الجمعة، 2 أكتوبر 2026

المملكة العربية السعودية من استرداد الرياض الى دولة الطاقة العالمية1902-1950

المملكة العربية السعودية من استرداد الرياض إلى دولة النفط 1902–1950

«من استرداد الأرض إلى تثبيت الدولة ثم امتلاك ورقة النفط»

15 يناير 1902م – 5 شوال 1319هـ
الحدث: استرداد الرياض بقيادة الملك عبدالعزيز.

الدلالة في تكوّن المملكة: بداية استعادة الحكم السعودي وانطلاق مشروع التوحيد من الرياض.

القراءة الاستراتيجية : لم يبدأ عبدالعزيز بمواجهة القوى الكبرى، بل بدأ أولًا ببناء قاعدة داخلية ومركز حكم يمكن التوسع منه.

1902–1906م تقريبًا
الحدث : توحيد أجزاء من نجد والوشم وسدير والقصيم بعد سلسلة من الحملات والمعارك.

الدلالة في تكوّن المملكة: تحوّل الرياض من مدينة مستردة إلى مركز لدولة آخذة في الاتساع. وتوثق المصادر السعودية تعاقب ضم مناطق نجد والقصيم في هذه المرحلة.
 
القراءة الاستراتيجية : الأولوية كانت لتوحيد القلب النجدي قبل الاتجاه إلى السواحل والحدود الدولية.

12 أبريل 1913م – 5 جمادى الأولى 1331هـ
الحدث: استرداد الأحساء والقطيف وانسحاب القوات العثمانية
الدلالة في تكوّن المملكة: حدث بالغ الأهمية؛ لأن الدولة خرجت من الداخل النجدي إلى ساحل الخليج العربي، وأصبحت الأحساء والقطيف جزءًا من المجال السعودي. 

القراءة الاستراتيجية : هذه الخطوة لم تكن توسعًا جغرافيًا فقط؛ فقد أعطت الدولة منفذًا بحريًا ووضعتها مباشرة في بيئة تتنافس فيها بريطانيا والعثمانيون والقوى الخليجية.

الساحل وبداية الأمن والجمارك

كانت بداية التحول الكبير سنة 1331هـ/1913م، حين دخلت الأحساء والقطيف في حكم الملك عبدالعزيز، ووصلت دولته بذلك إلى ساحل الخليج. ومنذ تلك اللحظة لم يعد البحر طرفًا بعيدًا عن نجد؛ صار منفذًا للتجارة والحجاج والرسائل والسلع، وصار تأمينه جزءًا من بناء الدولة. 

وكان العقير أهم أبواب ذلك الساحل في السنوات الأولى. ففيه الميناء والخان والجمرك، ومنه كانت البضائع تعبر بين الخليج والأحساء ثم إلى نجد. وتشير المديرية العامة لحرس الحدود في عرضها الرسمي لتاريخها إلى أن العقير شهد سنة 1331هـ بداية حماية السواحل والحدود البحرية؛ بزوارق شراعية صغيرة تسير بمحاذاة الساحل، تسندها دوريات من راكبي الهجن، لمراقبة الساحل وحماية التجارة وتقديم المساعدة. وهذه هي النواة التي سيكبر منها، على مراحل طويلة، الجهاز الذي عرف لاحقًا بخفر السواحل ثم حرس الحدود.

وبعد أربع سنوات فقط، في 15 نوفمبر 1917م، وصل الرحالة والمسؤول البريطاني هاري سانت جون فيلبي إلى العقير في طريقه إلى الأحساء. ويسجل تقرير رحلته أن الذي استقبله باسم الملك عبدالعزيز كان "عبدالرحمن بن خيرالله"، أمير العقير. وكان الأمير مسؤولًا عن القوة المحلية وله إشراف عام على شؤون الميناء، بينما كان للجمارك مدير مستقل. وفي برج أبي زهمول القريب من العقير وجد فيلبي عشرة رجال مسلحين يحرسون البرج؛ صورة صغيرة، لكنها تكشف أن الميناء لم يكن سوقًا تجارية فقط، بل موضع حراسة ومراقبة للدولة منذ سنواتها الأولى في الشرقية.

وفي الجهة الأخرى من هذه القصة كان هناك رجال القلم والحساب.

فالدولة التي احتاجت إلى الرجال لحماية الساحل احتاجت أيضًا إلى من يضبط دفاترها وجماركها وأموالها. وهنا تظهر صلة الزبير بذلك العالم. كان عبداللطيف باشا المنديل، أحد رجال الزبير المعروفين وصلته قديمة بالملك عبدالعزيز، ممن كلفوا بتنظيم شؤون ميناء العقير والإدارات المالية في الشرقية. وتكشف رسائله في شعبان سنة 1334هـ/1916م.

 أنه تحرك بين القطيف والجبيل، ونظر في السجلات والواردات والمصروفات ومواقع المخازن والدكاكين ومقر الإمارة، ثم أخبر الملك بأنه عيّن رجالًا للعمل في جمارك القطيف وسيهات ودارين وتاروت وصفوى، وأمر بإصلاح خان العقير.

ومن هؤلاء الرجال إبراهيم بن حمد الحميدان، من أسرة نجدية استقرت في الزبير. عُرف بحسن الخط وإجادة الحساب، وبدأ منذ سنة 1334هـ/1916م مسؤولًا في إدارة جمرك العقير. لم تكن الكتابة والحساب يومئذ مهارتين عاديتين؛ فالدولة الناشئة كانت تحتاج إلى الرجل الذي يستطيع أن يحصي الوارد، ويضبط الرسم، ويكتب السجل، ويحفظ المال كما تحتاج على الطريق إلى من يحمل البندقية. 

وارتبط زيد بن علي القريشي، بعمله بمالية الأحساء، وكان الدبيكل يعمل في دارين، وعودة الدليجان مع قرية العليا. 

وبعد ذلك بسنوات جاء آخرون إلى عالم النفط والموانئ والبلديات. ومنهم أحمد بن علي المحارب الذي كان قدومه سنة 1949م وعمله في أرامكو في رأس مشعاب ثم انتقاله إلى بلدية الخبر.

كان العقير شاهدًا على تغيّر الزمن ، ففي سنة 1355هـ/1937م، وقبل نجاح بئر الدمام رقم 7 بنحو عام، خرج من مالية الأحساء كتاب إلى سليمان بن إبراهيم بن ثنيان، أمير العقير، يشكره على استعداده لنقل البنزين، ويخبره بإرسال سبع خبرات "جماعات" من الجماميل من أهل الزلفي مجهزة بما يلزم لنقل 4700 تنكة بنزين. كانت السفن تأتي بالوقود إلى الساحل، ثم تحمله الإبل إلى الداخل. 

في المشهد نفسه اجتمع أقدم وسائل النقل في الصحراء بوقود الآلة الحديثة: بعير يحمل البنزين فوق أرض ستصبح بعد قليل من أعظم أرض النفط في العالم. 

وكان وراء ذلك التحول الاقتصادي مسار أطول. فدراسة صاحب السمو الملكي الأمير عبدالعزيز بن سلمان عن مفاوضات الملك عبدالعزيز مع شركات الامتياز تضع هذه المرحلة في سياقها الأوسع: البحث المبكر عن موارد للدولة، ثم منح أول امتياز نفطي للنقابة الشرقية العامة سنة 1923م، قبل أن يسحب الملك عبدالعزيز الامتياز سنة 1928م عندما عجزت الشركة عن مواصلة أعمالها والوفاء بالتزاماتها. وكان العقير في تلك السنوات نفسها مسرحًا لمؤتمر الحدود سنة 1922م، فاجتمع عنده البحر بالتجارة والسياسة والحدود، ثم اقتربت منه قصة النفط التي ستغير حياة المنطقة كلها.

ومثلما تطورت الإدارة والجمارك، تطورت حماية الساحل ومنها بذرة حرس الحدود في اول نشأة له بالعقير.. 

فبدأت الصورة في العقير سنة 1331هـ بزوارق شراعية ودوريات هجانة، ثم نشأ التنظيم الرسمي لخفر السواحل في جدة سنة 1344هـ، ووحدت أعماله هناك سنة 1347هـ، وصدر نظام مصلحة خفر السواحل سنة 1353هـ، ثم أنشئت مصلحة خفر السواحل في المنطقة الشرقية سنة 1355هـ/1936م.

 وبعد ذلك توالت مراحل التنظيم حتى دمجت مصالح خفر السواحل سنة 1383هـ في جهاز واحد، ثم استقر الاسم في 1414هـ على المديرية العامة لحرس الحدود. 

ومن كاتب يضبط دفتر جمرك العقير، إلى مستودعات النفط.

ومن سفن تحمل البضائع والوقود إلى الساحل، إلى أرض بدأ النفط يخرج منها إلى العالم.


26 ديسمبر 1915م – 18 صفر 1334هـ
الحدث: المعاهدة بين الملك عبدالعزيز وبريطانيا ممثلة بالسير بيرسي كوكس.

الدلالة في تكوّن المملكة: اعترفت بريطانيا بعبدالعزيز حاكمًا لنجد والأحساء والقطيف والجبيل وما يتبعها، وهو انتقال من مجرد الأمر الواقع العسكري إلى اعتراف خارجي بكيان سياسي سعودي واسع. النص البريطاني الأصلي يذكر هذه المناطق صراحة. 

القراءة الاستراتيجية: عبدالعزيز استفاد من التوازنات الدولية من غير أن يجعل بناء دولته تابعًا لها؛ استخدم الاعتراف الخارجي لتثبيت ما حققه داخليًا.

1920–1922م
الحدث: اتساع الدولة نحو عسير وحائل 
استكمال السيطرة على أجزاء كبيرة من وسط وشمال الجزيرة.

الدلالة في تكوّن المملكة: انضمت حائل إلى الحكم السعودي بعد حصارها، وتوسعت الدولة جنوبًا في عسير.

القراءة الاستراتيجية: بدأ المشروع ينتقل من «دولة نجد والأحساء» إلى قوة تغطي الجزء الأكبر من الجزيرة العربية.

5 مايو 1922م
الحدث: مؤتمر المحمرة بين الجانب السعودي والبريطاني والعراقي حول الحدود.

الدلالة في تكوّن المملكة: محاولة لتنظيم الحدود الشمالية، لكنها لم تنتج تسوية نهائية مقبولة من الملك عبدالعزيز، فانتقل التفاوض إلى العقير.

القراءة الاستراتيجية: تظهر هنا مرحلة جديدة من حنكة بناء الدولة: السلاح وحّد الأرض، والتفاوض بدأ يرسم حدود الدولة دوليًا.

2 ديسمبر 1922م
الحدث: مؤتمر العقير الثاني والاتفاق المتعلق بالحدود مع العراق، ثم ترتيبات الحدود مع الكويت والمنطقة المحايدة.

الدلالة في تكوّن المملكة: أصبح العقير مكانًا مهمًا ليس في التجارة فقط، بل في تكوين الخريطة السياسية الحديثة للمنطقة الشرقية والشمال الشرقي. وتشير الوثائق البريطانية إلى مؤتمر العقير الذي انعقد من 27 نوفمبر إلى 3 ديسمبر 1922.

القراءة الاستراتيجية: تحوّل الملك عبدالعزيز من قائد يوحد الأرض إلى رجل دولة يتفاوض مع الإمبراطورية البريطانية على الحدود والاعتراف والسيادة.

10 أبريل 1923م
الحدث: أول امتياز نفطي لشركة النقابة الشرقية العامة البريطانية.

الدلالة في تكوّن المملكة:  دخل عنصر جديد إلى معادلة بناء الدولة: ما تحت الأرض. وتؤكد المصادر السعودية أن الامتياز البريطاني وقع سنة 1923.

القراءة الاستراتيجية: اللافت أن عبدالعزيز لم يمنح الامتياز بلا شروط دائمة؛ عندما لم تحقق الشركة النتائج المطلوبة ولم تفِ بالتزاماتها ألغاه.

1924–1925م
الحدث: دخول مكة ثم المدينة وجدة وضم الحجاز.

الدلالة في تكوّن المملكة: اكتمال أهم مرحلة في توحيد الحجاز؛ وأصبح الملك عبدالعزيز ملك الحجاز وسلطان نجد.

القراءة الاستراتيجية: أصبحت الدولة تجمع العمق السياسي في نجد، وساحل الخليج شرقًا، والحرمين والبحر الأحمر غربًا؛ وهذا تحول جيوسياسي هائل.

1927م
الحدث: معاهدة جدة مع بريطانيا.

الدلالة في تكوّن المملكة: اعترفت بريطانيا في نص المعاهدة بـ«الاستقلال الكامل والمطلق» لممالك الملك عبدالعزيز؛ وحلت معاهدة جدة محل معاهدة 1915.

القراءة الاستراتيجية: اذا كانت 1915 اعترافًا بمكانته ومناطقه، فإن 1927 تمثل خطوة أقوى نحو السيادة الدولية الكاملة.

1928م
الحدث: إنهاء امتياز الشركة البريطانية الأولى.

الدلالة في تكوّن المملكة: الغى الملك عبدالعزيز امتياز النقابة الشرقية بعدما تعثر التنقيب وعجزت الشركة ماليًا عن الوفاء بالتزاماتها.

القراءة الاستراتيجية: هنا تظهر قاعدة مهمة في سياسته النفطية: الامتياز وسيلة لخدمة الدولة، وليس حقًا أبديًا للشركة الأجنبية.

1930م
الحدث: دخول جازان تحت الإدارة السعودية.

الدلالة في تكوّن المملكة: استكمل الملك عبدالعزيز إحدى المراحل الأخيرة من التوحيد جنوب غرب البلاد.

القراءة الاستراتيجية: أصبحت حدود الدولة تقترب من صورتها النهائية قبل إعلان المملكة.

23 سبتمبر 1932م
الحدث: إعلان توحيد البلاد وتسميتها المملكة العربية السعودية.

الدلالة في تكوّن المملكة: بعد نحو ثلاثين عامًا من استرداد الرياض أصبح الكيان الموحد يحمل اسمه الحديث رسميًا.

القراءة الاستراتيجية: هذه هي نقطة الانتقال من مشروع التوحيد إلى مرحلة بناء الدولة السعودية الموحدة.

29 مايو 1933م
الحدث: توقيع امتياز النفط مع ستاندرد أويل أوف كاليفورنيا – سوكال.

الدلالة في تكوّن المملكة: بعد انتهاء التجربة البريطانية جاء الامتياز الأمريكي، وأنشئت الشركة التي تطورت لاحقًا إلى أرامكو. وتؤرخ المصادر السعودية والأمريكية الاتفاق بهذا التاريخ.

القراءة الاستراتيجية: الاختيار لم يكن مجرد تبديل شركة بأخرى؛ بل أسهم في تنويع العلاقات الخارجية وعدم ترك مورد المستقبل تحت احتكار القوة البريطانية المهيمنة على الخليج آنذاك.

1934م
الحدث: معاهدة الطائف مع اليمن.

الدلالة في تكوّن المملكة: أنهت الحرب السعودية اليمنية ونظمت العلاقة والحدود بين الطرفين. ووقعت المعاهدة في 19 مايو 1934م.

القراءة الاستراتيجية: بعد التوسع جاء تثبيت الحدود: الدولة لا تُبنى بالفتح وحده؛ بل بتسويات تحدد أين تنتهي السيادة وأين تبدأ سيادة الجار.

1938م
الحدث: تدفق النفط تجاريًا من بئر الدمام رقم 7بئر الخير.

الدلالة في تكوّن المملكة: بعد سنوات من الحفر تحققت نقطة التحول الاقتصادية الكبرى، وبدأ الإنتاج التجاري من البئر رقم 7.

القراءة الاستراتيجية: ثبت أن قرار مواصلة التنقيب كان ذا أثر تاريخي؛ فتحولت المنطقة الشرقية من هامش اقتصادي نسبي إلى قلب الاقتصاد السعودي الحديث.

1939م
الحدث: بداية تصدير النفط تجاريًا.

الدلالة في تكوّن المملكة: انتقل النفط من اكتشاف جيولوجي إلى مورد يدخل المملكة فعليًا في الاقتصاد العالمي.

القراءة الاستراتيجية: بدأت المملكة تتحول من دولة تتأثر بموازين القوى الاقتصادية إلى دولة تمتلك موردًا ستحتاجه تلك القوى نفسها.

1944م
الحدث: تغير اسم الشركة إلى Arabian American Oil Company – أرامكو.

الدلالة في تكوّن المملكة: تعاظم النشاط النفطي الأمريكي وأصبحت الشركة مرتبطة باسم النفط السعودي عالميًا.
 
القراءة الاستراتيجية: المرحلة الجديدة أصبحت: الدولة السعودية + النفط + السوق العالمية.
أرامكو الأمريكية.

أواخر الأربعينيات
الحدث: توسع إنتاج أرامكو ومد خطوط الأنابيب والمنشآت.

الدلالة في تكوّن المملكة: بلغ إنتاج أرامكو نحو 500 ألف برميل يوميًا في 1949 وفق تاريخ الشركة.

القراءة الاستراتيجية: لم تعد القضية العثور على النفط؛ بل كيفية نقله وتسويقه وتعظيم العائد منه.

1950م
الحدث: افتتاح خط التابلاين من شرق المملكة نحو البحر المتوسط.

الدلالة في تكوّن المملكة: كان عند افتتاحه من أكبر وأطول خطوط النفط في العالم، وربط الحقول السعودية بأسواق أوروبا عبر المتوسط.

القراءة الاستراتيجية: أصبح النفط السعودي قادرًا على تجاوز الطريق البحري الطويل حول الجزيرة والوصول سريعًا إلى الأسواق الأوروبية؛ أي أن المملكة أصبحت جزءًا من شبكة الطاقة العالمية.

30 ديسمبر 1950م
الحدث: اتفاق تقاسم أرباح أرامكو 50/50

الدلالة في تكوّن المملكة: اعادت الحكومة السعودية التفاوض على شروط الامتياز، وأصبح صافي الأرباح يقسم عمليًا مناصفة بين الدولة وأرامكو. وثائق الخارجية الأمريكية تصف الاتفاق بأنه أدخل مبدأ 50/50 إلى الشرق الأوسط.

القراءة الاستراتيجية: وهنا تكتمل حلقة مهمة: بدأ عبدالعزيز سنة 1923 مانحًا للامتياز، وأصبح في 1950 شريكًا يفرض للدولة نصف العائد.

القراءة التي تجمع هذه الأحداث
ما يلفتني في هذا التسلسل أن الملك عبدالعزيز لم يتعامل مع بناء المملكة باعتباره معركة واحدة، بل كسلسلة مشكلات مختلفة، لكل مشكلة أداتها.
1902: احتاج إلى الجرأة والمباغتة لاسترداد العاصمة.
1913: احتاج إلى القوة والتوقيت للوصول إلى الخليج.
1915–1927: احتاج إلى الدبلوماسية والاعتراف الدولي.
1922: احتاج إلى التفاوض الشاق على الحدود.
1924–1930: احتاج إلى استكمال الوحدة الجغرافية.
1932: حوّل الأراضي الموحّدة إلى دولة باسم واحد.
1923–1933: جرّب الشركات الأجنبية ولم يتردد في إنهاء امتياز فاشل ثم التوجه إلى بديل آخر.
1938–1950: حوّل النفط من احتمال في باطن الأرض إلى إنتاج وتصدير وخطوط أنابيب، ثم إلى عائد سيادي تتقاسمه الدولة مناصفة مع الشركة.

وهنا تصبح عبارة 
«بفضل الله ثم بحنكة الملك عبدالعزيز ودهائه السياسي» ذات معنى تاريخي محدد، لا مجرد مديح: الحنكة التي يكشفها التسلسل هي ترتيب الأولويات. 
فلم يبدأ بالنفط قبل الدولة، ولم يبدأ بالحدود قبل امتلاك الأرض، ولم يجعل الاعتراف الأجنبي بديلًا عن القوة الداخلية، ولم يجعل الشركة الأجنبية صاحبة القرار النهائي في المورد.
الأرض أولًا، ثم التوحيد؛
والتوحيد، ثم الاعتراف والسيادة؛
والسيادة، ثم الحدود؛
والحدود، ثم استثمار الموارد؛
ثم إعادة التفاوض حتى تحصل الدولة على نصيب أكبر من ثروتها.
وهذا، في رأيي، هو الجزء الذي ينبغي إضافته إلى موضوع «خمسة قرون من الصراع على الجزيرة والخليج»؛
 لأن القصة بعد 1902 لا تعود فقط قصة «قوى أجنبية تتنافس على الجزيرة»، بل تصبح أيضًا قصة دولة سعودية تتكون في قلب هذا التنافس، ثم تتعلم كيف تستخدم الجغرافيا والنفط والعلاقات الدولية لخدمة استقلالها ومصالحها.
 

المصدر دراسة الأمير عبدالعزيز بن سلمان – King ‘Abd al-‘Aziz’ Negotiations with Concessionaire Oil Companies in Saudi Arabia، معهد الشرق الأوسط، 2002⁠

خمسة قرون من الصراع على الجزيرة والخليج تبدّلت القوى… وبقيت الجغرافيا 1507-2026

خمسة قرون من الصراع على الجزيرة والخليج
تبدّلت القوى… وبقيت الجغرافيا

منذ دخول البرتغاليين إلى هرمز سنة 1507م وحتى صراعات عام 2026م، لا تبدو الجزيرة العربية والخليج أمام سلسلة حروب عشوائية منفصلة، كما لا يقدم التاريخ دليلًا كافيًا على وجود «خطة واحدة» وضعتها قوة ما قبل خمسة قرون واستمرت في تنفيذها إلى اليوم.
الأدق أن هناك جغرافيا استراتيجية ثابتة، وقوى متغيرة.
فالجزيرة العربية تقع بين الخليج العربي والبحر الأحمر والمحيط الهندي، وتتحكم أو تجاور ثلاثة من أهم الممرات البحرية: مضيق هرمز، باب المندب، والبحر الأحمر المؤدي إلى قناة السويس. وقبل عصر النفط كانت قيمتها في طريق الهند والتجارة واللؤلؤ والموانئ والحج؛ ثم أضيف إليها في القرن العشرين النفط والغاز؛ وفي القرن الحادي والعشرين أضيف أمن الطاقة وسلاسل الإمداد والقواعد العسكرية والممرات البحرية العالمية.
ولهذا تغير القادمون إلى المنطقة، ولكن لم تتغير أسباب اهتمام العالم بها.
كان البرتغالي يأتي بالسفينة والمدفع والحصن، وكان البريطاني يأتي بشركة الهند الشرقية ثم الأسطول والمعاهدة والمقيم السياسي، وجاء الأمريكي أولًا عبر شركات النفط ثم عبر التحالفات والقواعد والأساطيل والطيران. أما إيران وإسرائيل فهما قوتان إقليميتان حديثتان في هذا الصراع، ولا يصح تاريخيًا وضعهما في الفئة نفسها مع الإمبراطوريات البحرية الأوروبية؛ لكن صراعهما يجعل الخليج والبحر الأحمر والممرات المحيطة بالجزيرة جزءًا مباشرًا من حساباتهما الأمنية.
وهكذا فإن الثابت ليس العدو ولا الإمبراطورية؛ الثابت هو المكان.
المخطط التاريخي الكبير
يتضمن المرحلة والتاريخ مع سرد الحدث والأطراف المشاركة.
وأخيرا الرهان الاستراتيجي الأبرز..

1. المرحلة : بداية العصر البرتغالي1507م
الحدث والأطراف : هاجم أسطول ألفونسو دي ألبوكيرك هرمز وأخضعها مؤقتًا للبرتغال، قبل أن ينسحب ويعود لاحقًا.
الرهان الاستراتيجي هو: الإمساك بطريق الهند ومراقبة التجارة التي تمر بين المحيط الهندي والخليج.
2. تثبيت السيطرة على هرمز 1515م
الحدث والأطراف : عاد ألبوكيرك وثبّت الحكم البرتغالي في هرمز، الذي استمر أكثر من قرن.
السيطرة على بوابة الخليج وجباية الرسوم والتحكم في حركة السفن والبضائع.

3. معركة البحرين 1521م
الحدث والأطراف : هاجمت القوات البرتغالية-الهرمزية البحرين، وقُتل الأمير مقرن بن زامل الجبري في المقاومة.
السيطرة على البحرين وتجارة اللؤلؤ والضرائب وربطها بالنظام البرتغالي في هرمز.

4. دخول العثمانيين المنافسة الخليجية 1546–1559م
الحدث والأطراف : سيطر العثمانيون على البصرة سنة 1546، واتسع وجودهم إلى القطيف والأحساء، وحاولوا أخذ البحرين سنة 1559، في مواجهة مباشرة مع البرتغاليين.
الوصول إلى الخليج ومواجهة النفوذ البرتغالي وحماية المجال العثماني والتجارة القادمة من العراق والجزيرة.

5. الصعود الصفوي ونهاية احتكار البرتغال 1602–1622م
الحدث والأطراف : انتقلت البحرين إلى السيطرة الصفوية سنة 1602، ثم تعاونت قوات الشاه عباس مع سفن شركة الهند الشرقية الإنجليزية لطرد البرتغاليين من هرمز سنة 1622.
إنهاء السيطرة البرتغالية، واستعادة التجارة والتحكم في المنافذ الخليجية.

6. صعود مركز قوة من داخل الجزيرة 1727–1818م
الحدث والأطراف : تأسست الدولة السعودية الأولى في الدرعية سنة 1727، واتسعت في أجزاء كبيرة من الجزيرة حتى دخلت في مواجهة واسعة مع الدولة العثمانية وقوات محمد علي، وانتهت بسقوط الدرعية سنة 1818.
للمرة الأبرز في هذه المرحلة ظهر مشروع سياسي واسع من قلب الجزيرة يسعى إلى توحيد مجالها، في مقابل سعي العثمانيين للمحافظة على نفوذهم الإقليمي.

7. بداية النظام البريطاني في الخليج 1809–1820م
الحدث والأطراف : جاءت الحملات البريطانية على الساحل، ثم أُبرمت «المعاهدة العامة» سنة 1820 مع عدد من حكام الساحل. وتعدها مكتبة قطر الرقمية محطة مركزية في بداية نحو 150 عامًا من الهيمنة البريطانية في الخليج.
حماية الملاحة البريطانية وطريق الهند، ثم إنشاء نظام بحري وسياسي يخضع بصورة متزايدة لقواعد القوة البريطانية.

8. الإمساك بالبوابة الجنوبية 1839م
الحدث والأطراف : استولت بريطانيا على عدن في 19 يناير 1839 وأقامت فيها إدارة وقاعدة بريطانية.
تأمين الطريق بين الهند والبحر الأحمر، ولاحقًا تعزيز السيطرة على الممر المؤدي إلى باب المندب وقناة السويس.

9. عودة شرق الجزيرة إلى الدولة السعودية 1913م
الحدث والأطراف : استعاد الملك عبدالعزيز الأحساء والقطيف، وانتهى الوجود العسكري العثماني فيهما.
الوصول إلى ساحل الخليج وتوحيد المنطقة الشرقية وربط الداخل النجدي بالمنافذ البحرية.

10. معاهدة دارين/القطيف 26 ديسمبر 1915م
الحدث والأطراف : وقعت بريطانيا والملك عبدالعزيز معاهدة دارين؛ اعترفت بريطانيا بحكمه لنجد والأحساء والقطيف والجبيل وتضمنت ترتيبات للعلاقات الخارجية والحدود مع إمارات الخليج.
إدخال نجد رسميًا في شبكة التوازنات البريطانية أثناء الحرب العالمية الأولى، مع تثبيت موقع عبدالعزيز السياسي.

11. اتفاق العقير والحدود الحديثة 2 ديسمبر 1922م
الحدث والأطراف : أبرم في بندر العقير الاتفاق المتعلق بالحدود بين نجد والكويت. وتسجل الأمم المتحدة الاتفاق ومرفقاته بهذه الصفة.
انتقال جانب من الصراع من السيطرة على الموانئ إلى ترسيم الحدود والسيادة الحديثة.

12. بداية عصر النفط 1933–1939م
الحدث والأطراف : مُنح امتياز النفط لشركة ستاندرد أويل أوف كاليفورنيا سنة 1933، وتدفق النفط تجاريًا من بئر الدمام رقم 7 سنة 1938، وصدرت أول شحنة سنة 1939.
هنا تغيرت قيمة الخليج جذريًا: لم يعد ممرًا إلى الهند فحسب، بل أصبح أحد أهم مراكز الطاقة في العالم.

13. نهاية الحقبة البريطانية المباشرة 1971م
الحدث والأطراف : أنهت بريطانيا معاهدات الحماية وسحبت قواتها من الخليج، وظهرت البحرين وقطر والإمارات كدول مستقلة في شكلها الحديث.
نهاية النظام البريطاني الذي استمر منذ القرن التاسع عشر وبداية البحث عن توازن أمني جديد.

14. انتقال الثقل الأمني نحو الولايات المتحدة
1970م–1980م وما بعده
الحدث والأطراف : بدأ الحضور الأمريكي يتوسع بعد الانسحاب البريطاني، ثم جاء «مبدأ كارتر» في يناير 1980 ليعلن أن محاولة قوة خارجية السيطرة على الخليج تمس المصالح الحيوية الأمريكية ويمكن مواجهتها بالقوة.
حماية تدفق الطاقة ومنع قوة منافسة من الهيمنة على الخليج وترسيخ المظلة الأمنية الأمريكية.

15. الثورة الإيرانية والحرب العراقية الإيرانية
1979–1988م
الحدث والأطراف : غيرت الثورة الإيرانية طبيعة النظام الإقليمي، ثم اندلعت الحرب العراقية الإيرانية واستمرت ثمانية أعوام.
أصبح الخليج ساحة صراع بين أمن الدول العربية الخليجية والمشروع الثوري الإيراني، مع حضور أمريكي ودولي متزايد لحماية الملاحة والطاقة.

16. غزو الكويت وحرب الخليج1990–1991م
الحدث والأطراف : غزا العراق الكويت في أغسطس 1990، ثم قاد الولايات المتحدة تحالفًا دوليًا أخرج القوات العراقية منها في 1991.
أثبتت الأزمة أن أي تغيير بالقوة في توازن الخليج أو السيطرة على موارده سيستدعي تدخلًا دوليًا واسعًا.

17. غزو العراق وما بعده 2003م
الحدث والأطراف : غزت قوات تقودها الولايات المتحدة وبريطانيا العراق في مارس 2003 وأسقطت نظام صدام حسين.
الهدف الأمريكي المعلن كان إسقاط النظام؛ أما النتيجة الإقليمية الأوسع فكانت انهيار ميزان عراقي قديم وفتح فضاء جديد لتنافس القوى، ومن بينها إيران.

18. عصر حروب الوكالة 2011م–2020م
الحدث والأطراف : تحولت سوريا واليمن والعراق ولبنان بدرجات مختلفة إلى ساحات تنافس إقليمي ودولي؛ ووسعت إيران شبكة من الحلفاء والجماعات المسلحة في عدة دول، بالتوازي مع تدخل دول إقليمية وعالمية أخرى.
لم يعد النفوذ يحتاج دائمًا إلى احتلال مباشر؛ صار بالإمكان تحقيقه بالحليف المحلي والميليشيا والطائرات المسيّرة والصواريخ والضغط الاقتصادي.

19. من الوكلاء إلى المواجهة المباشرة 2023–2026م
الحدث والأطراف : بعد حرب غزة واتساع الجبهات، انتقلت إيران وإسرائيل من نمط «حرب الظل» إلى ضربات مباشرة، ثم توسعت المواجهة في 2025 و2026 وشاركت الولايات المتحدة عسكريًا، مع اضطراب الملاحة في هرمز والبحر الأحمر.
الصراع على الردع والبرنامج النووي وموازين القوة الإقليمية، لكن أثره يمتد مباشرة إلى أهم شرايين الطاقة والتجارة المحيطة بالجزيرة العربية.

20. عودة المضائق إلى قلب الصراع2026م
الحدث والأطراف : عاد مضيق هرمز نفسه، الذي كان جوهر صراع البرتغاليين في القرن السادس عشر، إلى صدارة الأزمة؛ وفي 1 أكتوبر 2026 أفادت رويترز بإصابة ثلاث ناقلات بمقذوفات مجهولة المصدر في المضيق وسط استمرار التوتر.
الرهان الاستراتيجي الأبرز: بعد أكثر من خمسة قرون يعود المكان نفسه ليؤثر في النفط والأسواق والقوى الكبرى، وإن تغيرت السفن والأسلحة والأطراف.

ماذا تغير خلال خمسة قرون؟
في القرن السادس عشر كان الحضور الخارجي بحريًا إمبراطوريًا مباشرًا: أساطيل، حصون، مدافع، وفرض رسوم على السفن.
وفي القرن التاسع عشر تطور النموذج البريطاني إلى شيء مختلف: أسطول + تجارة + معاهدات + حماية + مقيم سياسي. وتشير مكتبة قطر الرقمية إلى أن بريطانيا أصبحت القوة المهيمنة في الخليج لما يزيد على 150 عامًا، من 1820 حتى 1971، وأن طبيعة وجودها انتقلت تدريجيًا من المصالح التجارية إلى الهيمنة السياسية.
وفي القرن العشرين تغيرت الجائزة نفسها. فمع اكتشاف النفط لم يعد السؤال فقط: «من يسيطر على طريق الهند؟»، بل أصبح: من يضمن إنتاج الطاقة ونقلها ومنع خصمه من السيطرة عليها؟
أما الولايات المتحدة فلم تحتل موقع بريطانيا بطريقة مطابقة. بدأ ارتباطها الكبير بالسعودية والخليج اقتصاديًا ونفطيًا، ثم تطور إلى وجود سياسي وأمني وعسكري؛ وبعد 1971 أخذ دورها يتسع، وأصبح الدفاع عن أمن الخليج مبدأً معلنًا بصورة واضحة في عهد كارتر سنة 1980.
وفي القرن الحادي والعشرين تغيرت أدوات القوة مرة أخرى: قواعد عسكرية، أقمار صناعية، طائرات شبحية، صواريخ باليستية، طائرات مسيرة، عقوبات اقتصادية، حروب إلكترونية، ووكلاء محليون.

لكن الخريطة لم تتغير.
إيران وإسرائيل أين توضعان في هذا التسلسل؟
ينبغي هنا التفريق بينهما وبين البرتغال وبريطانيا.
إيران قوة إقليمية ملاصقة للخليج، وكانت فارس والصفويون جزءًا من صراعات الخليج قبل قيام الدول الحديثة بزمن طويل. لذلك فإن الصراع معها ليس «حضورًا أجنبيًا» بالمعنى نفسه الذي كان يمثله الأسطول البرتغالي أو الإمبراطورية البريطانية.
أما إسرائيل فهي قوة إقليمية حديثة، ودخولها في صراع الخليج جاء أساسًا من باب الأمن والبرنامج النووي الإيراني وشبكة حلفاء إيران والتهديدات المتبادلة، وليس من محاولة استعمار موانئ الخليج أو حكمها.
والولايات المتحدة قوة عالمية خارج الإقليم، لكن وجودها يختلف أيضًا عن الاستعمار البريطاني التقليدي؛ فهو يقوم أساسًا على التحالفات والقواعد والانتشار البحري والجوي والعلاقات الأمنية والاقتصادية.
وهذه الفروق مهمة؛ لأن وضع البرتغال وبريطانيا وأمريكا وإيران وإسرائيل تحت عنوان واحد سيعطي صورة جذابة بصريًا لكنها ضعيفة تاريخيًا.

الخيط الذي يجمع القرون الخمسة
يمكن تلخيص المشهد كله في معادلة واحدة:

موقع جغرافي بالغ الأهمية
مضائق بحرية حاسمة
تجارة عالمية ثم طاقة عالمية
قوى إقليمية تتنافس على النفوذ
قوى دولية تخشى احتكار طرف واحد للمكان.

والنتيجة عودة الصراع إلى الجزيرة والخليج جيلاً بعد جيل.

ولذل
ك فإن أفضل قراءة للتاريخ ليست:
«هناك مؤامرة واحدة عمرها خمسمائة عام».
كما أنها ليست:
«كل هذه الأحداث مجرد مصادفات لا علاقة بينها».
بل الأدق:

كل قوة وصلت إلى المنطقة قرأت الجغرافيا نفسها، ثم استخدمت أدوات عصرها لتحقيق مصالحها.
البرتغالي رأى هرمز وطريق الهند.
العثماني رأى العراق والأحساء والبحر الأحمر ومواجهة البرتغال والصفويين.
الصفوي رأى هرمز والبحرين والتجارة ومواجهة العثمانيين والبرتغاليين.
البريطاني رأى الهند والملاحة ثم النفط.
الأمريكي رأى الطاقة وأمن الحلفاء ومنع خصم دولي أو إقليمي من الهيمنة.
إيران الحديثة ترى أمنها ونفوذها ومجالها الإقليمي وإبعاد القوات الأمريكية عن جوارها.
وإسرائيل ترى إيران وبرنامجها العسكري والنووي وشبكة حلفائها باعتبارها تهديدًا أمنيًا رئيسيًا.
أما دول الجزيرة والخليج فهي ليست مجرد رقعة يتنافس الآخرون عليها؛ بل أصبحت هي الأخرى دولًا ذات سياسات وتحالفات وقدرات، تحاول أن تمنع تحوّل موقعها الاستراتيجي من نعمة اقتصادية إلى ساحة صدام دائم.

من هرمز سنة 1507م إلى هرمز سنة 2026م، تغيّرت الأعلام والسفن والأسلحة، وتبدلت الإمبراطوريات والدول والتحالفات، لكن الخليج والجزيرة العربية ظلا في قلب الحسابات العالمية.
لم تكن القيمة في الأرض وحدها، بل في موقعها: بين آسيا وأفريقيا، وبين البحر المتوسط والمحيط الهندي، وعلى ضفاف أهم خزانات الطاقة، وبجوار هرمز وباب المندب والبحر الأحمر.
ولهذا فإن تاريخ القرون الخمسة لا يخبرنا بأن قوة واحدة كانت تدير الأحداث كلها، بل يخبرنا بشيء ربما أهم:
أن الجغرافيا قادرة على صناعة استمرارية تاريخية أطول من عمر الإمبراطوريات نفسها.
فالبرتغالي رحل، والعثماني رحل، والبريطاني انسحب، والأمريكي أعاد صياغة وجوده، وتبدلت إيران وإسرائيل والعراق ودول المنطقة؛ لكن السفن ما زالت تعبر المضائق ذاتها، والقوى الكبرى ما زالت تحسب حساب المسافة نفسها بين هرمز وباب المندب.
تبدّلت القوى… وبقيت الجغرافيا.

إعداد: الرحّال د. وائل الدغفق