قال ﷺ: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه»
جولة في رواية رحّال الخبر في قلب الجزيرة العربية
من بين الصفات التي كلما جلت في الجزيرة العربية رأيتها حيةً في مجالس الرجال وبيوتهم، صفةٌ عظيمة جعلها الإسلام من دلائل الإيمان، وربطها النبي ﷺ بالعقيدة نفسها قبل أن يربطها بالعادات والتقاليد.
إنها صفة إكرام الضيف.
ولطالما كنت أقول لمن يرافقني من الزوار في رحلاتي: إن الضيافة في الجزيرة العربية ليست عادة اجتماعية فحسب، بل عبادة يتقرب بها المسلم إلى ربه، ولذلك بقيت راسخة في النفوس جيلاً بعد جيل.
وقد اختصر النبي ﷺ هذا المعنى كله بقوله:
«من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه».
فلم يقل فليحسن إلى ضيفه فحسب، بل جعل إكرامه علامةً من علامات الإيمان بالله واليوم الآخر.
وحين أتأمل هذه الوصية النبوية أتذكر كثيراً من المواقف التي عشتها في مجلسي، حين يطرق الباب زائر أو عابر سبيل أو ضيف جاء لأول مرة.
فما إن يُفتح الباب حتى يسبق الترحيب السؤال.
السلام عليكم...
حيّاكم الله...
تفضلوا...
أقلطوا...
وكلمة "أقلط" التي تربينا عليها في بيوتنا ومجالسنا ليست مجرد دعوة للدخول، بل إعلانٌ ضمني بأن للضيف حقاً قد ثبت بمجرد وصوله.
ولهذا كنا نرى آباءنا وأجدادنا إذا طرق الباب طارق أو جاء زائر، بادروا إلى إدخاله قبل الاستفسار عن حاجته.
بل إن كثيراً من الآباء كانوا يربون أبناءهم على أن أول كلمة تقال للضيف بعد السلام هي:
"أقلط"
أي تفضل بالدخول، فقد أصبحت في ذمتنا ضيفاً له حق الإكرام.
وكلما حدثت بعض الزوار الأجانب عن هذه العادة رأيت علامات الدهشة على وجوههم.
ففي كثير من الثقافات المعاصرة يبدأ اللقاء بالسؤال:
من أنت؟
وماذا تريد؟
ولماذا جئت؟
أما في كثير من بيوت الجزيرة العربية فيبدأ اللقاء بالترحيب، ثم بالقهوة، ثم بالجلوس، ثم يأتي السؤال بعد ذلك إن احتيج إليه.
ولعل أجمل صورةٍ لهذا الخلق ما قصه الله علينا عن نبيه إبراهيم عليه السلام.
فحين جاءته الملائكة في صورة رجال لم يبدأ بسؤالهم عن هوياتهم ولا عن مقاصدهم، بل بادر إلى إكرامهم.
قال تعالى:
﴿فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾.
وقال سبحانه في موضع آخر:
﴿فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾.
قال أهل التفسير: ففي هذه الآيات إشارات إلى سرعة الضيافة، وإلى اختيار أجود الطعام، وإلى تقديمه للضيف قبل سؤاله.
وكأن القرآن يقدم نموذجاً عملياً للمروءة قبل أن يصف الطعام نفسه.
ولهذا كان العرب يفتخرون بإكرام الضيف قبل الإسلام، فلما جاء الإسلام لم يلغ هذا الخلق، بل زكاه وربطه بالإيمان، وجعله من شمائل المؤمنين.
وقد أكثر الشعراء من التغني بهذا المعنى.
فقال حاتم الطائي:
إذا ما صنعت الزاد فالتمسي له
أكيلاً فإني لست آكله وحدي
وقال:
وأُطعم ضيفي قبل إنزال رحله
ويخصب عندي والمحلُّ جديبُ
وقال بعض العرب:
نُقري الضيوف إذا الليالي أجدبت
ونحفظ للجار المجاور حقَّه
ولم يكن الكرم عندهم طعاماً فقط.
بل كانوا يرون أن انشراح الوجه صدقة.
وأن حسن الاستقبال كرم.
وأن طلاقة المحيا كرم.
وأن إشعار الضيف بأنه بين أهله كرم.
ولهذا كان بعض كبار السن يقول:
"الضيف هدية الرحمن."
وهي عبارة لم أقف عليها حديثاً مرفوعاً إلى النبي ﷺ، لكنها من العبارات المشهورة على ألسنة الناس في التعبير عن مكانة الضيف وبركته.
ولعل معناها موافق لما جاء في الشرع من الحث على إكرامه والإحسان إليه.
ومن أجمل ما في هذه الصفة أنها ليست مجرد خلق اجتماعي، بل دعوة صامتة إلى الإسلام.
فكم من إنسان دخل بيتاً فأعجبته الأخلاق قبل الأقوال.
وكم من زائر رأى سماحة الإسلام في تصرفات أهله قبل أن يقرأ عنه في كتاب.
ولهذا كانت الضيافة عبر تاريخ المسلمين باباً من أبواب الدعوة، وجسراً للتعارف بين الناس، وصورة عملية للأخلاق التي جاء بها محمد ﷺ.
وحين أنظر إلى هذه المعاني اليوم، أدرك أن القهوة التي تُصب للضيف ليست هي المقصودة وحدها، ولا الطعام الذي يُقدم إليه فحسب.
بل المقصود قبل ذلك كله أن يشعر الضيف بأنه مرحب به، وأنه بين قوم يرون إكرامه عبادة، ويرون في قدومه فرصة للتقرب إلى الله.
ولهذا بقيت الضيافة العربية واحدة من أجمل ما ورثناه عن آبائنا وأجدادنا.
فهي ليست طعاماً يُؤكل ثم يُنسى، بل خلقٌ يبقى أثره في القلوب سنين طويلة.
ولعل أجمل رسالة يحملها المضيف لضيفه دون أن ينطق بها هي:
لقد جئت زائراً، فصرت بين أهلك، وجعل الله لنا في إكرامك أجراً، وفي حضورك بركة.
الضيافة كرم ساتر لحاجة الضيف..
اطّعِمْ بالمروؤة قبل الطعام فالضيف هدية الرحمن واكرامه من الايمان..
وكما قال ﷺ: "مَن كان يؤمِنُ باللهِ واليومِ الآخرِ فلْيُكرِمْ ضيفَه"
جولة في رواية رحّال الخبر في قلب الجزيرة العربية…
من أجمل ما سمعته في بعض مجالس الجزيرة العربية، حديثٌ رواه لي الأخ أبو مطلق عن رحلةٍ له في بادية نجد، فاستوقفتني فيه معانٍ من المروءة والضيافة قلّ أن تُكتب في الكتب، وإن بقيت حيّة في صدور الرجال.
ولقد قيل قديماً: إن الكرم ليس كثرة ما يُقدَّم للضيف، وإنما حسن ما يُصان به من الحرج.
وفي أثناء حديث أبي مطلق أخذت أتذكر ما كنت أسمعه من كبار السن في الجزيرة العربية، حين كانوا يقولون:
«دع الضيف يأكل ويسترح قبل أن تسأله.»
ويقول بعضهم:
«من العيب أن تسأل الضيف عن حاجته قبل أن تكرمه.»
وهي كلمات يسيرة في ألفاظها، عظيمة في معانيها، تكشف عن فهمٍ عميقٍ لنفوس الناس وطبائعهم.
يروي أبو مطلق أنهم كانوا في طريقٍ إلى مخيم يقصدونه في بعض نواحي نجد، فأشكل عليهم الطريق، وأخذوا يتدبرون معالم المكان. وبينما هم كذلك إذا برجلٍ من أهل البادية قد لمح حيرتهم، فعرف أنهم فقدوا الاتجاه.
ولم ينتظر أن يسألوه، ولم يكتفِ بأن يدلهم على الطريق، بل دعاهم إلى منزله أولاً، وأخذهم معه إلى أهله ومجلسه.
قال أبو مطلق:
دخلنا المجلس، فإذا بصاحب الدار يستقبلنا ببشاشةٍ وترحاب، ثم فتح أبواب السوالف والقصص. ينتقل من خبرٍ إلى خبر، ومن قصةٍ إلى أخرى، ويستدعي من ذاكرته حكايات الرجال والديار والأيام الماضية، حتى خُيّل إلينا أن الكلام عنده نهرٌ لا ينقطع.
ثم أدركت بعد ذلك أن الأمر لم يكن حباً للحديث فحسب، وإنما كان لوناً من ألوان الأدب العربي الرفيع.
فإن سكون المجلس قد يدفع إلى السؤال المباشر:
من أين أتيتم؟
وما حاجتكم؟
ولماذا جئتم؟
وهي أسئلة قد تُشعر بعض الضيوف بالضيق أو الحرج قبل أن يأخذوا راحتهم.
ولهذا كان أهل المروءة يشغلون الضيف بالحديث والمؤانسة، حتى يطمئن قلبه، ثم يُقَلِّطونه على الطعام، فيأكل ويستريح ويأنس بالمجلس، دون أن يشعر أنه مطالبٌ بتبرير حضوره أو الكشف عن قصده.
وقديماً قالوا:
«الضيف أسير الإحسان.»
وقالوا أيضاً:
«الكرم سترٌ قبل أن يكون طعاماً.»
فلما انتهت الضيافة، وقام القوم إلى سياراتهم، تغيّر المشهد كله.
قال أبو مطلق:
عندها فقط اقترب صاحب المنزل منا وقال بهدوء:
"عسى ما شر؟ هل لكم حاجة نقضيها؟ وهل هناك خدمة نستطيع القيام بها؟"
وهنا فهمت معنىً من معاني الضيافة العربية التي لا تُدرَّس في الكتب.
فالضيف عند العربي له حقٌ سابق على السؤال، وكرامته مقدمة على معرفة قصده، وإطعامه حقٌ قبل معرفة حاجته.
ولذلك كانت مجالس الجزيرة العربية مدارس للمروءة، يتعلم فيها الناس كيف تُصان النفوس قبل أن تُقضى الحاجات.
وقد عبّر الشعراء عن هذا المعنى منذ قرون طويلة.
فمن أشهر ما قيل في إكرام الضيف قول حاتم الطائي:
إذا ما صنعت الزاد فالتمسي لهأكيلاً فإني لست آكله وحدي
وقال أيضاً:
وأُطعم ضيفي قبل إنزال رحلهويخصب عندي والمحلُّ جديبُ
وقال أحد العرب مفتخراً بخصال قومه:
نُقري الضيوف إذا الليالي أجدبت ونحوط جار الدار حين يُضام
وكانوا يرون أن الضيف هديةٌ ساقها الله إلى أهل المنزل، وأن بركته تسبق خطاه، ولذلك لا يُقابل بالسؤال أولاً، بل بالترحيب والإيناس والإكرام.
ولعل الطعام يشبع الجسد ساعاتٍ معدودة، أما تلك المراعاة الرقيقة لمشاعر الضيف، وذلك الحرص على صيانة كرامته، فهو الذي يبقى في الذاكرة سنين طويلة.
ولهذا بقيت الضيافة العربية واحدةً من أجمل صور المروءة التي عرفتها الجزيرة العربية عبر القرون.
فليست الضيافة عند العرب خبزاً ولحماً وقهوةً فحسب، بل هي علمٌ في فهم النفوس، وأدبٌ في حفظ الكرامة، ورسالةٌ تقول للضيف قبل أن يتكلم:
أنت بين أهلك، وقد صار حقك علينا سابقاً لسؤالك.
الدفء الذي يسبق الطعام
من روايات رحّال الخبر في قلب الجزيرة العربية..
من الأمور التي استوقفتني كثيراً خلال تجوالي في الجزيرة العربية، أن بعض أجمل صور الضيافة ليست تلك التي تُرى على موائد الطعام، بل تلك التي تُرى في الوجوه والكلمات وطريقة استقبال الضيف.
وقد سمعت من كبار السن قديماً، ثم رأيت بعض بقايا ذلك بنفسي في قرى نجد وباديتها، أن العربي كان يدرك أن الغريب حين يدخل مجلساً لا يعرف أهله، يحمل معه شيئاً من الوحشة والتردد، وإن لم يُظهر ذلك.
فالإنسان إذا دخل على قوم لا يعرفهم، فإنه يكون مشغولاً بأسئلة كثيرة في داخله:
هل أنا مرحب بي؟
هل أثقلت عليهم؟
هل وجودي مناسب؟
هل أسأل الآن أم أنتظر؟
ولهذا نشأت عند أهل الجزيرة عادة اجتماعية رفيعة يمكن أن نسميها اليوم "الدفء الاجتماعي".
فما إن يدخل الضيف حتى تنطلق كلمات الترحيب من كل جانب.
مرحباً... حي الله من جانا...
يا هلا وغلا...
أنورت الدار...
حللت أهلاً ووطئت سهلاً...
ثم تُدار القهوة، ويُقدَّم التمر، وتبدأ السوالف قبل أن يبدأ الضيف بالكلام.
وكان بعض أهل البادية يضرب مثلاً طريفاً في ذلك فيقول:
"يا شين هرج البدو من كثرة ترداده."
وهم لا يذمون الترحيب، بل يصفون كثرة تكراره، حتى إن الضيف يسمع عبارات الحفاوة مرة بعد مرة، من هذا وذاك، ومن الكبير والصغير.
وما ذلك إلا لأن القوم يعلمون أن الضيف الغريب غالباً لا يبادر بالحديث في أول دخوله، وقد لا يعرف كيف يبدأ الكلام أو كيف يطرح حاجته.
لذلك كان أهل المروءة يتعمدون إشغاله بالترحيب والمؤانسة وبسط الحديث.
يتحدثون عن المطر.
وعن الديار.
وعن السفر.
وعن أخبار الرجال.
وعن قصص مضت منذ عشرات السنين.
ليس لأن تلك الموضوعات أهم من حاجة الضيف، بل لأنهم يريدون أن يرفعوا عنه وحشة المكان أولاً.
فالضيف إذا شعر بالأمان والأنس انفتح صدره للكلام، أما إذا أحاطه الناس بالأسئلة منذ اللحظة الأولى فقد يشعر بالتردد أو الحرج.
ولذلك كان العربي القديم يرى أن من تمام الكرم أن تُشعر ضيفك بأنه واحد من أهل المجلس قبل أن تسأله عن سبب قدومه.
وكانوا يدركون بالفطرة أن الوجه البشوش أحياناً أكرم من الطعام، وأن الكلمة الطيبة قد تسبق اللقمة إلى القلب.
ولهذا كانت السوالف تمتد، ويطول الحديث، وتدور فناجين القهوة، ويُعاد الترحيب مرة بعد أخرى.
وكان توقف المضيف عن الحديث في بعض البيئات القديمة يُفهم على أنه إشارة إلى أن المجلس ينتظر من الضيف أن يبدأ بطلبه أو يشرح سبب حضوره.
ولهذا كان المضيف الحاذق لا يترك المجلس يسكن في بدايته، بل يبسط الحديث ويحيي المجلس حتى يطمئن القادم ويذهب عنه ما بقي من رهبة الغربة.
وقد عبّر العرب عن هذا المعنى بقولهم:
"البشاشة أول القرى."
أي أن أول ما يُقدَّم للضيف ليس الطعام، بل حسن الاستقبال.
وقيل أيضاً:
"الكلمة الطيبة تُدخل الضيف قبل أن تدخله الدار."
ولذلك لم تكن الضيافة العربية طعاماً وقهوة فحسب، بل كانت فناً اجتماعياً متكاملاً يقوم على فهم النفس البشرية.
فالعربي لم يكن يريد أن يُشبع بطن ضيفه فقط، بل أن يزيل عنه وحشة الطريق، وأن يبدد شعوره بالغربة، وأن يجعله يشعر منذ اللحظة الأولى أنه بين أهله وناسه.
ولعل هذا هو السر الذي جعل كثيراً من المسافرين والرحالة الذين مروا بالجزيرة العربية يذكرون الكرم في طعامه، لكنهم يتحدثون بإعجاب أكبر عن دفء المجالس، وانشراح الوجوه، وكثرة الترحيب.
فالطعام قد يُنسى بعد أيام، أما ذلك الشعور بالألفة الذي يمنحه الناس للغريب فإنه يبقى في الذاكرة أعواماً طويلة.
وهكذا كانت مجالس أهل الجزيرة العربية قديماً:
قهوة تُدار باليمين، وتمرٌ يُقدَّم بسخاء، وسوالف لا تنقطع، ووجوهٌ مستبشرة، حتى يزول عن الضيف آخر أثرٍ لوحشة الطريق.
إذا صدح الهاون اجتمع الجيران
من روايات رحّال الخبر في قلب الجزيرة العربية
من بين الصور التي ما زالت عالقة في ذاكرتي كلما جلت في قرى الجزيرة العربية وباديتها، صورةٌ لا تبدأ بالطعام، ولا بذبح الذبائح، بل تبدأ بصوت.
صوتٌ معدني عذب يتردد بين البيوت الطينية وسعف النخيل وخيام البادية.
إنه صوت الهاون.
وما أكثر ما سمعته في صغري من كبار السن وهم يقولون:
"إذا تكلم الهاون عرف الجيران أن في البيت ضيفاً."
ولم أكن أدرك يومها أن ذلك الصوت لم يكن مجرد مرحلة من مراحل إعداد القهوة، بل كان لغةً اجتماعية كاملة يفهمها أهل الحي دون حاجة إلى رسول أو دعوة.
ففي مجالس الجزيرة العربية قديماً كانت رحلة القهوة تبدأ قبل أن تصل إلى فنجان الضيف.
يبدأ صاحب المجلس بحمس البن في المحماس فوق الجمر، يقلبه بيدٍ خبيرة حتى تفوح رائحته في المكان.
ثم يُنقل إلى المبرد ليهدأ قليلاً.
ثم يُسكب في النقيرة أو الهاون النحاسي.
وهنا تبدأ الحكاية.
يضرب صاحب المجلس الهاون بإيقاع يعرفه أهل الديرة.
ضربات متتابعة لها نغمة مخصوصة، حتى إن بعض كبار السن كانوا يميزون بينها، فيعرفون أن في البيت ضيفاً، أو مناسبة، أو قهوةً أُعدت لاستقبال قادم كريم.
وكان صوت الهاون ينتشر في الأزقة كما ينتشر الأذان في فضاء القرية.
فيترك بعض الجيران أعمالهم، ويأتون إلى المجلس دون دعوة.
لا لأنهم فضوليون، بل لأنهم يرون أن للضيف حقاً عليهم كما له حق على صاحب المنزل.
فالضيف عندهم ليس ضيف بيتٍ واحد، بل ضيف الحي كله.
وبسبب طول اعداد القهوة من قبل صاحب المجلس لتقديمها للضيف فما هذا الا لانتظار الجيران ليكثّر بالمرحبين والمهلّين به،
وحين يجتمع الجميع يقوم صاحب المجلس بنفسه بحمس البن بالمحماس ثم وضعه بالمبرد قبل الطحن بالنقيرة او الهاون ..
ثم كبّ البن المجروش في الدلال… وتختلف مسميات دلال القهوة باختلاف مراحل صنعها وتقديمها بين المناطق في المملكة ونجد، وتُسمى الأولى المطباخة، ثم المبهارة والتي تبهر بالهيل والمسمار، ثم المزلة وهي اصغرهم حجما وذلك لحملها بين الضيوف ومعه الفناجيل ببيمينه،
ويدقّ الهاون النحاسي لطحن البن ليجلب الجيران للمشاركة والاحتفاء بالضيف ومؤانسته ومافيها من سوالف ودفء اجتماعي فريد…
وقد شهدت شيئاً من هذا بنفسي في أكثر من مكان.
فما إن يُعرف أن ضيفاً نزل عند أحد الرجال حتى يبدأ الجيران بالتوافد.
يدخل هذا مرحباً.
ويأتي ذاك حاملاً شيئاً من الطعام.
ويجلس آخر يشارك في السوالف.
ويعرض رابع أن يكون عشاء الغد عنده.
ويقول خامس:
"أما فطور الصباح فعندي."
وكأن الجميع يتسابقون إلى نيل شرف المشاركة في الإكرام.
ولقد حدثني بعض كبار السن عن أيامٍ كان الضيف يمكث فيها أياماً بين القوم، فلا يكاد يفطر في بيت حتى يدعوه آخر للغداء، ولا يتعشى عند جار حتى يطلبه جارٌ ثانٍ للعشاء في الليلة التالية.
وكانوا يرون أن الضيف بركة ساقها الله إليهم جميعاً.
ولهذا لا يتركون حمل ضيافته على رجلٍ واحد مهما كانت مقدرته.
ومن أجمل ما سمعته في بعض المجالس قول أحد الشيوخ:
"إذا نزل الضيف على رجلٍ واحد تعب الرجل، وإذا نزل على الحي فرح الحي كله."
وكان ذلك وصفاً دقيقاً لما كانوا يعيشونه.
فالضيافة لم تكن مسؤولية فرد، بل مشروع مروءة جماعي.
وقد كان أهل الجزيرة يدركون أن الطعام يشبع البطن، لكن الأنس يشبع القلب.
ولهذا كانت القهوة تسبق الوليمة.
والسوالف تسبق الطعام.
والابتسامات تسبق السؤال.
ويجلس الضيف بين الرجال ساعات يسمع الأخبار والقصص وحكايات الآباء والأجداد.
فيزول عنه تعب الطريق قبل أن يزول جوعه.
وكان بعضهم يقول:
"القهوة أول الضيافة، والحديث زينتها."
أما الوليمة فقد كانت تبدأ قبل وصول الضيف أحياناً.
فما إن يُعلم بقدومه حتى تُذبح الذبيحة، وتُوقد النار، وتبدأ الاستعدادات.
وكأن أهل المكان يستقبلون قريباً غاب عنهم طويلاً لا رجلاً قدم لأول مرة.
وقد عبّر الشعراء عن هذا المعنى قديماً.
فقال حاتم الطائي:
وأُطعم ضيفي قبل إنزال رحلهويخصب عندي والمحلُّ جديبُ
وقال آخر:
إذا ما أتانا ضيفُ قومٍ أكرمناهوإن كان بين الزاد والضيف مفازة
وكانوا يرون أن الكرم لا يقاس بما يوضع على المائدة وحدها.
بل بما يجتمع حولها من قلوب.
ولهذا فإن أكثر ما بقي في ذاكرتي من تلك المجالس ليس طعم القهوة، ولا رائحة الهيل، ولا حتى أصناف الطعام.
بل ذلك المشهد الجميل حين يصدح الهاون في بيتٍ من بيوت الجزيرة العربية، فيفهم الجيران رسالته، ويأتون من كل اتجاه.
لا لأن هناك وليمة.
بل لأن هناك ضيفاً.
ولأن الضيف عندهم مناسبة للفرح، وفرصة للمودة، وسبب لاجتماع الرجال وتلاقي القلوب.
وهكذا تعلمنا من آبائنا وأجدادنا أن القهوة ليست شراباً فحسب.
وأن صوت الهاون ليس صوت معدنٍ يطرق معدنًا.
بل نداء مروءةٍ قديم، كانت تستجيب له البيوت قبل الآذان، وتجتمع عليه القلوب قبل الأجساد.
وما أحوج أبنائنا اليوم إلى أن يعرفوا أن الكرم الذي ورثناه لم يكن كثرة طعام فقط، بل كان مجتمعاً كاملاً يتقاسم شرف الضيافة، ويجعل من قدوم الغريب عيداً صغيراً لأهل المكان جميعاً.
الرحال وائل الدغفق 1447هـ