مطماطة.. القرية التي أخفت بيوتها في جوف الأرض
من روايات رحّال الخبر
كلما ظننت أنني رأيت من غرائب عمران الإنسان ما يكفي، جاءت مدينة أخرى لتقول لي: ما زال في الأرض ما يدهش.
وهكذا كانت مطماطة في الجنوب التونسي.
حين اقتربنا منها لم تستقبلنا مدينة بالمعنى الذي ألفناه؛ لا صفوف متراصة من البيوت، ولا واجهات تتزاحم على جانبي الطريق، ولا أسقف تكشف من بعيد عن قرية تسكن الجبل. كانت أمامنا تلال جرداء بلون الرمل، تتدرج بين الصفرة والحمرة، حتى خُيّل إليّ للوهلة الأولى أن العمران قد انتهى وأننا أمام أرض خالية.
لكن المفاجأة أن المدينة كانت هناك فعلًا… تحت أقدامنا.
اقتربت من إحدى الفتحات الكبيرة الغائرة في الأرض، ونظرت إلى أسفل، فإذا بي أمام فناء واسع تنفتح على جوانبه أبواب وغرف محفورة في التراب والصخر. عندها فقط فهمت سر مطماطة: أهلها لم يبنوا بيوتهم فوق الأرض، بل نزلوا إليها، وحفروا مساكنهم في باطنها.
وهو عمران لا يقوم على كهف عشوائي كما قد يتبادر إلى الذهن؛ بل يبدأ بحفر فناء عميق مفتوح إلى السماء، ثم تُحفر الغرف حوله، وتُخصّص للنوم والطبخ والتخزين وسائر حاجات الأسرة، ويصل المنزل إلى الخارج عبر ممر محفور في الأرض. وقد جعل هذا الأسلوب البيت أكثر اعتدالًا في قيظ الصيف، محتفظًا ببرودته حين تحترق الأرض من فوقه تحت شمس الجنوب.
دخلت بعض تلك البيوت، فكان الانتقال من الخارج إلى الداخل عجيبًا؛ شمس قوية وهواء جاف في الأعلى، ثم شيء من البرودة والسكينة كلما توغلت في باطن المنزل.
الجدران بسيطة، وبعضها مطلي بالبياض، والأبواب تفتح من الفناء إلى حجرات صغيرة، وفي الزوايا أدوات الحياة اليومية والمنسوجات والأواني؛ فلا تشعر أنك أمام أثر ميت أُعد للسائح، بل أمام طريقة حياة وُلدت من مصالحة الإنسان مع أرضه.
وهنا تكمن روعة مطماطة في نظري.
فالإنسان يستطيع أن ينظر إلى الجبل القاحل فيراه عائقًا، ويستطيع آخر أن يراه بيتًا.
وأهل هذه الجهات فعلوا الثانية.
لم يقهروا الطبيعة، بل قرؤوها جيدًا؛ وحين اشتد الحر فوق الأرض، وجدوا الراحة تحتها. وحين شحّت الإمكانات، أصبحت التربة نفسها جدارًا وسقفًا وعازلًا.
ولهذا لم أرَ في بيوت مطماطة مجرد غرابة سياحية، بل رأيت فيها صفحة من ذكاء العمارة الشعبية؛ تلك العمارة التي سبقت أجهزة التكييف ومواد العزل الحديثة بقرون، واستخدمت خصائص الأرض نفسها لتلطيف مسكن الإنسان.
وتصف اليونسكو مطماطة القديمة بأنها تقع في جبال مطماطة على ارتفاع يقارب 600 متر، وسط مشهد تكاد تضاريسه تبدو قمرية؛ أما ما يبدو للناظر من الأعلى كحفر منتشرة في التلال، فما هو في الحقيقة أفنية بيوت غائرة تتفرع منها الغرف.
من مطماطة إلى كوكب بعيد
ولم تبقَ غرابة المكان حبيسة الجنوب التونسي.
فحين بحث صُنّاع السينما عن مكان يستطيع أن يقنع المشاهد بأنه يشاهد عالمًا بعيدًا عن الأرض، وجدوا في مطماطة ما يريدون.
ومن أشهر المواقع هنا نزل سيدي إدريس، وهو في أصله من نمط المساكن الجوفية التقليدية، وقد استُخدمت ساحاته وبعض حجراته في تصوير منزل عائلة لارس، منزل الصبي لوك سكاي ووكر، في سلسلة Star Wars.
ولذلك يشعر الزائر وهو ينتقل بين الأقواس والغرف المحفورة أنه يعرف المكان قبل أن يراه؛ فقد شاهده الملايين على الشاشة معتقدين أنه بيت على كوكب خيالي، بينما كان في الحقيقة جزءًا من عمارة أهل مطماطة. ويؤكد الموقع الرسمي لـStar Wars أن فناء نزل سيدي إدريس وغرفة الطعام استُخدما لتصوير منزل عائلة لارس.
والمفارقة التي أعجبتني أن السينما احتاجت إلى الخيال وإلى كوكب بعيد، بينما كان أهل مطماطة يعيشون هذا المشهد منذ أجيال.
أحيانًا يكون الواقع أكثر غرابة من الخيال.
أهل المكان قبل المكان
ومهما بلغ جمال العمارة، تبقى قيمة الرحلة في أهلها.
لقد اعتاد سكان مطماطة على مرور الغرباء، وأصبحت بعض البيوت تستقبل الزائر ليرى المطبخ والحجرات وأماكن التخزين، وتعرض الأسر شيئًا من الصناعات والمنسوجات التقليدية. وتشير هيئة السياحة التونسية إلى بقاء النسيج والحياكة والمنسوجات التقليدية عنصرًا مهمًا في ثقافة قرى الجنوب.
لكنني كنت أتساءل وأنا أقف على حافة أحد الأفنية وأنظر إلى حياة الناس في الأسفل:
متى يتحول فضول السائح من معرفة المكان إلى اقتحام خصوصية ساكنيه؟
فهذا الذي نصوره نحن بوصفه مشهدًا غريبًا هو، في النهاية، بيت عائلة وحياتها اليومية.
ومن آداب الرحلة في نظري ألا تجعل دهشتك من اختلاف الناس مبررًا للنظر إليهم وكأنهم جزء من معرض.
الرحالة الحقيقي لا يكتفي بأن يرى؛ بل يعرف كيف يرى.
مطماطة القديمة والجديدة
ومع تغير الحياة انتقل كثير من السكان إلى المباني الحديثة في مطماطة الجديدة، لكن البيوت الجوفية بقيت الشاهد الأوضح على مطماطة القديمة.
وهنا بدا لي المشهد وكأنه حوار بين زمنين:
مدينة حديثة تقول إن الحياة تتغير، ومدينة محفورة في الأرض تقول إن الإنسان لا ينبغي أن ينسى كيف عاش أجداده ولا لماذا اختاروا ذلك الشكل من السكن.
ولست ممن يرى أن كل قديم يجب أن يبقى كما هو، فالناس من حقهم أن يطلبوا الراحة والخدمات والحياة الحديثة. لكن الخطأ أن نفقد النموذج القديم كله، لأنه ليس مجرد بيوت؛ بل وثيقة معمارية واجتماعية عن قدرة الإنسان على التكيف مع البيئة.
ولهذا أدرجت تونس مساكن مطماطة الجوفية، مع نماذج أخرى من عمارة الجنوب والقصور، ضمن قائمتها التمهيدية للتراث العالمي لدى اليونسكو.
وما حول مطماطة أجمل من أن يُعبر سريعًا
ومطماطة لا ينبغي أن تكون زيارة سريعة توضع عليها علامة في برنامج الرحلة ثم يُغادر المكان.
فالجنوب التونسي عالم مترابط؛ من قابس إلى جبال مطماطة وقرى الأمازيغ، ومنها تمتد الطرق نحو مدنين وتطاوين وقصور الجنوب ومخازنه الجماعية القديمة، ثم إلى مشاهد الصحراء التي يتبدل فيها لون الأرض والسماء كلما توغلت جنوبًا.
إنها منطقة تحتاج إلى أن تُقرأ بهدوء، لا أن تُزار على عجل.
بعض المدن تبهرك بما بنت فوق الأرض...
أما مطماطة، فقد أدهشتني بما أخفته تحتها.
خرجت منها وأنا ألتفت إلى تلك التلال الصامتة التي بدت لي عند الوصول خالية من الحياة.
الآن لم تعد خالية.
كنت أعرف أن وراء كل حفرة منها بابًا، ووراء الباب غرفة، وفي الغرفة قصة أسرة، وأن تحت ذلك الصمت الظاهر مدينة كاملة تعلمت منذ زمن بعيد درسًا ربما نحتاج إليه اليوم:
ليس النجاح في أن تغيّر الطبيعة دائمًا لتناسبك، بل ربما في أن تفهمها جيدًا، ثم تغيّر طريقتك في العيش لتناسبها.
وهكذا غادرت مطماطة، لا باعتبارها مدينة غريبة فحسب، وإنما بوصفها واحدة من تلك الأماكن التي تجعل السفر مدرسة؛ نأتي إليها لنشاهد بيتًا في باطن الأرض، فنخرج منها ونحن نفكر في الإنسان الذي ابتكره.
الرحال وائل الدغفق
رحّال الخبر