السبت، 1 أغسطس 2026

موريشيوس جزيرة الجزر بين الجبال والشواطئ وبحيرات وشلالات. رحال الخبر

رحلة موريشيوس

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ثم اما بعد.....

وشاء الرحمن ان تهب رياح الترحال لننصب اشرعة الشوق فتهب متجهة لمحيط حوى كنوز ومعالم هناك ارخت حبالها ورست سفينتنا في احدى تلكم الجزر الممتلئة عز ودلال ... إنها جزيرة موريشيوس جزيرة الاحلام والسواحل الممتدة بلا موانع فطاشت خلالها المنتجعات والقرى ذات الاشكال والانواع بشواطئ لاحد لها.



ما اجمل الترحال في جزر كهذه وما أحلى التجول في ثناياها وهي تهب بشذى نسماتها رياحا محيطية الهوى ، وبحارها تمدنا بلؤلؤ بريقه ساطعا لاينتهي. كم انت جميلة يامخلوقة ربي زينك الخالق وابدع جمالا لايوصف ، لكننا سنحاول ماملكنا ان نوصل اليكم مارأينا لعل فيها خير وفائدة نرجو من الله ان يبارك لنا رحلتنا وان يبارك فيها ومنها لمن اراد لها وصلا ومعرفة ، وسأنقل ما استطعت بكل مايمكنني لكم عبر هذه الاسطر الترحالية وعبر ادب الترحال نسأل الله أن يكون وفق مايحبه الله ويرضاه.

ان جزر المحيط الهندي الساحرة كثيرة ومن أشهرها واكبرها مدغشقر ويليها بالاهمية والجمال جزر اربع تنوعت تضاريسها وجذبت اليها ملايين الباحثين عن الهدوء والسحر والجمال كجزيرة موريشيوس وتوابعها وجزيرة سيشيل وتوابعها وجزر القمر وتوابعها ايضا وجزر المالديف ، وهذه الجزر التي ذكرنا هي الاكثر طلبا والاكثر مايتوجه اليه سياح العالم لما تتمتع به من طبيعة وشواطئ مميزة فاقت الكثير من الاماكن الكثيرة فيما حولها ولعل رحلتي التي انا الا بصدد ذكر تفاصيلها هي لأحد تلك الجزر الاشهر بالعالم وهي جزيرة موريشيوس .

التخطيط لزيارة جزيرة موريشوس

بدأت التخطيط المسبق لزيارتها كما هي العادة في رحلاتي وبدأت القراءة عنها من حيث الجغرافية للارض وطبيعة الحياة الاجتماعية والتاريخ والطقس ، كما تناولت متابعتي لكل مناطق الجذب السياحي فيها ولعلها تعتبر من اسرع المناطق التي زرتها تجوالا ، ويعود ذلك لصغر المساحة والحجم الضئيل مقارنة بغيرها من بلاد الله الواسعة، وهكذا تجمعت لدي الكثير من المعلومات والتي تضمنها خط سيري لتلك البقعة من العالم ، وبدأت بعدها في الإعداد للوقت المناسب والذي يمكنني من زيارة كل ما أردت وخططت له من قبل وكان لي ذلك بفضل الله وقوته وتسهيله ولله الحمد والمنة .
 وجدت من أفضل الطيران الموصل لهذه البقعة هو طيران الامارات والذي يسير كل يوم رحلة لهذه الجزيرة وكان العقبة هو التذكرة وسعرها الكبير مبلغ خمسة الاف وخمس مائة هو مبلغ باهظ بالنسبة لكثير السفر مثلي ولكنني حاولت أن استغل وجودي في هذه الجزيرة لانطلاقة أخرى قرب الجزيرة وهي في البال أيضا وكانت جزيرة مدغشقر الرحلة الاخرى وكان ولله الحمد ماخططت له وضربت عصفورين باجر واحد  فنلت بسفري هذه جزيرتي موريشيوس ومدغشقر وسيكون كلامي هنا ووصف مرحلتي عن جزيرة موريشيوس أن شاء الله تعالى وسيكون لمدغشقر مقال آخر في تفصيل يليق بها وحجمها ومكانتها .

بعد حجز تذكرة الطيران موريشيوس وتجهيز الخرائط التفصيلية للجزيرة وتوابعها تم حجز أول ليلة في أحد فنادقها وتأجير سيارة بواسطة أحد مكاتب شركة برسلاين الأمريكية من خلال الانترنت وهي شركة تقدم أسعار تنافسية مقارنة بغيرها وطبعا لم اسلم رغبتي لهم فلابد من المقارنة بالأسعار وأنواع السيارات لكي احصل على السعر المناسب للسيارة المناسبة وكان ذلك ولله الحمد .

بداية الرحلة

في يوم الاربعاء الموافق العشرين من مارس لعام 2013م كانت رحلتي وعبر مطار البحرين والذي قدم لي سعر تفاضلي عن مطار الدمام كالعادة بفرق ألف ريال ومنه عبر جسر الملك فهد لاصل واصف سيارتي بالمواقف التي لم تعد مجانية للأسف ولكن بسعر مازال بسيطا بسعر ايجار الموقف يوميا بعشرة ريالات وكان اوتوبيس النقل المجاني ينتظر الركب الذين اتخذوا مواقف المطار موقفا لهم وليوصلنا الاوتبيس لقاعة الاقلاع ولنخرج بطاقة صعود الطائرة ، وحتى حين الإقلاع  كنت في قاعة مطار البحرين بانتظار الموعد وحركة دؤوبة للطيران سواء إقلاع او هبوط وبعد إرتشاف بعضا من الشاي حان الوقت واقلعنا لدبي لننتظر ترانزيت بالصالة الثالثة الخاصة بطيران الامارات فقط والتي اكتظت بالاف المسافرين والتي سهلت لهم طيران الامارات خدمة التنقل بين دول العالم ، والواصل لمطار دبي يتعجب من تنوع البشر الغريب من كل جنس وقد احتواهم  المطار بقاعاته الفسيحة والمطاعم المتنوعة وملحقاته التي تخدم الجميع من الطبقة البورجوازية حتى الطبقة الكادحة فهنا يوجد للكل  أنواع الطعام من مطاعم فاخرة إلى الوجبات السريعة والاسواق حدّث ولا حرج  وأما السكن فله أيضا إهتمام فالسكن بالصالة متوفربتواجد فندقين كما أن حجم المرافق من حمامات مخدومة ومصليات بكل جهة ومطاعم سريعة وراقية وصالات لرجال الاعمال والعمال وكل شكل قد جعلت لهذا المطار قبلة كل مسافر حيث سيجد وجهته وهواه وراحته. وكان انتظارنا ثلاث ساعات قدم لنا كوبون مجاني لتناول الطعام في اي مطعم من اربع اختيارات وجميعها رائعة ولعل التوقف الترانزيت هو مايخدم المطار من حركة بيع وتبادل تجاري يضاف لما تتحصل به دبي من رسوم مايدفعه المسافرون لقاء التذاكر فالمطار بحجمه وحجم مرافقه يعتبر مدينة صغيرة ومجمع ضخم يبيع كل مايحتاجه المسافرون من ملابس وكتب واجهزة واحذية ومجوهرات وسلع غذاية والعاب وذهب وساعات بالاضافة لمطاعم شهيرة عالمية استأجرت ليكون لها موقعا في اكبر مكان فيه حركة دؤوب لاربع وعشرون ساعة ولكل يوم.

حانت ساعة الطائرة المتجهة لموريشيوس ومنها ركبنا الطائرة الاير باص الكبيرة والتابعة لخطوط الامارات لنطير نحو سبع ساعات في طيران رائع من ناحية الانظباط بالتوقيت وخدمات الشرب والاكل وهذه ماسيجعل من طيران كطيران الامارات وجهة لكل مسافر لما يجده من امور تجعل من سفره سهلا ومريحا .

الوصول لمطار موريشيوس

قبل الهبوط كانت تلك المناظر الأجمل والتي التقطتها عدستي لبعض جهات الجزيرة بشواطئها المميزة وهبطت الطائرة في مطار موريشيوس بسلام ولله الحمد والمنة ، ونزلنا عبر خرطوم المطار مباشرة لقاعات الاستقبال والتي صفت مكاتب الجوازات على شكل مكاتب يقف خلفها موظفين الجوازات وقد سبق ان وزعت لنا كروت القدوم لنملأها بالمعلومات وتوجهت لأحدى تلك المكاتب والتي كان عددها فوق العشرة ، وبابتسامة تم استلام  الجواز والختم على الورقة والجواز وقال لي الموظف اهلا وسهلا بموريشيوس ....شي خيالي . فقد قلّ أن ارى مثل هذه المعاملة من قبل وبهذه السرعة علما أنني لم اعمل تأشيرة وهذه اول مرة للدخول وكانت بهذه السرعة والسهولة والابتسامة تضاف عليها... نعم اذا انا في ارض السلام والسحر والجمال انها جنة الارض موريشيوس ... لست اغالي وستشاهدون وستقرأون معي ماشاهدت وماكتبت لكل مارأيت في ثنايا هذه الاسطر.
طبعا المطار صغير جدا وهو يعتبر المطار الثاني بعد المطار القديم ولكنه بحجمه لاتجد صعوبة في المسارات ولا في استلام الحقائب ولا في ركوب الطائرات مع انه يستقبل ويودع طائرة كل نصف ساعة .... دخلت عبر مسار ضيق لانزل من الطابق الاعلى للاسفل حيث استقبلني محلات تجارية بسيطة وثم سير الحقائب ومنها لموظف الجمارك للدخول الى قاعة قد صفت بها مكاتب تأجير السيارات وحجوزات الفنادق والبنوك للصرافة ومنها استلمت السيارة التي تم استأجارها بمبلغ خمسون دولار شاملة للضرائب والتأمين لأخرج من البوابة وكان الوقت قرب المغرب والجو  كان رطبا مقبولا بدرجة حرارة ثمانية وعشرون درجة مع العلم اننا في نهاية موسم الامطار الذي يستمر من نوفمبر وحتى مارس الشهر الذي نحن فيه الآن ، ومن مواقف السيارات استلمت سيارتي لأضع الحقيبة فيها وادقق على الخدوش ان وجدت وسلامة السيارة واوقع على العقد واستلم المفتاح بعد ان نبهني المؤجر على تسليم السيارة بمثل ما استلمتها من كمية الوقود وإلا سوف ادفع المبلغ مضاعف وهي سياستهم ، وللعلم فإن السياقة في جزيرة موروشيوس هو على جهة اليسار كبريطانيا والهند واستراليا ودول اخرى وهو امر اعتدت عليه لسياقتي في كل تلك الدول من قبل .

الانطلاق نحو الفندق
لقد سبق لي أن تجهزت لأحمل بجوالي الخرائط الكاملة للجزيرة وان تعمل بلا حاجة للنت لكي تسهلي امر التنقل وقد حجزت ايضاالفندق لأول ليلة ووضعت عليه اشارة بالخرائط وهو ماسهل لي التوجه مباشرة بلا سؤال ولا قراءة الخرائط . انطلقت للخروج من المطار ودفعت مبلغ عشرون روبية موريشية للمواقف وكان النظام يستوجب ان ادفع للخروج ولا ادفع للدخول ، واستلمت الخط الايسر والتعشيق باليد اليسرى وهو امر مهما سبق لي تجربته يضل صعب التذكر لبدايات المسير وكان بعض الاخطاء واصعبها هو الدخول بالدوار من جهة اليسار للالتفاف لجهة اخرى باليسار ويحتاج اعمال الذهن كثيرا لتلافي الاخطاء التي بلاشك ستكون مدمرة لان بقية السيارات لاتعرف انني اتيت من دولة تستعمل اليمين وهم على ثقة بأن الخطأ المتدراك هو التوقف البسيط او الالتفاف بلا اشارة مثلا أما الدخول في شارع معاكس أو الدخول بدوار من جهة لم يظنوا ان يجدوا سيارة مقابلهم فهذا لايقبل ابدا ،هذا اذا لم يكن الاصطدام هو الجواب ... اشغلتني وانا اسوق تلك المناظر الرائعة في خروجي من المطار فالاشجار والنخيل العجيبة والهضاب التي اكتست خضرة وجمالا جعلتني في شد وجذب ففي يدي اليمنى الكاميره ويدي اليسرى تعمل على التعشيق لان السيارة ليست اوتماتيك واما الدركسون فهو متروك بين اليد اليسرى وبعض الاحيان استعمال الفخذ لثباته ريثما يتم التعشيق ....

الوصول للفندق
بعد مسافة بسيطة جدا وصلت للفندق الذي تم حجزه من قبل وهو في الخليج الازرق جنوب شرق المطار وهو من الفنادق ذات الاربع نجوم والذي له اطلالة على المحيط مباشرة ويعتبر مميز نسبة الى سعره والخدمات التي لديه خاصة انه يقدم وجبة عشاء مع وجبة الافطار وهو بهذا يعتبر بالنسبة لي مناسب جدا لان وصولي يعتبر قبيل المغرب ومسألة البحث عن المطاعم تعتبر مزعجة لذا كان الامر مناسبا ومريحا خاصة انه يقدم بوفيه نختار مانشاء من الاطعمة التي تناسبنا .
بعد المكوث بالفندق قليلا وقد سبق ان صليت العصر والظهر بالطائرة ،وتهيأت للوضوء والاستعداد للمغرب بعد جولة بسيطة على الشاطئ واخذ بعض الصور للغروب ،ثم رجعت بعد أن اسدل الليل ستاره واظلم المكان لاتحول للغرفة واصلي المغرب والعشاء جمع تقديم  ، ولادماننا على النت وبرامج الاتصال ا لاجتماعي كالواتس اب وتويتر وغيرها كان لابد من توجد الانترنت وهو هنا بالفندق  لايقدم الا بالبهو فقط فكان لزاما ان نكون هناك وفرصة لانهاء الواجبات الانترنتية لنبدأ بعدها وجبة العشاء قرب البهو. بدأنا العشاء والحمدلله على فضله فكان بسيطا وليس كما كنت اعتقد لكنه كاف ولله الحمد فطبق النودلز (الشعيرية تقريبا ) مع الخضار كان مميزا مع السلطات المنوعة والسمك وانتهاء بالحلا لأنهي طعام العشاء واتوجه للبهو لأكمل ما بقي من وقت للانترنت ، وحين وصلت الساعة التاسعة والنصف بدأ النوم يغالبني حينها توجهت للغرفة لاجلس قليلا واضع رأسي مبكرا هذا اليوم ومنه حتى صلاة الفجر والتي استيقظت مبكرا بدون منبه لنومي مبكرا .
اديت صلاة الفجر في وقتها والحمدلله وثم خرجت ما قبل الاشراق بربع ساعة لاتمشى فيما حول شاطئ الفندق واخذ الصور كالعادة ولكن هنا الصور ليست كالعادة فهي لشواطئ المحيط الساحرة ، وحين اتى وقت الإفطار كنت قرب الفندق لاتوجه حينها لتناول وجبة اعتبرها اهم وجبة في اليوم  ومنها تجهزت للخروج من الفندق لابدأ جولتي المخطط لها مسبقا وهي التوجه اليوم لعدة اماكن منها الشاطي الجنوبي الشرقي ومنطقة الشلالات وثم بحيرة المعبد الهندوسي ومنتجع ومصنع الشاي الموريشيوسي وثم الرمال ذات السبعة الوان والشلال الأكبر بالجزيرة وهذا برنامج اليوم الأول ،صحيح انه مزدحم لكن تقارب الأمكنة هو مايسهل الوصول اليهم وقضاء بعض الوقت  لاستكشاف المنطقة ..فإلى هناك.

بداية الجولة 

جزيرة موريشيوس… من بورت لويس إلى بحيرات الجنوب وشلالاته
فمن بين الجبال وخلال مزارع الشاي والقصب وبمحاذاة شواطئ المحيط الهندي كانت جولتي لخمسة ايام لاتنسى.. 
وهنا ملاحظة تاريخية مهمة: 
فلم يجلب الإنجليز قصب السكر إلى موريشيوس؛ فقد أدخله الهولنديون سنة 1639م، ثم وسّع الفرنسيون صناعته في القرن الثامن عشر، وجاء الإنجليز بعد احتلال الجزيرة سنة 1810م فطوّروا زراعته ووسّعوا مزارعه بصورة كبيرة، واستقدموا آلاف العمال بعقود من الهند للعمل فيها.

بورت لويس… البداية من حضن الجبال
بدأت رحلتي إلى موريشيوس من عاصمتها بورت لويس، المدينة التي أقبلتُ عليها من جهة البحر، فإذا بها تبدو كأنها قد احتمت بالجبال من ورائها، وتركت وجهها مفتوحًا للمحيط والسفن والغرباء.
كانت الجبال تحيط بالعاصمة في هيئة سور طبيعي عظيم؛ قممٌ سوداء وخضراء، بعضها حادّ كأنه نُحت بفأس، وبعضها مستدير غطته الأشجار والنباتات الاستوائية. ومن بين تلك الجبال تخرج الطرق صاعدة نحو قلب الجزيرة، بينما تنحدر المدينة إلى مينائها وأسواقها وأحيائها القديمة.
بورت لويس مدينة لا تستطيع أن تنسبها إلى شعب واحد؛ ففي أسواقها ترى ملامح الهند وإفريقيا والصين وأوروبا والعالم العربي، وتسمع الفرنسية والإنجليزية والكريولية ولغات الهند، وتتجاور المساجد والكنائس والمعابد في مساحة محدودة، كأن الجزيرة قد جمعت أممًا متباعدة ثم جعلتها تتقاسم شارعًا واحدًا.

مررت بالسوق المركزي، فوجدته يعج بالخضراوات والفواكه الاستوائية والتوابل والأسماك، وتتداخل فيه روائح القرفة والفلفل والفانيليا مع رائحة البحر. وكان الباعة يعرضون بضائعهم في ألوان زاهية، فيما تمضي الحياة من حولهم مسرعة، لا تتوقف طويلًا عند السائح ولا تنشغل به.
ولبورت لويس تاريخ مرتبط بالميناء والهجرة والتجارة؛ ففيها موقع أبرافاسي غات الذي استقبل أعدادًا كبيرة من العمال القادمين بعقود من الهند بين عامي 1834 و1920م، وكان كثير منهم يوزّعون بعد وصولهم على مزارع قصب السكر في أنحاء الجزيرة.

مسجد الجمعة العتيق
ومن بين ازدحام المتاجر والأزقة وصلت إلى مسجد الجمعة، أو كما يسمّى بالإنجليزية: Jummah Mosque، قائمًا في قلب الحي التجاري الصيني، كأنه شاهد على حضور المسلمين القديم في الجزيرة.
دخلت من بوابته، فإذا بضوضاء السوق تخفت خلفي، ويحل مكانها هدوء يطمئن إليه القلب. في الداخل فناء تحيط به الأقواس والممرات، ونوافذ وزخارف تحمل شيئًا من الطراز الهندي الإسلامي، وقد امتزج فيها أثر العمارة المغولية مع طبيعة البناء في جزر المحيط الهندي.
بُني المسجد في خمسينيات القرن التاسع عشر، ثم توسع على مراحل مع ازدياد أعداد المسلمين، فأصبح من أبرز معالم بورت لويس الدينية والتاريخية. وموقعه بين المحال الصينية والهندية يلخص طبيعة موريشيوس؛ فالمسجد هنا لا يقف معزولًا، بل يعيش وسط مجتمع متنوع الأديان والأصول.

جلست فيه قليلًا، أتأمل كيف حمل المسلمون دينهم معهم عبر البحار؛ جاء بعضهم تجارًا من الهند، وجاء آخرون عمالًا بسطاء، لكنهم بنوا مسجدًا بقي بعدهم، يرفع الأذان بين المعابد والأسواق، ويربط أحفادهم بأصولهم الأولى.
وما أجمل أن يجد الرحالة في جزيرة نائية بيتًا من بيوت الله؛ يدخله غريبًا، ثم لا يلبث أن يشعر أن الأرض كلها وطن ما دامت فيها قبلة وسجدة وأذان.

من العاصمة إلى الجبال
غادرت بورت لويس متجهًا نحو قلب الجزيرة، وما إن ابتعدنا عن الساحل حتى أخذ الطريق يصعد بين الجبال. كانت موريشيوس تكشف لنا وجهًا آخر يختلف عن صورة الشواطئ والفنادق التي تملأ إعلانات السياحة.
فالجزيرة في أصلها بركانية، ولذلك بدت جبالها غريبة الأشكال؛ جدران شاهقة، ونتوءات صخرية، وأودية ضيقة، وقمم تخرج من بين السحب. وكانت الغيوم تمر قريبة منا، ثم تتعلق برؤوس الجبال، فتغسلها الأمطار الخفيفة وتترك فوقها لمعانًا أخضر.
تبدلت حرارة الساحل شيئًا فشيئًا، وأصبح الهواء أبرد وأندى كلما ارتفعنا إلى الهضبة الوسطى. وعلى جانبي الطريق تناوبت القرى الصغيرة ومزارع الخضار وحقول القصب، حتى بدا المشهد كأن الجزيرة قد بسطت بساطًا أخضر لا ينتهي.
وفي الطريق كنت أرى الجبال البركانية وقد انفردت كل قمة منها بشكل واسم؛ بعضها يشبه رأس إنسان، وبعضها يبدو كظهر حيوان ضخم، حتى خُيّل إليّ أن الطبيعة في موريشيوس لم تكتف بصنع الجبال، بل جعلت لكل جبل شخصية وحكاية.

مزارع القصب… الحقول التي صنعت اقتصاد الجزيرة
امتدت أمامنا مزارع قصب السكر في مساحات واسعة، صفوفًا طويلة متقاربة، تتحرك أوراقها مع الريح كأمواج خضراء على اليابسة.
ولقصب السكر في موريشيوس حكاية أطول من أن تختصر في نبات أو محصول. فقد أدخله الهولنديون إلى الجزيرة سنة 1639م، ثم بدأ الفرنسيون تطوير صناعته على نطاق أوسع، أما في العهد البريطاني فقد اتسعت زراعته اتساعًا هائلًا، حتى أصبح عماد اقتصاد البلاد وأهم صادراتها لحقبة طويلة.

وبعد إلغاء الرق في الإمبراطورية البريطانية، وصلت إلى موريشيوس أعداد كبيرة من العمال الهنود بعقود عمل، فارتبط تاريخ القصب بتاريخ هجرتهم ومعاناتهم واستقرارهم. 
وبين عامي 1834 و1920م مرّ عبر أبرافاسي غات نحو نصف مليون عامل، عمل كثير منهم في مزارع السكر أو انتقلوا إلى مستعمرات أخرى. 

وأنا أعبر بين تلك الحقول، لم أعد أراها خضرة جميلة فحسب؛ بل رأيت خلفها تاريخًا من العمل الشاق والهجرة والاستعمار وتبدل المجتمعات. فالقصب لم يغيّر اقتصاد الجزيرة وحده، بل غيّر تركيبتها السكانية ولغاتها وأديانها وثقافتها.
كانت مداخن مصانع السكر القديمة تظهر أحيانًا في الأفق، وقد توقف بعضها عن العمل، لكنها بقيت مثل علامات ترشد إلى زمن كانت فيه كل قرية تقريبًا تدور حياتها حول موسم قطع القصب ونقله وعصره.

طريق الشاي… إلى بوا شيري
بعد حقول القصب اتجهنا جنوبًا إلى أرض أكثر ارتفاعًا وبرودة، حيث تبدأ مزارع الشاي في الظهور. وما إن وصلنا إلى منطقة بوا شيري – Bois Chéri حتى تبدل المشهد من قصب طويل خشن إلى شجيرات شاي قصيرة، مصفوفة بعناية فوق التلال.
كانت خطوط الشاي تمتد في انحناءات منتظمة، تصعد مع الأرض وتهبط معها، حتى بدت كأنها نقوش خضراء رسمتها يد ماهرة فوق سفوح الجبال. وكانت قطرات المطر عالقة على الأوراق الصغيرة، بينما يغمر الضباب أطراف المزرعة ويخفي أجزاء منها.
يمر «طريق الشاي» في موريشيوس بثلاث محطات مشهورة: دومين دي أوبينو، وبوا شيري، وسانت أوبان، وتعد بوا شيري أقدم مزارع الشاي القائمة في الجزيرة، وفيها مصنع ومتحف يشرحان مراحل جمع الأوراق وتجفيفها وفرزها وإعدادها. 

دخل الشاي إلى موريشيوس سنة 1760م على يد قس فرنسي يدعى الأب غالوا، ثم زرعه عالم النبات بيير بوافر على نطاق أوسع سنة 1770م. غير أن زراعته التجارية لم تنشط إلا خلال الحكم البريطاني، حين شجع الحاكم روبرت فاركوهار زراعته، ثم تجدد الاهتمام به في أواخر القرن التاسع عشر. 

وفي المصنع شاهدنا كيف تنتقل الورقة من الحقل إلى مراحل الذبول واللف والتخمير والتجفيف، ثم تتحول إلى ذلك الشراب الذي يجتمع الناس حوله في مشارق الأرض ومغاربها.
جلست بعد الجولة أمام مزارع الشاي، وأمامنا أكواب تفوح منها رائحة الشاي الممزوج بالفانيليا، وهو من أشهر أنواع الشاي الموريشيوسي. كانت السحب تمر قريبًا من التلال، والهواء يحمل شيئًا من برودة المرتفعات، فوجدتني أمام مشهد يهمني بوصفي صاحب متحف للشاي، لا رحالةً عابرًا فحسب.
تأملت كيف انتقلت هذه النبتة من الصين إلى العالم، وكيف صنعت لها في كل بلد طقسًا مختلفًا؛ فهي في نجد تلقيمة ومجلس، وفي العراق استكانة وخادر، وفي المغرب إبريق ونعناع، وهنا في موريشيوس شاي أسود تعبق منه رائحة الفانيليا والمطر.

بحيرة مار أو فاكوا
واصلنا طريقنا بين الغابات حتى وصلنا إلى مار أو فاكوا – Mare aux Vacoas، وهي أكبر خزانات المياه في موريشيوس. أحاطت بها الأشجار الكثيفة، وبدت مياهها ساكنة داكنة، تعكس الغيوم والسماء الرمادية فوقها. 

لم تكن بحيرة سياحية تزدحم بالقوارب والمطاعم، بل خزانًا هادئًا يؤدي دورًا مهمًا في تزويد الجزيرة بالمياه. ولهذا كان الصمت يحيط بها، فلا تسمع إلا أصوات الطيور وحفيف الأشجار.
وقفت عندها أتأمل مفارقة الجزيرة: فهي محاطة بمياه المحيط من كل اتجاه، ومع ذلك تحتاج إلى حفظ ماء المطر في خزانات داخلية؛ فماء البحر لا يسقي الناس ولا الزرع، وإنما الحياة في تلك الغيوم التي تصطدم بالجبال وتهطل فوق الهضاب.

البحيرة المقدسة في قلب البركان
ومن مار أو فاكوا اتجهنا إلى غراند باسان – Grand Bassin، المعروفة أيضًا باسم غانغا تالاو، وهي بحيرة تكونت داخل فوهة بركانية قديمة في قلب الجزيرة. 
كانت البحيرة محاطة بالمعابد والتماثيل، ويقصدها الهندوس بوصفها مكانًا مقدسًا، ولا سيما في موسم احتفال «مها شيفاراتري». رأيت الزائرين يحملون القرابين، وآخرين يقفون عند الماء في خشوع، فيما تتحرك الأسماك تحت سطح البحيرة وتتجول القرود بين الأشجار.
لم أنظر إلى المكان من زاوية الاتفاق الديني، وإنما من زاوية الرحالة الذي يريد أن يفهم كيف تصنع المعتقدات علاقة الإنسان بالأرض. فقد تحولت فوهة بركان خامدة إلى مركز روحي يجتذب الناس من أنحاء الجزيرة، واكتسب الماء في وجدانهم معنى يتجاوز مادته.
والرحلة الناضجة لا تعني أن نذيب الفروق بين الأديان، ولا أن نصف كل ما نراه بالقبول، بل أن نعرف عقيدة الآخر كما يفهمها هو، ثم نعود إلى معتقدنا أكثر وعيًا وثباتًا، من غير ظلم ولا سخرية ولا اختزال وايضا كوننا في دارهم .

عبر أخاديد النهر الأسود
دخلنا بعد ذلك نطاق المنتزه الوطني لأخاديد النهر الأسود – Black River Gorges، أكبر متنزه وطني في موريشيوس، حيث تتكاثف الغابات الأصلية، وتنتشر الأودية والمنحدرات والشلالات والطيور النادرة. 

كان الطريق يلتف بين المرتفعات، وكلما انفتح أمامنا فراغ ظهرت أودية عميقة مغطاة بالأخضر، تتخللها الصخور السوداء والجداول الهابطة من الجبال.
ومن نقاط المشاهدة كانت الغابة تبدو بلا نهاية، تمتد حتى تلتقي بزرقة المحيط بعيدًا. وهناك شعرت أن موريشيوس الحقيقية لا تكتمل صورتها بالشاطئ؛ فالبحر يحيط بها، لكن الجبال والغابات والمياه الداخلية هي التي تمنحها روحها وعمقها.
شلال شاماريل… الماء الهابط في حضن الغابة
ثم وصلنا إلى واحد من أشهر مشاهد الجنوب الغربي: شلال شاماريل.
من منصة مرتفعة رأينا الماء يندفع من أعلى الجرف، ثم يسقط طويلًا في وادٍ عميق تحيط به الأشجار. وكان الشلال يبدو من بعيد كشريط أبيض شقّ الجبل الأخضر، ثم تلاشى رذاذًا في الأسفل.
يتغذى شلال شاماريل من ثلاثة جداول تصب في نهر سان دوني، ويبلغ ارتفاع سقوطه قرابة مئة متر، ويكون أكثر غزارة عادةً في موسم الأمطار بين ديسمبر وأبريل. 

وقفت أمامه طويلًا، فالشلالات لا تمنحك مشهدًا ثابتًا؛ إنها تتجدد في كل ثانية، ويهبط الماء نفسه في الصورة، لكنه ليس الماء ذاته. وربما لهذا تبعث في النفس معنى الزمن: يجري ولا يعود، ومع ذلك يبقى النهر قائمًا.

وما بين صوت الماء ورائحة الأرض الرطبة، بدا الجنوب الموريشيوسي بعيدًا كل البعد عن المنتجعات المنظمة؛ هنا كانت الطبيعة أكثر خشونة وصدقًا، لا تقدم نفسها للسائح في إطار مزخرف، بل تفرض عليه أن يقف صغيرًا أمام عظمتها.

وفي جبال الجنوب دخلنا وادي الألوان – La Vallée des Couleurs، 
فإذا بالأرض البركانية تتلوّن أمامنا في تموجات عجيبة، كأن الجبل قد بسط عباءة نسجتها الطبيعة من الأحمر والبنفسجي والأصفر والأزرق والبني. والموقع مشهور علميًّا باسم الأرض ذات الألوان الثلاثة والعشرين ، وقد صنعت عوامل تحلل الصخور البركانية واختلاف معادنها هذه الطبقات المتداخلة عبر آلاف السنين. 
وقفت أمامها مأخوذًا بذلك الجمال الذي لا تصنعه فرشاة رسام؛ تشرق عليه الشمس فتظهر ألوان، وتغشاه السحب فتخرج منه ألوان أخرى، حتى بدا لنا كلوحة أرضية تتبدل ملامحها كلما تبدل الضوء. 

شواطئ الجنوب الغربي… عند جبل لو مورن
هبطنا من المرتفعات نحو الساحل الجنوبي الغربي، حيث ظهر جبل لو مورن برابان قائمًا عند البحر، كتلة صخرية شاهقة تتقدم داخل المحيط.
وعند سفحه تمتد شواطئ لو مورن ذات الرمال الفاتحة والمياه الفيروزية، ويشرف عليها الجبل المدرج ضمن قائمة التراث العالمي. 
كان البحر هنا متعدد الألوان؛ أزرق داكن في الخارج، ثم فيروزي وأخضر قرب الشعاب المرجانية، حتى تكاد ترى الحدود الطبيعية التي تفصل البحيرة الساحلية الهادئة عن أمواج المحيط القوية.
ومررنا بسواحل بلاك ريفر وتامارين، حيث تتغير طبيعة الشاطئ بين الخلجان الصغيرة والرمال والمرافئ والقوارب. وفي بعض المواضع بدت قرى الصيادين ومراكبهم البسيطة أكثر جمالًا من الفنادق؛ لأنها تكشف الحياة كما هي، لا كما يراد للسائح أن يراها.
ومن قبالة لو مورن تلوح جزيرة إيل أو بنيتييه الصغيرة داخل البحيرة البحرية، وهي جزيرة منخفضة تحيط بها المياه الضحلة، ويقصدها الزوار بالقوارب للنزهة ومشاهدة الساحل والجبل من جهة البحر. 

جلسنا عند الشاطئ نرقب الشمس وهي تميل إلى الغروب خلف المحيط. اصطبغت السماء بالبرتقالي، ثم أخذت الجبال تتحول إلى ظلال سوداء، وبقي البحر يحتفظ بآخر خيط من الضوء.
في مثل تلك اللحظات يقل كلام الرحالة؛ فبعض المناظر لا تحتاج إلى وصف، بل تحتاج إلى صمت يليق بها.

ثم توقفنا للغداء في مطعم لو شاماريل البانورامي، القائم فوق مرتفعات الجنوب الغربي على علو يقارب 260 مترًا، والمطل من شرفته على زرقة المحيط وساحل لو مورن وجزيرة إيل أو بنيتييه الصغيرة الراقدة وسط المياه الفيروزية. جلسنا نتناول الطعام الموريشيوسي ونرقب القوارب تبدو من ذلك العلو كالنقاط البيضاء، والجبل يعانق البحر في مشهد جمع لذة الطعام بروعة المكان؛ ورأينا من مكاننا «أصغر جزيرة في العالم»  وهي جزيرة صغيرة غير مأهولة ومن ضمن أجمل مشاهد الساحل الجنوبي الغربي. 

من الغرب إلى شواطئ الشرق
وفي يوم آخر اتجهنا إلى الساحل الشرقي، فوجدنا وجهًا مختلفًا للجزيرة. كان الشرق أكثر تعرضًا للرياح، ومياهه أكثر صفاء واتساعًا، وشواطئه طويلة تحفها أشجار الكازوارينا.
وصلنا إلى بيل مار – Belle Mare، أحد أطول الشواطئ الرملية في موريشيوس. امتد الشاطئ أمامنا في خط أبيض طويل، وكانت أشعة الصباح تنعكس فوق الماء، فالشرق هو المكان الذي يستقبل شروق الشمس أولًا. 
يختلف بحر الشرق عن بحر الجنوب الغربي؛ هناك تشعر بثقل الجبال وقربها من الماء، أما هنا فالأفق أوسع، والبحيرة البحرية أكثر انفتاحًا، والهواء يحمل نسيمًا متواصلًا.
ومن منطقة ترو دو دوس – Trou d’Eau Douce تنطلق القوارب باتجاه جزيرة الغزلان – Île aux Cerfs، وهي جزيرة صغيرة قبالة الساحل الشرقي، تحيط بها الشواطئ البيضاء والبحيرات الفيروزية. 

أبحرنا فوق مياه صافية تتدرج ألوانها بحسب العمق، وكانت الشعاب المرجانية تكسر أمواج المحيط في الخارج، فتحفظ داخلها بحيرة هادئة تجري فيها القوارب.
وعند تلك الشواطئ أدركت سر تعلق الناس بموريشيوس؛ فهي لا تقدم بحرًا واحدًا، بل بحارًا متعددة في جزيرة واحدة: شاطئ أمام جبل، وآخر بين الغابات، وثالث تحيط به الجزر، ورابع تضربه أمواج المحيط بلا حاجز.
موريشيوس التي لا يراها نزيل الفندق
خرجت من هذه الجولة بقناعة أن من يزور موريشيوس ويقيم طوال وقته داخل الفندق لا يكون قد رأى الجزيرة، وإنما رأى منتجعًا أُقيم فوق جزء منها.
موريشيوس ليست شواطئ فحسب؛ إنها بورت لويس وأسواقها ومسجدها العتيق، وجبال بركانية تشكل أفق العاصمة، وحقول قصب تختزن تاريخ الاستعمار والهجرة، ومزارع شاي يلفها الضباب، وبحيرات تحفظ ماء المطر، وغابات تخفي الأودية والشلالات.
إنها كذلك مجتمع تكوّن من جماعات جاءت من الهند وإفريقيا والصين وأوروبا، ثم صنعت لنفسها هوية جزيرية خاصة؛ يأكل أهلها الطعام الهندي، ويتحدثون الكريولية والفرنسية، ويحمل بعضهم أسماء عربية، ويقيمون شعائر أديان متعددة، ثم يجتمعون جميعًا تحت علم جزيرة صغيرة وسط المحيط.

وداع الجزيرة
غادرت موريشيوس وما زالت في الذاكرة صور متتابعة: مئذنة مسجد الجمعة بين دكاكين بورت لويس، والغيوم تتعلق برؤوس الجبال، وأوراق القصب تتحرك مع الريح، وصفوف الشاي تلمع بعد المطر، وماء شاماريل يهبط في جوف الغابة، وجبل لو مورن يراقب المحيط، وشمس الشرق تنهض فوق بيل مار.
تعلمت من موريشيوس أن صغر مساحة البلاد لا يعني فقر تجربتها؛ فقد تحمل الجزيرة الصغيرة من تنوع الطبيعة والناس والتاريخ ما لا تحمله قارة كاملة.
وهكذا انتهى ذلك الجزء من رحلتي، لكن رائحته بقيت عالقة في الذاكرة: شيء من ملح المحيط، وشيء من رطوبة الغابة، وشيء من قصب السكر، وفوق ذلك كله عبق كوب شاي موريشيوسي بالفانيليا، احتسيته بين المزارع الخضراء، وأنا أحمد الله الذي فتح لنا أبواب الأرض لنرى ونتعلم ونعتبر.

الرحّال وائل الدغفق
رحّال الخبر

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق