قرغيزيا… حين تقود الخيول إلى أعالي الجبال
مقدمة رحلتي بين الأودية والمرتفعات في الطريق إلى جلال آباد
ما إن وطئت أقدامنا أرض قرغيزيا، حتى تسللت إلى النفس راحة عجيبة، وشعور بالطمأنينة لم أجد له في البداية تفسيرًا.
كان في المكان شيء لا يُرى بالعين وحدها؛ سكون يسكن الجبال، وصفاء يهبط من أعالي القمم، واتساع يعيد للإنسان شيئًا من بساطته الأولى.
تعجبت من ذلك الشعور، ثم لم يلبث عجبي أن زال حين أخذت أتأمل الأرض من حولي.
كانت الطبيعة هنا ما تزال قريبة من صورتها الأولى: جبال شامخة لم تجرحها العمارات، وأودية عميقة تجري بينها المياه، ومراعٍ خضراء تنتشر فوقها قطعان الخيل والأغنام، وطرق طويلة تتلوى بين السفوح كأنها خيوط رفيعة رُسمت على بساط أخضر واسع.
هنا أدركت أن سر الراحة لم يكن في الطقس وحده، ولا في جمال المناظر فحسب، بل في إحساس المسافر بأن الأرض لم تُستنزف بعد، وأن الحياة ما زالت تسير فيها على إيقاع أبطأ من إيقاع المدن.
في الطريق إلى جلال آباد
انطلقت رحلتنا بين جبال قرغيزيا وأوديتها باتجاه جلال آباد، وكلما ابتعدنا عن المدن ظهرت البلاد بوجهها الأصيل.
كانت القرى صغيرة متناثرة، والبيوت متواضعة، والمراعي تمتد من أسفل الوادي حتى تخوم الجبال. وعلى جوانب الطريق كنا نرى الخيول ترعى كما ترعى الأغنام والأبقار، مشهدًا قد يبدو غريبًا لزائر قادم من بيئة اعتادت أن ترى الخيل في الإسطبلات والميادين، لا قطعانًا حرة تنتشر فوق السفوح.
في قرغيزيا، لا تُعد الخيل وسيلة للركوب وحدها، بل هي رفيقة حياة، وذاكرة أمة، وعنوان قوة وحرية. بها قطع الأجداد المسافات، وتنقلوا بين المراعي، وخاضوا الحروب، وحملوا متاعهم وأخبارهم عبر الجبال والسهوب.
ولهذا كان من الصعب أن أفصل بين القرغيزي وفرسه، أو بين الجبل وساكنه؛ فكأن البلاد كلها نشأت فوق ظهور الخيل.
حضارة لم تكن من حجر
قد يخطئ من ينظر إلى تاريخ الشعوب بعين لا ترى الحضارة إلا في القصور والمعابد والأسوار.
فالقرغيز لم يشتهروا بمدن حجرية عظيمة أو عواصم مستقرة تضاهي عواصم الإمبراطوريات، لكن ذلك لا يعني أنهم كانوا أمة بلا حضارة.
لقد كانت حضارتهم من نوع آخر: حضارة متنقلة تحمل بيتها معها، وتختزن تاريخها في الذاكرة، وتحفظ أنسابها وأخبار أبطالها في القصائد والملاحم، وتنقل معارفها من الآباء إلى الأبناء حول النار وفي مواسم الرعي.
وكانت الخيمة القرغيزية الدائرية، أو اليورت، أبرز رموز هذه الحياة؛ فهي بيت يمكن تفكيكه وحمله ثم إقامته في موضع آخر. يُصنع هيكلها من الخشب المرن، وتُكسى بطبقات من اللباد المصنوع من صوف الأغنام، وتُربط بالحبال والأشرطة المنسوجة.
وليست اليورت خيمة بدائية كما قد يتصورها البعض، بل بناء ذكي صُمم ليلائم الرياح والبرد والتنقل، وقد أصبحت صناعة الخيام القرغيزية وما يرتبط بها من مهارات جزءًا معترفًا به من التراث الثقافي غير المادي.
فحين لا تستطيع الأمة أن تبني قصرًا ثابتًا، لأنها تنتقل وراء الماء والمرعى، فإنها تبني بيتًا خفيفًا يحمل هندسة المكان وذاكرة الأسرة وروح الجماعة.
أمة عبرت فوقها الإمبراطوريات
مرّت على آسيا الوسطى موجات من الصراعات والتحولات الكبرى؛ من الغزوات المغولية إلى تمدد الإمبراطورية الروسية، ثم الثورة البلشفية وقيام الاتحاد السوفيتي.
ولم تكن قرغيزيا بعيدة عن تلك التحولات، كما أنها لم تبقَ معزولة عنها أو بمنأى عن آثارها. خضعت أراضيها للنفوذ الروسي في القرن التاسع عشر، ثم أصبحت جزءًا من الاتحاد السوفيتي حتى استقلالها سنة 1991م.
وقد غيّرت الحقبة السوفيتية كثيرًا من أنماط الحياة فيها؛ فظهرت المدن الحديثة والمدارس والمصانع والطرق، وتراجعت حياة الترحال الكامل، كما تعرض الدين ومؤسساته للقيود التي عرفتها سائر الجمهوريات السوفيتية.
ومع ذلك، بقيت في القرى والجبال عناصر قوية من الهوية القديمة: الفروسية، والخيمة، واللباس، واللغة، والأغاني والملاحم، وتقاليد الضيافة، والارتباط العميق بالأرض والقطيع.
لم تحمِ الجبال القرغيز من كل غزو أو تغيير، لكنها منحتهم مجالًا أوسع للحفاظ على شيء من شخصيتهم؛ فالإمبراطوريات تستطيع احتلال المدن وتبديل الرايات، لكن الوصول إلى كل وادٍ وكل مرعى وكل ذاكرة أمر أشد صعوبة.
الإسلام في أرض الجبال
دخل الإسلام إلى مناطق آسيا الوسطى على مراحل طويلة، ولم يتحول المجتمع القرغيزي كله إليه في وقت واحد. فقد انتشر بين القرغيز تدريجيًا عبر التجار والدعاة والمدن المجاورة والصلات مع الشعوب المسلمة في وادي فرغانة.
ومع مرور القرون أصبح الإسلام جزءًا أساسيًا من هوية غالبية القرغيز، وإن امتزجت الممارسات الدينية عند بعضهم بعادات اجتماعية وقبلية قديمة.
ولهذا لا يصح أن نقول إن أثر الحقبة السوفيتية لم يصل إليهم؛ فقد أُغلقت مساجد، وقُيّد التعليم الديني، وضعفت المعرفة الشرعية في مراحل مختلفة. لكن الإيمان بقي في البيوت والذاكرة والعادات، ثم عادت المساجد والتعليم الديني إلى الظهور بصورة أوضح بعد الاستقلال.
وفي أثناء سيرنا كنت أرى المآذن في بعض القرى والمدن، وألمح الحجاب في الأسواق، وأشاهد أثر التدين حاضرًا في الأسماء والتحيات والعادات.
لم تكن الصورة متجانسة تمامًا؛ ففي قرغيزيا تجد المتدين والمحافظ، كما تجد المتأثر بالثقافة السوفيتية الحديثة، وتجد بينهما درجات كثيرة. غير أن الإسلام ظل عنصرًا واضحًا في هوية المجتمع، حتى حين اختلف الناس في مقدار التزامهم به.
شعب صنعته القسوة والجمال
فالحياة بين الجبال ليست سهلة.
فالشتاء طويل شديد البرودة، والطرق قد تُغلقها الثلوج، والمراعي لا تبقى خضراء طوال العام، والتنقل بين الأودية والمرتفعات يحتاج إلى صبر وقوة ومعرفة دقيقة بالمكان.
ومن هذه البيئة تشكلت شخصية القرغيزي: صلابة في البدن، واقتصاد في الكلام، وقدرة على الاحتمال، واعتداد بالفرس والأسرة والعشيرة.
وقد يبدو بعض أهل الجبال صارمين في ملامحهم أو قليلي الكلام، لكن تلك الصرامة كثيرًا ما تنكسر أمام الضيف؛ إذ تظل الضيافة من أعمدة الثقافة البدوية، فلا يلبث الزائر أن يرى المائدة تُمد، والشاي يُصب، والخبز واللحم يُقدمان له بما تيسر.
هنا يجتمع البأس والرحمة؛ صلابة صنعتها الجبال، ولين هذّبته الأسرة والدين وتقاليد إكرام الضيف.
أرض ملحمة ماناس
ومن أراد أن يعرف روح القرغيز، فليسألهـم عن ماناس.
ماناس ليس اسم بطل وحسب، بل هو قلب الذاكرة الشعبية القرغيزية، وبطل ملحمة شفوية هائلة تناقلها الرواة جيلًا بعد جيل. تحكي الملحمة أخبار البطولة والوحدة والصراع والهجرة والدفاع عن الأرض، ويؤديها رواة متخصصون يُعرفون باسم «الماناسچي».
في هذه الملحمة يظهر نوع الحضارة التي صنعها القرغيز؛ حضارة لم تنقش تاريخها كله على الحجارة، بل حفظته في صدور الرجال، ثم نقلته الأصوات عبر القرون.
ولعل الرواية الشفوية عند الشعوب المتنقلة تقوم مقام المكتبة عند أهل المدن؛ فإذا تحركت القبيلة حمل الراوي تاريخها معه، فلم تحتج إلى جدران تحفظه.
وتعد التقاليد المرتبطة بملاحم ماناس وسيميتاي وسيتيك جزءًا من التراث الثقافي الذي تفخر به قرغيزيا، مثلما تفخر بالخيمة والفروسية وألعاب البدو. وتؤكد قوائم اليونسكو ارتباط التراث القرغيزي الوثيق بنمط الحياة البدوي وألعابه ومهاراته التقليدية.
بين الجبل والوادي
كلما توغلنا باتجاه جلال آباد، كانت الطبيعة تتبدل أمامنا من مشهد إلى آخر.
مرة نصعد بين سفوح عالية يكسوها العشب، ومرة نهبط إلى وادٍ تجري فيه المياه بين الأشجار، ثم نمر بأرض أكثر جفافًا قبل أن يعود الاخضرار من جديد.
كانت السحب قريبة من القمم، حتى يخيل للمسافر أنه يستطيع لمسها، وكانت الثلوج الباقية فوق بعض المرتفعات تلمع من بعيد، بينما تنتشر في الأسفل قطعان الخيل كالنقاط السوداء والبنية فوق صفحة خضراء واسعة.
ولم يكن الطريق مجرد انتقال من مدينة إلى أخرى؛ بل كان هو الرحلة ذاتها.
ففي البلاد الجبلية لا ينبغي للمسافر أن يسأل فقط: متى أصل؟ بل عليه أن يسأل: ماذا أفقد إن أسرعت؟
كل منعطف يكشف واديًا، وكل قمة تحجب وراءها مشهدًا آخر، وكل قرية تحمل طريقة مختلفة في بناء البيوت واستثمار الأرض والتعامل مع الشتاء.
جلال آباد… بوابة الجنوب
كانت وجهتنا جلال آباد، إحدى مدن جنوب قرغيزيا، والواقعة بالقرب من وادي فرغانة، في منطقة تختلف في طبيعتها البشرية والزراعية عن المرتفعات البدوية الخالصة.
كلما اقتربنا منها، ظهرت الأراضي الزراعية والبساتين بصورة أوضح، وازدادت القرى والأسواق والحركة البشرية.
وهنا تتبدل الفكرة المبسطة القائلة إن جميع القرغيز ليسوا أهل فلاحة أو مدن؛ فجنوب البلاد عرف الزراعة والتجارة والاختلاط الحضري منذ زمن طويل، بحكم قربه من وادي فرغانة ومدنه التاريخية وطرقه التجارية.
قرغيزيا ليست صورة واحدة: فيها راعي الخيل فوق الجبل، والمزارع في الوادي، والتاجر في السوق، والموظف في العاصمة، والبدوي الذي يقيم اليورت صيفًا، والأسرة التي تسكن شقة حديثة في بشكيك.
وقيمة الرحلة الحقيقية أنها تُخرج الإنسان من التعميم، وتجعله يرى التنوع الذي تخفيه الأسماء المختصرة على الخرائط.
ما الذي شدني إلى قرغيزيا؟
لم يكن جمال قرغيزيا في الجبال وحدها؛ فجبال العالم كثيرة.
لكن ما شدني إليها هو اجتماع أشياء قلما تجتمع في مكان واحد: الجبل والماء، والخيل والخيمة، والتاريخ الإسلامي، والذاكرة البدوية، وبقايا الحقبة السوفيتية، وحياة حديثة تحاول أن تتقدم من غير أن تفقد كل ما ورثته.
هنا يستطيع الرحالة أن يستيقظ في مدينة حديثة، ثم لا تمضي ساعات حتى يجد نفسه في مرعى لا يرى فيه إلا الخيام والخيول والقمم.
ويستطيع أن يشرب الشاي في بيت قرغيزي، ثم يسمع من صاحبه حديثًا عن الإسلام أو الاتحاد السوفيتي أو الأبناء الذين يدرسون في روسيا، فيكتشف أن الناس لا يعيشون في الماضي وحده، بل يحملون الماضي معهم وهم يواجهون الحاضر.
قبل أن نبدأ الحكاية
هذه ليست دراسة تاريخية لقرغيزيا، ولا حكمًا نهائيًا على أهلها، بل مقدمة لما رأيته وشعرت به في بداية رحلتي.
وكنت حريصًا على ألا أجعل دهشتي بالطبيعة سببًا في المثالية، ولا إعجابي ببساطة الناس مدخلًا لتجاهل تعقيدات تاريخهم وحاضرهم.
فالرحالة الصادق لا يذهب إلى البلدان ليؤكد أفكارًا حملها معه، بل يذهب إليها ليختبر تلك الأفكار، ويصحح ما أخطأ فيه، ويعود بصورة أكثر عدلًا وعمقًا.
قرغيزيا ليست أرضًا توقف فيها الزمن، بل دولة حديثة تتغير، ويعيش أهلها بين ميراث الرعاة ومتطلبات المدن، وبين اللغة القرغيزية والحضور الروسي، وبين عودة التدين وآثار سبعين عامًا من الحكم السوفيتي.
لكنها، فوق ذلك كله، أرض تمنح زائرها شعورًا نادرًا بالاتساع والحرية.
إنها أرض الجبال العالية، والأودية السحيقة، والخيول التي ترعى في الفضاء المفتوح، والخيام البيضاء التي تظهر من بعيد كأنها لآلئ نُثرت فوق المراعي.
ومن هنا، من الطريق الممتد بين قمم قرغيزيا وأوديتها باتجاه جلال آباد، بدأت الحكاية.
وبسم الله نبدأ، وبه نستعين.
أخوكم
الرحّال وائل الدغفق
رحّال الخبر..
اليوم الأول الى قمم جبال توأتشو ووادى سوسمر وحتى جلال اباد
مضينا اليوم صباحا الى طريق الجنوب والى أوش الجبلية والتي تبعد ١٠ ساعات بالسيارة ، انطلقنا من بشكيك والى الغرب الى قرية (كرابلطا- kara balta) احدى قرى القرغيز وتعني باسمها القرغيزي الفأس الأسود، ومنها لننطلق جنوبا لمسافة ٧٥ كلم الى قمة جبل (تو اتشو Тоо Ашуу) ويعني اسم هذا الجبل ب(سنام الجمل).
والطريق اليه ممتع حيث الجبال وتكون الثلوج بل ان الثلوج تساقطت في شهر اغسطس وهذا عجيب في القمة التي ترتفع نحو ٣٠٠٠متر ، والطريق وانحنائاته الجميلة ، والانهار التي لم تنقطع صعودا ونزولا، ومرورنا بالنفق الاكبر ذو ثلاثة كيلومترات طولا ويعتبر في قمة الجبل.
طبعا البدائية في الطرق او الخدمات هنا مازالت على بداياتها فالحفر أو عدم استواء الطرق و اصلاحها المؤجل الى غير حساب.
*المرور على وادي سوسمر*
نزلنا من قمة تو اشو باتجاه وادي سوسمر وبدأت السماء تندف علينا قطنا ابيضا ناصعا لم اعرف أنه ثلج الا من السائق رشيد حيث قال انه ثلج فقلت له انه مطر، لرؤيتي للزجاج الامامي وقطرات الماء فقط، ولكن عرفت لاحقا انها ندف من الثلج ذابت فور قربها من زجاج السيارة الساخن فتحولت لقطرات ماء.
وما أن فتحت النافذة الا وندف الثلج البديعة تلامس وجهي برقة حينها عرفت أنها ثلجا ، وماخبرة رشيد الا انه تعود على تلك القطرات التي ظننتها مطرا والحقيقة أنها ثلجا.
وما أن نزلنا وادي سوسمر الا ورعاة الخيل قد انتشرو وكأننا في النعيرية او السفانبدية وقد نصب اهل المخيمات خيمهم البيضاء وحولهم خيولهم واغنامهم وابقارهم وقد جهزو حليب بقرهم وخيولهم على السواء للبيع في عادة اعتادوها في كل صيف وهو مدة بقائهم، لكن العجيب هو حليب الخيل الذي اعتادو عليه ، مع طبخ لبن البقر والماعز ليصنعو منه ال(كرت) وهو كايسمى عندنا ب الاقط.
وأكياس من الأقط الدائري الجاهز للبيع مع عشرات من علب الماء وقد ملأت بحليب الخيل
مع مافي الوادي من جمال آخاذ تمتعنا بجولتنا بين مرابع سوسمر البديعة، فهنا تعرف الشعب الذي لايقهر والذي ليس له متاع الا خيمة يلفها وخيل يحملها وغنم تتبعه فلا ارضا يملك ولا حقلا يزرع ولا معلم يهتم له.
فكانت من هنا بقيت جذوة الاسلام والكيان القرغيزي في صف واحد ضد كل طغاة الأرض..
المنظر للوادي (سوسمر) الخالي من الأشجار والمليء بالأعشاب الخضراء التي غطت كل شيء لتكون مرعىً طيبا للمواشي و جداول شقت الأرض فأكسبتها جمالا الى جمال وجو صافي بديع هو مايجعل من هذا الوادي مرعى لكل القرغيزيين ومطلباً للسياح حيث العين وماتحب والطعم وماتود وتلذ ولا أخير من اللبن والحليب وهو كل مالديهم هنا.
*وادي العسل جيجكان*
بعد وادي سوسمر وعلى نفس الطريق M41 الرئيسي دخلنا لوادي يسمى جيجكان ومعناه الفأر فعجيب اسمه ...!
المهم ليس للفأر علاقة به لا من قريب ولا من بعيد، فهو وادي ضخم جبلي ضيق ، سفوحه مرتفعة تكاد تسد عين الشمس ، وفي جوار الطريق الملتوي الذي يشقه نهرا هادرا، قد حوى بيوت للنحل وبائعيه بأنواع منه الاسود والاصفر والمجرى الابيض وبالشمع وبدونه باسعار زهيدة للكيلو الواحد نحو ٣٥ ريال.
وقد اشترينا منه زادنا ورأيت شيئا أسودا بل كان بنفسحيا قاتما في علبة زجاج، سالت البائعة فقالت أنه من ثمار البلوبيري البنفسجي البري الصغير قد جهز ليكون مربى، ولم أتردد بشرائه بسعر العسل زمايميزه أنه برّي مفيد معروف برفع مضادات الأكسدة بالجسم.
ونحن في طلب وشراء اء بي أرى احدى نساء العسل وقد أخرجت شيئا مثل الكيك وأخرجته من غرفة فيها دخان، وكعادتي الملقوفة في البلاد التي تطأها قدمي اتليقف...!
نعم ولكي اتعرف على عادات البلد فسألتها ماهذا فردت انه (نان) يعني خبر فأعطتني منه قكعة كرما جزاها الله خيرا ووزعته لابوالحارث والاخ رشيد وكان حارا طازجا يضرب طعمه بالرأس.
وذهبت للغرفة التي فيها الدخان لأعرف طريقة خبزه فاذا الغرفة مطبخ صغير قد صنع في جنبها فرن من الحديد ومغطى بالطين بنياناً ، للطبخ بالحطب.
وعلى الجانب الآخر موقد علدي من الحطب وفوقه مثل التاوة من الحديد السميك مغطاة بتاوة أخرى وتحتها الحطب يضوي، فرفعتها فإذا هي عجينة من القمح صبت على التاوة لتقلب بين الفينة والاخرى حتى تنضج....
طريقة سهلة للخبز بلا فرن ولا ازعاج.
اكلنا ماتبقى من الخبز وشكرناهم ، وانطلقنا في طريقنا الوحيد M41 نحو الجنوب.
*
[١٧/٨ ٨:٠٢ م] الرحال وائل الدغفق: *الوصول لبحيرة تقتقول وتناول حبحب سكري*
وعلى طريق M41 ولمسافة ١٧٠ كلم من وادي جيجكان وصلنا لمكان فسيح بديع وبحيرة تفتح النفس متسعة مترامية الأطراف تسمى بحيرة (تقتقول) وهي أسم لأديب وشاعر قرغيزي شهير سميت البحيرة بأسمه.
وصلنا حولها ورأينا جمالها واخذنا نصور يمنة ويسرى في محاولة لحبس ذلك الجمال الذي نراه بأعيننا ولمحبتنا لكم وددنا أن ترون مانراه عبر عدسات النقل الافتراضي ، وتسعدون كما سعدنا برؤيته.
ومن جمال المكان رأينا إحدى ربات البيوت وقد جلست قبالة مزرعتها بعدد بسيط من الركي (الحبحب) وحولها طفل وطفلة ذوو سنتين وثلاث ابيضين مشوبين بحمرة خديهما كحمرة الحبحب اللذي قطعناه ولاتسال عن حلاوة الحبحب فهو احلى من السكر، جمله العافية وزينته الصحة ..
سعر الركية بمائة سوم اي ٦ ريالات.
وكم المكان جميلاً بوحود جدول رقراق ينساب حولنا قد غسلنا أيدينا فيه .
وخلف السيدة الكبيرة وربما الاطفال ليسو ابنائها بل احفادها لكبر سنها ، وخلفها مزرعة كبيرة امتلأت حبحبا حتى البحيرة.
قضينا سويعات كانت استراحة وراحة وطعام طيب طيبته العافية.
وأكملنا مسيرنا نحو الجنوب ليقطع علينا نهراً صخم وهو من أكبر أنهار قرغيزيا واسمه (نارن) ونهر نارن هو من يغذي هذه البحيرة (توقتقول).
ثم يخرج منها الى الجنوب ليدخل ضمن دولة طاجكستان واوزبكستان.
[١٨/٨ ٤:٠٣ ص] الرحال وائل الدغفق: وللعلم فإن بحيرة تقتقول وبحيرة سونقول قريبتين بالحجم واثنينهم يعتبران بعد البحيرة الأكبر في قرغيزيا(أسيقول)..
*المرور على وادي كوكبيل جميل*
بعد بحيرة توقتقول كان مرورنا على وادي (كوكبيل) الرائع وهو منحدر يعني أسمه السنام الازرق، يميزه جروفه الجبلية القوية ونهر جاري قوي اقوى مما سبقه، مع خضرة يانعة ، وقد توقفنا في منتصفه لدى احد الأماكن وقد بني مسجدا ومطعم يقدمون فيه الاسماك المشهورة من بحيرة تقتقول، وميزة هذا المطعم انه أتخذ جلسات على النهر مباشرة مما زان المكان وزاده جمالا.
صلينا في المسجد بعد أن توضأنا في النهر الابيض الجارف ، وبعد جلسة بسيطة أكملنا مسيرنا مع مرورنا على عدة قرى ظهرت لنا منها قرية جزكو ، ومنها الى قرية قراكل والتي منها ينزل نهر وادي كوكبيل على شكل شلال مميز حتى يسقط بمحاذاة نهر نارن.
*قرية قراكل وأكبر سد في قرغيزيا*
وصلنا الى نهر نارن مرة أخرى والذي بدأ بالظهور بعد قرية قراكل وهي منطقة لمحطة توليد الكهرباء مع سد توكتقول الأكبر في قرغيزيا .
والمنطقة كانت محمية ولها بوابات في العهد الشيوعي لوجود الروس هنا ، رأينا البوابات وبعض المنشآت واكملنا المسير عبر الطريق الجميل واطلالة نهر نارن بتعرجاته البديعة وحجمه الضخم تسحبنا بين ساعة واهرى للتوقف لأخذ صورا بديعة للمكان المميز.
وتتوالى الأنفاق هنا بكثرة نظرا لصعوبة الطريق حتى وصلنا الى سد آخر سمي باسم المدينة التي بني عليها وهي (طاش كوبر) وتعني الفحم الحجري وهي اصلا مقر لمناجم الفحم الحجري التي رأيناها هنا بكثرة، وتتميز المدينة الصغيرة وقوعها على جروف صخرية محاذية لنهر نارن البديع وشكلت بتصميمها ومحاذاتها على الجروف الحادة للنهر شكلا بديعا لناظريه وخاصة في من توقف قبل عبور الحسر المؤدي للمدينة لرؤيتها بشكل بانورامي بديع وهي على جرف النهر الهادر.
كما رأينا السد الكبير .
*وجهتنا نحو أجمل محميات قرغيزيا ساري جلك*
بعد مرورنا على قرية طاش كوبر وعبور الحسر الذي يفرقنا عن طريق جلال اباد لنتجه شمالا عبر جسر نهر نارن لنتجه عبر طريق بطول ٩٠ كلم منه ٦٠ كلم مسفلت جيد وال٣٠ للاسف وعرة جدا لم تخدم بعد.
وصلنا الى ساري جلك والى مقر المبيت قرية (ارقيت) ونهرها الجميل ارقيت ايضا .
طبعا المسير الى ساري جلك وهي محمية طبيعية مغلقة للحماية ومفتوحة للسياح واهل القرى داخلها تفتح حتى الخامسة مساء الا من يدخلها يستطيع البقاء فيها.
ويمر الطريق على مناطق مميزة وقرى وتلال بديعة ووهاد رائعة الجمال كلها في تلك المنطقة الريفية التي يستعمل اهلها الطين في بناء بيوتهم وبيت البقر والذي يعلو سقفه بيت للاعلاف .
منطقة مميزة جميلة وبديعة، وصلنا الى المحمية ودخلنا اليها حتى وصلما الى ادق ية اركيت حيث مبيتنا استقبلنا صاحب النزل القروي والمنظم بغرفه الدافئة والمعدة للضيوف بسعر الف سوما يشمل المبيت والعشاء والافطار .
جلسنا قليلا حيث كان الوقت المغرب فدعانا للعشاء حيث جهزو لنا دكة على نهر وضعو فيها المائدة ومن اطايب الطعام حبحب وخبز النان الطازج الحار الذي للتو خرج من الفرن مع عسل من انتاج صاحب النزل مع الشاي ثم اتانا الطبق الرئيسي(البلاف) وهو ارز ولحم بالخضار شهي جدا وهو من طعام اهل هذه المناطق ...
كان الطعام لذيذا وشهيا خاصة انه من نتاج النزل نفسه، وثم تحولنا حول المكان لنرى طريقة عيشهم وبيوتهم واماكن زراعتهم حول النهر وبيت البقر ومستودع الاعلاف ثم جولة للنهر نفسه.
صلينا بعدها المغرب والعشاء جمع تقديم لننام بعد عناء يوم طويل قضيناه بيت تلك الطرق الجميلة والوعرة .
ولنا من صباح الغد جولة اخرى لمنتزه وبحيرة ساري جلك باذن الله وتصبحون على خير.
اكلة قرقيزية اسمها بيش برماك وتعني الاصابع الخمسة.
*جولة في أجمل بحيرات قرغيزيا سراي جلك*
اليوم وبعد إفطار شهي بلدي في قرية أركيت تناولنا البيض الرائع مع خبز النان بالفرن البلدي مع العسل المحلي وطبعا الشاي الذي لايخلو طبق الا والشاي معه سواء إفطار أو غداء أو عشاء، تناولنا طعامنا وتوكلنا على الله لننطلق من قرية أركيت بطريق ترابي وعر لخمسة عشر كيلومتر عبر غابات كثيفة وانهار جارية واعشاب برية عمد الأهالي لجزها بالمنجل اليدوي وهي اداة تستعمل في مزارع اسيا عموما واوربا ومنها شعار الشيوعية المنجل والمطرقة شعار الفلاحين والصنّاع المسخرين للجيش والساسة .
والاعشاب هنا هبة الله لهم تستعمل كاعلاف لحيواناتهم، وتجمع بعد الجز في أكوام عبر الشوكة لترفع بعدها في عربات الخيول أو الشاحنات الروسية القديمة المتهالكة وتكوّم بطريقة ضخمة على الشاحنات يخيّل لك انها كومة قش تمشي.
وبمشاهداتنا الجميلة عبر حياة رتيبة للسكان المحليين تعيش بعفوية بعد أن استعادت حريتها الملكية والعيش براحة لتمارس الحياة كما تريد لا كما يفرض عليها خلال السبعين عاما التي كتمت على الأنفس دينيا واقتصاديا وحرية فكرية.
فمنذ ٢٠ عاما رجعت للشعب القرغيزي حياتهم واملاكهم وعزتهم .
ونحن في تفكر في مانرى اذ بالطريق يصعد الى علو وشيئاً فشيئاً اذ بنا على قمة ونرى من خلفنا وادي نهر اركيت وقرية اركيت التي يحتضنها الوادي كثيف الاشجار ونحن نواصل المسير حتى لاح لنا مطل على وادي اركيت معد سلفا بمقاعد وحاجز اسمنتي ليتمكن الزوار من رؤية المنظر البانورامي الجميل للوادي الرائع.
وثم أكملنا مسيرنا لنتوقف عند مطل آخر من الخشب ولكن إطلالته أكثر روعة فهو مطل على البحيرة الصغرى لساري جلك وهي أجمل بمراحل من الكبيرة لجمال محيطها الشجري واخضراره، ولون الماء التركوازي العجيب.
اخذنا حريتنا في التقاط الصور التذكارية وثم نزلنا لأسفل البحيرة التي كانت تغءى بنهر جارٍ آتياً من البحيرة الكبرى.
ويصب صباً عظيما وفي طرفه ثلاثة قبور لعائلة دفنت في الحقبة السوفيتية عام ١٩٦٠م .
ومان المنظر خيالي في هذه البحيرة وجمال النهر الذي اعطاها جمالا لجمالها الهاديء الجميل اذ تعد هذه البحيرة من أجمل المواقع الطبيعية في قرغيزيا بل في أسيا كلها.
ليت الصور تنطق بجمالها فلايستطيع تعبيرنا وصفها بما تستحق.
طبعا لم يبنى اي بناء حول البحيرة الصغيرة حفاظا على طبيعة المكان ، اخذنا وقتنا فيها ثم انطلقنا إلى البحيرة الأكبر والتي تقل جمالا بسبب حجمها مع عدم وجود الاخضرار حولها فوجود الجبال الصماء يقلل من منافستها للبحيرة الصغيرة وفي كلا جمال أخاذ.
بني حول البحيرة الكبيرة متنزها وبعض منازل أهل القرى وهناك قوارب تستأجر لخوض البحيرة واكتشاف جوانبها، وجلسنا نأخذ اللقطات حولها ، وثم رجعنا الى الطريق العام لأستكمال رحلتنا لمناطق جلال اباد وأوش .
خان كراخانة تركي بنيت ايام دولة الكرهانية وبني بين القرن ١١ و١٢ وبني القصر موجود وسط مدينة اوزكون
كان في هذا المكان عام ٩٩٧م ابوعبدالله المقدسي جغرافي وبلداني
وابن حوقل وقدامة ابن عباس والسرخسي .
الزلزال عام في اخر القرن ١٩ ..
ثم اعيد بنائها ١٩٢٧م اهل اوزكون بعد ان كانت ٤٤ مترا طولها واعيدت بطول ٢٤متر فقط
وكانت يوجد مسجدا جامعا بعد الزلزال لم يعمر.
واخذ الروس بقية احجار الاجر لبناء بيوتهم ومبانيهم.
ومن قبل الف سنة في اسيا الوسطى كانت اوزكون هي الافضل .
للدولة الكراهانية .
وكان امتداد الدولة حتى الويغور وكاشغر شرقا وحتى اذربيجان وجنوبا من نهر سيحون والشمال الى بحير بالخاش في كازخستان
ودولتهم بدأت من ٩٥٠م وحتى ١٢٢٠م حتى اتى جنكيز خان المغولي ودمرها.
كانت القبائل ٩٠ اسم البرلس والنايمان والقبجاق .
وتأسيس اوزكند جائت من اسم اغوس كنت واغوس قبيلة تركية الكبيرة وكنت البلد يعني بلد الاغوس.
وذلك في القرن الاول او الثاني الميلادي..
[٢٧/٨ ٨:٢٤ ص] الرحال وائل الدغفق: *اصول الكراخانيين*
تنحدر الأسر الكراخانية من قبائل القرلق التركمانية، والتي تنتمي إلى اتحاد كبير للقبائل التركمانية التي استوطنت منغوليا. نزحت القبيلة الكرخانية إلى منطقة كشغر في الصين الحالية منذ القرن الـ8 م. كانوا في أول أمرهم من رعايا الأباطرة الويغور. تولوا حكم المناطق التي استقروا فيها ثم استقلوا بالأمر، أصبحت مملكتهم مجزأة إلى قسمين (خاقانيتين) يحكم كل منها خاقان كبير (أعظم)، القسم الشرقي وعاصمته قرا أوردو، القسم الغربي وكانت حاضرته في طراز أولا ثم كشغر.
*دخول الكراخانيين للاسلام*
دخل حكام دولة القراخانات الإسلام منذ القرن الـ10 م. قام أبو موسى هارون (982-993 م) بغزو بخارى سنة 992 م. ضم خلفاؤه من بعده وحتى سنة 999 م كل المناطق التي كانت خاضعة لدولة السامانيين. دخلوا منذ سنة 1008 م في صراع مع الغزنويين أولا ثم السلاجقة منذ 1040 م. سنة 42/1041 م اكتملت عملية تقسيم المملكة إلى جزئين مستقلين (خاقانيتين) في الشرق والغرب. عرفت خاقانية الشرق مرحلة من الاستقرار تحت حكم كل من أبي شجاع أرسلان (1032-57/1056 م) ثم طغرل الأول (1057-75/1074 م). منذ عهد هارون الثاني (75/1074 -1102 م) أصبحت دولة القراخانات تحت وصاية السلاجقة. وقعت الخانية الشرقية سنة 1130 م تحت ضربات القبائل القراخطائية المنغولية، ثم قام الخوارزميون سنة 11/1210 م بالقضاء على آخر القراخانات في كشغر.
عرفت الخاقانية الغربية عهدا من الرخاء أثناء حكم إبراهيم الأول (1038-1067 م) والذي استقر في سمرقند منذ 1042 م. ازدهرت حركة العمران في عهد نصر الثاني (1067-1080 م). بعد قيام السلاجقة بالاستيلاء على بخارى و سمرقند، صار الخاقان أحمد الأول (1081-95/1089 م) تحت وصايتهم. أصبح الحكام السلاجقة يقومون بعزل وتولية الخاقانات من أسرة القراخانات. منذ 1141 م تحول هؤلاء عن وصاية السلاجقة إلى القراخطائيون، ثم إلى الخوارزم شاه منذ عام 1180 م.
سنة 1212 م أنهى الخوارزمشاه حكم القراخانات وقاموا بخلع آخر حكامهم "ألغ سلطان عثمان" (1200-1212 م).
[٢٧/٨ ٨:٢٥ ص] الرحال وائل الدغفق: *حضارة الدولة الأغورية*
الأويغور أقاموا دولة جديدة -بعد دولة الأورخون الأويغورية- فى بلدهم الحالية فى القرن التاسع الميلادي ثم انقسموا إلى دولتين بسبب الاختلاف الدينى وذلك باسم الدولة القراخانية الإسلامية(850م-1212م) والدولةالإديقوتية(850م-1335م) غير الاسلامية.
*حضارة الدولة الاغورية*
ازدهرت حضارة الأويغور في عهود دولة القراخانيين وخانية إديقوت ووصلت إلى مستوى الحضارة التقليدية.
يقول العالم الإنجليزي أ، ستاين: "لقد سبق الأويغور القبائل التركية الأخرى في آسيا الوسطى في الحضارة بزمن طويل".
ويقول المستشرق الفرنسي ر، جروست: "قد كان الأويغور أساتذة الحضارة في آسيا الوسطى".
ويقول عالم فرنسي آخر وهو هاملتون مؤكدا: "إن الأويغور كانوا أصحاب حضارة متقدمة منذ القرن التاسع الميلادي....ومع تقدم الأويغور في الحضارة تقدما كبيرا استحقوا قبل القرن الثالث عشر لقب «أساتذة الحضارة» بالنسبة للقبائل التركية والمنغولية".
وحضارة الأويغور التي وصلت إلى مستوى الحضارة التقليدية في العصور الوسطى تتمثل في أي مجالات؟ فيوضح هذا الباحث الصيني لي يونغ هذا في مقالته بعنوان: "الأويغور أساتذة المعرفة الذين حققوا المجد التاريخي" إن الحضارة النموذجية للأويغور ترتكز في خمس نقاط:
1- استخدام الكتابة ونشرها.
2- تصدير اللغة الأدبية للغرب (يقصد بها غرب آسيا الوسطى).
3- تصدير الطباعة للغرب.
4- ثراء الوثائق الحضارية التاريخية.
5- نشر الثقافة الدينية.
إن معظم القبائل المتحدثة بالتركية في آسيا الوسطى قضت حياتها في الخيام المصنوعة من اللبد جريا وراء المياه متنقلين يتتبعون أفواج الأنعام، ومعظم القبائل المتحدثة بالتركية لم تترك عاداتهم هذه حتى بعد أن وصلوا إلى عهد خانية التركية. ويمكن أن تلاحظ مستوى الحضارة عند الأويغور في عهود القراخانيين وخانية إديقوت في النقاط التالية:
*تحول شعوب الويغور من البداوة للزراعة*
اشتغال الأويغور بالزراعة، وتحولهم من حياة التنقل إلى حياة الاستقرار، واعتيادهم الحياة المدنية كانت قد سبقت الآخرين. وفي هذا الصدد يقول العالم الروسي أ، ي، ياكووسكي: "إن الغالبية العظمى للأويغور بدأوا الاشتغال بالزراعة المستقرة قبل القبائل المتحدثة بالتركية... وأبدعوا الكتابة الخاصة بهم قبل القبائل التركية ومن ثم أصبحوا أرقى الشعوب تقدما في الحضارة بين الشعوب القاطنة في آسيا الوسطى".
وأصبحت مناطق يته سو وما وراء النهر وبساتين كاشغر وخوتان أفضل بيئة للفلاحة والزراعة، وكانت الرعي شيء ثانوي وإضافي بجانب الفلاحة.
وما ورد في كتاب محمود الكاشغري من أن الأويغور كانت لهم المدن الخمس في وادي تنغري تاغ، هذه المقولة تصل إلى القرن الرابع قبل الميلاد. وبناء على ما ورد في وثيقة مانية، ذكر أن في داخل حدود دولة إديقوت توجد 22 مدينة. وفي عهد القراخانيين تم بناء العديد من المدن في رياض كاشغر ويته سو وما وراء النهر. إذن، إن مفهوم الحياة المدنية لدى الأويغور لها خلفية تاريخية موغلة في القدم.
*تحول الويغور للتجارة والحرفية*
مهن الويغور اليدوية أظهرت مهارتهم وتفننهم في إعداد أنواع الأطعمة والأشربة والملابس المتنوعة، وفن العمارة وصياغة مواد الزينة وصناعة أدوات الحياة اليومية.
إن الأويغور قد لعبوا دورا نشطا ورياديا في حركة التجارة على طريق الحرير ابتداء من عهد خانية أويغور.
تقول الباحثة الألمانية السيدة جابائن وهي بصدد الحديث عن التجارة عن الويغور: «اشتغل الويغور بالتجارة، واستفادوا منها كثيرا، وكان الحاسة التجارية لديهم عالية جدا تجاه حاجة الشعوب الأخرى إلى البضائع وقدرتها على الشراء».
وكتب المؤلف الروسي ج. وردانسكي قائلا:"إن دور الويغور كبير جدا في تاريخ آسيا الوسطى في العصور الوسطى سواء في السياسة أو الحضارة. إن الأويغور الذين سيطروا على وسط طريق التجارة الممتد من الصين حتى بحر الكاسبي، قد لعبوا دور الوسيط في التبادل الحضاري بين الصين والهند وإيران في مجالات مختلفة".
إذن، يمكن القول إن الويغور اعتمدوا على التجارة كدعامة أساسية للتنمية الاجتماعية. واستفادوا من الشعوب المجاورة التكنولوجيا الجديدة والفكرالجديد ونشروا هذا التكنولوجيا الجديد والفكر الجديد إلى الدول المجاورة .
*المجال الفكري والعلمي لدى الويغور*
ما زال المؤلفات التي كتبها الأويغور قبل 1000 سنة في علوم الطب محفوظة حتى الآن. ويتبين من خلال النظر في هذه المؤلفات أن الطب قد اكتملت ونضجت عند الويغور منذ زمن بعيد، كما تدل هذه المؤلفات على مستوى التقدم الحضاري لدى الويغور. يقول الدكتور التركي أ. سهيل الذي درس الآثار الطبية في مدينة طورفان في تقييمه لإنجازات أويغور(اديقوت) في المجال الطبي: «إن حضارة الأويغور التي حققت إنجازات ليس في مجال العلم وحده، بل في مجال الطب أيضا تأتي في مقدمة الحضارات المعاصرة في مختلف النواحي، ولقد حافظ الأويغور على العلم والمعرفة والطب في آسيا من بين الشعوب التركية".
حقق الويغور فى دولة القراخانية والإديقوتية نجاحا مرموقا فى الفنون الطبيعية والطب والفلك والتقويم والعمارة وفن التصوير والنقاش والتحنيط.
*الوعي القومي لدى الويغور*
ارتفع لدى الويغور الوعي القومي ومفهوم القومية منذ خانية الويغور منذ القرن السابع بوضوح تام. ولقد عرف اسم «الويغور» العرقي أولا قبل الشعوب والقبائل المتحدثة بالتركية. وما ورد في «أوغوزنامه» من تسمية أوغوزخان القبيلة الرئيسية التي ساندته باسم «الأويغور» توضح كون القبائل الأويغورية قد استحقت هذا الاسم منذ أواخر المجتمع الابتدائي. كما توضح سبب افتراض بعض اللغويين أن اسم «أغور-الأويغور» قد وجدت في عهد لغات آلتاي.(11)
إن قبائل الأويغور وإن توحدت تحت اسم «دنغلينغ» في القرن الثالث قبل الميلاد، إلا أنهم منذ القرن الخامس الميلادي عرفوا باسم «الأويغور العشرة» وبإسم «الأوغوز التسعة». ومنذ ذلك الحين بدأت قبائل «الأويغور العشرة» و«الأوغوز التسعة» في صناعة تاريخهم القومي كقبيلة رئيسة للقبائل الأويغورية. إن اسم الأويغور في عهد خانيات الأويغور وإن استعملت كإسم قومي عام للقبائل الأويغورية التي انضمت تحت لواء القبيلة الرئيسة «الأويغور العشرة» و«الأوغوز التسعة»، إلا أنه في أحيان كثيرة قد استخدمت اسم «الأويغور العشرة» و«الأوغوز التسعة» اسم كل واحدة على حدة أو مقترنة. وما زال اسم «الأويغور» تستعمل كإسم قومي عام منذ عهد الدولة القراخانية والإديقوتية حتى يومنا هذا.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق