المقاهي في الدرعية
دردشة عن مقاهي الدرعية، زمن الدولة السعودية الأولى!؟
ربما يستغرب البعض هذا الموضوع! فهل يوجد في الدرعية مقاهٍ آنذاك؟
الثابت أن المقاهي العامة؛ التي تبيع القهوة، ويجلس فيها الناس للمنادمة، وهي التي يقابلها في الانجليزية coffeeshop غير موجودة في الدرعية زمن الدولة السعودية الأولى.
ونص على عدم وجودها جوزيف روسو في تقريره عام ١٨٠٩م /١٢٢٤ﮪ وهو ينقل عن إمام مسجد الإمام سعود الخاص؛ عبدالرحمن بن خميس، الذي كان موجودا في حلب في تلك السنة.
وكذلك أكد المعلومة كورانسيه في كتابه (تاريخ الوهابيين منذ نشأتهم حتى عام ١٨٠٩م)، ونقلها من روسو وإن لم يشر إلى ذلك!
ولفتت هذه الجزئية انتباه الكاتبَين؛ التي ربما لا يراها غيرهما مهمة؛ كونهما من فرنسا - بلاد المقاهي - وعاشا في الشام أيضا؛ حيث المقاهي منتشرة في كل ناحية.
وقد فات ابن خميس أن يذكر لروسو سبب منع المقاهي في الدرعية، رغم وجودها في مكة وجدة والمدينة! كما ذكر ذلك الجواسيس الغربيون، الذين زاروا الحجاز فترة حكم الإمام سعود! (يبدو أنه من تلك الفترة وجدة غير!)
الثابت أن نظرة السعوديين للقهوة زمن الدولة السعودية الأولى كانت إيجابية، واستقر الحكم على جواز شربها في نجد، قبل قيام الدولة بعقود، بعد أخذ ورد من علماء المذاهب الأربعة في العالم الإسلامي أجمع!
وكان الإمام سعود يبعث بها إلى الأقاليم قبيل دخول رمضان؛ لتوزع على المساجد، فيتقوى بها المصلون على العبادة.
وقبل ذلك شربها الشيخ محمد بن عبدالوهاب وأبناؤه وطلابه في مَجْمَع التعليم في البجيري، في موضع ملحق بالمجمع coffeehouse وبه "كل ما ينوبها" أي كل ما يحتاجه صنع القهوة من بهار وما يؤكل معها من تمر وغيره، حسب لهجة أهل الدرعية، والحديث لحفيد الشيخ محمد، عبدالرحمن بن حسن.
كما أن النجديين عامة - كغيرهم من سكان الجزيرة حاضرة وبادية - يشربونها آنذاك ويقدمونها للضيف، ويباشر رب الدار صنعها بنفسه أمام الضيف، ولا يسمح للنساء بصنعها.
فهل كان أهل الدرعية لا يعرفون المقاهي، ولذلك لم توجد عندهم، واكتفوا بوجودها في بيوتهم، ومن يفد إليهم سيقدمونها له في بيوتهم بكل ترحاب!
الصحيح أنهم شاهدوها في الشام والحجاز والأحساء، ويعرفونها حق المعرفة؛ ولذلك منعوها عندهم!
كانت نظرة الحكام والعلماء في الدرعية ونجد للمقاهي نظرة سلبية جدا؛ كونها أماكن لإضاعة الوقت والقيل والقال، وشرب الأركيلة (الشيشة) ولعب الوَرَق والمنقلة [انظر تغريدة سابقة للكاتب عن المنقلة (البَيِّة) وطريقة لعبها] وغير ذلك من المحرمات والمكروهات.
وقد حذر منها الإمام سعود، وضمَّنها في رسائله الوعظية العامة والنصائح، التي يرسلها للأقاليم؛ لتقرأ على الناس في المساجد، ومن ذلك قوله: "وكذلك يذكر لنا في بعض البلدان بخس الموازين والمكاييل، وأيضا اجتماع الرديين في مقاهي ومعاشر، ولا يُمنعون".
وكان وجود المقاهي من الملحوظات السلبية التي لاحظها عليان الضبيبي؛
أحد قادة جيوش الدرعية زمن الإمام سعود بن عبدالعزيز، وحمل رسالة من سعود إلى يوسف كنج؛ والي دمشق والشام لدى العثمانيين، تتضمن بيانا لما تدعو إليه الدعوة السلفية من فضائل، وما تنهى عنه من رذائل.
ومن الرذائل قوله: "وشرب التوتون والأركيلة، ولعب المنقلة والوَرَق، والحديث في القهاوي .. وكل ما يلهي عن عبادة الله، فكل هذا مكروه، ويبعد عن عبادة الله".
وذكره للوَرَق، يعد أول دليل على معرفة العرب بالكوتشينة - كما تسمى في مصر- وانتشار لعبها آنذاك في القهاوي، ولازالت تلعب فيها إلى وقتنا الحاضر، وانتقلت منها للمجالس، وهذا يفسر كراهيتها لدى علماء نجد!
وقد سارع يوسف كنج، بعد أن حذره الإمام في الرسالة بأنه سيجتاح الشام ويسقطه إن لم ينضم إلى الدعوة، إلى إصدار تعميم في الشام، ضمَّنه جملة من القواعد والممنوعات منها: "لا أحد يشرب خارج بيته دخان ولا تنباك، ولا يصيِّر [يقيم] سهريات في القهاوي حسب العادات" بل بلَغ منه الذعر مبلغا جعله يمنع محلات بيع الحلوى؛ ظنا منه أنه محرمة عند السلفيين!
وعلى الفور، بدأ كنج يراسل والي بغداد ومحمد علي؛ لإعداد خطة ثلاثية لغزو الدرعية، وخاطب العالي لإمضائها.
الثابت أن نظرة السعوديين للقهوة زمن الدولة السعودية الأولى كانت إيجابية، واستقر الحكم على جواز شربها في نجد، قبل قيام الدولة بعقود، بعد أخذ ورد من علماء المذاهب الأربعة في العالم الإسلامي أجمع!
وكان الإمام سعود يبعث بها إلى الأقاليم قبيل دخول رمضان؛ لتوزع على المساجد، فيتقوى بها المصلون على العبادة.
وقبل ذلك شربها الشيخ محمد بن عبدالوهاب وأبناؤه وطلابه في مَجْمَع التعليم في البجيري، في موضع ملحق بالمجمع coffeehouse وبه "كل ما ينوبها" أي كل ما يحتاجه صنع القهوة من بهار وما يؤكل معها من تمر وغيره، حسب لهجة أهل الدرعية، والحديث لحفيد الشيخ محمد، عبدالرحمن بن حسن.
كما أن النجديين عامة - كغيرهم من سكان الجزيرة حاضرة وبادية - يشربونها آنذاك ويقدمونها للضيف، ويباشر رب الدار صنعها بنفسه أمام الضيف، ولا يسمح للنساء بصنعها.
فهل كان أهل الدرعية لا يعرفون المقاهي، ولذلك لم توجد عندهم، واكتفوا بوجودها في بيوتهم، ومن يفد إليهم سيقدمونها له في بيوتهم بكل ترحاب!
الصحيح أنهم شاهدوها في الشام والحجاز والأحساء، ويعرفونها حق المعرفة؛ ولذلك منعوها عندهم!
كانت نظرة الحكام والعلماء في الدرعية ونجد للمقاهي نظرة سلبية جدا؛ كونها أماكن لإضاعة الوقت والقيل والقال، وشرب الأركيلة (الشيشة) ولعب الوَرَق والمنقلة [انظر تغريدة سابقة للكاتب عن المنقلة (البَيِّة) وطريقة لعبها] وغير ذلك من المحرمات والمكروهات.
وقد حذر منها الإمام سعود، وضمَّنها في رسائله الوعظية العامة والنصائح، التي يرسلها للأقاليم؛ لتقرأ على الناس في المساجد، ومن ذلك قوله: "وكذلك يذكر لنا في بعض البلدان بخس الموازين والمكاييل، وأيضا اجتماع الرديين في مقاهي ومعاشر، ولا يُمنعون".
وكان وجود المقاهي من الملحوظات السلبية التي لاحظها عليان الضبيبي؛
أحد قادة جيوش الدرعية زمن الإمام سعود بن عبدالعزيز، وحمل رسالة من سعود إلى يوسف كنج؛ والي دمشق والشام لدى العثمانيين، تتضمن بيانا لما تدعو إليه الدعوة السلفية من فضائل، وما تنهى عنه من رذائل.
ومن الرذائل قوله: "وشرب التوتون والأركيلة، ولعب المنقلة والوَرَق، والحديث في القهاوي .. وكل ما يلهي عن عبادة الله، فكل هذا مكروه، ويبعد عن عبادة الله".
وذكره للوَرَق، يعد أول دليل على معرفة العرب بالكوتشينة - كما تسمى في مصر- وانتشار لعبها آنذاك في القهاوي، ولازالت تلعب فيها إلى وقتنا الحاضر، وانتقلت منها للمجالس، وهذا يفسر كراهيتها لدى علماء نجد!
وقد سارع يوسف كنج، بعد أن حذره الإمام في الرسالة بأنه سيجتاح الشام ويسقطه إن لم ينضم إلى الدعوة، إلى إصدار تعميم في الشام، ضمَّنه جملة من القواعد والممنوعات منها: "لا أحد يشرب خارج بيته دخان ولا تنباك، ولا يصيِّر [يقيم] سهريات في القهاوي حسب العادات" بل بلَغ منه الذعر مبلغا جعله يمنع محلات بيع الحلوى؛ ظنا منه أنه محرمة عند السلفيين!
القهوة في بلاد الشام بين الحلال والحرام
انتشرت القهوة في العالم الإسلامي بفضل الرحالة والحجاج والتجار، فانتقلت من مكة إلى تركيا ومنها إلى القاهرة في زمن الاحتلال العثماني، لتدخل حقبة من الجدل إن كانت حلالاً أو حراماً حتى اضطر بعض المشايخ إلى إجراء تجارب على شاربيها ليعلموا صدق هذه الادعاءات من كذبها.
فبعد أن أفتى الشيخ السنباطي بحرمتها في مجالسه بالأزهر "توجه بعض من سمع كلامه إلى بيوت القهوة وكسروا أوانيها وضربوا جماعة ممن كانوا هناك فقامت بسبب ذلك فتنة كبيرة"، بحسب ما جاء في كتاب "عمدة الصفوة في حل القهوة" للجزيري.
أما قاضي القضاة محمد بن إلياس الحنفي فقد أحضر جماعة ممن يشربون القهوة، وأمر بطبخها في منزله وسقاهم منها وجلس يتحدث معهم معظم النهار ليختبر حالهم، فلم ير فيهم تغيراً أو شيئاً منكراً فأقرها على حالها، ولكن هذا لم ينه الجدل، فكل فئة مع مشايخها زادت تعصباً لموقفها من القهوة.
مع الصوفية
يقول محمد أرناؤوط في كتابه "التاريخ الثقافي للقهوة والمقاهي"، إن وصول القهوة البنية إلى جنوب بلاد الشام وبروز المقاهي لأول مرة كان من الأحداث المهمة في التاريخ الحضاري للمنطقة.
وفي ما يتعلق بوصول وانتشار القهوة بالمنطقة نجد أن الروايات ارتبطت بثلاثة من الشيوخ الفقهاء، كان أشهرهم الشيخ أبوبكر بن عبدالله الشاذلي المعروف بالعيدروسي، إذ انتسب المشايخ الثلاثة إلى إحدى الطرق الصوفية، وبالتحديد الشاذلية، ويجمع كثيرون على أن الصوفيين هم المساهمون الأوائل في انتشار القهوة، لأنها كانت مناسبة للقيام بشعائرهم الدينية، أي ليظلوا يقظين ويستطيعوا التركيز في أثناء الذكر حتى آخر الليل.
وتعتبر الصلة بين القهوة والطرق الصوفية، وبخاصة الشاذلية، وطيدة إلى حد أن اسم القهوة أو شربها أصبح يرتبط بشكل وثيق بالشاذلي نفسه، فالقهوة في الجزائر تسمى "شاذلية". ويقول موسى خنشب في كتابه "طرائف الأمس غرائب اليوم"، "نجد في ضواحي دمشق إلى مطلع القرن العشرين أن صاحب البيت حين يأخذ إبريق القهوة من على النار يسكب الفنجان الأول على الأرض لأنه حصة الشاذلي، لاعتقادهم أن الشاذلي هو الذي ابتدع شرب القهوة أو أول من شربها، وأنهم إذا لم يرموا هذه من الفنجان على الأرض ستراق القهوة حتماً".
مزاج القاضي
يقول المؤرخ الدمشقي ابن طولون إنه عند مجيء الشيخ الحجازي علي بن محمد الشامي إلى دمشق عام 1539 "أشهر شرب القهوة بدمشق فاقتدى به الناس وكثرت يومئذ حوانيتها".
لكن هذا لم يدم طويلاً، فدمشق ومعها القدس عاشت أزمنة سمح فيها بشرب القهوة وفتح بيت لها، وأزمنة أخرى حرمت فيها وأغلقت بيوتها أو هدمت، وفي أحيان أخرى وصلت لإعدام الشخص الذي لا ينفذ قرار السلطان العثماني القائم على فتوى تحريمها. وكانت تتبدل أزمنة السماح والحرمان بتبدل السلطان أو بتغيير القاضي في دمشق من حين لآخر فيتغير معه الموقف برمته.
فبعد إجماع عدد من علماء دمشق وإرسالهم طلباً إلى السلطان سليمان القانوني بتحريمها، واتساقه مع الطلب ذاته من علماء القدس الذين رأوا أن الناس يقصدون بيوت القهوة أكثر من بيوت الله، استند السلطان إلى فتوى تحرم شرب القهوة وأمر بإزالة بيوتها ومنع الناس من الاجتماع فيها.
لكن الأمر اختلف بعد وفاة السلطان، وعاد الناس لشرب القهوة في عهد والي دمشق آنذاك "لالا مصطفى باشا"، وعلى رغم أن بعض معارضي القهوة بقوا يمارسون سلطتهم في الأطراف، فإن هذا لم يمنع أصحاب المقاهي من السفر إلى إسطنبول للاحتجاج على إغلاق مقاهيهم. وتفيد إحدى الوثائق بسفر أحد أصحاب المقاهي في غزة إلى السلطان وعودته مع وثيقة تسمح له بفتح بيت للقهوة ليرتزق منه.
أول المقاهي
على رغم ذلك فقد برزت المعارضة للقهوة ثانية خلال عهد الوالي العثماني سنان باشا عام 1587، حين بقي خطيب الجامع الأموي في دمشق مصراً على موقفه من القهوة، حتى إنه ألف رسالة تحريم القهوة حينئذ، لكن ردها عليه أهل عصره وعقدوا عليه مجلساً عند سنان باشا لإلزامه القول بتحليلها فلم يرجع، مخالفاً بذلك الإجماع.
هكذا يبدو بوضوح أن الكفة أخذت تميل إلى جانب أنصار القهوة منذ ذلك الحين، ودعمت بفتوى من شيخ الإسلام آنذاك بستان زادة محمد أفندي، الذي أصدر فتوى صريحة في تحليل القهوة.
وتشير المراجع إلى أن أول مقهى عرف في دمشق، لكن من دون تحديد الموقع، أنشئ قبل الثلث الأخير من القرن الـ16 حيث استطاع المؤرخون بعدها تحديد مواقع للمقاهي. فيقول الغزي بوجود "بيت للقهوة" في محلة السويقة بدمشق فتحه وباع القهوة فيه الشيخ محمد اليتيم عام 1568، كما بنى ولاة الشام آنذاك داراً للقهوة في إطار الوقف الذي كانوا يبنون فيه أسواقاً وحمامات وجوامع.
ما قيل فيها
وتكشف وقفية الوالي سنان باشا التي تعود لعامي 1595- 1596 عن إنشاء ثلاثة بيوت للقهوة، كما زارها في ذلك الوقت الخياري المدني وكتب في كتابه "تحفة الأدباء وسلوة الغرباء" عن مقاهي دمشق فقال "إنها من ألطف ما تلحظه بالشام النواظر وتقر به العين ويروق الخاطر". وقد أخذت مقاهي دمشق والقدس منذ ذلك الحين تجذب أكثر هواة النغم، إضافة إلى أن هذه المقاهي قدمت لروادها بعض الفنون التي ميزتها لاحقاً كالحكواتي والكراكوز، كما قدمت بعض العروض الجديدة التي لم تكن مألوفة في ذلك الحين كألعاب الخفة والمصارعة وغيرها. موقع بيت القهوة الأول في سوق العمارة، والثاني في سوق السنانية، والثالث في خان عيون التجار الذي كانت تقصده القوافل لأهميته التجارية كمفترق طرق في اتجاهي القدس وفلسطين جنوباً وإلى مصر غرباً.
وقد فتن الرحالة العرب والأجانب بما رأوه من المقاهي في دمشق بالذات، فقد زار الرحالة الفرنسي جان تيفنو دمشق في 1664، وذكر أن "كل مقاهي دمشق جميلة وتتميز بوفرة المياه"، وخص بالذكر "مقهى السنانية"
كما زارها في ذلك الوقت الخياري المدني وكتب في كتابه "تحفة الأدباء وسلوة الغرباء" عن مقاهي دمشق فقال "إنها من ألطف ما تلحظه بالشام النواظر وتقر به العين ويروق الخاطر". وقد أخذت مقاهي دمشق والقدس منذ ذلك الحين تجذب أكثر هواة النغم، إضافة إلى أن هذه المقاهي قدمت لروادها بعض الفنون التي ميزتها لاحقاً كالحكواتي والكراكوز، كما قدمت بعض العروض الجديدة التي لم تكن مألوفة في ذلك الحين كألعاب الخفة والمصارعة وغيرها.