إلى أقصى الغرب العربي موريتانيا
بعيون رحّال الخبر
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
في كل رحلة أشعر أن الأرض ما تزال تخبئ لي بابًا لم أطرقه، وأن وراء الأفق مكانًا ينتظر أن أصل إليه، لا لأراه بعيني فحسب، بل لأفهمه وأسمع حكايته وأعود بشيء من روحه.
وها أنا في يوم جديد، أحمل نفسًا متجددة، وأسابق الشمس نحو أقصى الغرب العربي والإسلامي، إلى بلاد شنقيط، موريتانيا؛ تلك الأرض التي امتدت في مخيلتي سنوات طويلة قبل أن يأذن الله بلقائها.
كنت أرى هذه الرحلة مقابلة لرحلة أخرى قطعتها إلى أقصى المشرق العربي، إلى سلطنة عُمان ورأس الحد المطل على بحر العرب. فهناك تقف اليابسة العربية في أقصى الشرق، وهنا تمتد بلاد المغرب العربي نحو المحيط الأطلسي، الذي سماه الجغرافيون العرب قديمًا «بحر الظلمات».
كان في خاطري أن أتابع المسير شمالًا حتى نواذيبو وما يليها من السواحل الأطلسية، وأن أقترب من رأس نواذيبو، ومن تخوم الكويرة في أقصى الجنوب المغربي المتنازع عليه؛ حيث تنتهي الرمال عند البحر، ويبدو الأفق كأنه آخر اليابسة وأول المجهول.
عند بحر الظلمات
حين يقترب المسافر من المحيط الأطلسي، لا يحضر البحر وحده، بل تحضر معه ذاكرة الفتوحات الأولى، وقصص الرجال الذين عبروا الصحارى والجبال حتى بلغوا أقصى المغرب.
وتنسب كتب التاريخ والأدب إلى القائد عقبة بن نافع كلمات قالها عند بلوغه سواحل المحيط:
«اللهم اشهد أني قد بلغت المجهود، ولولا هذا البحر لمضيت في البلاد أقاتل من كفر بك، حتى لا يعبد أحد من دونك».
وقد اختلف المؤرخون في صحة اللفظ ومكان الواقعة وتفاصيلها، غير أن الرواية بقيت في الذاكرة الإسلامية رمزًا لهمم رجال لم تكن الجبال ولا الصحارى توقف سيرهم.
كنت أتأمل ذلك البحر، وأفكر في المسافات التي قطعها أولئك الرجال، وفي عالمهم الذي لم تكن فيه خرائط دقيقة، ولا طائرات، ولا أجهزة تحدد الموقع، ومع ذلك بلغوا من الأرض ما لم يكن الوصول إليه أمرًا يسيرًا.
إنها همة أجيال رأت أن الإنسان لا يُقاس بما يملكه من وسائل، بل بما يحمله من عزيمة وإيمان ووضوح غاية.
ثم عدت من صفحات التاريخ إلى رحلتي، فلكل زمن وسائله، ولكل مسافر طريقته، ومهمتي هنا ليست الفتح ولا المغالبة، وإنما المعرفة واللقاء، وأن أرى بلاد شنقيط كما هي، لا كما ترسمها الأخبار والانطباعات البعيدة.
بلاد شنقيط في الذاكرة
ظلت موريتانيا حاضرة في مخيلتي زمنًا طويلًا.
كنت أسمع عنها باسم «بلاد شنقيط»، فأستحضر مدن القوافل، والمكتبات الصحراوية، والمحاظر، والعلماء الذين كانوا يحملون الكتب في صدورهم، ويقطعون الفيافي طلبًا للعلم ونشرًا له.
كانت البلاد تبدو لي بعيدة، محاطة بالصحراء، قليلة الحضور في البرامج السياحية العربية، وكأنها صفحة لم يكثر من قراءتها المسافرون.
ولهذا كنت أرغب في زيارتها بنفسي، لأرى كيف تعيش العاصمة عند تخوم الصحراء، وكيف يلتقي المجتمع العربي والأفريقي في بلد واحد، وكيف تصنع الرمال والبحر والعلم والقبيلة هوية هذه البلاد.
وحين تيسرت الأسباب، انفتح الطريق الذي انتظرته طويلًا.
الإعداد للرحلة
بكثرة الأسفار وتعدد الرحلات، أصبحت الاستعدادات الأولية أكثر سهولة، وإن بقي لكل بلد ما يستحق الدراسة والانتباه.
قررت أن تكون موريتانيا بداية جولة أوسع في أقصى غرب أفريقيا، تضم المغرب والجابون، مع احتمال إضافة بعض الدول المجاورة، مثل غينيا أو مالي، إذا تيسرت الظروف وسمحت الطرق والأوضاع بذلك.
بدأت بجمع المعلومات عن موريتانيا: وضعها السياسي والأمني، والمسافات بين مدنها، ووسائل النقل، وأماكن السكن، والطقس، والأسعار، والخدمات التي يحتاج إليها المسافر.
وكانت البلاد قد شهدت مرحلة من الاستقرار النسبي بعد سنوات من التحولات السياسية، كما كان الحصول على تأشيرة الدخول ممكنًا عند الوصول إلى مطار نواكشوط، دون الحاجة إلى استخراجها مسبقًا من المملكة.
راجعت كذلك الاشتراطات الصحية وشهادات التطعيم اللازمة للرحلة الأفريقية، وجهزنا ما لدينا من وثائق تتعلق بالتطعيمات، ومنها الحمى الصفراء والتهاب الكبد وغيرها مما قد يُطلب عند بعض الحدود والمطارات.
أما الحقائب، فكانت خفيفة جدًا؛ حقيبة ظهر صغيرة لكل واحد منا، تكفينا خلال التنقل المستمر.
تعلمت من الرحلات الطويلة أن كثرة الأمتعة عبء، وأن المسافر كلما خفّ حمله ازدادت حريته. كما أن تجنب شحن الحقائب يقلل احتمال تأخرها أو فقدانها عند تعدد الرحلات والمطارات.
وكان رفيقي في هذه الجولة الأفريقية أخي أبو زياد صالح الحميدان، الذي سيشاركني الطريق من موريتانيا إلى المغرب ثم الجابون، بعون الله وحفظه.
حجزنا التذاكر، ورتبنا المسارات، وأعددنا الأوراق، ثم حان موعد الانتقال من التخطيط على الورق إلى الطريق الحقيقي.
بداية الرحلة
انطلقنا من مطار الملك خالد الدولي في الرياض على متن الخطوط الملكية المغربية.
توقفت الطائرة في مطار جدة لتبديل بعض الركاب، دون أن نغادرها، ثم أقلعت بنا نحو الدار البيضاء في رحلة امتدت قرابة سبع ساعات.
كان الإقلاع قبيل الفجر، وبين ظلمة السماء وهدوء الركاب بدأت المسافات تتلاشى تحتنا، وغادرنا جزيرة العرب باتجاه أقصى المغرب.
وصلنا صباحًا إلى مطار محمد الخامس في الدار البيضاء، وكانت لنا فيه ساعات انتظار قبل متابعة الرحلة إلى نواكشوط.
المطارات في مثل هذه الرحلات ليست مجرد نقاط عبور؛ فهي أماكن تلتقي فيها الجنسيات واللغات والوجوه، وترى فيها شيئًا من حركة العالم قبل أن تصل إلى وجهتك.
وحين حان الموعد، صعدنا الطائرة المتجهة إلى العاصمة الموريتانية.
من الدار البيضاء إلى نواكشوط
استغرقت الرحلة الجوية من الدار البيضاء إلى نواكشوط نحو ساعتين ونصف تقريبًا.
كانت الطائرة قديمة نسبيًا، وشاشاتها الداخلية من طراز مضى عليه الزمن، حتى إن بعض البيانات الظاهرة عليها لم تكن سهلة القراءة. ومع ذلك كانت الخدمة مقبولة، والرحلة هادئة.
ومع اقترابنا من نواكشوط، بدأت الأرض أسفلنا تتغير.
اختفت المساحات الخضراء شيئًا فشيئًا، واتسع لون الرمل، وبدت الصحراء كبحر آخر، لكنه بحر ساكن لا أمواج فيه.
كنت أنظر من نافذة الطائرة، وأقول في نفسي:
هذه هي بلاد شنقيط التي طالما قرأت عنها، وها أنا الآن أهبط في أرضها.
مطار نواكشوط أم التونسي
هبطت الطائرة في مطار نواكشوط الدولي، المعروف بمطار «أم التونسي».
يحمل المكان اسم معركة أم التونسي التي وقعت في تلك المنطقة خلال الحقبة الاستعمارية الفرنسية، وأصبح الاسم جزءًا من ذاكرة البلاد الحديثة.
كان المطار جديدًا، لم يمض على افتتاحه آنذاك سوى أشهر قليلة. بدا حديث الطلاء، منظم القاعات، ومجهزًا بالممرات التي تصل الطائرات بالمبنى.
وكانت هذه الممرات مكونة من جزء ثابت مبني من الإسمنت والطوب، وجزء متحرك يتصل بالطائرة، في صورة تجمع بين حداثة المنشأة وبساطة الإمكانات.
دخلنا القاعة، وملأنا استمارات الوصول، ثم توجهنا إلى المكان المخصص لاستخراج التأشيرات.
كان معنا عدد من المسافرين الأوروبيين، وكنا ندخل اثنين اثنين إلى غرفة صغيرة تضم مكتبًا وكاميرا وجهاز حاسب وطابعة وجهازًا لأخذ البصمات.
استُكملت الإجراءات، ثم دفعنا مبلغ تسعين دولارًا عن كل تأشيرة، وحصلنا على إذن الدخول إلى البلاد.
خرجت من غرفة التأشيرات متجهًا إلى صف الجوازات. وكان بعض المسافرين قد انتقلوا إلى المقدمة بمساعدة بعض العاملين، بينما بقينا ننتظر دورنا في صمت.
وحين وصلنا إلى موظف الجوازات، سألنا عن مقر الإقامة وخطتنا في البلاد، ثم ختم الجوازين، وكانت تلك الختمة بداية الدخول الفعلي إلى موريتانيا.
هدية الاتصال الأولى
قبل أن نغادر المطار، حصلنا على شريحة هاتف مجانية من شركة «موريتل»، وبها ساعة اتصال ونحو خمسمائة ميغابايت من الإنترنت.
كانت لفتة طيبة ومفيدة للمسافر عند وصوله، إذ مكنتنا من التواصل مباشرة وترتيب أمورنا دون عناء البحث عن متجر أو شريحة في ساعة متأخرة.
عند بوابة الوصول وجدنا سائق حافلة الفندق يحمل اسمنا.
ركبنا معه، وكان برفقتنا مسافر مغربي يعمل في مصنع للكرتون المستخدم في تعبئة الخضراوات، وقد جاء للقاء عملاء موريتانيين، وكان يقيم في الفندق نفسه الذي حجزناه، وهو فندق «وصال».
الطريق إلى نواكشوط
غادرنا المطار متجهين إلى وسط العاصمة.
استغرقت الرحلة قرابة نصف ساعة، وكان الوقت قد تجاوز منتصف الليل. خفتت الحركة، وهدأت الطرق، ولم يبق من المدينة سوى أضواء متفرقة ومبانٍ تظهر ثم تختفي في العتمة.
كانت الطريق القادمة من المطار مضاءة بأعمدة تعمل بالطاقة الشمسية، وهي فكرة لافتة في بلد تشرق عليه الشمس معظم أيام العام.
أما ما حول الطريق، فكان يكشف عن مدينة في طور النمو؛ طرق متفرعة، وأحياء متباعدة، ومبانٍ بسيطة، ومساحات من الرمل تفصل بين البيوت والمنشآت.
بدت نواكشوط مختلفة عن العواصم التي اعتدناها.
لم تكن تحاول أن تخفي الصحراء أو تطردها من شوارعها، بل كانت الصحراء تسكن داخلها، وتدخل بين أحيائها، وتضع لونها على طرقها ومبانيها وهوائها.
كانت المدينة توحي ببدايات المدن، أكثر مما توحي بعاصمة مكتملة البنيان، ولكنها في الوقت نفسه كانت تحمل شخصية لا تخطئها العين: عاصمة نشأت عند حافة الأطلسي، وسط أرض رملية مفتوحة، وأصبحت مأوى لسكان قدموا إليها من أنحاء البلاد.
فندق وصال
وصلنا إلى فندق «وصال»، وكان مصنفًا بأربع نجوم، لكن الواقع بدا أقرب إلى فندق متواضع من نجمتين.
كان المكان نظيفًا على العموم، إلا أنه بلا مصعد، وهو ما جعل صعود الحقائب إلى الغرف تمرينًا إضافيًا بعد ساعات السفر الطويلة.
وكان في الفندق مسبح جيد، كما قدم إفطارًا جميلًا تبين لنا لاحقًا أنه من أفضل وجبات الإفطار التي تناولناها في فنادق الرحلة.
لكننا في تلك الساعة لم نكن نفكر في المسبح، ولا في الإفطار، ولا حتى في تفاصيل الفندق.
كان النوم وحده هو البرنامج.
دخلنا غرفنا، ووضعنا حقائب الظهر القليلة جانبًا، واستسلمنا للراحة بعد رحلة طويلة بدأت من الرياض، وعبرت جدة والدار البيضاء، وانتهت عند منتصف الليل في نواكشوط.
أغمضت عيني وأنا أفكر في اليوم التالي.
خلف جدران الفندق كانت مدينة كاملة تنتظرنا، وخلف المدينة صحراء واسعة، وقرى وأسواق وشواطئ ووجوه لم نعرفها بعد.
كان وصولنا إلى نواكشوط مجرد الصفحة الأولى.
أما موريتانيا الحقيقية، فلم تكن قد بدأت حديثها معنا بعد.
أضفتُ واحة تِرجيت وعينها الجارية في موضعها الطبيعي بين أطار وشنقيط، وصححتُ وصف «عين الصحراء»؛ فهي ليست حفرةً ولا فوهةً نيزكية، بل تكوين جيولوجي هائل يُعرف ببنية الريشات.
الكتابة
الغرب العربي
من نواكشوط إلى مدن القوافل وعين الصحراء
من روايات رحّال الخبر في موريتانيا
اليوم الأول في موريتانيا
أصبحنا بعد نوم هانئ، وأدينا صلاة الفجر، ثم نزلنا إلى مطعم الفندق وقد سبقنا إليه عبق الخبز الساخن ورائحة القهوة.
كان الإفطار غنيًا على غير ما توقعنا؛ كبدة ولحوم وأجبان وبيض، ومعجنات وخبز وفواكه متنوعة، ومعها الحليب والشاي والقهوة. جلسنا نحمد الله على ما أنعم به علينا، وقد استعادت الأجساد بعض عافيتها بعد الطريق الطويل الذي بدأ من الرياض وعبر جدة والدار البيضاء، ثم انتهى بنا عند منتصف الليل في نواكشوط.
بعد الإفطار خرجت أبحث عن أمرين لا يستغني عنهما المسافر في مثل هذه الرحلات: صرف النقود، وسيارة تحملنا في جولتنا الطويلة داخل البلاد.
خرجت إلى الطريق العام، وكانت نواكشوط قد بدأت تستيقظ ببطء. سيارات قديمة وحديثة تتداخل في الشوارع، وعربات صغيرة تقف أمام المحال، وباعة يفترشون أطراف الطريق، وعمارات متفرقة لا يجمع بينها نسق معماري واحد.
بدت المدينة كأنها اتسعت قبل أن يكتمل تنظيمها؛ فالمحال متداخلة، والطرق تتفرع بلا وضوح، والرمال تظهر بين الأبنية وكأن الصحراء لم تتنازل بعد عن أرضها للمدينة.
وكان أكثر ما شد انتباهي كثرة المحال التي تبيع أجهزة كشف المعادن والذهب.
رأيت تلك الأجهزة معروضة في واجهات المتاجر بأعداد لافتة، وكأن حمى البحث عن الذهب التي انتشرت في السودان وأجزاء من أفريقيا قد وجدت طريقها إلى موريتانيا. كان الناس يتحدثون عن مناطق التنقيب وعن الذين خرجوا إلى الصحراء يبحثون عن رزق قد يختبئ تحت الرمال.
قلت في نفسي:
ما أشبه الذهب بالسراب؛ كلاهما يلمع من بعيد، وقد يمضي الإنسان خلفه عمرًا كاملًا دون أن يمسك إلا بالرمل.
سوق نواكشوط الكبير
واصلت السير حتى وصلت إلى السوق الكبير، فوجدته عالمًا قائمًا بذاته.
تعددت ألوان الأكشاك بتعدد ما يُباع فيها؛ هذا يجر عربة تحمل الفاكهة، وذاك يرفع أمامه صفوفًا من النظارات الشمسية، وثالث رص الأحذية بعضها فوق بعض، وآخر يبيع الملابس والدراريع والملاحف.
وفي ناحية أخرى جلس بائع السجائر إلى صندوقه الصغير، بينما علت أصوات أصحاب المحال ينادون على بضائعهم، واختلطت العربية الحسانية بكلمات فرنسية ولهجات أفريقية مختلفة.
كانت الألوان الزاهية للملاحف تملأ السوق، فتبدو المرأة الموريتانية وهي تسير بينها كأنها جزء من لوحة صحراوية تحركت فيها الألوان. ويُعد سوق العاصمة من أكبر أسواق نواكشوط وأشهرها، وتبرز فيه الملاحف النسائية والدراريع الرجالية بوصفها من أهم مظاهر اللباس الموريتاني.
صرف المال واستئجار السيارة
وصلت إلى أحد مكاتب الصرافة، وصرفت ما معنا من الريالات السعودية.
كان الريال الواحد يومئذ يقارب مائة أوقية من العملة الموريتانية القديمة، فحملت رزمًا كبيرة من الأوراق النقدية، وشعرت للحظة أنني أصبحت من أصحاب الملايين، لكن الأسعار سرعان ما أعادتني إلى الحقيقة!
ثم بدأت البحث عن سيارة تناسب طريقنا.
لم تكن رحلتنا جولة داخل العاصمة فحسب؛ بل كنا نخطط لعبور مسافات طويلة بين الصحراء والهضاب والواحات والمدن القديمة، ولذلك لم تكن السيارة السياحية الصغيرة مناسبة. كنا نحتاج إلى سيارة قوية تتحمل الطرق الطويلة، والمقاطع الرملية، وما قد يفاجئنا من تغير المسارات.
وبعد بحث ومفاوضات واتصالات، استقر أمرنا على سيارة تصلح لرحلة لا نعرف على وجه الدقة ماذا ستضع في طريقنا.
وفي الرحلات الصحراوية لا تستأجر سيارة فقط، بل تستأجر معها شيئًا من الطمأنينة؛ لأن المركبة هناك ليست وسيلة رفاهية، وإنما رفيق قد تتوقف عليه سلامة الرحلة كلها.
نواكشوط
عاصمة تنمو فوق الرمال
أكملنا جولتنا في نواكشوط، فرأينا مدينة تجمع بين ملامح العاصمة وحياة البادية.
فيها مبانٍ حكومية وفنادق وأسواق، ولكنك لا تبتعد كثيرًا حتى ترى الخيام والمواشي والأحياء الرملية. وقد تمر بك سيارة حديثة، ثم تسير إلى جانبها عربة يجرها حمار، فلا تشعر أن في المشهد تناقضًا؛ لأن نواكشوط اعتادت أن تجمع الأزمنة كلها في شارع واحد.
كانت الأتربة تتطاير مع حركة السيارات، والمحلات تعرض بضائعها إلى الطريق، والأصوات تتعالى من الأسواق، بينما يسير الرجال بدراعاتهم الفضفاضة، والنساء بملاحفهن الملونة.
ثم توجهنا نحو شاطئ الصيادين.
هناك رأينا وجهًا آخر للعاصمة؛ المحيط الأطلسي أمامنا بلا نهاية، ومئات القوارب الخشبية الملونة تعود من البحر، يدفعها الرجال بقوة الموج حتى تبلغ الشاطئ.
كان الصيادون يفرغون حمولتهم من السمك، ويتجمع حولهم التجار والعمال، وتتحول الرمال في لحظات إلى سوق حيّ تتداخل فيه رائحة البحر بالعرق والملح والأسماك.
ومع غروب الشمس، كانت القوارب تبدو كألوان متناثرة فوق صفحة المحيط. ويُعد مشهد عودة قوارب الصيد إلى شاطئ نواكشوط وتفريغ حمولتها من أشهر مشاهد العاصمة الساحلية.
وقفت أمام البحر أتأمله.
خلفنا الصحراء الكبرى، وأمامنا بحر الظلمات، وبينهما قامت نواكشوط؛ مدينة حديثة العهد، لكنها تحمل على كتفيها بلدًا واسعًا من الرمال والقبائل والتاريخ.
إلى شمال موريتانيا
في صباح اليوم التالي، حملنا حقائبنا الصغيرة، وتأكدنا من الماء والوقود، ثم غادرنا نواكشوط نحو الشمال الشرقي.
كلما ابتعدنا عن العاصمة خفتت المباني واتسعت الصحراء. أصبح الطريق خطًا أسود طويلًا يخترق أرضًا مفتوحة، لا يحدها في بعض المواضع سوى الأفق.
كانت القرى تظهر متباعدة؛ مجموعة بيوت بسيطة، وخيام، ودكان صغير، ومحطة وقود قد لا تجد بعدها محطة أخرى إلا بعد مسافة طويلة.
وعلى جوانب الطريق ظهرت الإبل ترعى ما بقي من نباتات متناثرة، بينما تتحرك قطعان الماعز خلف رعاة يبدون من بعيد كالنقاط السوداء فوق صفحة الرمل.
في الصحراء يدرك المسافر أن الفراغ ليس خلوًا من الحياة، بل حياة لها إيقاع أبطأ، وصوت أخفض، وعين تعرف كيف ترى ما لا يراه ابن المدينة.
أكجوجت
مدينة المعدن في قلب الصحراء
كانت أكجوجت محطتنا الأولى في الطريق إلى آدرار.
ظهرت المدينة وسط أرض قاحلة، وقد ارتبط اسمها منذ زمن بعيد بالنحاس، ثم اتسع نشاط التعدين في محيطها ليشمل النحاس والذهب.
وهنا فهمت سر انتشار أجهزة كشف المعادن في أسواق نواكشوط؛ فالثروة المعدنية لم تكن حديث المقاهي وحدها، بل حقيقة أثرت في حياة السكان، وجذبت الباحثين عن فرصة قد تغير مصائرهم.
تجولنا في أكجوجت قليلًا، ورأينا مدينة عملية أكثر منها سياحية؛ شوارع بسيطة، ومحال تخدم العاملين والمسافرين، ووجوه طبعتها حرارة الشمس وقسوة الأرض.
لم نطل المقام، فكان أمامنا طريق آدرار، حيث الجبال والواحات ومدن القوافل.
أطار
بوابة آدرار
بدأت الأرض تتغير كلما اقتربنا من أطار.
لم تعد الصحراء مستوية كما كانت، بل ارتفعت أمامنا هضاب داكنة وجبال صخرية، وتسللت الأودية بين الكتل الجبلية. كان المشهد يوحي بأننا دخلنا بلادًا أخرى داخل موريتانيا.
وصلنا أطار، عاصمة آدرار وبوابتها.
بدت المدينة أكثر ألفة من المدن التي مررنا بها؛ أسواقها حية، ونخيلها حاضر، والمسافرون يتخذونها نقطة انطلاق نحو شنقيط ووادان وعين الصحراء وواحات المنطقة.
وقد نشأت أطار عند سفح كتلة آدرار، وأصبحت بحكم موقعها محطة تجارية ومنطلقًا للقوافل، وهي اليوم القاعدة الأشهر لاستكشاف مدن الصحراء القديمة وواحة تِرجيت وبنية الريشات.
تزودنا منها بالماء والطعام والوقود، وسألنا عن الطريق، ثم اتجهنا نحو واحدة من أجمل مفاجآت موريتانيا.
واحة تِرجيت
عين الماء بين صخور الصحراء
غادرنا الطريق الرئيس، واتجهنا عبر مسار تحيط به الجبال.
كانت الأرض جافة، والصخور حادة، والهواء ساخنًا، ولم يكن في المشهد ما يوحي بأن ماءً يمكن أن يخرج من ذلك الجفاف.
ثم ضاق الممر بين الجبال، وبدأت أشجار النخيل تظهر أمامنا.
وصلنا إلى واحة تِرجيت، أو «تيرجيت» كما تُكتب أحيانًا، فإذا نحن أمام عالم خفي أخفته الجبال عن الصحراء.
دخلنا بين النخيل، وانخفضت الحرارة فجأة، وسمعنا خرير الماء قبل أن نراه. كانت عين تِرجيت تنبع من بين الصخور، ثم تنساب تحت ظلال النخيل في مجرى صغير، فتمنح المكان برودة وحياة لا يتوقعهما من قطع الطريق القاحل المؤدي إليها.
وضعت يدي في الماء، فكان باردًا منعشًا.
تعجبت كيف تختزن الصحراء في جوفها كل هذه الرحمة، ثم لا تكشف عنها إلا لمن يتعب في الوصول إليها.
جلسنا تحت النخيل، وتركنا لأقدامنا فرصة أن تستريح في الماء. وفي الأعلى كانت الصخور تحجب جزءًا من السماء، بينما تتدلى سعفات النخيل كأنها سقف أخضر صنعته الطبيعة للمسافرين.
شربنا الشاي الموريتاني في هدوء، وكان له في ذلك المكان مذاق آخر.
فالشاي في الصحراء ليس شرابًا فحسب؛ إنه إعلان مؤقت لهزيمة العجلة، ودعوة للجلوس والحديث وتأمل الطريق.
كانت تِرجيت من الأماكن التي لا تحتاج إلى مبانٍ ضخمة أو ألعاب سياحية؛ يكفيها أن الماء خرج من قلب الحجر، وأن النخيل صنع من الصحراء غرفة باردة مفتوحة للسماء.
ومن الجدير بالذكر فقد رأينا التيادي البيضاء والمقدمة على شكل حفر ابار ارتوازية في تروجييت كهدية من تشقائهم بالمملكة العربية السعودية لموريتانيا الصحراوية ثالتي تحتاج لمثل هذه الابار ..
فجزا الله المملكة لما تقدم من عطاء لايعلن وخيرات لاتنتهي بما جاد الله عليهم لأخوانهم في الشرق والغرب..
الطريق إلى شنقيط
غادرنا تِرجيت وعدنا إلى طرق آدرار.
أمامنا جبال وهضاب ومسالك رملية تتغير ألوانها مع الشمس. تارة نسير بمحاذاة جرف صخري، وتارة ندخل بين كثبان تبدو كأمواج متجمدة.
كلما اقتربنا من شنقيط، شعرت أننا لا نسير نحو مدينة، بل نحو اسم استقر طويلًا في الذاكرة العربية.
فموريتانيا كلها كانت تُعرف عند كثير من أهل المشرق باسم «بلاد شنقيط»، وأصبح اسم المدينة علمًا على علماء البلاد وفقهائها وشعرائها.
شنقيط
المدينة التي حملت الكتب عبر الصحراء
دخلنا شنقيط، فاستقبلتنا بيوت من الحجر والطين، وأزقة ضيقة، ومسجد قديم ترتفع مئذنته المربعة فوق المدينة.
كان الرمل يزحف على أطراف البيوت، وكأن الصحراء تحاول منذ قرون أن تسترد المدينة، بينما يقاومها السكان بالحجارة والجدران والذاكرة.
مشينا في الأزقة، ورأينا أبوابًا خشبية قديمة ومنازل متقاربة، ثم دخلنا بعض المكتبات العائلية التي تحفظ مخطوطات توارثتها الأسر جيلًا بعد جيل.
كانت الكتب موضوعة في خزائن بسيطة، وبعض أوراقها اصفرّ من القدم، لكن أصحابها يتحدثون عنها باعتزاز من يحرس جزءًا من تاريخ الأمة.
لم تكن شنقيط مدينة كبيرة، لكن مكانتها تجاوزت حجمها؛ فقد كانت محطة للحجاج والقوافل، ومركزًا للعلم، ومنها خرج رجال حملوا الفقه واللغة والشعر إلى بلاد بعيدة.
وشنقيط، مع وادان وتشيت وولاتة، من القصور الصحراوية القديمة التي نشأت في القرنين الحادي عشر والثاني عشر لخدمة قوافل الصحراء، ثم أصبحت مراكز للتجارة والثقافة الإسلامية، وأدرجتها اليونسكو ضمن التراث العالمي سنة 1996م.
وقفت أمام مسجدها القديم، ونظرت إلى مئذنته.
قلت لأبي زياد:
كم مر من هنا من عالم وحاج ومسافر؟ وكم ودّعت هذه المدينة من قافلة لم تعلم هل ستعود أم تبتلعها الصحراء؟
في شنقيط شعرت أن الكتب نفسها كانت تسافر؛ يحملها الرجال فوق ظهور الإبل، ثم تفتح في خيمة بعيدة، فينشأ حولها مجلس علم، وتتحول الصحراء إلى مدرسة بلا جدران.
من شنقيط إلى وَادان
واصلنا الطريق عبر الرمال نحو وَادان.
لم تكن المسافة وحدها هي التحدي، بل طبيعة المسار الذي يتداخل فيه الرمل بالصخر. وفي بعض المواضع لم يعد الطريق أكثر من آثار عجلات سبقتنا، فنمضي خلفها على رجاء أن تقودنا إلى الجهة الصحيحة.
كانت الشمس تميل، والظلال تمتد خلف الصخور، حتى بدأت وَادان تظهر على مرتفع صخري.
وَادان
مدينة تنظر إلى زمن القوافل
تنقسم وَادان في عين الزائر إلى مدينتين: مدينة قديمة صعدت مبانيها الحجرية فوق التل، ومدينة أحدث امتدت إلى جوارها.
دخلنا القسم القديم، فوجدنا جدرانًا متداعية، ومسجدًا، وأزقة صامتة، وبقايا بيوت كانت يومًا تضج بالتجار والعلماء وأصحاب القوافل.
كان الحجر هنا يتحدث أكثر من البشر.
تخيلت القوافل القادمة من شمال أفريقيا تحمل الملح والمنسوجات، ثم تعود من بلاد السودان محملة بالذهب والحبوب وسلع الجنوب.
ولم تكن وَادان مجرد مكان للعبور؛ بل كانت عقدة بين عالمين: عالم المغرب شمالًا، وعالم أفريقيا جنوبًا.
وقفنا على مرتفع يطل على المدينة والصحراء، ورأينا كيف يلتقي العمران بالرمال بلا فاصل.
المدينة القديمة تنسحب ببطء، والرمل يتقدم ببطء، وبينهما يقف الإنسان محاولًا أن يحفظ ما بقي من الذاكرة.
نحو عين الصحراء
من وَادان اتجهنا إلى قلب الصحراء، بحثًا عن التكوين الذي رأيناه طويلًا في الصور الفضائية: بنية الريشات، المعروفة باسم «عين الصحراء» أو «عين أفريقيا».
كلما توغلنا، أصبحت الطرق أقل وضوحًا، واتسعت الحلقات الصخرية من حولنا.
والغريب أن من يقف على الأرض لا يرى العين كما يراها من الفضاء؛ فهي أضخم من أن تستوعبها العين البشرية من مستوى الأرض. يدخل المسافر في حلقاتها، ويعبر مرتفعاتها وأوديتها، لكنه لا يرى الشكل الكامل الذي جعلها شبيهة بعين هائلة تحدق من وسط الصحراء.
ليست أكبر حفرة في العالم
شاع بين كثير من المسافرين وصف عين الصحراء بأنها «أكبر حفرة نيزكية في العالم»، وهذا غير صحيح.
فهي ليست حفرة ناتجة من سقوط نيزك، وليست فوهة بركانية، وإنما قبة جيولوجية قديمة رفعتها الحركات الأرضية، ثم كشفت الرياح والمياه طبقاتها الصخرية عبر ملايين السنين، فظهرت على هيئة حلقات متتابعة يبلغ قطرها نحو أربعين كيلومترًا.
وقفنا داخلها، تحيط بنا تكوينات صخرية متباينة الألوان.
كنت أفكر في المفارقة: نحن داخل «العين»، ومع ذلك لا نراها.
كم من أشياء في الحياة نكون في قلبها، فلا نفهم صورتها إلا حين نبتعد عنها!
التقطنا الصور، وسرنا بين الحلقات، ثم جلسنا في ذلك الفراغ العظيم، حيث لا يسمع الإنسان سوى حركة الريح ووقع خطواته.
لم تكن عين الصحراء مجرد معلم جيولوجي، بل كانت درسًا في حجم الأرض وضآلة الإنسان.
العودة نحو الجنوب
بعد أيام آدرار وشنقيط ووادان وعين الصحراء، بدأنا مرحلة جديدة من الرحلة.
عدنا من الشمال متجهين نحو وسط موريتانيا وجنوبها، وكان علينا أن نقطع مسافات طويلة عبر مدن وقرى لا تصل إليها الرحلات السياحية المعتادة.
بدأت الجبال تنخفض، واتسعت السهول من جديد، ثم أخذ لون الأرض يتغير شيئًا فشيئًا كلما اتجهنا جنوبًا.
ألاك
بوابة الانتقال من الصحراء إلى الساحل
وصلنا إلى مدينة ألاك، فبدت لنا محطة فاصلة بين موريتانيا الصحراوية وموريتانيا الساحلية الأكثر قربًا من مناطق المطر والنبات.
كانت الحركة في أسواقها أكثر كثافة، والشاحنات والحافلات تتوقف فيها قبل أن تواصل شرقًا أو جنوبًا.
تجولنا في بعض طرقها، ومررنا بدكاكين صغيرة ومطاعم شعبية، ورأينا المسافرين يجلسون في الظلال في انتظار سيارات تمتلئ بالركاب قبل أن تنطلق.
وفي موريتانيا لا يتحرك كثير من سيارات النقل وفق ساعة محددة؛ فالساعة الحقيقية هي اكتمال عدد الركاب.
تامورت النعاج
حين تصنع المياه مرعى في قلب اليابسة
واصلنا المسير نحو تامورت النعاج.
وكلمة «تامورت» تُطلق محليًا على المنخفضات والأراضي الرطبة التي تتجمع فيها مياه الأمطار، فتحول الأرض الجافة في موسمها إلى مرعى ومورد للحياة.
وصلنا إلى منطقة مختلفة عما رأيناه في الشمال؛ أشجار أكاسيا، وأراضٍ منخفضة، وآثار مياه، ومواشٍ تنتشر حول مواضع النبات.
كان وجود الماء، ولو موسميًا، كافيًا لتغيير كل شيء: لون الأرض، وعدد القرى، وحركة الرعاة، وأنواع الطيور.
في الصحراء لا يُقاس الماء بحجمه فقط، بل بما يجتمع حوله من حياة.
وتُعد تامورت النعاج من المناطق ذات الأهمية الزراعية والرعوية والبيئية، لاعتماد سكانها على المياه السطحية والمراعي والواحات المحيطة بها.
جلسنا عند إحدى القرى، وقدم لنا أهلها الشاي على الطريقة الموريتانية؛ كأس أول شديد المرارة، وثانٍ أكثر اعتدالًا، وثالث يميل إلى الحلاوة.
وقالوا إن الشاي لا يكتمل إلا بثلاث كؤوس، وكأنهم يريدون للمسافر ألا يغادر سريعًا.
تامشكط
مدينة الطريق الطويل
وصلنا تامشكط بعد طريق مرهق.
كانت مدينة هادئة تحيط بها أراضٍ رعوية وقرى متناثرة، ولم تكن فيها المعالم التي يضعها السائح على قائمته، لكنها من تلك الأماكن التي تكشف للمسافر الحياة الحقيقية للبلد.
الأطفال يتجمعون عند مرور السيارة، والباعة يعرضون حاجات المسافرين، والرجال يجلسون أمام المحال يتبادلون الأخبار.
توقفنا للوقود والطعام، وسألنا عن الطريق إلى لعيون.
في هذه المدن، يصبح السؤال عن الطريق وسيلة للتعارف؛ يبدأ بوصف المسافة، ثم يتحول إلى سؤال عن بلدك، وسبب مجيئك، وإلى أين ستذهب، ومن تعرف من أهل موريتانيا.
وحين يعرفون أننا من المملكة، تتغير نبرة الحديث، ويكثر الترحيب والدعاء، ويبدأ السؤال عن مكة والمدينة.
لعيون
بين الصخر والسهول
وصلنا إلى لعيون، أو لعيون العتروس، عاصمة الحوض الغربي.
كانت المدينة أكبر مما مررنا به من بلدات الطريق، وأسواقها أكثر حركة، وتحيط بها تضاريس تجمع بين الهضاب والسهول.
فيها يزداد حضور أفريقيا جنوب الصحراء؛ تتنوع الوجوه والملابس، وتختلط الحسانية باللغات المحلية، وتشعر أن البلاد بدأت تتحول من الصحراء العربية في الشمال إلى منطقة الساحل الأفريقي.
وهنا بدت لي موريتانيا على حقيقتها: ليست عربية فقط ولا أفريقية فقط، بل جسر بشري وثقافي طويل بين العالمين.
تناولنا طعامنا في أحد المطاعم البسيطة، ثم جلسنا نشرب الشاي ونتأمل المسار الذي قطعناه.
كنا قد انتقلنا من المحيط في نواكشوط إلى جبال آدرار، ومن مدن القوافل إلى عين الصحراء، ثم عدنا إلى أراضي الرعي والقرى المتجهة نحو نهر السنغال.
إلى نهر السنغال
حين تنتهي الرمال ويبدأ الماء
واصلنا طريقنا جنوبًا.
كلما اقتربنا من النهر ازدادت الأشجار، وظهرت الأراضي المزروعة، وتغير الهواء. لم تعد الصحراء هي السيدة المطلقة للمشهد، بل بدأ الماء يفرض حضوره حتى قبل أن نراه.
ظهرت قرى أكثر ازدحامًا، وقطعان أبقار بدلًا من الإبل، وحقول صغيرة يزرعها السكان بالقرب من مجاري المياه.
ثم بلغنا ضفاف نهر السنغال.
وقفت أمامه طويلًا.
كان النهر يسير هادئًا، يفصل بين موريتانيا والسنغال في أجزاء واسعة من مجراه، لكنه في حياة الناس لم يكن حدًا يفصلهم بقدر ما كان شريانًا يجمعهم.
على الضفتين وجوه متشابهة، وقوارب تعبر، وحقول تستمد حياتها من الماء، وقرى بنت بيوتها قريبًا من النهر.
بعد أيام من الرمال والجبال، بدا الماء أمامنا كأنه مكافأة الطريق.
قلت لأبي زياد:
بدأنا رحلتنا عند بحر الظلمات، وها نحن نبلغ نهر السنغال؛ وبين البحر والنهر رأينا موريتانيا التي لا يراها من يكتفي بنواكشوط.
رأينا موريتانيا العلماء والقوافل، وموريتانيا المعادن والرعاة، وموريتانيا الواحات والنخيل، وموريتانيا الأفريقية التي يخضر فيها الجنوب بعد أن يظن المسافر أن البلاد كلها رمال.
العودة إلى نواكشوط
بدأنا رحلة العودة إلى العاصمة.
كانت المسافات طويلة، لكن الطريق لم يعد مجهولًا كما كان. أصبح لكل اسم صورة في الذاكرة، ولكل مدينة وجه، ولكل محطة حكاية.
ألاك لم تعد نقطة على الخريطة، وتامورت النعاج لم تعد اسمًا غريبًا، وتِرجيت لم تعد صورة واحة، وشنقيط لم تعد لقبًا للعلماء فقط.
لقد صارت كلها أماكن مشينا في طرقها، وشربنا من مائها، وجلسنا مع أهلها، وحملنا شيئًا من غبارها على ثيابنا.
حين ظهرت مباني نواكشوط من بعيد، شعرنا بأننا نعود إلى مدينة مختلفة عن التي غادرناها.
والحقيقة أن المدينة لم تتغير، وإنما نحن الذين عدنا إليها بعيون جديدة.
دخلنا شوارعها الرملية، وعدنا إلى الفندق، ووضعنا حقائبنا الصغيرة التي لم يزد وزنها كثيرًا، لكن الذاكرة التي حملناها أصبحت أثقل وأغنى.
موريتانيا التي وجدناها
دخلت موريتانيا وأنا أبحث عن أقصى الغرب العربي، فوجدت بلدًا لا يصلح أن يُختصر بجهة واحدة.
وجدت فيها المغرب العربي حينًا، وأفريقيا حينًا، والصحراء الكبرى في معظم الطريق، ونهر السنغال في نهايته.
وجدت مدنًا تتراجع أمام الرمل، ومكتبات تقاوم الزمن، وواحات يخرج فيها الماء من الحجر، وعينًا جيولوجية لا ترى صورتها كاملة إلا من السماء.
ووجدت شعبًا بسيطًا كريمًا، يملك من الوقت ما يسمح له أن يصنع الشاي على مهل، وأن يسأل الغريب عن بلده وأهله ومساره.
علمتني موريتانيا أن جمال البلدان ليس دائمًا فيما بنته من أبراج، بل قد يكون فيما حافظت عليه من بساطة وذاكرة.
وقد لا تكون بلاد شنقيط سهلة للمسافر؛ فالمسافات بعيدة، والخدمات محدودة، والطرق طويلة، لكن البلاد التي تمنح نفسها بسهولة قد تُنسى بسهولة أيضًا.
أما موريتانيا، فإنها تجعلك تتعب حتى تراها، ثم تكافئك بما لا يراه العابر المستعجل.
وهكذا انتهت جولتنا من نواكشوط إلى أكجوجت وأطار، ومن عين تِرجيت إلى شنقيط ووادان وعين الصحراء، ثم جنوبًا عبر ألاك وتامورت النعاج وتامشكط ولعيون، حتى بلغنا نهر السنغال، وعدنا من جديد إلى العاصمة.
انتهى الطريق، ولكن بقيت بلاد شنقيط في الذاكرة؛ صفحة من الغرب العربي، كتبت الصحراء سطورها، وحفظ العلماء حروفها، وسقى نهر السنغال نهايتها.
الرحّال وائل الدغفق
رحّال الخبر
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق