والامتزاج بتوالي الأعوام .

يرى المؤرخ الأستاذ محمود شاكر أن الإسلام قد بدأ يطرق أبواب تلك المنطقة منذ أن توقفت موجة الفتوحات ، وانصرف الناس بعدها نحو أعمال الحياة ، يعملون في الزراعة والتجارة وكل الشؤون ، فأقلعت السفن من سواحل الجزيرة العربية وفارس نحو المشرق تحمل معها البضائع وإلى جانبها أخلاق المسلمين التي أوجدها الإسلام . هذا إلى جانب الدعاة الذين وهبوا أنفسهم لنشر الدعوة الإسلامية والعمل في سبيل الله ، كم من تاجر اتخذ من تجارته وسيلة للاتصال بالناس وهدايتهم وأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
كما تروي كتب التاريخ أن بعض التجار القادمين من جزر الملايو قد وصلوا إلى بغداد أيام الخليفة العباسي هارون الرشيد ، وعندما قفلوا راجعين إلى بلادهم كانوا قد حملوا معهم عقيدة الإسلام ، وعندما وصلوا إلى بلادهم قاموا بدعوة واسعة النطاق لها ، وبدأ الإسلام ينتشر بين السكان في هذه المنطقة .

ثانياً : طريق المسلمين من (( مالقة )) ( Melaka ) ماليزية حالياً :

لقد ذهب الأستاذ المؤرخ محمود شاكر إلى أن الإسلام وصل إلى فطاني بعد هذا الزمن (أي بعد 1350م) كما ذكرنا سابقاً ، إذ أن الإسلام قد انتشر في البلاد بعد أن خضعت لسلطان (( مالقة )) توسع المسلمون ، واستطاعوا الوصول إلى الحكم .

وقد وصل الإسلام إلى (( مالقة )) من (( فاساي )) في شمال (( سومطرة )) ، بعد أن أسلم حاكمها ليتزوج أميرة مسلمة من (( فاساي )) ، وذلك لأن المسلمة لا يصح لها أن تتزوج غير مسلم ، وكان ذلك حوالي عام 803هـ (1400م) ، ثم اعتنق شعب (( مالاقة )) الإسلام بعد أن دان له حاكمه .

كما يقال إن حاكم (( مالقة )) قد اعتنق الإسلام ليحصل على تأييد التجار المسلمين الذين كانوا أصحاب الزعامة التجارية ، فقد كان الحكام يحاولون إرضاء التجار المسلمين وتوسيع الحركة التجارية في موانئ بلادهم بسبب غنى أولئك التجار . وقد كانت أموال المسلمين أكبر مورد للدولة بسبب التجارة الواسعة التي يقومون بها . وعلى كل فوصول الإسلام إلى فطاني كان عن طريق (( مالاقة )) ، ويعتقد أنه جاء في النصف الأول من القرن التاسع الهجري (الخامس عشر الميلادي) ، وذلك بعد سيطرة (( مالقة )) على منطقة فطاني .

تاريخ تأسيس دولة فطاني المسلمة

أولاً: انتقال الملك (( سري واغ سا )) مركز الحكم الملكي إلى فطاني :

كما ذكرنا سابقاً أن دولة فطاني من عنصر مملكة (( لانكا سوكا )) ، وأن مركز الحكم في قرية (( فراوان )) (Perawan) الموجودة حالياً في ولاية فطاني ( كما ظن بعض المؤرخين التايلانديين في منطقة (( يارانج )) (Yarang) أن هناك أثاراً هندوسية وبوذية) ، وهذه المدينة تبعد عن ميناء فطاني عشرات كيلو متراً حيث عاصمتها هي مدينة (( كوتا مهليغاي )) (Kota Mahligai) ، وهناك قصر لـ (( الملك سري واغ سا)) (King Sri Wangsa) ومركز سلطاته التي ترتبط بمينائها البحري في قرية فطاني في وسط القرن الرابع عشر الميلادي .

تروى حكاية للقدماء الذين يقطنون منطقة حول مدينة فطاني حالياً ، أن قرية فطاني قبل أن تصبح دولة كانت منطقة ساحلية صالحة للصيد في البحر ، ولما هاجر الناس إليها ليستوطنونها فصارت قرية فطاني مزدحمة ومليئة بالسكان ، ومما جعلها مزدهرة ومتوسعة حركاتها اقتصادياً وتجارياً لما تتميز به من وجود خليج نهري حيث تصل السفن الكبيرة إلى أهل المدينة ، وكثير من السفن التجارية التي أتت من الأوروبية والفرس والعرب تستعرض بضائعها في ميناء فطاني .

لقد أثرت هذه الحركات الاقتصادية في السلطنات المجاورة ، فهاجر كثير من أبنائها إلى قرية فطاني الساحلية للعمل والتجارة ، بينما مدينة (( كوتا مهليغاي )) تقلص عدد سكانها بسبب بعدها عن ميناء بحري عشرات ميلاً ، وهم يهاجرون بحثاً عن المعاش الأفضل في فطاني ، وبعضهم يهاجرون إلى السلطنات المجاور.

ومن هذه الأسباب اضطر (( الملك سري وانغ سا )) لنقل عاصمته المركزية من (( فراوان )) إلى (( فطاني )) ، وبنى له أتباعه مدينة جديدة على ضفة نهر مقابل قرية فطاني ، واستغرق شهرين في بناء المدينة الجديدة وبنوا له القصر الملكي وسمي (( كوتا استانا )) (Royal Citadel) ، وأبواب القصر الملكي تشرف على النهر لتخرج وتدخل السفن بسهولة ، وحفروا خندقاً حول المدينة والقصر الملكي والقلعة اتقاءً لهجوم الأعداء ، فالخندق الذي حفروه قد جر سيل المياه من نهر (( كرسيق )) ومرّ أمام القصر الملكي مباشرة ليتفرع ويلتقي بنهر ((فافيري )) الجاري شمالاً ويخرج إلى البحر في قرية (( فاريق )) (وهذا الخندق مازالت آثاره موجودة ، أما هذا الأنهار فتسمى نهر (( كرسيك )) ونهر (( فاريق )) في هذه الأيام ، إن مؤسس مملكة (( فطاني )) هو (( الملك سري وانغ سا )) الذي نقل مركز حكمه من ((كوتا مهليغاي )) إلى قرية (( فطاني )) وكان ذلك على وجه التقريب عام 1470م .

ثانياً: قبول الملك (( إنديرا )) الإسلام وإعلان فطاني دولة إسلامية :

لما توفى (( الملك سري وانغ سا )) مؤسس دولة فطاني عام1500م ، عين ابنه (( إنديرا )) لتولى منصب الملك ، وسمي (( راجا إنديرا )) (Raja Intera) ، وكان الناس في فطاني من عهد (( الملك سري وانغ سا )) حتى بداية عهد (( الملك إنديرا )) مازالوا متمسكين بالثقافة والتقاليد الهندوسية ، يعني أن الملك نفسه ومعظم الشعب متدينون بالدين (( البوذي المهاياني )) ، غير أن مجموعاً من الناس المسلمين من قرية (( فاساي )) من جزيرة (( سومطرة )) الإندونيسية هاجروا إلى فطاني فسموا القرية التي يقطن فيها : (( فاساي )) نسبة إلى قريتهم الأصلية في إندونيسيا ، ونشروا الإسلام فيها .

تروى الأخبار الفطانية وكتب التاريخ أنه حوالي عام 1510م قد حكم فطاني في ذلك الوقت (( الملك إندرا )) وأنه كان مصاباً بداء عضال ، عجز أطباؤه وكهنته في علاجه ومداواته بجميع الوصفات الشعبية آنذاك وبتعويذهم . فانزعج الشعب لمرض ملكهم ، فدقت الطبول تعلن وتطلب من الشعب ممن كان لديه علم بالطب إذا كان يستطيع أن يشفي الملك ، فوصل ذلك الاستنجاد إلى أسماع الشيخ صفي الدين في قريته (( فاساي )) ، فتقدم لعلاج الملك بشرط أن يستجيب الملك لمطالبه وهي :

1-أن يعتنق الملك الدين الإسلامي إذا قُدَّرَ له الشفاء .

2-أن يترك الحرية لدعاة الإسلام في العمل .

وبقدر الله تم شفاء الملك على يد الشيخ صفي الدين ، ووفى الملك بالوعد الذي قطعه على نفسه فأسلم ، ثم تبعه بقية أفراد الأسرة المالكة ، ثم الوزراء وأخيراً الشعب ، وعين الملك الشيخ صفي الدين مفتياً عاماً في المملكة . وأتاح له سبيل الدعوة في المملكة والولايات الأخرى المجاورة ، كما قام الملك بتغيير اسمه البوذي (( إندرا سري وانغ سا )) إلى (( السلطان إسماعيل شاه ظل الله في العالم )) وفي بعض النسخ (( محمد شاه )) ، وإعلان فطاني الدولة الإسلامية المسمى (( فطاني دار السلام )) .

انقلاب عسكري :

عندما تحول الحكم من ملكي إلى جمهوري عقب الانقلاب العسكري عام 1933م ( سنة 1351هـ) الذي أطاح بالملكية وكان لأهل فطاني دورًا في نجاحه للتخلص من الحكم الملكي الذي اضطهدهم ، وسعى مسلمو المناطق الإسلامية الأربعة (فطانى – جالا – ساتول – بنغارا) ذات الأغلبية المسلمة في جنوب تايلاند للمطالبة بعدة حقوق لهم في عريضة قدموها للحكومة الجديدة كان أبرز ما فيها:

1- تعيين حاكم واحد على المديريات الأربعة المسلمة عن طريق أهل البلاد ويكون مسلماً.

2- أن يدين 80% من موظفي الحكومة بفطاني بالإسلام.

3- أن تكون اللغة الملايوية هي لغة التعليم بالمدارس واللغة الرسمية لأهل فطاني.

4- تطبيق الشريعة الإسلامية.

5- تكوين مجلس أعلى إسلامي لتسيير شؤون المسلمين.

ولكن جاءت الريح بما لا يشتهي المسلمون وتحول الحكم العسكري إلى واقع مرير للمسلمين ليس لأنه تجاهل مطالبهم ، ولكنه سعى لمسخ هويتهم تمامًا وإذابتهم داخل الدولة ، حيث أصدر الفريق أول (سنقرام) الذي تولي السلطة في تايلاند قرارات بتغيير الأسماء المسلمة إلى تايلندية ومنع لبس الثوب الأبيض المميز للمسلمين وغطاء الرأس للنساء، وتحريم استعمال اللغة الملايوية ذات الحروف العربية، وأغلقت أبواب المدارس والجامعات أمام الفطانيين وكذلك المناصب الحكومية والجيش والشرطة، وأغلقت الجوامع والمساجد وحرم التبليغ والتبشير بالدين الإسلامي .

وقد توالت على الإقليم المسلم عدة ثورات ومحاولات من جانب المسلمين لإعادة المطالبة بحقوقهم واجهتها السلطات هناك بالقمع والاعتقال لكل من قاد المطالبة بهذه الحقوق ، مثل حركة الحاج محمد سولونج أحد العلماء المسلمين بفطاني الذي طالب عمل بعدم إخراج محصولات وموارد فطاني خارجها واستهلاكها محلياً واعتقل وحكم عليه بثلاث سنوات ، ثم قتلوه!.

ولذلك لم تكن انتفاضة الشباب المسلم الأخيرة ومهاجمة مراكز للشرطة سوى جزء من محاولة لفت الأنظار إلى قضية مسلمي الإقليم الذين لم يعودوا يطالبون بالانفصال بقدر ما يطالبون بأقل حقوق الإنسان الضرورية المحرومين منها، مثل حقهم في تعلم دينهم والتعلم بلغاتهم الملاوية ومراعاة عاداتهم وتقاليدهم الإسلامية.

ولن يهدأ مسلمو الإقليم على الرغم من القمع الدوري لهم ومحاولات تصفية قضيتهم تمامًا ، وسيستمرون في نضالهم من أجل الحصول على حقوقهم.

ثالثاً : بناء المسجد للمسلمين :

مسجد بينتو جيربنج
مسجد بينتو جيربنج
مسجد وادي الحسين
مسجد وادي الحسين
ولما استقرت مملكة فطاني في عهد (( السلطان مظفر شاه)) الذي عين حاكم الدولة عام 1530م بعدما توفى أبوه (( السلطان إسماعيل شاه )) سأل الشيخ صفي الدين مفتي عام الدولة عما ينبغي للمسلمين من العبادة والخضوع للأحكام الشرعية الإسلامية . فاقترح أن تبنى المساجد حيث شرح له الشيخ صفي الدين أن كل الدول الإسلامية توجد فيها المساجد للعبادة لله تعالى ، ولأن المساجد تدل على ذلك ، فأمر السلطان مظفر شاه ببناء مسجدين ، أحدهما داخل المدينة وسماه (( مسجد فينتو كربنغ )) (Masjid Pintu Gerbang ) ، وآخر خارج المدينة قرب ميناء فطاني أو منطقة (( تانجوغ داتوء )) (Tanjong Dato ) حالياً . فسماه (( مسجد دار النعيم )) وهذان المسجدان مازالا موجودين ، ومسجد (( فينتو كربغ )) معروف بـ (( مسجد قديم كرسيك )) لأنه في منطقة ((كرسيك )) . على الشعائر الإسلامية .

أوضاع المسلمين العامة في فطاني

يضم إقليم فطاني 18% من سكان تايلند [حوالي 5ـ8 ملايين مسلم] تنشط به منذ عشرات السنين حركة إسلامية قوية تدعو لإنشاء دولة إسلامية تضم أقاليم: (يالا وباتاني وناراثيوات) ذات الأغلبية المسلمة في الجنوب، وهناك مناوشات مستمرة بين الحكومة التايلندية البوذية وهؤلاء المسلمين تصل لحد الانتهاكات الصارخة لحقوقهم وتعذيبهم.

أوضاع المجتمع العامة في فطاني

أولاً : الأوضاع الاجتماعية :
إذا أرسلنا نظرتنا بصورة عابرة إلى الجزر في جنوب شرق آسيا (فطاني ، وماليزيا ، إندونيسيا ، والفليبين) بدا لنا أن الأغلبية من سكانها مسلمين ، وتتشابه أوضاعهم الاجتماعية . فيكون في أقصى جزيرة في شرق إندونيسيا ما يشبهه في أقصى حدود فطاني ، وفي كل منها نرى المساجد والمعاهد والمدارس الدينية المنتشرة في كل قرية ومدينة ومكان ، ونرى المصليات الصغيرة في الجزر ، وعلى ضفاف الأنهار وسفوح الجبال وبين المزارع وبجوار منازل للعلماء .

كما أن مجتمعنا لا يخلو من الأُميّ الذي لا يقرأ ولا يكتب والمتخلف عن التعليم بسبب رفض أهالي فطاني التعليم في المدارس الحكومية التايلاندية ، وهذه الأحوال قد وضعتهم تحت الفقر والتخلف الاجتماعي والثقافي .
لقد شجّع سكان الأحياء أبنائهم على الصلاة في كل حي ومع رفاقهم ، وبعد الصلاة تكون في المسجد دراستهم واجتماعهم ، وحياتهم يومية هادئة ، والغريب أن أهالي فطاني بطبيعتهم يحبون الحياة الهادئة والمستقرة حتى لو سلبت أراضيهم ؛ كما فعلت تايلاند هذه الأيام بفتح المستوطنات للبوذيين ورغم ذلك لم يشعروا بالحزن الكثير ولم يقاوموها بشدة ، ولكن عندما يريد أحدهم أن يغير عقيدتهم الإسلامية وأسلوب حياتهم من العادات والتقاليد القديمة كما فعلت في عصر حملة (( تاي رات نيوم تاي )) العنصرية فهم يقاومون بشدة ولو حياتهم دفعوا ثمناً لذلك . ومن أجل هذا خططت تايلاند هذه الأيام لتقوم بسياسة الغزو الفكري سيأتي ذكره إن شاء الله .

ثانياً : العادات والتقاليد :

كانت فطاني لها عادات وتقاليد خاصة قبل دخول الإسلام فيها ، وهذا الشأن كشأن العرب في الجاهلية ، ولما دخل الإسلام فيها تغيرت أساليب الحياة إلى الإسلام ، وبقي هناك كثير من العادات الخاصة من تراث القدماء والتي يمارسها أهالي فطاني حتى أيامنا هذه .

ومن أبرز التقاليد والعادات احتفال الزفاف وحفلة الختان التي تختلط فيها العادات الإسلامية مع والهندوسية ، ويلبسون الزي التقليدي فيها ، ولم ينكر معظم علماء فطاني الأمور التي ليس فيها انحراف عن الإسلام ، وهناك أمور اعتبرت داخلة في نطاق البدعة .
وهنا كثيرة من أنواع التسلية القديمة التي مازال السكان يمارسونها كالرقص الشعبي الذي أطلق عليه اسم (( رونغين )) (Rongeng) ، و(( مأيونغ )) (Mayong) ، و(( واينغ كوليت )) (Wayang Kulet ) (أو كما تسمى الدمى المتحركة أو لعبة أفلام الظل) ، و(( لبا ديكير )) (Leba Deker) (أغاني فلوكري) ، وكل هذه الأنواع من التسلية قد أنكرها علماء فطاني ، ولو مارسوها بعض أهالي في حفلات شعبية بحجة أنها من تراث القدماء الثقافي .

ثالثاً : التأثير الإسلامي في المجتمع العام :

لقد تأثر أهالي فطاني بالعقيدة الإسلامية والعربية ، ومعظم النساء يرتدين الحجاب كمظاهر إسلامية ، وتحية الناس عندما يلتقي بعضهم ببعض (( السلام عليكم )) و(( عليكم السلام )) كشأن البلاد الإسلامية في كافة أنحاء العالم .
ومن التأثيرات العربية الإسلامية تفضيل أهالي فطاني أن تسمية أبنائهم بالأسماء العربية كـ (( محمد وأحمد )) و(( عبد الله وعبد الرحمن )) و(( خديجة )) و(( عائشة )) و(( فاطمة )) إضافة إلى أسماء الأنبياء ، الصحابة ، والعلماء المسلمين . كما يهتمون بالتقويم الإسلامي والسنة الهجري ، والطريف أن معظم القدماء الذين أعمارهم فوق الخمسين عاماً لا يعرف الروزنامة الميلادية وأشهرها ، بل يعرفون العام الهجري وأشهره .

تغيير الهندسة السكانية:

تحاول الحكومات التايلندية منذ عقود على تغيير الهندسة السكانية والديمغرافية وإحلال البوذيين محل المسلمين عبر التالي:

• تغيير العادات والتقاليد الملايوية الإسلامية.

• تغيير معالم الإسلام إلى معالم بوذية وهدم الآثار الإسلامية والملايوية، وإقامة معابد بوذية بجوار المساجد بدعوى حرية ممارسة الأديان، وإقامة الأصنام على رؤوس الجبال في فطاني كظاهرة لانتماء فطاني إلى تايلند.

• إقامة مستوطنات لهم تسمى ‘nicom’ على غرار المستوطنات التي أقامتها الحكومة الصهيونية في الأراضي الفلسطينية المحتلة لاستيطان اليهود فيها.

• نشر الثقافة والعادات البوذية في المنطقة، وفرض اللغة السيامية على المدارس في فطاني، وإغلاق الكتاتيب التي تعلم القرآن والقراءة والكتابة، وبات على الطلاب الذين يريدون الانتساب إلى مدارس الحكومة أن يغيروا أسماءهم العربية أو الملايوية إلى اسم سيامي بوذي، واشترطت على هؤلاء الخريجين من المدارس الفطانية أن يجيدوا القراءة والكتابة بالتايلندية وإلا فليس لشهاداتهم قيمة تذكر.

• عمدت تايلند إلى إهمال التربية الدينية وتعيين مدرسين موالين لها يجهلون الإسلام في مناصب التعليم الإسلامي، في سبيل تذويب الهوية الإسلامية لأهل فطاني.

الدور السياسي المزعوم للمسلمين:

يقول الصحفي عبد الله الفطاني: “نعم يوجد في البرلمان عدد من المسلمين، ولقد اختارت الحكومة التايلندية بعض الشخصيات الإسلامية الموالية لها لممارسة العمل السياسي في نطاق محدود، وذلك كورقة رابحة لها في اللعبة الديموقراطية التي تدعيها الحكومة، وإظهار مشاركة المسلمين في الحكم.
كرئيس البرلمان، ووزير الداخلية ووزير المواصلات، ولكن لفترة وجيزة، بيد أن شعب فطاني يدركون حقيقة هذه السياسة، وأغلب المسلمين في فطاني لا يرضون تمثيل هؤلاء البرلمانيين لهم في البرلمان، وهدف الحكومة التايلندية من اختيارهم ادعاء أن المسلمين في الجنب يتمتعون بكافة الحقوق السياسة والاجتماعية لا أكثر ولا أقل”

وحرمت حكومة بانكوك المسلمين من ثروات بلادهم، كما حرمتهم المراكز الهامة، والوظائف الحكومية، وكافة الحقوق التي يتمتع بها مواطنو تايلاند، وعرَّضتهم لألوان الذل والقهر والاستعباد.

إن المسلمين هناك مازالوا يعانون الأمرين من ضغط الأعداء وغفلة الأصدقاء ومواردهم قليلة وضعيفة والسلاح عندهم شحيح لا يحصلون عليه إلا غنيمة في القتال هذا غير الفقر والجهل المطبق عند الكثير منهم ولكن هناك بارقة أمل أشرقت على البلد متمثلة في الصحوة الإسلامية هناك بعد دخول بعض المراكز الإسلامية التي تمولها بعض دول الخليج أمثال السعودية والكويت والإمارات، وأثمرت هذه المراكز ثمرات طيبة ولكنها لا تكفي وحدها لإنقاذ المستضعفين من المسلمين هناك وما زال على المسلمين واجب كبير تجاه إخوانهم هناك .

السعي لتحرير فطاني

ورفضاً لهذا الاحتلال البوذي البغيض؛ هبَّ شعب فطاني يجاهد لاستقلال بلاده، فأسس جبهات التحرير، التي انضوى في صفوفها كثيرٌ من الشباب المسلم، وأخذ يقاتل على أرض فطاني في جبال بودور الشاهقة، وبين الغابات والأدغال المتشابكة المجاورة لماليزيا، وبدأت عمليات المقاومة منذ 1950م، ولا تزال – حتى الآن – تواجه المستحيل، وتتحدى المصاعب وحدها في تلك الثغور البعيدة، ومن أبرز الجبهات التي تقاوم حكومة تايلاند وتسعى للتحرير:

1- الجبهة الوطنية لتحرير فطاني: أُسست عام 1960م، وهي أول جبهة أنشئت في فطاني، وتدعو إلى تنظيم المجتمع الإسلامي، ووسيلتها حرب العصابات.

2- المنظمة المتحدة لتحرير فطاني: أُسست عام 1968م، وتتبع أساليب العنف ضد الحكومة البوذية.

3- الحركة الإسلامية الفطانية: أُسست عام 1975م، أسسها عدد من العلماء، وقد قامت بنشاط إعلامي للتعريف بقضية فطاني.

ومنذ بدأت حرب التحرير في الجنوب المسلم والأوضاع مضطربةٌ هناك، وما تكاد تهدأ حتى تعود للاشتعال مرةً أخرى؛ نتيجة عدم اعتراف الحكومة التايلاندية بحق المسلمين هناك في تقرير المصير، واسترداد دولتهم المغتصبة، وإصرارها على القضاء على المجاهدين المسلمين، الذين تعتبرهم “انفصاليين”.

وفي سعيها لحرب المسلمين هناك وإضعاف شوكتهم، حتى لا يقووا على القتال والسعي للاستقلال، تضع الحكومة التايلاندية مجموعةً من العراقيل والعقبات، التي تمثِّل تحديات تواجه المسلمين هناك، ومن ذلك: تغيير أسماء القرى والولايات المسلمة، وإلغاء حجاب المرأة، وتهجير البوذيين إلى فطاني؛ لتحدَّ من الأغلبية المسلمة، وإضعاف اقتصاديات المناطق الإسلامية، وذلك بتمليك أخصب الأراضي للبوذيين، ومحاربة التعليم الإسلامي، ومحاولة فرض اللغة التايلاندية في دواوين الحكومة، وتشجيع التنصير والبعثات التنصيرية للعمل في البلاد، والدسِّ الرخيص في تزييف الكتب الإسلامية التي تطبعها الحكومة.

مواجهات مع الحكومة:

وفي إطار الأزمة القائمة هناك؛ وقعت قبل مدة قصيرة عدة مواجهات بين الحكومة والمجاهدين؛ ففي يناير 2004م اندلعت اشتباكات لم تُعرف أسبابها، أدت إلى سقوط نحو 60 قتيلاً في المناطق المسلمة الجنوبية المحاذية لماليزيا، حيث شنَّت قوات الجيش التايلاندي حملة اعتقالات واسعة، شملت عشرات المسلمين، للاشتباه في علاقتهم بـ(إرهابيين)، ووضعتهم قيد الاعتقال بدون محاكمة، وهو ما أثار سخط المسلمين في الجنوب.

كما اعتقلت تايلاند في أغسطس 2003م القيادي البارز بالجماعة الإسلامية الآسيوية (رضوان بن عصام الدين)، المعروف باسم (الحنبلي)، الذي اتهمته واشنطن بأنه العقل المدبر لتفجيرات بالي في أكتوبر 2002م، وفندق ماريوت بجاكرتا في أغسطس 2003م، وتزامن ذلك مع عمليات مداهمة، شملت عددًا من المساجد والمدارس، وعددًا من القرى النائية، وهي العمليات التي أثارت استياءً شديداً بين المسلمين هناك.

ووصل الصراع بين الحكومة التايلاندية ومجاهدي فطاني أقصاه في المواجهات التي اندلعت يوم 28 أبريل 2004م، بين قوات الأمن التايلاندية ومسلحين مسلمين، ينتمون إلى حركة تحرير فطاني المتحدة (بولو)، في مدينة فطاني جنوب تايلاند، التي قتل خلالها 108 من الشباب المسلم، ولجأت قوات الأمن التايلاندية في هذه المواجهات إلى العنف غير المبرَّر تجاه الشبان المسلمين المسلحين، الذين هاجموا مراكز للشرطة؛ بسبب الممارسات الأمنية التعسفيَّة ضد مسلمي الإقليم؛ حيث قصفت 30 منهم، تحصنوا داخل مسجد، وهدمته على أشلائهم، كتعبير عن حالة من الهلع الشديد من جانب الحكومة البوذية تجاه تنامي دور التيار الإسلامي في هذا الإقليم الجنوبي، والاستفادة من أجواء العداء الدولي ضد المسلمين؛ لقمع أي تمرد أو انفصال يسعى إليه مسلمو الإقليم.

وقد أصدرت منظمات دولية تقارير عن اضطهاد مسلمي فطاني، كان آخرها تقرير لجماعة (هيومان رايتس ووتش) الحقوقيَّة، ومقرها نيويورك، دعت فيه تايلاند لبدء تحقيقٍ فيما أسمته (ضرورة المستوى المرتفع من القوة المميتة)، في الأحداث الأخيرة؛ حيث أكد شهود عيان أنه كان من الممكن تسوية الأمر سلميّاً، واستسلام المهاجمين، أو إجهاض الهجوم الذي علمت به قوات الأمن من جواسيسها سلفاً، ولكنَّ الحكومة اختارت أسلوب القوة، وهدمت مسجد (كروي سي) على رؤوس المسلمين، وحشدت فرقتين مدرعتين كاملتين في الإقليم، لإرهاب المسلمين.

وكان الصحفي المسلم عبد الله الفطاني -من داخل الإقليم- أكثر جرأة في طرح القضية وتوضيح مكامن المشكلة موضحًا ذلك بقوله: “قضية فطاني قضية إسلامية بحتة، مثلها مثل القضايا الإسلامية الأخرى كقضية فلسطين، وقضية الفلبين، وقضية المسلمين في بورما، وقضية الشيشان. وما تصدره الحكومة التايلندية من بيان تريد به تشويه سمعة هذه القضية التي يحاول أصحابها تقرير المصير واسترجاع الحقوق المغتصبة.

ولا علاقة لتجار المخدرات أو تنظيم القاعدة بهذه القضية، وإنما هي قضية دولة وقعت تحت سيطرة الاستعمار”.

ويضيف: “فطاني دولة مستقلة ذات سيادة استعمرتها الحكومة التايلندية التي عرفت قديمًا بالحكومة السيامية، فقد كانت فطاني دولة مستقلة عرفت باسم (فطاني دار السلام) التي قامت في النصف الثاني من القرن الخامس عشر الميلادي، وفطاني كانت جزءًا من الدولة الملايوية الكبرى التي تضم اتحاد ماليزيا حاليًا، وفي العام 1227هـ تم الاتفاق بين بريطانيا وتايلند على تقسيم هذه الدولة وبموجبها أصبحت فطاني تحت سيطرة تايلند وبقية الولايات الأخرى تحت الاستعمار البريطاني والتي نالت الاستقلال وتعرف اليوم بـ’اتحاد ماليزيا’.

الحفاظ على الهوية الاسلامية.. 

ولأن الحكومة التايلاندية تعمل على تهميش دور المسلمين في الجنوب، ومحو هويتهم وثقافتهم الإسلامية، اهتم المسلمون في فطاني – منذ القِدَم – بالتعليم الإسلامي والديني ، فكانت فطاني مركزاً للتعليم الإسلامي في منطقة الملايو؛ حيث كان يفد إليها الطلاب من ماليزيا وإندونيسيا وكافة بلاد الملايو، للالتحاق بمدارسها ومراكزها التعليمية، التي كانت تُعنى بتدريس العلوم الشرعية واللغة العربية، وكان المعلمون والمشايخ الذين يدرِّسون بها يقضون سنوات طويلة في الحرمَيْن الشريفَيْن، ينهلون من المعارف والعلوم الإسلامية، قبل أن يُسمح لهم بالتدريس في مدارس ومعاهد فطاني.

وفي العصر الحالي؛ اهتم أهل فطاني بالتعليم الإسلامي، كما فعل أجدادهم من قبل؛ فأسسوا المدارس والمعاهد الإسلامية، رغبةً منهم في الحفاظ على هويَّتهم الإسلامية، والتفقُّه في علوم الشريعة واللغة العربية، ومن أبرز المدارس والمعاهد الحالية: المدرسة الإسلامية في ولاية ناريتوات، التي أُسست في عام 1968م، ومقرّها قرية ناريت روبه، ومدرسة الدعوة الإسلامية، التي أُسست في عام 1974م، ومقرها قرية بوكيت، ومدرسة الهداية الإسلامية، التي أُنشئت في أكتوبر سنة 1984م، ومعهد محمدي بولاية فطاني، الذي أُسس عام 1963م، ومدارس دار الأمان لتحفيظ القران الكريم، التي أُسست سنة 1985م، وروضة الأطفال الإسلامية، التي أُسست سنة 1984م، ومعهد الصلاح الإسلامي، الذي أُسس سنة 1969م، واعترفت به الحكومة التايلاندية، ومعهد التربية والدعوة، الذي أُسس سنة 1975م.

والفطانيون – رغم فقرهم – يتحملون وحدهم نفقات التعليم الإسلامي في المساجد والمدارس الخاصة، ويهتمون به اهتمامهم بحمل السلاح الذي يدافعون به عن حقِّهم في الحياة الكريمة؛ فقد امتنعوا عن إرسال أولادهم إلى مدارس الحكومة الرسمية لفقرهم؛ ولأن هذه المدارس يعلِّم فيها مدرِّسون وثنيُّون، يعلِّمون الديانة البوذية كمادة إجبارية في المرحلتين الابتدائية والثانوية، كما أن حكومة تايلاند تفرض اللغة التاهية التايلاندية في مراحل التعليم، بينما يصرُّ أهل فطاني على تعلم لغتهم الملايوية، التي يكتبونها بحروف عربية، ويعدُّون هذا جزءاً من كيانهم، وهو ما قلل عدد المسلمين الذين يتابعون دراستهم الجامعية.

ومعظم المتعلمين والخريجين اليوم في فطاني تعلموا في الكلِّيات الإسلامية في ماليزيا أو البلاد العربية، وهم يعملون بالتعليم في المدارس الإسلامية الخاصة.

وفي فطاني عددٌ من الجمعيات والمؤسسات الإسلامية، التي تقوم بواجب الدعوة، والأعمال الخيرية، وخدمة المسلمين في تايلاند بصورة عامة، ومن أبرزها جمعية الشباب المسلمين، واتحاد الطلبة المسلمين، وجمعية أنصار السنة المحمدية.

وتنتشر فيها المساجد الكبيرة والصغيرة، الحديثة والقديمة، بعضها بُني حديثاً، وجرى تمويله عن طريق تبرعات مسلمي فطاني، أو عن طريق المؤسسات الإسلامية الخيرية في دول الخليج العربي، أو من أفراد من المحسنين المسلمين.

ولكن تظل هناك متطلبات هامة للنهوض بمسلمي تايلاند، أهمها: التوسع في التعليم الإسلامي، بفتح المدارس، والتركيز على تعليم الدين باللغة الملاوية والعربية، وتوفير الكتب الإسلامية المترجَمة، وإرسال بعثات من الفطانيين للدراسة في الجامعات الإسلامية، وتبني قضية فطاني سياسياً، وإثارتها في المحافل والهيئات الدولية، ليحصل هذا الشعب المسلم على حقِّه المشروع في تقرير مصيره، وإقامة دولته المستقلة في الجنوب التايلاندي.

ما يمكن تقديمه للمسلمين:

تقوم الحكومة التايلندية تجاه إخواننا المسلمين هناك  بممارسة أبشع صور القمع، فقد مارست هذه الحكومة البوذية ممارسات وحشية يندى لها الجبين، وحجم المأساة في فطاني فوق الوصف والتصور، مستعملة في ذلك جميع أنواع التعذيب بصورة وحشية، كالقتل والاغتيال، والاختطاف والدهس بالدبابات كما حصل في قرية كوتا بمحافظة ناراتيوات، وإحراقهم أحياءً داخل البراميل كما حصل في قرية ‘تدوسون بور’ بمحافظة ناراتيوات، واغتصاب للفتيات المسلمات.

ويبقى السؤال الأبرز: ماذا يمكن أن نقدم لإخواننا هناك؟ سنترك المجال لأحد أهالي تلك البلاد يقول: المطلوب من إخواننا المسلمين أن يرفعوا أيديهم إلى الله بالدعاء بأن ينصر الله إخوانهم المسلمين في فطاني، ومن قادة الدول الإسلامية تبني هذه القضية والاهتمام بها وعرضها في المحافل الدولية، ومن منظمة المؤتمر الإسلامي أن تهتم بهذه القضية باعتبارها جزءًا من قضاياها الأساسية, ونطالب دول العالم الحر التي تنادي بالحرية والديمقراطية أن تمارس نفوذها على حكومة تايلند لحل قضية فطاني بشكل عادل.
وختم مطالبه: بمطالبة الدول العربية الإسلامية بأن تخصص منحًا دراسية لأبنائنا المسلمين في فطاني للدراسة في جامعاتها في التخصصات المختلفة, كما نطالب هذه الدول بتسهيل تشغيل العمالة الفطانية المسلمة في بلادها.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق