خمسة قرون من الصراع على الجزيرة والخليج
تبدّلت القوى… وبقيت الجغرافيا
منذ دخول البرتغاليين إلى هرمز سنة 1507م وحتى صراعات عام 2026م، لا تبدو الجزيرة العربية والخليج أمام سلسلة حروب عشوائية منفصلة، كما لا يقدم التاريخ دليلًا كافيًا على وجود «خطة واحدة» وضعتها قوة ما قبل خمسة قرون واستمرت في تنفيذها إلى اليوم.
الأدق أن هناك جغرافيا استراتيجية ثابتة، وقوى متغيرة.
فالجزيرة العربية تقع بين الخليج العربي والبحر الأحمر والمحيط الهندي، وتتحكم أو تجاور ثلاثة من أهم الممرات البحرية: مضيق هرمز، باب المندب، والبحر الأحمر المؤدي إلى قناة السويس. وقبل عصر النفط كانت قيمتها في طريق الهند والتجارة واللؤلؤ والموانئ والحج؛ ثم أضيف إليها في القرن العشرين النفط والغاز؛ وفي القرن الحادي والعشرين أضيف أمن الطاقة وسلاسل الإمداد والقواعد العسكرية والممرات البحرية العالمية.
ولهذا تغير القادمون إلى المنطقة، ولكن لم تتغير أسباب اهتمام العالم بها.
كان البرتغالي يأتي بالسفينة والمدفع والحصن، وكان البريطاني يأتي بشركة الهند الشرقية ثم الأسطول والمعاهدة والمقيم السياسي، وجاء الأمريكي أولًا عبر شركات النفط ثم عبر التحالفات والقواعد والأساطيل والطيران. أما إيران وإسرائيل فهما قوتان إقليميتان حديثتان في هذا الصراع، ولا يصح تاريخيًا وضعهما في الفئة نفسها مع الإمبراطوريات البحرية الأوروبية؛ لكن صراعهما يجعل الخليج والبحر الأحمر والممرات المحيطة بالجزيرة جزءًا مباشرًا من حساباتهما الأمنية.
وهكذا فإن الثابت ليس العدو ولا الإمبراطورية؛ الثابت هو المكان.
المخطط التاريخي الكبير
يتضمن المرحلة والتاريخ مع سرد الحدث والأطراف المشاركة.
وأخيرا الرهان الاستراتيجي الأبرز..
1. المرحلة : بداية العصر البرتغالي1507م
الحدث والأطراف : هاجم أسطول ألفونسو دي ألبوكيرك هرمز وأخضعها مؤقتًا للبرتغال، قبل أن ينسحب ويعود لاحقًا.
الرهان الاستراتيجي هو: الإمساك بطريق الهند ومراقبة التجارة التي تمر بين المحيط الهندي والخليج.
2. تثبيت السيطرة على هرمز 1515م
الحدث والأطراف : عاد ألبوكيرك وثبّت الحكم البرتغالي في هرمز، الذي استمر أكثر من قرن.
السيطرة على بوابة الخليج وجباية الرسوم والتحكم في حركة السفن والبضائع.
3. معركة البحرين 1521م
الحدث والأطراف : هاجمت القوات البرتغالية-الهرمزية البحرين، وقُتل الأمير مقرن بن زامل الجبري في المقاومة.
السيطرة على البحرين وتجارة اللؤلؤ والضرائب وربطها بالنظام البرتغالي في هرمز.
4. دخول العثمانيين المنافسة الخليجية 1546–1559م
الحدث والأطراف : سيطر العثمانيون على البصرة سنة 1546، واتسع وجودهم إلى القطيف والأحساء، وحاولوا أخذ البحرين سنة 1559، في مواجهة مباشرة مع البرتغاليين.
الوصول إلى الخليج ومواجهة النفوذ البرتغالي وحماية المجال العثماني والتجارة القادمة من العراق والجزيرة.
5. الصعود الصفوي ونهاية احتكار البرتغال 1602–1622م
الحدث والأطراف : انتقلت البحرين إلى السيطرة الصفوية سنة 1602، ثم تعاونت قوات الشاه عباس مع سفن شركة الهند الشرقية الإنجليزية لطرد البرتغاليين من هرمز سنة 1622.
إنهاء السيطرة البرتغالية، واستعادة التجارة والتحكم في المنافذ الخليجية.
6. صعود مركز قوة من داخل الجزيرة 1727–1818م
الحدث والأطراف : تأسست الدولة السعودية الأولى في الدرعية سنة 1727، واتسعت في أجزاء كبيرة من الجزيرة حتى دخلت في مواجهة واسعة مع الدولة العثمانية وقوات محمد علي، وانتهت بسقوط الدرعية سنة 1818.
للمرة الأبرز في هذه المرحلة ظهر مشروع سياسي واسع من قلب الجزيرة يسعى إلى توحيد مجالها، في مقابل سعي العثمانيين للمحافظة على نفوذهم الإقليمي.
7. بداية النظام البريطاني في الخليج 1809–1820م
الحدث والأطراف : جاءت الحملات البريطانية على الساحل، ثم أُبرمت «المعاهدة العامة» سنة 1820 مع عدد من حكام الساحل. وتعدها مكتبة قطر الرقمية محطة مركزية في بداية نحو 150 عامًا من الهيمنة البريطانية في الخليج.
حماية الملاحة البريطانية وطريق الهند، ثم إنشاء نظام بحري وسياسي يخضع بصورة متزايدة لقواعد القوة البريطانية.
8. الإمساك بالبوابة الجنوبية 1839م
الحدث والأطراف : استولت بريطانيا على عدن في 19 يناير 1839 وأقامت فيها إدارة وقاعدة بريطانية.
تأمين الطريق بين الهند والبحر الأحمر، ولاحقًا تعزيز السيطرة على الممر المؤدي إلى باب المندب وقناة السويس.
9. عودة شرق الجزيرة إلى الدولة السعودية 1913م
الحدث والأطراف : استعاد الملك عبدالعزيز الأحساء والقطيف، وانتهى الوجود العسكري العثماني فيهما.
الوصول إلى ساحل الخليج وتوحيد المنطقة الشرقية وربط الداخل النجدي بالمنافذ البحرية.
10. معاهدة دارين/القطيف 26 ديسمبر 1915م
الحدث والأطراف : وقعت بريطانيا والملك عبدالعزيز معاهدة دارين؛ اعترفت بريطانيا بحكمه لنجد والأحساء والقطيف والجبيل وتضمنت ترتيبات للعلاقات الخارجية والحدود مع إمارات الخليج.
إدخال نجد رسميًا في شبكة التوازنات البريطانية أثناء الحرب العالمية الأولى، مع تثبيت موقع عبدالعزيز السياسي.
11. اتفاق العقير والحدود الحديثة 2 ديسمبر 1922م
الحدث والأطراف : أبرم في بندر العقير الاتفاق المتعلق بالحدود بين نجد والكويت. وتسجل الأمم المتحدة الاتفاق ومرفقاته بهذه الصفة.
انتقال جانب من الصراع من السيطرة على الموانئ إلى ترسيم الحدود والسيادة الحديثة.
12. بداية عصر النفط 1933–1939م
الحدث والأطراف : مُنح امتياز النفط لشركة ستاندرد أويل أوف كاليفورنيا سنة 1933، وتدفق النفط تجاريًا من بئر الدمام رقم 7 سنة 1938، وصدرت أول شحنة سنة 1939.
هنا تغيرت قيمة الخليج جذريًا: لم يعد ممرًا إلى الهند فحسب، بل أصبح أحد أهم مراكز الطاقة في العالم.
13. نهاية الحقبة البريطانية المباشرة 1971م
الحدث والأطراف : أنهت بريطانيا معاهدات الحماية وسحبت قواتها من الخليج، وظهرت البحرين وقطر والإمارات كدول مستقلة في شكلها الحديث.
نهاية النظام البريطاني الذي استمر منذ القرن التاسع عشر وبداية البحث عن توازن أمني جديد.
14. انتقال الثقل الأمني نحو الولايات المتحدة
1970م–1980م وما بعده
الحدث والأطراف : بدأ الحضور الأمريكي يتوسع بعد الانسحاب البريطاني، ثم جاء «مبدأ كارتر» في يناير 1980 ليعلن أن محاولة قوة خارجية السيطرة على الخليج تمس المصالح الحيوية الأمريكية ويمكن مواجهتها بالقوة.
حماية تدفق الطاقة ومنع قوة منافسة من الهيمنة على الخليج وترسيخ المظلة الأمنية الأمريكية.
15. الثورة الإيرانية والحرب العراقية الإيرانية
1979–1988م
الحدث والأطراف : غيرت الثورة الإيرانية طبيعة النظام الإقليمي، ثم اندلعت الحرب العراقية الإيرانية واستمرت ثمانية أعوام.
أصبح الخليج ساحة صراع بين أمن الدول العربية الخليجية والمشروع الثوري الإيراني، مع حضور أمريكي ودولي متزايد لحماية الملاحة والطاقة.
16. غزو الكويت وحرب الخليج1990–1991م
الحدث والأطراف : غزا العراق الكويت في أغسطس 1990، ثم قاد الولايات المتحدة تحالفًا دوليًا أخرج القوات العراقية منها في 1991.
أثبتت الأزمة أن أي تغيير بالقوة في توازن الخليج أو السيطرة على موارده سيستدعي تدخلًا دوليًا واسعًا.
17. غزو العراق وما بعده 2003م
الحدث والأطراف : غزت قوات تقودها الولايات المتحدة وبريطانيا العراق في مارس 2003 وأسقطت نظام صدام حسين.
الهدف الأمريكي المعلن كان إسقاط النظام؛ أما النتيجة الإقليمية الأوسع فكانت انهيار ميزان عراقي قديم وفتح فضاء جديد لتنافس القوى، ومن بينها إيران.
18. عصر حروب الوكالة 2011م–2020م
الحدث والأطراف : تحولت سوريا واليمن والعراق ولبنان بدرجات مختلفة إلى ساحات تنافس إقليمي ودولي؛ ووسعت إيران شبكة من الحلفاء والجماعات المسلحة في عدة دول، بالتوازي مع تدخل دول إقليمية وعالمية أخرى.
لم يعد النفوذ يحتاج دائمًا إلى احتلال مباشر؛ صار بالإمكان تحقيقه بالحليف المحلي والميليشيا والطائرات المسيّرة والصواريخ والضغط الاقتصادي.
19. من الوكلاء إلى المواجهة المباشرة 2023–2026م
الحدث والأطراف : بعد حرب غزة واتساع الجبهات، انتقلت إيران وإسرائيل من نمط «حرب الظل» إلى ضربات مباشرة، ثم توسعت المواجهة في 2025 و2026 وشاركت الولايات المتحدة عسكريًا، مع اضطراب الملاحة في هرمز والبحر الأحمر.
الصراع على الردع والبرنامج النووي وموازين القوة الإقليمية، لكن أثره يمتد مباشرة إلى أهم شرايين الطاقة والتجارة المحيطة بالجزيرة العربية.
20. عودة المضائق إلى قلب الصراع2026م
الحدث والأطراف : عاد مضيق هرمز نفسه، الذي كان جوهر صراع البرتغاليين في القرن السادس عشر، إلى صدارة الأزمة؛ وفي 1 أكتوبر 2026 أفادت رويترز بإصابة ثلاث ناقلات بمقذوفات مجهولة المصدر في المضيق وسط استمرار التوتر.
الرهان الاستراتيجي الأبرز: بعد أكثر من خمسة قرون يعود المكان نفسه ليؤثر في النفط والأسواق والقوى الكبرى، وإن تغيرت السفن والأسلحة والأطراف.
ماذا تغير خلال خمسة قرون؟
في القرن السادس عشر كان الحضور الخارجي بحريًا إمبراطوريًا مباشرًا: أساطيل، حصون، مدافع، وفرض رسوم على السفن.
وفي القرن التاسع عشر تطور النموذج البريطاني إلى شيء مختلف: أسطول + تجارة + معاهدات + حماية + مقيم سياسي. وتشير مكتبة قطر الرقمية إلى أن بريطانيا أصبحت القوة المهيمنة في الخليج لما يزيد على 150 عامًا، من 1820 حتى 1971، وأن طبيعة وجودها انتقلت تدريجيًا من المصالح التجارية إلى الهيمنة السياسية.
وفي القرن العشرين تغيرت الجائزة نفسها. فمع اكتشاف النفط لم يعد السؤال فقط: «من يسيطر على طريق الهند؟»، بل أصبح: من يضمن إنتاج الطاقة ونقلها ومنع خصمه من السيطرة عليها؟
أما الولايات المتحدة فلم تحتل موقع بريطانيا بطريقة مطابقة. بدأ ارتباطها الكبير بالسعودية والخليج اقتصاديًا ونفطيًا، ثم تطور إلى وجود سياسي وأمني وعسكري؛ وبعد 1971 أخذ دورها يتسع، وأصبح الدفاع عن أمن الخليج مبدأً معلنًا بصورة واضحة في عهد كارتر سنة 1980.
وفي القرن الحادي والعشرين تغيرت أدوات القوة مرة أخرى: قواعد عسكرية، أقمار صناعية، طائرات شبحية، صواريخ باليستية، طائرات مسيرة، عقوبات اقتصادية، حروب إلكترونية، ووكلاء محليون.
لكن الخريطة لم تتغير.
إيران وإسرائيل أين توضعان في هذا التسلسل؟
ينبغي هنا التفريق بينهما وبين البرتغال وبريطانيا.
إيران قوة إقليمية ملاصقة للخليج، وكانت فارس والصفويون جزءًا من صراعات الخليج قبل قيام الدول الحديثة بزمن طويل. لذلك فإن الصراع معها ليس «حضورًا أجنبيًا» بالمعنى نفسه الذي كان يمثله الأسطول البرتغالي أو الإمبراطورية البريطانية.
أما إسرائيل فهي قوة إقليمية حديثة، ودخولها في صراع الخليج جاء أساسًا من باب الأمن والبرنامج النووي الإيراني وشبكة حلفاء إيران والتهديدات المتبادلة، وليس من محاولة استعمار موانئ الخليج أو حكمها.
والولايات المتحدة قوة عالمية خارج الإقليم، لكن وجودها يختلف أيضًا عن الاستعمار البريطاني التقليدي؛ فهو يقوم أساسًا على التحالفات والقواعد والانتشار البحري والجوي والعلاقات الأمنية والاقتصادية.
وهذه الفروق مهمة؛ لأن وضع البرتغال وبريطانيا وأمريكا وإيران وإسرائيل تحت عنوان واحد سيعطي صورة جذابة بصريًا لكنها ضعيفة تاريخيًا.
الخيط الذي يجمع القرون الخمسة
يمكن تلخيص المشهد كله في معادلة واحدة:
موقع جغرافي بالغ الأهمية
مضائق بحرية حاسمة
تجارة عالمية ثم طاقة عالمية
قوى إقليمية تتنافس على النفوذ
قوى دولية تخشى احتكار طرف واحد للمكان.
والنتيجة عودة الصراع إلى الجزيرة والخليج جيلاً بعد جيل.
ولذل
ك فإن أفضل قراءة للتاريخ ليست:
«هناك مؤامرة واحدة عمرها خمسمائة عام».
كما أنها ليست:
«كل هذه الأحداث مجرد مصادفات لا علاقة بينها».
بل الأدق:
كل قوة وصلت إلى المنطقة قرأت الجغرافيا نفسها، ثم استخدمت أدوات عصرها لتحقيق مصالحها.
البرتغالي رأى هرمز وطريق الهند.
العثماني رأى العراق والأحساء والبحر الأحمر ومواجهة البرتغال والصفويين.
الصفوي رأى هرمز والبحرين والتجارة ومواجهة العثمانيين والبرتغاليين.
البريطاني رأى الهند والملاحة ثم النفط.
الأمريكي رأى الطاقة وأمن الحلفاء ومنع خصم دولي أو إقليمي من الهيمنة.
إيران الحديثة ترى أمنها ونفوذها ومجالها الإقليمي وإبعاد القوات الأمريكية عن جوارها.
وإسرائيل ترى إيران وبرنامجها العسكري والنووي وشبكة حلفائها باعتبارها تهديدًا أمنيًا رئيسيًا.
أما دول الجزيرة والخليج فهي ليست مجرد رقعة يتنافس الآخرون عليها؛ بل أصبحت هي الأخرى دولًا ذات سياسات وتحالفات وقدرات، تحاول أن تمنع تحوّل موقعها الاستراتيجي من نعمة اقتصادية إلى ساحة صدام دائم.
من هرمز سنة 1507م إلى هرمز سنة 2026م، تغيّرت الأعلام والسفن والأسلحة، وتبدلت الإمبراطوريات والدول والتحالفات، لكن الخليج والجزيرة العربية ظلا في قلب الحسابات العالمية.
لم تكن القيمة في الأرض وحدها، بل في موقعها: بين آسيا وأفريقيا، وبين البحر المتوسط والمحيط الهندي، وعلى ضفاف أهم خزانات الطاقة، وبجوار هرمز وباب المندب والبحر الأحمر.
ولهذا فإن تاريخ القرون الخمسة لا يخبرنا بأن قوة واحدة كانت تدير الأحداث كلها، بل يخبرنا بشيء ربما أهم:
أن الجغرافيا قادرة على صناعة استمرارية تاريخية أطول من عمر الإمبراطوريات نفسها.
فالبرتغالي رحل، والعثماني رحل، والبريطاني انسحب، والأمريكي أعاد صياغة وجوده، وتبدلت إيران وإسرائيل والعراق ودول المنطقة؛ لكن السفن ما زالت تعبر المضائق ذاتها، والقوى الكبرى ما زالت تحسب حساب المسافة نفسها بين هرمز وباب المندب.
تبدّلت القوى… وبقيت الجغرافيا.
إعداد: الرحّال د. وائل الدغفق