السبت، 1 أغسطس 2026

عطاء مابعد التقاعد والخبرة التي جمعْتُها طوال عمري، وتحويلها إلى أثر نافع يبقى بعدي؟

حين لا يتقاعد العطاء

بسم الله والحمدلله ، والصلاة والسلام على خير معلم البشر نبينا محمد ﷺ ..
ثم اما بعد…
عن التقاعد ومابعده ما ساتكلم عنه… 
وبداية خبرتي في تحويل سنوات العمل إلى خدمةٍ مستمرة. 

فالتقاعد كما في ظاهره انما هو نهايةٌ لمرحلة وظيفية، لكنه قد يكون بدايةً لمرحلة أكثر نضجًا وحرية وأثرًا؛ فالإنسان بعد سنوات العمل لا يخرج خالي اليدين، بل يحمل خبرة عمر، وشبكة علاقات، ومعرفة متراكمة، وقدرة على رؤية حاجات المجتمع بصورة أوضح.

وقد رأيت نماذج مشرّفة لمتقاعدين لم ينصرفوا إلى الراحة وحدها، بل اختار كل واحد منهم بابًا يناسب خبرته وقدرته؛ فمنهم من اعتنى بالمقابر وتنظيمها وإكرام الموتى، ومنهم من اتجه إلى بناء المساجد عن نفسه ووالديه وأسرته، ومنهم من شارك في أعمال الدعوة والتعليم داخل المملكة وخارجها، وآخرون خدموا المرضى والفقراء وطلاب العلم والأيتام.
وهذه التجارب تؤكد أن العمل الخيري لا يقتصر على التبرع المالي، بل يشمل كل علم أو خبرة أو وقت أو جهد يقدمه الإنسان لمنفعة الناس والوطن والدين.
أما تجربتي بعد التقاعد، فقد اتجهت بصورة أساسية إلى أربعة مسارات مترابطة: 

اولا: خدمة البيئة،
ثانيا: حفظ التراث،
ثالثا: نشر المعرفة،
رابعا: بناء جسور التواصل الثقافي بين الشعوب.

فلنأخذ خدمة البيئة… فهي بلا شك ردُّ الجميل للأرض،
ومن أهم المجالات التي حرصت على المشاركة فيها المحافظة على البيئة والغطاء النباتي، بالتعاون مع المركز الوطني لتنمية الغطاء النباتي ومكافحة التصحر، ومن خلال الانضمام إلى جمعية أصدقاء البيئة، ومشاركة زملائي في المجموعة التي انشاتها وجمعت فيها المهتمين بتلك الامور وهي مجموعة *نادي رحالة الجزيرة العربية.*
وشملت هذه المشاركات المساهمة في استزراع النباتات المحلية وتأهيل بعض المواقع والمحميات في الربع الخالي والصمّان ووادي المياه، واغلب مناطق المملكة… 
وساهمت بنشر الوعي في أهمية حماية النباتات البرية، والمحافظة على نظافة المواقع الطبيعية، والحد من الممارسات التي تضر بالصحراء ومكوناتها.
وقد تغير مفهوم الرحلة لدينا؛ فلم تعد الرحلة مجرد عبور للمكان أو التقاط الصور، او رحلة مشي "هايكنج" خالية من النفع العام ، بل أصبحت مسؤولية تجاه الأرض التي نزورها. فنحن نرصد، ونوثق، وننبه، ونشارك في الاستزراع والتنظيف، ونسعى إلى أن نترك المكان أفضل مما وجدناه.
وهكذا تحولت خبرة الترحال إلى وسيلة لخدمة البيئة، وربط الرحالة بمسؤوليته الوطنية، وإشراك أفراد المجتمع في حماية الموارد الطبيعية التي هي حق للأجيال القادمة.

وناتي هنا الى 
حفظ التراث والذاكرة الوطنية
وهي المسار الثاني الذي وجدت فيه مجالًا واسعًا للعطاء 
ويتثمل بـ "حفظ التراث"، لا سيما تراث المنطقة الشرقية وعمرانها وتاريخها الاجتماعي والحضاري.
ومن خلال عضويتي ومشاركتي في الجمعيات والجهات المعنية بالتراث والعمران، كجمعية التراث العمراني  
حيث عملت على توثيق المعالم القديمة، وجمع الصور والوثائق والروايات الشفوية، ونشر الدراسات والمقالات التي تعرّف الناس بتاريخ مدنهم وقراهم وموانئهم وأسواقهم وطرق حياتهم.
ومن أبرز أعمالي في هذا المجال كتاب «معالم المنطقة الشرقية الحضارية»، الذي يقع في نحو أربعمائة صفحة، وتجدونة في المكتبة الرقمية في جمعية التراث العمراني ..تحت هذا الرابط .

https://www.aha.org.sa/web/urban-heritage/digital-library
إلى جانب عدد من الكتب والدراسات والمقالات عن الخبر والظهران والأحساء والزبير وسواحل الخليج والمواقع الأثرية وطرق التجارة والترحال.
ولا أرى أن الاهتمام بالتراث مجرد استدعاء للماضي، بل هو حفظ لذاكرة الوطن، وتعريف للأجيال بجذورها، وحماية للشواهد العمرانية والثقافية من الضياع. كما أن التراث، حين يُوثق ويُقدم بصورة صحيحة، يصبح موردًا للتعليم والسياحة والثقافة والهوية الوطنية.

ونأتي للمسار الثالث وهو المعرفة المفتوحة… صدقة تتجاوز المكان
فبعد رحلات امتدت إلى قرابة مئة وتسعين دولة، أدركت أن قيمة السفر لا تكتمل إذا بقيت التجربة محفوظة في ذاكرة صاحبها أو في ألبوماته الخاصة؛ ولذلك اتجهت إلى تدوين ما شاهدته وتعلمته، ونقل المعرفة التي جمعتها من الشعوب والبلدان.
وقد ضمت مدونتي أكثر من خمسمائة مقال وكتاب وموضوع عن الرحلات والتراث والثقافات وتجارب الحياة، وقدمتها للقراء دون مقابل؛ ليستفيد منها المسافر والباحث والداعية والطالب وكل محب للمعرفة.
ولم تكن هذه الكتابات وصفًا للمدن والمعالم فقط، بل تضمنت معلومات عن المجتمعات وعاداتها وطرق التعامل معها، والمناطق النائية التي لا تتوافر عنها كتابات عربية كافية، إضافة إلى ملاحظات عن البيئة والتاريخ والثقافات المحلية.
وقد أفادت بعض مكاتب الدعوة والعاملين في عدد من البلدان من هذه المعلومات، وأبلغني بعضهم أن ما كتبته عن مناطق وشعوب لم يسبق أن وجدوا عنها مصادر عربية واضحة، ساعدهم على فهم المجتمعات التي يعملون فيها، وعلى اختيار وسائل أكثر ملاءمة للتواصل معها.
وهنا ظهر لي باب مهم من أبواب الخير: فقد تكون المعلومة الصادقة التي يكتبها الإنسان سببًا في نجاح مشروع دعوي أو ثقافي أو إنساني، وقد تصل إلى أشخاص وبلدان لا يعرف صاحبها شيئًا عنهم.
وهنا رابط المدونة بستان يحوي ازاهير المعرفة ورحيقها الشذي.. 

اليك قارئي العزيز رابط المدوّنة ، وهي حاملةً خلاصة رحلاتي منذ عام 1400هـ، عبر نحو 189 دولة، واكثر من 500 موضوع ومقال وكتاب، وما يزال التدوين مستمرًا حتى تكتمل حكاية الرحلة إلى دول العالم.
أقدّم هذه المدوّنة هديةً للمعرفة، ورغبةً في التقارب بين الشعوب، وتبادل الخبرات والثقافات، راجيًا بها ثواب الله، وأن يجعل في كل حرفٍ وصورةٍ وتجربةٍ نفعًا لكل محبٍ للسفر والمعرفة.

https://blog-rahal.vercel.app/atlas

ونأتي للمسار الرابع: انشاء متحف الشاي… حين تتحول المقتنيات إلى رسالة
فمن المشروعات التي سعيت من خلالها إلى خدمة المجتمع ثقافيًا متحف الشاي في الخبر.
فالمتحف لا يقوم على جمع الأباريق والأكواب القديمة للعرض فقط، بل يسعى إلى توثيق تاريخ الشاي وانتقاله بين الأمم، وصلته بالطرق التجارية والرحلات والعادات الاجتماعية والمجالس الشعبية.
والشاي، على بساطته، يجمع ثقافات كثيرة؛ فمن الصين وآسيا الوسطى والهند إلى العراق والخليج والجزيرة العربية وأوروبا، نشأت حوله عادات وأدوات وقصص مختلفة. ولذلك حاولت أن يكون المتحف مساحة للتعلم والحوار، يشارك فيها المجتمع، وتُعرض من خلالها المقتنيات والوثائق وطرق إعداد الشاي وقصص انتقاله بين الشعوب.
وبذلك أصبح المتحف مشروعًا لحفظ التراث الاجتماعي، وتعريف الشباب بما كان يستخدمه آباؤهم وأجدادهم، وبناء جسر ثقافي بين المملكة وشعوب العالم.
من التعليم الوظيفي إلى التعليم المجتمعي. 

فقد أمضيت سنوات طويلة في التعليم والإدارة، وعندما انتهى عملي الوظيفي لم ينته دوري التعليمي، وإنما تغيرت أدواته.

فبدلًا من الفصل الدراسي أصبحت هناك المحاضرة والندوة والرحلة والمتحف والمقال والصورة والكتاب. وبدلًا من طلاب مدرسة محددة أصبح الجمهور مفتوحًا من مختلف الأعمار والبلدان.
كما أسهمت من خلال نادي رحالة الجزيرة العربية في نقل الخبرات إلى الرحالة الشباب، وتشجيعهم على التخطيط المسؤول، واحترام ثقافات الشعوب، وخدمة الأماكن التي يزورونها، وتوثيق تجاربهم بدل الاكتفاء بالتصوير العابر.
ومن صور الخدمة المجتمعية كذلك مساعدة الباحثين والمهتمين، وإتاحة الصور والوثائق والمعلومات، وتشجيع من يملكون تجارب قديمة على كتابتها قبل أن تضيع، وربط أصحاب الخبرات بالجهات التي تستطيع الاستفادة منها.

ما تعلمته من تجربة ما بعد التقاعد
تعلمت أن المتقاعد لا يحتاج بالضرورة إلى تأسيس مشروع ضخم، بل يحتاج إلى أن يعرف ما الذي يجيده، وما الحاجة التي يستطيع أن يسهم في تلبيتها.
فمن كان صاحب علم فليعلم، ومن كان صاحب خبرة إدارية فليساند الجمعيات والمبادرات، ومن كان صاحب مال فليوقف أو يبني أو يكفل، ومن كان صاحب وقت فليتطوع، ومن امتلك تجربة فليكتبها وينقلها.
كما تعلمت أن العمل الفردي، مهما كان مخلصًا، يظل محدودًا ما لم يرتبط بمؤسسات ومجموعات تضمن استمراره. ولذلك حرصت على العمل بالشراكة مع الجهات الوطنية والجمعيات والمتخصصين وأعضاء نادي الرحالة؛ لأن العمل الجماعي أكثر بقاءً وأوسع أثرًا.
ومن المهم كذلك توثيق الأعمال وقياس أثرها، لا طلبًا للشهرة، وإنما حتى يستفيد الآخرون من التجربة، ويتجنبوا الأخطاء، ويواصلوا الطريق من النقطة التي وصل إليها من سبقهم.

التقاعد بداية لا خاتمة
بداية النهاية ، فانا لا أدعي أن ما قدمته يساوي ما قدمه أصحاب المبادرات الكبرى، لكنني وبدفع من قبل بعض المهتمين لنقل الافكار واصرارهم لذكر تجربتي هنا ، فقد كتبت ماكتبته ووضعته هنا نظرا لاصرارهم في ذكر تلك الامور لتكون دروسا حيّة تتناقلها الاجيال، وحاولت أن أخدم من الأبواب التي أعرفها: 
كالبيئة التي نعيش فيها،
والتراث الذي يشكل هويتنا،
والمعرفة التي تختصر الطريق،
والثقافة التي تقرب بين الشعوب.

وأرجو أن يكون فيما زرعناه نبات ينمو، وفيما وثقناه تاريخ لا يضيع، وفيما كتبناه معرفة ينتفع بها الناس، وفيما جمعناه من تراث شاهد يبقى للأجيال.
فالتقاعد لا يعني أن يتوقف الإنسان عن العطاء، بل قد يعني انتقاله من العمل المقيد بالوظيفة إلى العمل الذي يختاره بإرادته ومحبة قلبه.
والسؤال الذي ينبغي لكل متقاعد أن يطرحه على نفسه ليس: ماذا سأفعل بوقتي؟ 
بل: ما الخبرة التي جمعْتُها طوال عمري، وكيف أحولها إلى أثر نافع يبقى بعدي؟

د. الرحّال وائل بن عبدالعزيز الدغفق
رحّال الخبر 1448

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق