الجمعة، 14 أغسطس 2026

الخبر التي تسكنني… الخُبر... لذيذةُ المكان، جميلةُ الزمان، حلوةُ السكن والمقام




اول مبنى البلدية الخبر 1942م

الخُبر... لذيذةُ المكان، جميلةُ الزمان، حلوةُ السكن والمقام
من تاريخ الخُبر اكتب عشقي لأحرفها ، وبمداد من بحرها ، وبنقطٍ من لؤلؤ أبيض نقي ، لأسطّر أجمل الغزل في معانيها ...

فليست الخُبر مدينةً طارئةً صنعها النفط من عدم، كما قد يتبادر إلى الذهن، وليست كذلك أقدم مدن شرق الجزيرة؛ فالأحساء والقطيف والجبيل لها جذورها العميقة في التاريخ والعمران.
لكن للخُبر حكاية أخرى تستحق أن تُروى...
حكاية مدينة حديثة العمران، قديمة الأرض، بحرية الروح، سبقت كثيرًا من الأحياء والمدن المحيطة بها إلى التشكّل الحضري الحديث، ثم وجدت نفسها في قلب التحول الأكبر الذي عرفته المنطقة الشرقية في القرن العشرين.
كانت الخُبر قبل أن تتلألأ شوارعها، وقبل أن تصير واجهةً على الخليج، أرضًا منخفضةً تلامس البحر؛ يمتد أمامها الأفق بلا حواجز، ويأتيها نسيم الخليج محمّلًا برائحة الملح والسفن واللؤلؤ.
مكانٌ بسيط، لكنه كان محاطًا بالتاريخ من كل جهة.


فإلى الغرب منها جبل الظهران، وفي جنوب الظهران تنتشر مواقع ومدافن أثرية تعود إلى الألف الثالث قبل الميلاد، وتدل المكتشفات فيها على صلات حضارية قديمة بمنظومة دلمون والخليج القديم.
وإلى الجنوب تقع عين السيح وقرية لنية ، والتي عُثر في نطاقها على مواقع مرتبطة بفخار حضارة العبيد، أي بتاريخ يرجع إلى آلاف السنين قبل الميلاد.
أما شمال الخبر، في نطاق الراكة، فقد كشفت التنقيبات عن بقايا استيطان وآبار ومبانٍ ولقى تمتد إلى عصور تاريخية متعددة تمثلت بقرية الحصين.


وهكذا، فإن الأرض التي ستقوم عليها الخُبر الحديثة لم تكن أرضًا بلا ذاكرة؛ بل كانت بين الراكة شمالًا، والظهران غربًا، وعين السيح جنوبًا، وفرضتها على الخليج شرقًا، وكأن التاريخ أحاط بها من الجهات الأربع ثم ترك للقرن العشرين أن يكتب فصلها الجديد.
ثم أقبل أهل البحر...
في سنة 1923م جاءت الهجرة التي ستغيّر شكل الساحل.


خرجت جماعات من دواسر البحرين إلى الساحل السعودي، واستقر قسم منهم في الخُبر، وتوزع آخرون في الدمام، فنشأت بذلك إحدى أهم نوى العمران الحديث في هذا الجزء من الساحل.
وكان اختيار الخُبر مفهومًا؛ فالبحر أمامهم، والبحرين خلف الأفق، ونمط الحياة مألوف: سفن، وغوص، وصيد، وتجارة، وبيوت بسيطة تُقام مما تجود به البيئة الساحلية من سعف النخيل والخشب والحجر البحري.
وتؤكد المصادر السعودية أن قرى الخبر والدمام التي عمّرها الدواسر بعد هجرتهم من البحرين عرفت في بدايتها مساكن سعفية بسيطة "برستيات" وعلى النمط الخليجي المعروف.


ولذلك لم ينقل الدواسر أجسادهم إلى الخُبر فحسب؛ بل نقلوا معهم ذاكرة المكان البحريني:
طريقة بناء البيت للبدايات،
وعلاقة البيت بالبحر،
وضيق الأزقة،
والمجالس،
والفرجان،
وتجارة الساحل،
وطريقة الاجتماع بين الجيران.


ثم بدأ البرستي يتحول إلى بيت عربي ، والبيت إلى فريج، والفريج إلى شارع، والشارع إلى مدينة.
ولا تزال أجزاء من قلب الخُبر القديم، حول نطاق شارع الأمير محمد وشارع الملك سعود وطلال والشوارع المتقاطعة القديمة بين 3 و5، تحتفظ بشيء من تلك الذاكرة؛ أزقة ومسارات لم تُخلق في مكتب مهندس حديث، بل فرضتها البيوت الأولى قبل أن يصل إليها التخطيط.
وهنا بدأت الخُبر من البحر، لا من النفط.
ثم جاء النفط يبحث عن مكانه...


فبعد عشرة أعوام تقريبًا من هجرة الدواسر، وقع الملك عبدالعزيز اتفاقية امتياز النفط مع شركة ستاندرد أويل أوف كاليفورنيا في 29 مايو 1933م، ووصل الجيولوجيون إلى المنطقة في سبتمبر من العام نفسه، وبدأت الأرض الواقعة خلف الخُبر تتغير بهدوء.
وفي أوائل سنة 1935م كان موقع العمل في الظهران يشغّل أكثر من 240 سعوديًا في إنشاء المعسكرات العمالية وأعمال الحفر ، بين جبل النهيدين ، وأيضا عند مسجد العدنيين وكانت تسمى "اللاينات" .
ثم تضاعفت أعداد السعوديين العاملين قرابة عشرة أضعاف مع اقتراب نهاية الثلاثينيات.
وذكر ان عددهم وصل الى«3100 ععامل»
وأوائل 1935، ثم نمو العدد قرابة عشرة أضعاف بنهاية العقد.


وكان كثير من هؤلاء العمال يحتاجون إلى مكان يعيشون فيه، وإلى سوق يشترون منه، وإلى مرفأ تصل عبره المؤن والمعدات.
وهنا عادت الخُبر لتدخل المشهد.
فهي لم تكن مقر البئر، ولكنها كانت باب البحر.
أما الظهران النفطية التي نعرفها اليوم، فقد أخذ عمرانها الحديث يتشكل حول معسكرات الشركة وأعمال الحفر في الثلاثينيات، أي بعد قيام النواة السكانية الحديثة في الخُبر.
ثم جاء اليوم الذي غيّر تاريخ المملكة.
في 4 مارس 1938م تدفق النفط بكميات تجارية من بئر الدمام رقم 7 – بئر الخير في جبل الظهران، بعد سنوات من المحاولات والحفر.
ومنذ ذلك الصباح لم يعد الساحل كما كان.


الخُبر... أول نافذة للنفط على البحر
من أجمل فصول تاريخ الخُبر، والذي يغيب عن كثيرين، أن النفط الذي اكتُشف في الظهران وجد طريقه في بداياته إلى البحر عبر ميناء الخُبر.
فقد أنشأت الشركة خطًا من منطقة الظهران إلى الخُبر، وأقامت فيها خزانات ومحطة للشحن، ومن سبتمبر 1938م بدأ نقل النفط من ميناء الخُبر "فرضة الخبر"  إلى مصفاة بابكو في البحرين.


أما أول شحنة نفطية سعودية كبرى من رأس تنورة، بحضور الملك عبدالعزيز، فجاءت في 1 مايو 1939م.
وهنا تكمن واحدة من مفاخر الخُبر الحقيقية:
النفط خرج من جوف الظهران، ولكنه لامس البحر في مرحلة مبكرة من تاريخه عبر الخُبر.
وكانت الفرضة كالقلب الذي أخذ يضخ الحياة في المدينة.
وصلت السفن من البحرين،
ونزلت البضائع،
وجاء العمال والتجار،
وفتحت الدكاكين،
وكثرت البيوت،
واتسعت الأسواق.
وأخذت البرستيات الأولى تُخلي مكانها شيئًا فشيئًا للبيوت المبنية، ومنها بيوت بالحجر البحري "فروش البحر" المحلي المعروف بـالفروش، في عمارة خليجية تشترك فيها مدن الساحل على جانبي الخليج.
ولم يكن الدواسر حين بنوا الخُبر يبتكرون عمارة غريبة عنهم؛ كانوا يعيدون، بصورة طبيعية، شيئًا مما عرفوه في البديّع وقرى البحرين، ولكن على ضفة أخرى من الخليج.
قبل أن تبنى الثقبة والعقربية بصورتهما الحديثة
حين كانت الخُبر تكبر حول فرضتها وأسواقها، فلم تكن أحياء الثقبة والعقربية والصبيخة قد أخذت بعد صورتها العمرانية التي عرفتها الأجيال اللاحقة.
وكانت الظهران نفسها في طور التحول من جبل ومعسكرات ومنشآت مرتبطة بأعمال النفط إلى مدينة مكتملة الملامح.
ولهذا فإن القول الأدق ليس إن «لا شيء كان موجودًا حول الخُبر»، وإنما:
الخُبر كانت من أسبق نوى العمران الحضري الحديث في الحاضرة التي ستصبح لاحقًا: الدمام–الخُبر–الظهران.
أما الدمام الحديثة، فقصتها متقاربة زمنيًا مع الخُبر، إذ استقر فيها أيضًا قسم من الدواسر، وبدأ عمرانها الساحلي حول موضع القلعة وما جاورها، ثم راحت هي الأخرى تتوسع وتتشكل أحياؤها.
فلم تكن العلاقة بين الخُبر والدمام علاقة مدينة قديمة بأخرى مستحدثة، بل كانتا شقيقتين ولدتا تقريبًا في زمن واحد، لكل واحدة منهما طريقها:
الخُبر أخذها البحر والتجارة وخدمة الظهران،
والدمام أخذتها الإدارة والميناء والتوسع العمراني اللاحق،
أما الظهران فصنع النفط شخصيتها الحديثة.
حين أصبحت الخُبر مركز الإدارة
ومع ازدياد العمال والسكان والتجارة، لم تعد تلك البلدة البحرية الصغيرة مجرد مساكن على الشاطئ.
ففي سنة 1359هـ/1940م أُنشئت في وسط مدينة الخُبر "إمارة مقاطعة الظهران" ، بعد أن كانت الخُبر والظهران والدمام في التنظيم السابق مرتبطة بإدارة القطيف.
وهنا ينبغي الدقة: لم تكن هذه «أول إمارة في المنطقة الشرقية» بمعناها التاريخي المطلق، وإنما كانت بداية التنظيم الإداري المستقل للحاضرة الجديدة التي كانت تنمو حول الخُبر والظهران والدمام.
ثم جاءت خطوة لا تقل دلالة.


ففي سنة 1361هـ/1942م أمر الملك عبدالعزيز بإنشاء بلدية الخُبر وتوابعها، وكان لها توابع ، مثل فرع الدمام وفرع الظهران، قبل أن يستقل الفرعان لاحقًا بعد خمس سنوات في عام 1947م.
وتلك الحقيقة وحدها تقول الكثير عن وزن الخُبر في الأربعينيات:
الخبر لم تكن يومها تابعًا حضريًا للدمام أو الظهران؛ بل كانت بلديتها تدير خدماتها وتمتد إداريًا إليهما.
ثم دارت عجلة الزمن...
وكبرت الدمام حتى أصبحت عاصمة المنطقة الإدارية،
وكبرت الظهران حتى أصبحت عاصمة صناعة النفط،
وكبرت الخُبر بطريقتها الخاصة...
لكنها حافظت على شيء لم تستطع الأبراج الحديثة أن تمحوه:
روح المدينة البحرية.
فالخُبر، مهما اتسعت، بقي البحر يحدد شخصيتها.
كورنيشها ليس زينة أضيفت إليها؛
البحر هو أصل قصتها.
وشوارعها القديمة ليست مجرد طرق ضيقة؛
إنها آثار أقدام أولئك الذين جاؤوا من البحرين وبنوا بيوتهم الأولى.
وفرضتها ليست رصيفًا مهجورًا؛
إنها بابٌ دخلت منه المعدات والسلع والرجال، وخرج عبره النفط في واحدة من البدايات المبكرة لتصديره.
والظهران خلفها ليست مدينة مجاورة فحسب؛
إنها الجبل الذي غيّر اقتصاد المملكة.
أما عبن السيح ولنية والراكة ومدافن الظهران المحيطة بها، فتذكّرنا بأن القصة لم تبدأ سنة 1923 ولا سنة 1938؛ فهناك تحت الرمال زمن أقدم من النفط والدواسر والمدن الحديثة بآلاف السنين.
ولهذا أحب الخُبر...
ليس لأنها أكبر المدن،
ولا لأنها أقدم المدن،
ولا لأن التاريخ بدأ منها...
بل لأنها استطاعت في أقل من قرن أن تنتقل من أكواخ صغيرة على الخليج إلى مدينة لها حضورها، من غير أن تقطع حبلها بالبحر.
كانت لذيذة المكان، جميلة الزمان، حلوة السكن والمقام.
فيها هدوء البحر،
وذاكرة الدواسر،
وخطوات عمال النفط الأوائل،
وصوت السفن عند الفرضة،
ورائحة البيوت القديمة حين كان الفريج يعرف أهله واحدًا واحدًا.
ثم مر بها النفط، فكبرت.
ومرت بها التجارة، فاغتنت.
ومر بها الناس من أنحاء المملكة والعالم، فاتسعت.
وبقيت الخُبر...
مدينةً لا تحتاج أن تدّعي أنها أقدم من سواها لكي تفخر بتاريخها؛ فيكفيها أنها كانت من المدن التي وقفت عند باب التحول الكبير، ورأت الشرقية القديمة وهي تدخل عصر النفط والمدينة الحديثة.
وهنا أقولها، لا تعصبًا للمكان، وإنما وفاءً لذاكرته:
هَذِهِ الخُبَرُ فَأْتِني بِمِثْلِها أُفاخِر
إذا جُمِعَتْنا بَيْنَ المَدائِنِ مَجامِعُ
كتبها
رحّال الخُبر وابنها
وائل الدغفق
1448هـ – 2026م

الخبر التي تسكنني… من ذاكرة طفل في سبعينيات القرن الماضي

كلما عدت بذاكرتي إلى الخبر في سبعينيات القرن الماضي، لا أستعيد مدينةً كما تبدو في الصور القديمة فحسب، وإنما أستعيد زمنًا كاملًا؛ زمنًا كانت فيه الحياة أقلَّ رفاهية، لكنها أكثر قربًا بين الناس، وأشد التصاقًا بالمكان.

كانت أيامًا فيها التعب والحر والرطوبة، وفيها شظف العيش مقارنة بما نعرفه اليوم، ومع ذلك بقي لها في النفس عبق عجيب. ربما لأننا لم نكن نملك الكثير، لكننا كنا نعيش الأشياء بكل تفاصيلها.

كانت الخبر آنذاك أصغر، وأهلها يعرف بعضهم بعضًا، والأسواق والمطاعم والدكاكين والمجالس جزءًا من نسيج اجتماعي واحد. ولم تكن المدينة قد تمددت كما نراها اليوم، لذلك كان المرور في شارع أو سوق يعني غالبًا أن ترى وجهًا تعرفه، أو تسلّم على رجل يعرف والدك، أو تسمع اسم عائلة ارتبطت في ذهنك بمحل أو مهنة أو مجلس.

كازينو الخبر… ومقاهي المدينة

من الصور التي لا تزال عالقة في ذاكرتي كازينو الخبر، ذلك المكان الشعبي الشهير بجلساته البسيطة، وكان مقابل شارع الملك خالد في الحديقة الوسطى، أو ما كنا نسميه الجزيرة.

كان من أكثر مرتاديه سائقي ستيشن الخبر الذين اتخذوا من تلك الناحية مكانًا لهم، إلى جانب عدد من سكان المدينة.

ولم يكن الكازينو من الأماكن الفخمة؛ بل كان مقهى شعبيًا بسيطًا إذا قورن بما كان موجودًا آنذاك من مطاعم ومقاهٍ تعد راقية بمقاييس تلك الأيام.

فكان هناك مطعم ومقهى العوّامة عند البحر أمام مصنع القصيبي، ومطعم مكسيم في شارع البيبسي، ومطعم الواحة عند مدخل الراكة.

لكن المكان الذي بقي الأقرب إلى الناس، والأكثر حضورًا في ذاكرة الصغار والكبار، كان فوالة الحراج.

ولها عندي ذكرى خاصة؛ فهي، فيما أذكر، أول مطعم دخلته في حياتي عام 1974م.

وكانت حولها حياة كاملة؛ سوق، وحراج، ومحلات، وباعة، وأناس يأتون ويذهبون طوال النهار.

وفي شارع الملك خالد كانت مطاعم البخاري، وكانت هناك مقاهي الجراك فوق أسطح بعض المحلات، خصوصًا عند تقاطع شارع 3 مع شارع طلال، بالقرب من سوق السمك.

كانت المقاهي فوق السطوح مشهدًا من مشاهد الخبر القديمة؛ رجال يجلسون في المساء، وأحاديث تمتد، ودخان الجراك يتصاعد في الهواء، والمدينة تحتهم تمضي بهدوئها القديم.

غرفة المكيّف التي تجمع البيت كله

أما الصيف في الخبر، فله قصة أخرى.

لا ينبغي لمن يعيش اليوم بين المكيفات المركزية والعوازل الحرارية أن يقيس صيف تلك الأيام على صيفنا الحالي.

كان الحر شديدًا والرطوبة خانقة، وكثير من البيوت لم يكن فيها إلا مكيّف واحد.

وفي بيتنا كانت هناك غرفة مخصوصة نسميها ببساطة:

غرفة المكيّف.

فإذا اشتد الصيف اجتمعنا كلنا للنوم فيها.

وكان المكيّف القديم بصوته العالي وهديره يهز الغرفة، وربما أحسسنا أنه يهز البيت كله!

ومع ذلك، يا لحلاوة ذلك الصوت حين أستعيده اليوم.

صوت لو سمعه أبناؤنا الآن ربما لم يستطيعوا النوم معه، أما نحن فكان بالنسبة إلينا صوت النجاة من حر الخبر ورطوبتها.

ولم يكن المكيّف يعمل طوال الصيف كما يحدث اليوم.

فإذا انكسرت الرطوبة، واعتدل الهواء قليلًا، تركنا الغرفة وصعدنا للنوم فوق سطح البيت.

نفرش فرشنا تحت السماء، وننام على هواء الليل.

لم يكن الأمر نزهة رومانسية كما قد يتخيلها أحد اليوم، بل كان جزءًا طبيعيًا من الحياة.

ومع هذا… بقيت ليالي السطوح من أجمل ذكريات الطفولة.

ماء الخبر… والعودة من الزبير والكويت

ومن عاش الخبر قديمًا سيعرف جيدًا ماذا أعني حين أتحدث عن طعم الماء.

كانت المياه مالحة المذاق، أو فيها مرارة يصعب على من لم يعش تلك المرحلة أن يتصورها.

وكنا في الصيف نذهب إلى الكويت والزبير عند أخوالي، فنعتاد هناك على ماء أخف وأحلى مذاقًا.

وحين نرجع إلى الخبر نحتاج عدة أيام حتى تتأقلم ألسنتنا من جديد مع طعم مياهها!

أما الماء الحلو، أو ما كنا نسميه «البيذر»، فلم يكن ماء الاستعمال اليومي عندنا، بل يُحفظ غالبًا للشاي والطبخ.

وهذه التفاصيل الصغيرة تبدو اليوم هامشية، لكنها في الحقيقة جزء من تاريخ المدن؛ فالتاريخ ليس فقط تواريخ المباني والقرارات الرسمية، بل أيضًا:

ماذا كان الناس يشربون؟ وأين كانوا ينامون؟ وكيف كانوا يواجهون الصيف؟

شوارع التراب و«الحوط»

ولم تكن شوارع الخبر كلها مسفلتة.

الطرق الرئيسية نعم، أما كثير من الشوارع الداخلية فكانت ترابية.

وكانت هناك في أحياء الخبر أراضٍ كثيرة محاطة بالجدران وخالية من البناء نسميها «الحوط».

بعض هذه الحوط تحوّل إلى ملاعب كرة قدم للصغار والشباب، وبعضها كان عالمًا كاملًا لطفولتنا؛ نجري حول جدرانه، ونلعب بالقرب منه، ونصنع بأبسط الأشياء مغامرات تكفينا حتى المساء.

لم نكن نحتاج إلى مدن ألعاب.

كانت المدينة نفسها ملعبنا.

قطعة أرض فضاء، وكرة، وعدد من الأولاد، تكفي لصناعة نهار كامل من السعادة.

دكاكين الحي… وعالم البقالات الكبيرة

وكان لكل شارع تقريبًا دكانه الصغير.

أتذكر دكان العيدي ودكان الشميمري وغيرهما من الدكاكين التي كان يعرف أصحابها سكان الحي، ويعرفون أبناءهم.

تدخل الدكان فلا تكون مجرد زبون؛ فأنت ابن فلان ومن أهل الحي.

لكن إلى جانب هذه الدكاكين الصغيرة، كانت هناك البقالات الكبيرة التي بدت لنا نحن الأطفال وكأنها عالم آخر.

ومن أشهرها بقالة العائلات في شارع الأمير محمد عند تقاطع شارع 2، وكان يملكها العبّاد.

وكانت هناك كذلك بقالة الأسواق في الموقع الذي تقع فيه بلدية الخبر اليوم.

زيارة هذه البقالات كانت بالنسبة لنا أمنية.

ففيها بضائع لم نكن نراها في دكاكين الحي، وبخاصة المنتجات الأمريكية.

وهناك رأينا علب الكورن فليكس، وأنواعًا وأشكالًا من الككاوات والحلويات كانت تثير خيال طفل في ذلك الزمن.

أما المشروبات الغازية فكان لها عالمها الخاص:

بيبسي، سينالكو، كراش، وكندا دراي.

ولكل واحد منها زجاجته ولونه وطعمه وصورته في الذاكرة.

خبز المطرود… وألبان البدايات

حتى الخبز له ذاكرة.

كان الخبز البريد الذي يصنعه المطرود جميل الشكل في أعيننا، مختلفًا عما اعتدناه من الخبز التقليدي.

ويرتبط اسم المطرود في ذاكرتي كذلك ببدايات صناعة الألبان، مع مصنع الألبان الوطني للمطرود، في مرحلة مبكرة من تحول الخبر والمنطقة الشرقية إلى حياة مدينية أكثر تنظيمًا وتنوعًا في المنتجات.

أما الثلج، فلم يكن يأتي ببساطة من آلة صغيرة داخل كل بيت كما هو الحال اليوم.

كنا نعرف مصنع الدوسري للثلج في البايونية على طريق العزيزية، وكان الثلج سلعة يومية لها أهميتها، خصوصًا في صيف المنطقة الشرقية.

هذه الأشياء التي تبدو الآن عادية كانت آنذاك جزءًا من التحول الكبير الذي عاشته المدينة.

اللحم والسمك والخضرة… تُشترى كل يوم

ولم تكن فكرة ملء الثلاجة لأسبوع أو شهر مألوفة كما هي اليوم.

كنا نشتري اللحم يومًا بيوم، وكذلك السمك والخضار.

وكانت هذه الأسواق مقابل فوال الحراج تقريبًا، وأمامها حراج الخبر الذي كان عالمًا قائمًا بذاته.

وأذكر من رجاله الجطيلي، الذي كان من وجوه الحراج، وكان أبناؤه يعملون في مجال الكهرباء.

وكان السوق يومها ليس مجرد مكان للبيع والشراء.

كان مجلسًا.

يعرف الناس أخبار بعضهم فيه، ويلتقون ويتبادلون الحديث، وتنعقد من خلاله الصداقات والمصالح والعلاقات الاجتماعية.

أبي… ودورته الصباحية بين رجال الخبر

ولعل أكثر ما يربطني بالخبر القديمة تلك الجولات التي كنت أرافق فيها والدي، رحمه الله.

كانت له محطات يعرفها، ورجال يأنس إليهم، ومحلات لم تكن بالنسبة إليه مجرد أماكن تجارة، بل مجالس أصدقاء.

كان يجلس أحيانًا عند أبي عمر القضيب وأبنائه إبراهيم وعمر، في محلاتهم لبيع الأسمنت ومواد البناء.

وأنا معه، صغير أراقب الرجال وأسمع أحاديث لا أفهم كثيرًا منها، لكنها كانت تدخل الذاكرة من دون أن أدري.

ثم ينتقل إلى محلات الفارس:

عبداللطيف، وإبراهيم، وعبدالمحسن، وعبدالكريم.

ثم إلى محلات الإطارات عند محمد المانع وأخيه عبدالعزيز المانع، مترجم الملك عبدالعزيز، وهي عائلة ارتبط اسمها كذلك بالمستشفى والعمل التجاري في المنطقة.

وفي أيام أخرى يكون المجلس عند الجلاهمة، أو عند ناصر الفارس، أو أبي سمير العمران، أو أبي سعود الحمود، أو عند النصّار.

وهكذا كان الوالد، رحمه الله، يدور في الصباح بين أهل الخبر ومحلاتهم، وربما عاد إليهم في المساء.

لم أكن أعرف يومها أنني أشاهد أمامي فصلًا من التاريخ الاجتماعي للمدينة.

كنت أظن أن أبي فقط يزور أصدقاءه.

أما الآن فأفهم أن تلك الجولات كانت صورة لنمط حياة كامل؛ المدينة فيه شبكة من العلاقات الإنسانية، والتاجر يعرف جاره، وصاحب المحل يعرف العائلة، والرجل إذا مر بالسوق وجد أكثر من مجلس يستطيع أن يجلس فيه دون موعد.

الخبر قبل أن تكبر

كبرت الخبر بعد ذلك.

امتدت الشوارع، وارتفعت المباني، واختفت أراضٍ كثيرة كنا نسميها الحوط، وغابت دكاكين، وظهرت مكانها أسواق ومجمعات ضخمة.

ودخل التكييف كل غرفة.

وجاء الماء المحلّى إلى البيوت.

وأصبح الثلج في باب الثلاجة.

وصار اللحم والسمك والخضار محفوظًا لأيام.

وتغيرت سيارات الأجرة، والمطاعم، والمقاهي، والأسواق.

وهذا كله من نعم الله ومن تطور الحياة.

ولست ممن يزعم أن الماضي كان أفضل في كل شيء.

لم يكن كذلك.

كان الماضي أصعب في جوانب كثيرة، وكانت الخدمات أقل، والحر أشد وطأة، والمياه أصعب، والشوارع أقل تجهيزًا.

لكن شيئًا آخر كان موجودًا بكثافة أكبر:

قرب الناس من بعضهم.

فالفرق بين الأمس واليوم ليس أن الماضي كان جميلًا كله والحاضر سيئًا؛ فتلك قراءة رومانسية غير عادلة للتاريخ.

إنما الفرق أن لكل زمن مكاسبه وخسائره.

ربحنا اليوم الراحة والخدمات والاتساع والخيارات، لكن المدينة الصغيرة القديمة كانت تمنح أهلها نوعًا من الألفة يصعب أن يبقى بالدرجة نفسها حين تكبر المدن ويزداد سكانها وتتغير أنماط الحياة.

الذاكرة هي الخريطة الأخيرة

وحين أكتب هذه الذكريات الآن، أكتشف أن للإنسان مدينتين.

مدينة يعيش فيها بجسده.

ومدينة يحملها في داخله.

أما الخبر التي أحملها أنا، ففيها كازينو الخبر، وفوالة الحراج، والعوامة، ومكسيم، والواحة.

وفيها دكان العيدي والشميمري، وبقالة العائلات والأسواق.

وفيها بيبسي وسينالكو وكراش وكندا دراي.

وفيها خبز المطرود وثلج الدوسري.

وفيها سوق السمك، والحراج، والحوط، وشوارع التراب.

وفيها رائحة البحر ورطوبة الصيف.

وفيها غرفة واحدة ينام فيها أهل البيت جميعًا تحت هدير مكيف يهز الجدار.

وفيها سطح بيت ننام فوقه إذا ذهبت الرطوبة.

وفيها كوب شاي لا نصنعه إلا بالماء الحلو.

لكن أجمل ما فيها…

أبي رحمه الله.

أراه يمشي أمامي في أسواق الخبر، يدخل هذا المحل ويخرج من ذاك، ويسلم على هذا ويجلس عند ذاك، وأنا طفل أسير خلفه ولا أعرف أنني أختزن المشهد كله ليوم سيأتي بعد نصف قرن فأبحث فيه عن تلك الوجوه وتلك الأماكن.

اختفت محلات، ورحل رجال، وتغيرت المدينة.

لكن الغريب في الذاكرة أنها لا تعترف كثيرًا بالهدم والبناء.

يكفي أن يمر اسم قديم بخاطرك حتى يعود الشارع كما كان، وتفتح الدكاكين أبوابها، ويجلس الرجال أمام المحلات، وتعود أصواتهم، وتتحرك السيارات في الطريق، ويهب هواء البحر الرطب من جديد.

وأعود أنا ذلك الطفل الذي يمشي إلى جوار أبي في شوارع الخبر.

كم كانت أيامًا حلوة…

حلوة حتى بتعبها.

وحلوة بحرارتها.

وحلوة بمائها الذي كنا نشكو طعمه.

لأن قيمة بعض الأيام لا نعرفها ونحن نعيشها؛
إنما نعرفها عندما تصبح هي الشيء الوحيد الذي لا نستطيع العودة إليه.

الرحّال وائل الدغفق – رحّال الخبر

الأربعاء، 12 أغسطس 2026

حين يصبح الاختلاف تهمة.. ومن حبّ تركيا والدفاع عنها إلى الاستعلاء الثقافي تجاه السائح العربي..


حين يصبح الاختلاف تهمة

كثيرًا ما يُقال للسائح: «احترم ثقافة البلد الذي تزوره»، وهي قاعدة صحيحة. لكن السؤال الذي ظل يلح عليّ بعد سنوات طويلة من السفر هو: أليس على المجتمع المضيف أيضًا أن يحترم اختلاف السائح؟

فليس كل خطأ إساءة، ولا كل جهل بعادة محلية احتقارًا لها. والمجتمع السياحي الناضج يفرق بين من يتعمد الإساءة، ومن يخطئ لأنه لا يعرف.

وقد برز هذا السؤال عندي بوضوح في تجربتي مع تركيا، وخصوصًا إسطنبول.

واللافت أنني لم أبدأ علاقتي بتركيا ناقدًا لها؛ بل كنت من محبيها والمدافعين عنها. ففي 2011 كتبت عنها بعنوان: «الدولة التي أحبها تركيا»، وبعد سنوات، وفي 2017، كنت لا أزال أعدها من أكثر البلدان تكاملًا عندي من حيث الحضارة والطبيعة والثقافة والطعام.

بل إنني تعرضت في إحدى رحلاتي القديمة إلى إسطنبول لسرقة منزلنا في سارير، وتعرض والدي لمحاولة سرقة، ومع ذلك لم أحمّل تلك الوقائع شعبًا كاملًا، وظللت أرفض التعميم.

لكن الذي غيّر نظرتي لاحقًا لم يكن حادثة واحدة، بل تراكم مواقف متكررة جعلتني ألاحظ في بعض المدن الكبرى شيئًا من الغلظة والتعامل بفوقية، حتى سجلت ذلك صراحة في كتاباتي عام 2022.

وكان أكثر ما أثار انتباهي سؤالًا آخر:

لماذا يُغتفر للأوروبي أحيانًا ما لا يُغتفر للعربي؟

قد يخطئ الأوروبي فيقال: «أجنبي ولا يعرف»، بينما يتحول خطأ العربي أحيانًا إلى حكم على «العرب» جميعًا.

وهنا لا تعود القضية مجرد اختلاف في الطباع، بل تدخل فيها الصور النمطية، والمكانة الاجتماعية المتخيلة للجنسيات، وتأثير السياسة والتاريخ والهجرة.

ومع ذلك لا أقول: «الأتراك هكذا»؛ فقد عرفت في تركيا أناسًا في غاية الكرم والمودة، كما أن المشكلة ليست تركية وحدها؛ فنحن العرب قد نقع في التمييز نفسه حين نعامل جنسية باحترام يفوق أخرى.

الخلاصة عندي بسيطة:

السائح مطالب باحترام البلد الذي يزوره، لكن المضيف مطالب أيضًا باحترام اختلاف ضيفه.

فالضيف لا يملك حق إهانة البيت،
وصاحب البيت لا يملك حق إذلال الضيف.

وقد استفضت تفاصيل تجربتي الترحالية، مع تحول موقفي من المحبة والدفاع إلى المراجعة والنقد، وقراءتي لأسباب هذه الظاهرة، والتي كتبتها بتوسع في المقال التالي:

حين يصبح الاختلاف تهمة

من حبّ تركيا والدفاع عنها إلى سؤال الاستعلاء الثقافي تجاه السائح العربي

حين يصبح السائح مطالبًا بالاعتذار عن ثقافته
تجربتي مع السياحة في تركيا… من الدفاع عنها إلى مراجعة الموقف
ليس جديدًا أن يسمع المسافر قبل دخوله بلدًا ما عبارة: «احترم ثقافة البلد الذي تزوره».
وهي في أصلها قاعدة صحيحة لا خلاف عليها.
من يدخل بلاد الناس فعليه أن يحترم قوانينها، ومقدساتها، وخصوصيات أهلها، وألا يتعامل مع المال الذي ينفقه بوصفه رخصة للتعدي على الآخرين أو السخرية من تقاليدهم.
لكن سنوات السفر الطويلة جعلتني أتوقف أمام سؤال آخر لا يقل أهمية:
هل السائح وحده مطالب بفهم ثقافة البلد الذي يزوره، أم أن على المجتمع المضيف أيضًا واجبًا في فهم السائح واختلاف ثقافته؟
وهل احترام ثقافة البلد يعني أن يتحول الزائر، بمجرد نزوله من الطائرة، إلى نسخة من أهل ذلك البلد؟
وماذا نفعل عندما يقع السائح في خطأ لم يقصده، سببه جهله بعادة محلية لا يعرفها؟
هل نشرح له؟
أم نوبخه؟
أم نحمله وزر الصورة النمطية المسبقة عن شعبه كله؟
وهنا تصبح المسألة أعمق من نصيحة سياحية عابرة؛ لأنها تتصل بفكرة الاستعلاء الثقافي، وبنظرة بعض المجتمعات إلى نفسها وإلى الآخرين.
وقد عشت هذا السؤال في بلدان مختلفة، لكن التجربة التركية ـ وخصوصًا في إسطنبول ـ جعلته عندي أكثر إلحاحًا.
ولا أكتب هذه الكلمات اليوم من موقع خصومة مع تركيا، ولا بوصفها مقالة غضب على الأتراك؛ فالحقيقة أن علاقتي بتركيا بدأت من الاتجاه المعاكس تمامًا.
كنت من المدافعين عنها.
ثم تغيّر شيء ما.
ولذلك تستحق القصة أن تُروى من أولها.

احترام الثقافة… أم الخضوع لها؟
هناك فرق كبير بين أن يقول المجتمع للزائر:

«نحن نحترم ثقافتنا، ونرجو منك ألا تسيء إليها».

وبين أن يقول له ضمنًا:

«طريقتنا هي الطريقة الصحيحة، وعليك أن تعرفها وتتصرف وفقها، وإلا فأنت قليل احترام».

الأولى حق مشروع لأي مجتمع.
أما الثانية فتدخل بنا إلى شيء آخر: 
الى المركزية الثقافية أو الإثنية؛ أي أن ينظر الإنسان إلى عاداته وثقافته بوصفها المعيار الطبيعي الذي يجب أن تُقاس عليه تصرفات الآخرين.
وهذه الظاهرة ليست حكرًا على الأتراك، ولا على الأوروبيين، ولا على العرب.

كل مجتمع يمكن أن يقع فيها.
نحن العرب أنفسنا قد نفعل ذلك حين نستغرب من زائر لا يعرف عادات المجلس أو القهوة أو السلام، مع أن الرجل لم يولد بيننا حتى يعرف ما نعرفه.
لكن الفرق بين المجتمع السياحي الناضج وغيره يظهر في طريقة التعامل مع ذلك الاختلاف.
المجتمع الواثق من ثقافته لا يحتاج إلى إذلال الغريب دفاعًا عنها.
يقول له ببساطة:
هنا نفعل الأمر بهذه الطريقة.
ويشرح له.
أما المجتمع الذي يحمّل كل خطأ عابر معنى يمس كرامته أو قوميته أو حضارته، فقد انتقل من الاعتزاز بثقافته إلى شيء أقرب إلى الحساسية الثقافية المتضخمة.
السائح ليس طالبًا دخل مدرسة لإعادة تأهيله ثقافيًا.
هو إنسان جاء من مجتمع آخر، يحمل معه لغة وعادات وتصورات مختلفة.
والسياحة الحقيقية ليست أن يذوب المختلف في المضيف، وإنما أن يلتقي الاثنان دون أن يهين أحدهما الآخر.

الضيف لا يملك حق إهانة البيت، وصاحب البيت لا يملك حق إذلال الضيف.

التفسير الأول: 
حين يتحول الاعتزاز بالهوية إلى مركزية ثقافية
تملك بعض المجتمعات سردية وطنية قوية جدًا عن نفسها: تاريخ عظيم، إمبراطوريات قديمة، أمجاد عسكرية، لغة قومية، رموز وطنية، وشعور بأنها تحمل إرثًا يفوق ما حولها.
وهذا في ذاته ليس خطأ.
لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الذاكرة الوطنية من مصدر للثقة إلى مقياس لقيمة الآخرين.
فيصبح السؤال غير المعلن:
من الأقرب إلينا؟
من الأكثر تحضرًا في نظرنا؟
من يحمل الجنسية أو اللغة التي نحترمها؟
ومن يقع في درجة أدنى داخل السلم الاجتماعي المتخيل؟
وهنا قد يقع أمر شديد الدقة:
السلوك نفسه لا يعود يُقرأ بالطريقة نفسها إذا تغير صاحب السلوك.
فالخطأ الذي يقع فيه شخص نراه عالي المكانة يمكن تفسيره بأنه جهل بالعادات:
«مسكين، لا يعرف.»
لكن إذا وقع الخطأ نفسه ممن نحمل عن جماعته صورة سلبية، فقد يصبح:
«هؤلاء هكذا.»
وهذا فارق هائل.
لأننا في الحالة الأولى نحاكم الفرد.
وفي الثانية نحاكم هويةً كاملة من خلال الفرد.
وهنا بالضبط بدأت أسأل نفسي عن بعض ما رأيته في تركيا.

لكن قبل أن نفسر نظرة بعض الأتراك إلى السائح العربي، من العدل أن أسأل نفسي أولًا: هل تغيرت تركيا في عيني، أم تغيرت عيني أنا؟

 وللإجابة لا أحتاج إلى الذاكرة وحدها؛ فكتاباتي القديمة مؤرخة وتشهد عليّ.
من المحبة إلى المراجعة… شهادة الرحّالة قبل الحكم
من السهل جدًا أن يقول الكاتب بعد خصومة ما:
«كنت منصفًا لهم ثم تغيرت.»
لكنني في حالتي لا أحتاج إلى الاعتماد على الذاكرة؛ لأن ما كتبته منذ سنوات طويلة لا يزال موجودًا.
وفيه ما يشهد لي، وربما يشهد عليّ أيضًا.
ففي مارس 2011 كتبت تقريرًا عن تركيا بعنوان لا يحتاج إلى شرح:
«تفصيل للدولة التي أحبها تركيا لمن أرادها بأجمل طريقة.»
كنت أصفها صراحة بأنها «الدولة التي أحبها»، وأقدم للناس الطرق والمناطق وأماكن الزيارة، وأساعد المسافر ليصل إليها ويستمتع بها. وسجل بريدي القديم نفسه يحتفظ بعنوان ذلك النص وتاريخه.
لم تكن تركيا عندي يومها بلدًا أبحث عن عيوبه.
بل كانت من البلدان التي أحبها وأوصي بها.
ثم مضت السنوات، ولم يتغير ذلك سريعًا.
ففي يونيو 2016 كتبت
 «خطوات ترحالية ذكية لرحلة ممتعة إلى تركيا»، 
وبدأت المقال بوصف تركيا بأنها من بلاد الجمال والطبيعة والتاريخ، وقدمت للمسافرين نصائح عملية تساعدهم على زيارتها والاستمتاع بها. وسجل المدونة المرسل إلى بريدي يحفظ المقال وتاريخه أيضًا.
وفي يناير 2015 كنت قد زرت أكثر من مئة وأربعين دولة، ومع ذلك كتبت أن تركيا تميزت عندي باجتماع أربعة أركان أحبها في الرحلة: الإسلام، والحضارة، والطبيعة، والطعام الطيب الحلال.
كانت ـ في عيني آنذاك ـ من أكثر البلدان تكاملًا للسائح.
وهذه نقطة مهمة جدًا في حكايتي.
لأن الإنسان الذي بدأ موقفه من بلد بالإعجاب الشديد لا يشبه الإنسان الذي دخله يبحث عن سبب ليكرهه.
بل إن كتاباتي ومحادثاتي القديمة تظهر أنني كنت أذهب أحيانًا إلى أبعد من مجرد المديح؛ كنت أدافع عن الأتراك حين ينتقدهم الآخرون.
وفي إحدى نقاشاتي القديمة مع رفاق السفر شددت على عدم تعميم تصرف فرد على الأتراك جميعًا، وذكرت خبرتي الطويلة معهم، وقلت يومها بوضوح إن علينا ألا نكيل بمكيالين، ثم رويت صورًا جميلة من ترحيب أناس التقيتهم خارج إسطنبول ودعوتهم لنا إلى الطعام ومودتهم معنا.
أي أنني لم أكن فقط محايدًا.
بل كانت كفة حسن الظن عندي راجحة.
حادثة سارير… وحتى السرقة لم تجعلني أتهم شعبًا
ففي إحدى رحلاتي القديمة عام 1989 إلى إسطنبول كنت أقيم مع الأسرة والوالدين في منزل بمنطقة سارير شمال المدينة والمطلة على البوسفور.
وكانت البيوت في تلك الفترة لا تعتمد على أجهزة التكييف كما هي الحال اليوم، فكنا نفتح النوافذ بسبب حرارة الصيف.
وفي ليلة دخل لص من إحدى النوافذ.
وسرق محفظتي، وما فيها من مال وبطاقات، وبعض الأشياء الصغيرة مرتفعة القيمة.
وفي الفترة نفسها تعرض والدي ـ رحمه الله ـ وهو برفقة والدتي في أحد الأزقة لمحاولة سرقة من رجلين، لكنه قاومهما حتى ابتعدا عنه.
كان بإمكاني يومها أن أحول التجربة إلى قصة غضب على تركيا.
وبعدها بسنوات تعرضت اختي لسرقة حقيبتها وبها مبلغ كبير وايضا كانت بسبب تهاونها وعدم حرصها…  
فهنا السرقة ليست اختلافًا ثقافيًا، ومحاولة الاعتداء على والدي ليست موقفًا هينًا، وسرقة حقيبة أختي بالشارع ليست امرا اعتياديا .
ومع ذلك لم أفعل.
لم أقل:
«الأتراك لصوص».
ولم أبن على الواقعة حكمًا عن المجتمع.
كنت أرى ـ وما زلت ـ أن اللص يمثل نفسه، وأن الجريمة لا جنسية لها.
وفي كل مدينة في العالم يوجد الصالح والفاسد.
بل بحثت يومها عن تفسير متعلق بالظروف الاقتصادية وضعف بعض النفوس بدل أن أصنع من الجريمة نظرية عن الشعب التركي.
ولهذا فإنني حين أراجع اليوم موقفي من بعض صور التعامل في تركيا لا أستطيع أن أفسر ذلك بأنه نتيجة عقدة قديمة بسبب السرقة.
فالسرقة نفسها لم تجعلني أكرههم.
وهنا يصبح السؤال أكثر أهمية:
إذا لم تغيّرني حادثة سطو فعلية، فما الذي غير لغتي بعد سنوات؟
الإجابة عندي هي:
التراكم.
المشكلة لم تكن في الحادثة… بل في تكرار النمط
مرة بعد مرة كنت أواجه موقفًا، ثم أبحث له عن العذر.
ربما أسأنا الفهم.
ربما الرجل متعب.
ربما اختلاف اللغة.
ربما السائح العربي هو المخطئ.
ربما لا يعرف أننا لم نقصد الإساءة.
كنت أفسر وأعذر.
والإنصاف يقتضي ذلك.
لكن الإنصاف نفسه يفرض على الإنسان في مرحلة ما أن يسأل:
متى يصبح تكرار الحادثة نمطًا؟
فإذا تكرر أمام الرحّالة المشهد في أماكن وأزمنة مختلفة، لم يعد علميًا ولا أخلاقيًا أن يمسح كل تجربة مستقلة بحجة أن «الأفراد لا يمثلون المجتمع».
صحيح أن الفرد لا يمثل الأمة.
لكن تكرار أنماط السلوك داخل بيئة معينة يصبح في ذاته موضوعًا صالحًا للتأمل الاجتماعي.
وهذا هو التحول الذي حدث عندي.
لم أصحُ صباحًا وأقرر أنني لم أعد أحب تركيا.
بل بدأت المسافة تظهر ببطء بين تركيا المكان وبعض صور تركيا الإنسان التي كنت أواجهها في المدن الكبرى.
ولهذا تجدني في كتاباتي اللاحقة ما زلت أمدح طبيعة تركيا وجمالها وتنوعها، لكن لغتي تجاه التعامل البشري ـ وخصوصًا في إسطنبول وبعض المدن الكبرى ـ أصبحت أكثر تحفظًا.
وفي كتابتي عام 2022 سجلت بوضوح ملاحظتي عن الغلظة والتعامل بفوقية التي يمكن أن يلمسها الزائر في المدن المكتظة، وعلى رأسها إسطنبول.
ولم أقل ذلك يوم دخلت تركيا لأول مرة.
بل بعد سنين طويلة من السفر فيها والدفاع عنها. 

وهذه بالنسبة لي هي الفكرة المركزية:
لم تكن النتيجة موجودة أولًا ثم بحثت لها عن الأدلة؛ بل قاومت النتيجة زمنًا طويلًا قبل أن تدفعني إليها التجربة.
ومع ذلك أتركها نتيجة قابلة للمراجعة.
لأن الرحّالة إذا توقف عن مراجعة نفسه تحول من شاهد إلى داعية لفكرته.

لماذا لا أقول: «الأتراك هكذا»؟
لأنني لو قلتها لارتكبت الخطأ نفسه الذي أعترض عليه.
إذا كنت أرفض أن يرى إنسانٌ العربي ثم يقول:
«العرب هكذا».
فلا يحق لي أن أرى عددًا من الأتراك وأقول:
«الأتراك هكذا».
تركيا مجتمع ضخم، متنوع في مناطقه وطبقاته وتوجهاته السياسية والثقافية والدينية.
وقد عشت بنفسي ـ خصوصًا خارج إسطنبول ـ نماذج كريمة جدًا من الضيافة والمودة.
دخلنا بيوتًا.
شاركنا الناس طعامهم.
وجدنا من يسعد بمجالستنا.
وعشت من المحبة مثلما عشت من النفور.
ولهذا فإن موضوعي ليس «الدم التركي»، ولا «الشخصية التركية» باعتبارها جينات ثابتة.
بل أسأل عن ظاهرة اجتماعية:
هل توجد في بعض البيئات التركية، ولا سيما في المدن الكبرى، مركزية ثقافية ونظرة هرمية إلى الأجانب تجعل العربي أحيانًا في موقع مختلف عن الأوروبي؟
هذا هو السؤال الذي أستطيع أن أدافع عنه.
أما القول إن كل تركي يحتقر العربي فدعوى لا أستطيع إثباتها، ولا أؤمن بها.

التفسير الثاني: 
لماذا يُغتفر للأوروبي ما لا يُغتفر للعربي؟

وهذه عندي أكثر نقاط المسألة حساسية.
فمن خلال السفر الطويل لا يكفي أن تراقب كيف يعاملك الناس، وإنما عليك أن تراقب أيضًا كيف يعاملون الآخرين من حولك.
وهنا يبدأ الإنسان بملاحظة فروق لا تظهر في الكتب السياحية.
قد يقع الأوروبي في جهل بعادة محلية، فيبتسم له الناس:
«أجنبي، لا يعرف.»
بينما قد يقع العربي في الأمر نفسه، فيستحضر البعض مباشرة صورة جاهزة عن «العرب».
وهنا لا نتحدث فقط عن حسن الخلق وسوئه.
نحن أمام ما يمكن وصفه بـ هرمية غير معلنة للجنسيات.
فبعض المجتمعات لا تنظر إلى «الأجنبي» باعتباره فئة واحدة.
هناك أجنبي عالي المكانة في المخيال الاجتماعي.
وأجنبي أقل مكانة.
جواز السفر، واللغة، واللون، والصورة الإعلامية، والقوة الاقتصادية والسياسية للدولة التي يأتي منها الإنسان؛ كلها قد تدخل ـ بوعي أو دون وعي ـ في صناعة تلك النظرة.
ولهذا قد يفسَّر سلوك الأوروبي بوصفه سلوك فرد.
بينما يتحول تصرف العربي بسهولة إلى سلوك جماعة.
«هذا الأوروبي أخطأ.»
لكن:
«هؤلاء العرب يفعلون كذا.»
وهذه نقلة نفسية شديدة الخطورة.
مفارقة القرب: لماذا قد يكون القريب أقل تسامحًا من البعيد؟
وقد يبدو الأمر غريبًا.
فالعربي والتركي عاشا قرونًا طويلة في فضاء تاريخي متداخل، وبينهما دين مشترك لدى الأغلبية وروابط جغرافية وثقافية عميقة.
فلماذا يمكن أحيانًا أن يكون الأوروبي البعيد أكثر قبولًا؟
لأن القرب بين الشعوب لا يصنع المحبة دائمًا.
أحيانًا يصنع المنافسة والذاكرة والحساسية والتوقعات.
البعيد لا يحمل تاريخًا مشتركًا ثقيلاً.
هو «أجنبي» فقط.
أما القريب فقد تُسقط عليه خلافات التاريخ والسياسة والهوية.
ولهذا نجد في العالم كله أن التوتر بين المجتمعات المتجاورة أو المتشابهة قد يكون أشد أحيانًا من التوتر مع شعوب بعيدة جدًا.
والسائح قد يدخل الفندق أو المطعم وهو يظن نفسه مجرد مسافر جاء ليقضي ثلاثة أيام، بينما يقرأه الشخص المقابل من خلال مئة عام من السياسة والصور الإعلامية والخلافات التي لم يكن السائح نفسه طرفًا فيها.
العربي والسوري… حين تنتقل الصورة من جماعة إلى أخرى
ولا يمكن في السنوات الأخيرة فصل هذا النقاش عن قضية اللاجئين السوريين في تركيا.
فالتوترات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية المرتبطة باللجوء صنعت لدى جزء من المجتمع التركي موقفًا سلبيًا من السوريين.
وهذا أمر لا يجوز إنكاره.
لكن الخطر يبدأ حين يحدث ما يحدث عادة في صناعة الصور النمطية:
تبدأ الصورة بـ:
«السوري».
ثم تتسع إلى:
«العربي».
وعندها يمكن أن يصل السائح الخليجي أو العراقي أو المغربي إلى تركيا وهو يحمل جوازًا وتذكرة فندق، لكنه يجد نفسه في ذهن بعض الناس داخل تصنيف اجتماعي لم يصنعه.
ولا أقول إن هذا يفسر كل موقف عشته.
لكنني أراه جزءًا من الصورة التي تستحق الدراسة.

السائح ليس مطالبًا بالاعتذار عن ثقافته
وهنا أعود إلى أصل المقال.
من حق التركي أن يعتز بثقافته.
ومن حق الفرنسي.
والألماني.
والتونسي.
والسعودي.
لكن ليس من حق أحد أن يجعل ثقافته امتحان دخول أخلاقيًا للآخرين.
السائح مطالب بثلاثة أشياء واضحة:
- أن يحترم القانون.
- وألا يهين الناس ومقدساتهم.
- وأن يتجنب ما يعلم أنه يؤذي المجتمع الذي يستضيفه.
أما أن يطلب منه معرفة كل إشارة وكل عادة وكل معنى اجتماعي خفي، ثم يحاسب إن جهلها، فذلك غير منطقي.
فالإنسان لا يتعلم ثقافة مجتمع كامل في المطار.
المجتمع السياحي الناضج يفرق بين الخطأ والإساءة
هناك فرق بين رجل دخل مسجدًا أو مكانًا دينيًا وتعمد السخرية منه، وبين سائح أخطأ لأنه لا يعرف عادة محلية.
وفرق بين إنسان اعتدى على شخص، وبين شخص استخدم إشارة أو عبارة فهمها أهل البلد بصورة مختلفة.
الأول يتحمل المسؤولية.
أما الثاني فنشرح له.

قياس نضج المجتمع سياحياً.
وهنا أقيس نضج المجتمع السياحي.
فلايقاس المجتمع بعدد الفنادق.
ولا بعدد الطائرات.
ولا بحجم الأموال التي يجنيها من السياحة.
بل بقدرته على استيعاب المختلف دون أن يفقد احترامه لذاته.
المجتمع القوي يقول:
هذه عاداتنا، ونحب أن تحترمها.
لكنه لا يفترض أن كل من جهلها يحتقره.
وهل هذا النقد خاص بتركيا؟
لا.
وسيكون مقالي ضعيفًا أخلاقيًا لو جعلت المشكلة تركية فقط.
نحن العرب نحتاج إلى المرآة نفسها.
فقد ننتقد مجتمعًا لأنه يعطي الأوروبي مساحة أوسع من العربي، بينما توجد في بعض مجتمعاتنا نحن صور مشابهة في التعامل مع الأوروبي مقارنة بالآسيوي أو الإفريقي أو العامل الأجنبي الأقل مكانة اجتماعية.
وقد يعامل البعض الغربي باسم «الخواجة» أو «الأجنبي» باحترام زائد، ثم يعامل أجنبيًا آخر بطريقة مختلفة لأن جنسيته لا تحمل القيمة الرمزية نفسها.
إذن المشكلة أوسع من تركيا.
إنها مشكلة ترتيب البشر في العقل قبل أن نتعامل معهم.
ولهذا لا أريد أن أستبدل مركزية تركية ـ إن وجدت ـ بمركزية عربية مقابلة.
فالاستعلاء لا يصبح عدلًا إذا تبدلت جهة ممارسته.
إسطنبول ليست تركيا… لكنها ليست تفصيلًا صغيرًا أيضًا
وأخص إسطنبول كثيرًا في حديثي لأن تجربتي فيها كانت الأشد.
لكن من الإنصاف أن نقول إن إسطنبول مدينة هائلة، مزدحمة، مثقلة بالسياحة والهجرة والاقتصاد والاختلافات السياسية والاجتماعية.
وقد تكون العلاقة فيها بين السكان والسائح مختلفة تمامًا عن قرية في الأناضول أو بلدة صغيرة قرب البحر الأسود.
وقد رأيت أنا نفسي هذا الفرق.
لكن في المقابل لا يمكن الرد دائمًا بعبارة:
«هذه إسطنبول ولا تمثل تركيا».
فإسطنبول أيضًا واجهة تركيا الكبرى، وأهم مدنها السياحية، ويزورها ملايين البشر.
وما يحدث فيها يستحق أن يناقش، لا أن يُلغى لأنه لا يمثل كل قرية تركية.
الصواب في المنتصف:
إسطنبول ليست كل تركيا، لكنها جزء بالغ الأهمية منها.
حين تأخذ الدولة مال السائح فعليها أن تتقبل اختلافه
السياحة ليست عملية اقتصادية من طرف واحد.
الدولة التي تدعو العالم إلى زيارتها وتبني الفنادق والمطارات والمطاعم والأسواق لكي تجذب الأجانب تعرف مسبقًا أنها تستدعي معها شيئًا آخر:
اختلاف البشر.
لغة مختلفة.
لباس مختلف.
طرق مختلفة في الطعام والكلام.
عادات اجتماعية مختلفة.
لا تستطيع أن تقول للعالم:
تعالوا بأموالكم، لكن اتركوا اختلافكم في المطار.
هذه ليست سياحة.
السياحة الحقيقية لقاء بين ثقافتين.
ولهذا كما أن للسائح واجبًا، للمضيف واجب أيضًا.
السائح عليه كفاءة الاحترام.
والمضيف عليه كفاءة الضيافة.
ما الذي تعلمته من تجربتي التركية؟
تعلمت أولًا أن حب بلد لا يلزمك بالدفاع عنه في كل شيء.
وتعلمت أن انتقاد مجتمع لا يعني كراهيته.
وتعلمت كذلك أن الرحّالة إذا خشي أن يقول ما رأى حتى لا يغضب محبو المكان، فقد تحول إلى كاتب دعاية سياحية، لا شاهد على الناس والبلدان.
أنا اليوم لا أنكر تركيا التي أحببتها في 2011.
ولا أتبرأ من كلامي الذي كتبته مدافعًا عن أهلها.
بل أراه جزءًا أساسيًا من قصتي.
لأن الإنسان الذي لا يسمح لتجربته بأن تعدل أحكامه لم يتعلم شيئًا من السفر.
وقد أعود غدًا إلى تركيا فأجد ما يدفعني إلى تعديل هذا الرأي مرة أخرى.
وهذا لا يحرجني.
بل العكس.
فالرحّالة ليس قاضيًا يصدر حكمًا أبديًا على الشعوب.
إنه شاهد يمشي ويرى ويقارن ويراجع.
لا أطالب السائح بحصانة… ولا المضيف بالطاعة
موقفي في النهاية بسيط.
إذا أساء السائح عمدًا، فليحاسب.
إذا خالف القانون، فليطبق عليه القانون.
إذا أهان الناس، فلا تحميه جنسيته ولا أمواله.
لكن إذا أخطأ لأنه لا يعرف، فعلّموه.
وإذا اختلف، فلا تهينوه.
وإذا كان عربيًا فلا تحملوه أخطاء كل عربي رأيتموه قبله.
وإذا كان أوروبيًا فلا تعطوه امتيازًا أخلاقيًا لمجرد أن جوازه أوروبي.
فالقاعدة التي تحترم الإنسان لا تتغير بتغير جواز سفره.
السؤال الذي بقي معي
بعد كل هذه السنوات لم يعد سؤالي:
هل الأتراك جيدون أم سيئون؟
فهذا سؤال طفولي لا يليق بشعب ولا برحّالة.
كل شعب فيه هذا وذاك.
السؤال الذي يستحق أن يبقى هو:
متى يتحول حب الأمة لنفسها إلى استعلاء على غيرها؟
ومتى يصبح الاعتزاز بالهوية حاجة إلى أن يشعر الآخر بأنه أدنى؟
ولماذا نمنح بعض الغرباء حق الجهل بعاداتنا، بينما نطالب غريبًا آخر بأن يعتذر حتى عن اختلافه؟
هذه الأسئلة ليست موجهة إلى تركيا وحدها.
بل إلى كل مجتمع يفتح أبوابه للعالم.
وإلينا نحن العرب قبل غيرنا.
فالسياحة ليست اختبار ولاء ثقافيًا.
ولا ينبغي أن تكون مسابقة لإثبات أي الشعوب أرقى.
السياحة، في صورتها الإنسانية النبيلة، هي لقاء مؤقت بين شخصين جاء كل منهما من قصة مختلفة.
يقول الزائر للمضيف:
سأحترم بيتك.
ويرد عليه المضيف:
وسأحترم اختلافك.
وحين تتحقق هذه المعادلة يصبح السفر جسرًا بين الشعوب.
أما حين يصبح أحد الطرفين مطالبًا بالتخلي عن هويته حتى يرضى عنه الآخر، فقد فقد السفر جزءًا كبيرًا من معناه.
ولهذا، وبعد تجربة بدأت بمحبة تركيا والدفاع عنها ثم مرت بسنوات طويلة من المراجعة، لا أقول إنني أصبحت خصمًا للأتراك.
بل أقول شيئًا أدق:
كنت أدافع حين كان الدفاع، في نظري، هو الإنصاف.
واليوم أنتقد ما رأيته لأن الإنصاف نفسه هو الذي يطالبني ألا أصمت عنه.
فالضيف لا يملك حق إهانة البيت.
وصاحب البيت لا يملك حق إذلال الضيف.
وهذه، قبل أن تكون قاعدة في السياحة، قاعدة في احترام الإنسان.
الرحّال وائل الدغفق – رحّال الخبر
ولمحبي الاختصار،اقدم هذا المختصر المفيد..

حين يصبح الاختلاف تهمة
من حبّ تركيا والدفاع عنها إلى سؤال الاستعلاء الثقافي تجاه السائح العربي
من أكثر العبارات التي يسمعها المسافر: «احترم ثقافة البلد الذي تزوره»، وهي قاعدة صحيحة؛ فمن يدخل بلاد الناس فعليه احترام قوانينهم ومقدساتهم وخصوصياتهم.
لكن سنوات السفر الطويلة جعلتني أسأل سؤالًا آخر: هل السائح وحده مطالب بفهم ثقافة البلد، أم أن على المجتمع المضيف أيضًا أن يتفهم ثقافة ضيفه واختلافه؟
فالسائح لا يصل إلى المطار وقد تعلم كل إشارات المجتمع وعاداته. وقد يقع في تصرف لا يقصد به إساءة، فيكون واجب المجتمع السياحي الناضج أن يفرق بين الجهل بالعادة وبين احتقارها.
فالضيف لا يملك حق إهانة البيت، لكن صاحب البيت كذلك لا يملك حق إذلال الضيف.
حين يتحول الاعتزاز إلى استعلاء
لكل شعب حق الاعتزاز بتاريخه وثقافته، لكن المشكلة تبدأ حين تتحول الثقافة إلى معيار نحاكم به الآخرين.
في هذه الحالة قد يقع شخص نراه عالي المكانة في خطأ فنقول:
«إنه أجنبي ولا يعرف.»
بينما يقع شخص من جماعة نحمل عنها صورة سلبية في الخطأ نفسه فنقول:
«هؤلاء هكذا.»
الأول نحاسبه بوصفه فردًا، والثاني نحمله هوية شعب كامل.
وقد شعرت بهذا الفارق في بلدان مختلفة، لكنه كان أكثر حضورًا في بعض تجاربي التركية، وخصوصًا في إسطنبول.
لكن قبل أن نفسر نظرة بعض الأتراك إلى السائح العربي، من العدل أن أسأل نفسي أولًا: هل تغيرت تركيا في عيني، أم تغيرت عيني أنا؟ وللإجابة لا أحتاج إلى الذاكرة وحدها؛ فكتاباتي القديمة مؤرخة وتشهد عليّ.
من المحبة إلى المراجعة… شهادة الرحّالة قبل الحكم
في مارس 2011 كتبت تقريرًا عن تركيا بعنوان صريح:
«تفصيل للدولة التي أحبها تركيا لمن أرادها بأجمل طريقة.»
ثم واصلت لسنوات أنصح بالسفر إليها، وفي 2016 كتبت دليلًا بعنوان «خطوات ترحالية ذكية لرحلة ممتعة إلى تركيا».
وفي 2017، وبعد أن كنت قد زرت أكثر من 125 دولة، رأيت أن تركيا من أكثر البلدان التي تكاملت فيها عندي أربعة عناصر أحبها في السفر: الإسلام والحضارة والطبيعة والطعام الطيب الحلال.
بل إنني كنت أدافع عن الأتراك عندما يعمم بعض المسافرين أحكامهم عليهم، وكنت أذكر تجاربي الطيبة معهم في مدن وقرى كثيرة، وأرفض أن يحمل المجتمع أخطاء بعض أفراده.
أي أنني لم أدخل تركيا باحثًا عن سبب لانتقادها؛ بل كنت، إن صح التعبير، منحازًا إلى حسن الظن بها.
حتى السرقة لم تجعلني أكره تركيا
وفي إحدى رحلاتي القديمة إلى إسطنبول، كنا نقيم مع الأسرة والوالدين في منزل بمنطقة سارير المطلة على البوسفور، فدخل لص ليلًا من إحدى النوافذ وسرق محفظتي وبعض مقتنياتي.
وفي الفترة نفسها تعرض والدي ـ رحمه الله ـ أثناء وجوده مع والدتي لمحاولة سرقة من رجلين في أحد الأزقة، فقاومهما حتى ابتعدا.
ومع ذلك لم أقل يومها: «الأتراك لصوص».
فاللص يمثل نفسه، والجريمة لا جنسية لها.
وهذه الواقعة مهمة عندي اليوم؛ لأنها تعني أن حادثة شديدة كهذه لم تصنع موقفي الحالي.
الذي غيّر موقفي لم يكن حادثة… بل تراكم التجربة.
عندما يتحول التكرار إلى نمط
كنت في كل موقف أبحث عن العذر:
ربما سوء فهم، أو اختلاف لغة، أو ضغط عمل، أو خطأ منا نحن السياح.
لكن عندما تتكرر المواقف في أزمنة وأماكن مختلفة يبدأ الرحّالة في التساؤل: متى تتوقف الحادثة عن كونها استثناءً وتصبح ظاهرة تستحق الملاحظة؟
ولهذا تغيرت لغتي تدريجيًا، حتى سجلت في كتاباتي سنة 2022 ملاحظتي عن الغلظة والتعامل بفوقية في بعض المدن التركية الكبرى، وفي مقدمتها إسطنبول.
ولذلك لا أرى في تغير موقفي تناقضًا.
التناقض الحقيقي أن يرى الإنسان الوقائع تتغير أمامه، ثم يصر على رأيه القديم خوفًا من الاعتراف بأنه راجعه.
لماذا يُغتفر للأوروبي ما لا يُغتفر للعربي؟
وهنا أصل إلى أكثر ما أثار انتباهي.
في بعض المواقف رأيت أن الأوروبي يمكن أن يخطئ فيُنظر إليه على أنه شخص لا يعرف العادة، بينما يُقرأ خطأ العربي أحيانًا داخل صورة مسبقة عن «العرب».
وهذه ليست مسألة تركية خالصة، بل تدخل في هرمية اجتماعية غير معلنة للجنسيات؛ حيث تؤثر صورة الدولة والجواز واللغة والتاريخ والسياسة في الطريقة التي يُنظر بها إلى الإنسان.
وقد ساهمت في السنوات الأخيرة قضية اللاجئين السوريين والتوترات السياسية والاقتصادية في تكوين صور سلبية لدى جزء من المجتمع التركي، والخطر أن تتوسع صورة «السوري» أحيانًا لتصبح صورة عن «العربي» عمومًا.
ولا أقول إن هذا يفسر كل موقف، ولا أن الأتراك جميعًا يفكرون بهذه الطريقة.
فأنا نفسي عرفت في تركيا أناسًا في غاية الكرم والمودة، وخصوصًا خارج إسطنبول.
ولهذا لا أقول: «الأتراك هكذا».
ولو قلتها لكنت أرتكب التعميم نفسه الذي أعترض عليه.
إسطنبول ليست تركيا كلها
كانت تجربتي الأصعب غالبًا في إسطنبول، لكن إسطنبول ليست تركيا بأكملها.
في الأرياف والمدن الصغيرة عشت صورًا مختلفة من الترحيب والبساطة والمودة.
ومع ذلك لا يمكن أيضًا إلغاء ما يحدث في إسطنبول بحجة أنها لا تمثل تركيا؛ فهي أكبر واجهات البلاد السياحية، وما يحدث فيها يستحق النقاش.
والسؤال موجه إلينا نحن أيضًا
سيكون النقد ناقصًا إن جعلنا المشكلة تركية فقط.
فنحن العرب قد نمارس أحيانًا التمييز نفسه عندما نعامل الغربي بطريقة، والآسيوي أو الإفريقي بطريقة أخرى.
إذن القضية ليست صراعًا بين العرب والأتراك، بل سؤال أوسع:
هل نحترم الإنسان لكونه إنسانًا، أم بحسب مرتبته في خيالنا الاجتماعي؟
السياحة لقاء بين ثقافتين
الدولة التي تدعو العالم إلى زيارتها لا تستطيع أن تقول للناس:
تعالوا بأموالكم، لكن اتركوا اختلافكم في المطار.
السياحة لقاء بين ثقافتين.
على السائح أن يحترم القانون والمقدسات والناس.
وعلى المضيف أن يستوعب أن الزائر مختلف، وقد يجهل بعض عاداته.
فإذا أساء السائح عمدًا فليحاسب، وإذا خالف القانون فليطبق عليه.
أما إذا أخطأ لأنه لا يعرف، فعلّموه ولا تهينوه.
وإذا كان عربيًا فلا تحملوه أخطاء العرب جميعًا، وإذا كان أوروبيًا فلا تمنحوه حصانة ثقافية لأن جوازه أوروبي.
ما الذي تعلمته؟
تعلمت أن حب بلد لا يلزمك بالدفاع عنه في كل شيء، وأن نقده لا يعني كراهيته.
كنت أدافع عن تركيا حين كنت أعتقد أن الدفاع عنها هو الإنصاف.
واليوم أنتقد ما رأيته لأن الإنصاف نفسه هو الذي يطالبني بذلك.
وقد أراجع رأيي مرة أخرى إن تغيرت تجربتي؛ فالرحّالة ليس قاضيًا يصدر أحكامًا أبدية على الشعوب، وإنما شاهد يرى ويقارن ويراجع.
ويبقى السؤال الذي خرجت به من كل ذلك:
متى يتحول الاعتزاز بالهوية إلى استعلاء على هوية الآخر؟ ولماذا نمنح بعض الغرباء حق الجهل بعاداتنا، بينما نطالب غريبًا آخر بالاعتذار حتى عن ثقافته؟
السياحة في معناها الإنساني ليست اختبار ولاء.
بل علاقة بسيطة بين ضيف ومضيف:
يقول الضيف: سأحترم بيتك.
ويرد المضيف: وسأحترم اختلافك.
فالضيف لا يملك حق إهانة البيت،
وصاحب البيت لا يملك حق إذلال الضيف.

الرحّال وائل الدغفق - رحّال الخبر 2026 

كمزار العمانية.. قرية حاصرها جبل راس مسندم وفتح لها البحر أبواب العالم يكتشفها رحال الخبر

كمزار.. القرية التي حاصرها الجبل وفتح لها البحر أبواب العالم

من روايات رحّال الخبر


هناك قرى تصل إليها بالطريق، وقرى تقودك إليها الجبال، وأخرى لا تسمح لك أن تراها إلا بعد أن تركب البحر.


وكمزار من النوع الأخير.

كنت قد سمعت عنها كثيرًا قبل الوصول إليها؛ قرية عند أقصى رؤوس مسندم، تتكئ على الجبل من جهة ويغسل البحر أقدامها من الجهة الأخرى، حتى لكأن الطبيعة تعمدت أن تحاصرها ثم تركت لها بابًا واحدًا إلى الدنيا:البحر.

وحين زرتها أدركت أن عزلتها لم تعزلها عن العالم، بل حدث العكس تمامًا.


فمن هذا الموضع النائي المطل على مضيق هرمز، مرّ البحارة والتجار القادمون من فارس والهند وبلوشستان وسواحل الجزيرة العربية، فتركوا في القرية شيئًا من كلماتهم وحكاياتهم، حتى أصبحت كمزار الصغيرة مكانًا تستطيع أن تقرأ فيه تاريخ الملاحة في الخليج من خلال لسان أهلها قبل حجارة بيوتها.

وتصفها وكالة الأنباء العمانية بأنها قرية ساحلية في أقصى شمال مسندم بالقرب من مضيق هرمز، وقد ورد ذكرها لدى عدد من الرحالة والمؤرخين العرب، بينما بقي الصيد والحياة البحرية من أهم عناصر معيشة أهلها.

إلى كمزار.. الطريق الذي لا يكون طريقًا

بدأت رحلتنا من خصب، عاصمة مسندم.


استأجرنا قاربًا يشق بنا الأخوار شمالًا باتجاه القرية، واستغرقت الرحلة في قاربنا قرابة نصف ساعة في كل اتجاه، تزيد أو تنقص بحسب سرعة القارب وحالة البحر.

ومع الدقائق الأولى بدأت جبال مسندم تظهر على حقيقتها.


جبال ليست كبقية الجبال؛ صخور شاهقة تهبط فجأة إلى البحر، وأخوار تدخل بين الجبال كما تدخل الأصابع في الكف، ومياه زرقاء عميقة تعكس جدرانًا صخرية تكاد تكون عمودية.


ولذلك شبّه كثير من أدبيات السياحة في عُمان مسندم بـ «نرويج الجزيرة العربية» بسبب أخوارها العميقة ومداخلها البحرية المحاطة بالجبال.

لكنني وأنا أعبرها لم أكن بحاجة إلى التشبيه بنرويج أو غيرها.


فلمسندم شخصيتها الخاصة.

إنها مكان تشعر فيه أن الجبل والبحر يتصارعان منذ آلاف السنين، ولم ينتصر أحدهما على الآخر.

جزيرة التلغراف.. صخرة مرّت فوقها أخبار العالم

وفي طريقنا مررنا بـ جزيرة التلغراف؛ تلك الصخرة الصغيرة النابتة في خور شم، والتي ربما يمر بها السائح اليوم فيراها جزيرة حجرية لا شيء فيها يستحق الوقوف.

وعرفت محليا بجزيرة "مُقلَب" وكيبل التلغراف هو من اشهرها..


لكن تاريخها يقول شيئًا مختلفًا.

ففي عام 1864م حصل البريطانيون على موافقة السلطان ثويني بن سعيد بن سلطان لإقامة محطة تلغراف عليها، ضمن شبكة الاتصالات التي ربطت مصالح بريطانيا في الخليج وبين جوادر الباكستانية الى البصرة ثم لندن ، ولم تعش المحطة طويلًا؛ إذ أُهملت سنة 1870م تقريبًا بعد تغيير مسار الكابل ، نظرا لمشاكل امنية وطقسية هنا لتنتقل وصلة الكيبل لجاسك وهنغام .


تأملت الجزيرة ونحن نعبر بجانبها.

صخرة صغيرة وسط جبال مسندم، لكنها في زمن لم يكن فيه هاتف ولا طائرة ولا قمر صناعي، كانت جزءًا من الطريق الذي تسافر عليه الأخبار بين القارات.


وهذا مما يعلّمه السفر:

لا تحكم على أهمية المكان بحجمه.

فقد تكون جزيرة بالكاد تتسع لبضعة رجال، ومع ذلك تمر من خلالها رسائل إمبراطوريات.

رفقة الدلافين

ثم تقدّم بنا القارب أكثر.

وفجأة ظهرت الدلافين.


بدأ بعضها يسابق مقدمة القارب، يغوص ثم يظهر، ويشق صفحة الماء بسرعة كأنه يعرف تمامًا أين ستذهب السفينة.

وشاهدنا كذلك السلاحف في ذلك البحر الصافي، وعلى تجاويف الصخور السوداء والنتوءات الجبلية رأيت طيور الغاق التي يسميها أهل المنطقة اللوهة، وقد اتخذت من الحواف الصخرية مواضع لها.

كان المشهد كله يقول إن هذا البحر ليس ممرًا مائيًا فقط، وإنما عالم كامل يعيش بين الصخور.

وتؤكد الجهات السياحية العمانية أن مياه مسندم معروفة بتنوع الحياة البحرية، وأن مشاهدة الدلافين من الأنشطة الشائعة في رحلات الأخوار البحرية.


مررنا كذلك بقرى صغيرة متشبثة بالساحل، وبعض المواقع والمنشآت المطلة على البحر، ثم أخذ الجبل يزداد قسوة والطريق البحري يتجه بنا إلى آخر الرأس.

وهناك...

بدأت كمزار تظهر.

القرية التي لا تعرف أين تتسع


أول ما استوقفني في كمزار ليس بيوتها، وإنما المكان الذي وُضعت فيه البيوت.

تخيل واديًا ضيقًا ينتهي عند البحر، تحيط به جبال شديدة الانحدار من جانبيه، ثم حاول أن تضع فيه قرية كاملة.


هكذا تبدو كمزار.

الأرض قليلة، والجبال لا تتراجع لتمنح الناس مساحة، والبحر أمامهم.

فلم يكن أمام الأهالي إلا أن يتعلموا فن الاقتصاد في المكان.

تراصّت المنازل، وضاقت الأزقة، واقترب المسجد من البيت، والمقبرة من الحي، والوادي من الجميع.


وتصف المصادر السياحية الرسمية كمزار بأنها قرية شديدة العزلة يمكن الوصول إليها بحرًا، وأن قلة الأرض جعلت منازلها متقاربة ومتراصة.

وهنا رأيت شيئًا طالما رأيته في قرى الجبال حول العالم:

حين تبخل الجغرافيا على الإنسان بالمساحة، يصبح التخطيط ضرورة لا ترفًا.

في داخل كمزار

نزلنا من القارب وبدأت أمشي.

دخلت الأزقة الضيقة، وتوغلت بين المنازل، من الساحل باتجاه الوادي والجبل.


هناك مدرسة، ومبانٍ خدمية، ومساجد تبدو مآذنها من بعيد، وبيوت تزدحم بعضها إلى جوار بعض حتى يبدو أن القرية كلها عائلة كبيرة بنت بيوتها في فناء واحد.

واليوم تشير المصادر العمانية إلى وجود معالم تاريخية منها برج كمزار والمسجد القديم إلى جانب المشهد البحري والجبل المحيط بالقرية.

ومن القصص التي سمعتها قبل الزيارة أن أهل كمزار يدفنون موتاهم داخل بيوتهم.


لهذا بحثت بعيني.

قطعت القرية وتجولت فيها، وما رأيت ذلك.

رأيت المقابر قريبة من البيوت بسبب ضيق المكان، وبعضها محاط بسور بسيط، ورأيت مقبرة قرب المسجد وفيها بناء مقبب، وأخرى عند أطراف الجبل، 


لكنني لم أر قبرًا داخل منزل.

وهذه عندي إحدى فوائد الرحلة.

فليس كل ما يروى عن الأماكن النائية حقيقة.

وكلما ازداد بُعد المكان، ازدادت الأساطير التي تُنسج حوله.

ولهذا أقول دائمًا:

عين الرحالة لا تلغي الكتاب، لكنها تختبر الحكاية.

كمزار واللسان الذي حمل آثار البحارة

ويبقى أكثر ما أثار فضولي في القرية:

اللغة الكمزارية.

كنت أسمع أهلها يتحدثون فيما بينهم بسرعة، فإذا بالكلام يختلف تمامًا عما نسمعه في لهجات الخليج.

وعندما تحدثنا معهم بالعربية أجابونا وتفاهمنا معهم دون مشكلة.


وهنا ظننت في زيارتي الأولى أن ما يسمى بالكمزارية ربما يكون لهجة عربية شديدة الاختلاط بالفارسية والهندية والبلوشية وغيرها نتيجة قرون من التعامل مع البحارة.

لكنني حين رجعت بعد الرحلة إلى الدراسات اللغوية وجدت الصورة أكثر إثارة مما توقعت.

فالبحث اللغوي الحديث يصنف الكمزارية ضمن اللغات الإيرانية الجنوبية الغربية، مع تأثير عربي بالغ القوة في أصواتها ومفرداتها وبنيتها؛ ولذلك وصفها بعض الباحثين بأنها لغة ذات عناصر عربية وفارسية متداخلة، وليست مجرد «لهجة عربية أضيفت إليها كلمات أجنبية».

وهذه إحدى المرات الجميلة التي صحح فيها البحثُ انطباعي الأول كرحالة.

كمزار مع رحال الخبر

فالرحالة ليس مطلوبًا منه أن يدافع عن أول تفسير خطر له، وإنما أن يعود إلى مصادر العلم، فإن خالفت ما ظنه، صحّح ما ظن.

بل إن بعض الباحثين يصف الكمزارية بأنها اللغة الإيرانية الوحيدة المتوطنة في الجزيرة العربية، وهو أمر يجعل هذه القرية الصغيرة حالة لغوية نادرة عالميًا.

لغة كمزار كما زارها رحال الخبر

وتشير الدراسات إلى وجود بضعة آلاف فقط من المتحدثين بها، أساسًا في مسندم، مع وجود لهجة وثيقة الصلة بها في جزيرة لارك على الجانب الآخر من مضيق هرمز.

فكأن المضيق الذي نراه اليوم فاصلاً بين ساحلين كان عبر التاريخ جسرًا لغويًا قبل أن يكون حدًا جغرافيًا.

الأعجب.. أن البحر دخل حتى في اتجاهاتهم

ولعل أجمل ما قرأته بعد زيارتي لكمزار دراسة تتناول كيف صنع البحر حتى طريقة أهلها في وصف المكان.

نحن نقول:

شمال وجنوب، شرق وغرب.

أما في الاستعمال الكمزاري التقليدي، فتظهر بقوة فكرتا «فوق» و«تحت» مرتبطتين بالجبل والبحر؛ فالهبوط نحو البحر اتجاه، والصعود داخل الوادي نحو الجبل اتجاه آخر.

بل إن الدراسات المسجلة من كلام أهل القرية تشير إلى أن البحر والرياح يدخلان حتى في أحاديثهم اليومية، وأن سؤالًا عن الريح يمكن أن يظهر ضمن التحايا والكلام المعتاد، لأن معرفة الريح ليست عند الصياد معلومة عن الطقس، وإنما قرار حياة: هل يخرج إلى البحر أم يبقى؟ وأين يصيد؟ وكيف يعود؟

وهنا فهمت شيئًا آخر:

نحن نصنع اللغة، لكن المكان يصنع جزءًا من لغتنا أيضًا.

فالبدوي يحتاج عشرات الأوصاف للصحراء والناقة.

والمزارع يعرف من أسماء النبات والتربة ما قد لا يعرفه غيره.

وأهل كمزار عاشوا للبحر...

فدخل البحر حتى في قاموس اتجاهاتهم.

من أين جاء اسم «كمزار»؟

ومن الحكايات الجميلة المتداولة أن اسم القرية جاء من عبارة:

«كم زار هذه البلدة من بشر؟»

ثم اختُصرت «كم زار» فصارت كمزار.

وهناك روايات شعبية أخرى تربط الاسم بملابس قديمة أو ألفاظ أخرى.

والحكاية الأولى جميلة جدًا، بل تكاد تناسب تاريخ الموقع؛ فكم من بحار مر من هنا فعلًا؟

لكن الجمال شيء، والتوثيق شيء آخر.

فالدراسات التي بحثت في أصل اسم كمزار تعرض أكثر من رأي ولا تقدم، فيما اطلعت عليه، حسمًا يجعل رواية «كم زار» حقيقة تاريخية مؤكدة. ولذلك أحب أن أرويها كحكاية يتناقلها الناس، لا كحقيقة أقطع بها.


وهذه أيضًا من أمانة أدب الرحلات:

أن نفرق بين:

ما رأيناه، وما قرأناه، وما سمعناه.

فالخلط بينها قد يصنع قصة أجمل، لكنه يصنع تاريخًا أسوأ.

الشحوح ورؤوس الجبال

ويرتبط أهل كمزار تاريخيًا بجماعات الشحوح التي عاشت في رؤوس جبال مسندم وسواحلها، وقد سجل الباحث برترام توماس منذ عام 1930 ارتباط المتحدثين بالكمزارية بجماعات ساحلية من الشحوح في مسندم.

أما تفاصيل الأنساب القديمة والروايات التي تربط كل فرع بأصل بعينه، فهي باب يحتاج إلى دراسة مستقلة، ولا أرى أن من الأمانة تحويل الرواية الشفهية إلى نسب تاريخي مقطوع به بلا سند كافٍ.

والذي رأيته أهم من ذلك كله:

رأيت أناسًا من أهل عُمان، يعيشون في أقصى شمالها، يتحدثون العربية معنا، ويحفظون بينهم لسانًا محليًا نادرًا، ويعيشون ثقافة صاغها البحر والجبل معًا.

والاختلاف اللغوي هنا لا ينتقص من هوية المكان؛ بل يضيف إليها طبقة جديدة من التاريخ.

قرية تهاجر ثم تعود

والبحر لا يحكم لغة كمزار وحدها، بل يحكم إيقاع السنة أيضًا.

فقد عرف أهلها تاريخيًا التنقل الموسمي بينها وبين خصب، ويرتبط جانب كبير من حياتهم بصيد الأسماك ومواسم البحر. وتشير وكالة الأنباء العمانية إلى أن رحلاتهم الموسمية بين كمزار وخصب جزء من نمط حياتهم المرتبط بالصيد.

وهذا أيضًا مفهوم حين تقف هناك.

فالإنسان يستطيع أن يعاند المكان يومًا أو عامًا، لكنه لا يستطيع أن يعاند المناخ والجبل والبحر أجيالًا كاملة.


لذلك طوّر أهل كمزار حياتهم بطريقة تشبه حركة المد والجزر:

يذهبون... ثم يعودون.

حين يصبح أقصى المكان وسط العالم

وأكثر ما بقي في نفسي وأنا أقف على الساحل هو هذه المفارقة.

كمزار بالنسبة إلى خريطة عمان قرية في أقصى الشمال.

لكن إذا قلبت الخريطة ونظرت إليها بعين البحار القديم، فلن تكون في الطرف إطلاقًا.

ستجدها أمام مضيق هرمز، على ممر بحري تاريخي يصل المحيط الهندي بالخليج، وعلى طريق مرت منه قرون من التجارة والهجرات والجيوش والسفن.

وفجأة يتحول المكان «النائي» إلى مكان كان العالم يمر من أمام بابه.

لهذا أقول:

أحيانًا لا يكون المكان بعيدًا عن العالم؛ نحن فقط ننظر إليه من الخريطة الخطأ.

ومن عاش في كمزار قد يكون بعيدًا عن أقرب طريق بري، لكنه كان يرى من ساحله سفن أمم لا يراها ساكن مدن الداخل طوال حياته.

ولعل هذا هو أحد أسرار لغتهم.

فقد ضاقت عليهم الأرض...

فاتسع لهم البحر.

كمزار كما رأيتها

غادرت القرية وعدت إلى القارب.


بدأت البيوت تتراجع خلفنا شيئًا فشيئًا، ثم عاد الجبل يطبق عليها حتى بدت من بعيد كأنها شريط أبيض صغير عالق بين كتلتين عظيمتين من الصخور.

تساءلت:

كيف استطاع الناس أن يصنعوا حياة هنا؟

ثم أدركت أن السؤال نفسه ربما كان خطأ.

فهم لم ينتظروا أن يصبح المكان سهلًا لكي يعيشوا فيه.

تعلموا لغته.

عرفوا الريح.

عرفوا البحر.

حفظوا مواسم السمك.

بنوا بيوتهم حيث توجد قطعة أرض.

وحين ضاقت المسافة بين البيت والقبر والمسجد والوادي لم يهجروا المكان نهائيًا، بل أعادوا ترتيب حياتهم داخله.


وهذه هي الحكاية التي أحببتها في كمزار.

ليست حكاية «قرية غريبة يتحدث أهلها لغة غريبة».

هذا وصف سطحي لا ينصفها.

إنها حكاية قرية صغيرة وقعت في واحد من أعقد المواقع الجغرافية في المنطقة، فحوّلت العزلة إلى اتصال، والبحر إلى طريق، والريح إلى معرفة، واختلاط البحارة إلى لغة، والجبل إلى جدار يحمي ذاكرتها.

وصلناها لنرى قرية.

وخرجت منها وأنا أشعر أنني رأيت متحفًا حيًا لتاريخ البحر في الخليج.

وفي رحلة العودة مررنا مرة أخرى بين جبال مسندم، والدلافين تظهر وتختفي، وجزيرة التلغراف تتضاءل في البعيد.

وعندها تذكرت كمزار خلفنا.

قرية لا يصلها الطريق...

ومع ذلك وصل إليها العالم كله.

وهذا ما يفعله السفر بنا حين نحسن قراءته:

نخرج بحثًا عن مكان بعيد، ثم نكتشف أن البعيد لم يكن بعيدًا قط.

وأن الجغرافيا التي ظنناها عزلة، كانت في زمن آخر بوابة.

الرحال وائل الدغفق

رحّال الخبر

قلاع الخزن الاستراتيجي التاريخية في تطاوين جنوب تونس وتمازج امازيغي وعربي الأولى الى السينما العالمية ..

تطاوين.. خزائن الجبال وابداع الانسان

من روايات رحّال الخبر لجولتي في جنوب تونس. 
غادرنا مطماطة، وما زالت في الذاكرة تلك البيوت التي اختبأت في جوف الأرض، واتجهنا جنوبًا نحو تطاوين.
وكنت أظن أنني بعد غرابة مطماطة لن أجد في الطريق ما يفاجئني كثيرًا، لكن الجنوب التونسي لا يكشف أسراره دفعة واحدة.
فإذا كان أهل مطماطة قد وجدوا أمنهم وراحتهم تحت الأرض، فإن أهل تطاوين وما حولها اختاروا طريقًا آخر:
رفعوا خزائنهم إلى رؤوس الجبال.
كلما توغلنا في أرض تطاوين تبدل المشهد؛ جبال جرداء، وهضاب صخرية، وأودية يابسة، وقرى بلون الأرض تكاد لا تراها إلا حين تقترب منها.
هنا لا يبدو العمران غريبًا عن الجبل، بل كأنه خرج منه.
الحجر من الحجر، والطين من التراب، والجدار يأخذ لون الصخرة نفسها، حتى يصعب أحيانًا أن تعرف أين ينتهي الجبل وأين تبدأ القرية.
وفي وسط هذا المشهد ظهرت لنا تلك المنشآت التي اشتهر بها جنوب تونس:
القصور.
قصور ليست قصورًا
وقد يخدع الاسم من يسمعه للمرة الأولى.
فحين نقول «قصر» يتبادر إلى الذهن قصر حاكم، بأبهائه وغرفه وزخارفه، لكن قصور تطاوين شيء مختلف تمامًا.
إنها أقرب إلى خزائن جماعية ضخمة، أو حصون اقتصادية صغيرة، كانت القبائل والأسر تحفظ فيها ما تعتمد عليه حياتها من حبوب وزيت وأعلاف ومؤن وممتلكات.
وتحيط بساحة القصر حجرات صغيرة متراكبة بعضها فوق بعض تسمى الغُرَف – Ghorfas، وقد يصل بعضها إلى ثلاثة أو أربعة مستويات، فتبدو حين تنظر إليها من داخل الفناء مثل خلايا نحل عملاقة صنعت من الطين والحجر.
وكانت هذه الغرف تحفظ مؤونة الأسر بعيدًا عن العبث والنهب، ولا سيما في مجتمع عرف التنقل وشبه الترحال ومواسم الجفاف الطويلة. ولم تكن القصور مخازن وحسب؛ بل كانت أيضًا مواضع لقاء وتبادل وتجارة، أي أن القصر كان جزءًا من النظام الاجتماعي، لا مجرد مبنى.
وقفت في إحدى ساحاتها أتأمل الأبواب الصغيرة المتتابعة فوق بعضها.
باب هنا، وفوقه باب، وإلى جانبه آخر، ثم سلالم حجرية وخشبية معلقة بالجدران.
وفكرت:
كم قصة خبز مرت من هذه الأبواب؟
كم موسم حصاد صعد إلى هذه الغرف؟
وكم أسرة وضعت هنا قوت عامها، مطمئنة إلى أن شيئًا مما تحتاج إليه في أيام الشدة محفوظ خلف ذلك الباب الصغير؟

عندها لم تعد الغرفة حفرة مظلمة في جدار قديم، بل أصبحت في عيني خزانة أمان لعائلة عاشت قبلنا بقرون.
قصر أولاد سلطان.. خلايا الجبل
ومن أشهر ما زرناه في المنطقة قصر أولاد سلطان.

وما إن تدخل ساحته حتى تفهم لماذا صار واحدًا من أكثر قصور الجنوب التونسي تصويرًا.
الجدران تعلو من حولك، والغرف تتدرج في طبقات، وبينها السلالم الصغيرة والدعامات والأخشاب القديمة، حتى يخيل إليك أنك تقف في قلب خلية نحل بشرية هائلة.
وتذكر اليونسكو أن قصر أولاد سلطان يضم نحو 287 غرفة، منها 96 حول الفناء الخارجي، وأن غرفه ترتفع في أجزاء منه إلى ثلاثة وأربعة مستويات، كما يتميز بكثرة السلالم الخارجية المثبتة على البناء والخطاطيف الخشبية التي كانت تساعد على الوصول إلى الغرف العليا.
توقفت أمام أحد تلك السلالم.
ضيّق، بسيط، لا يشبه سلالم مبانينا الحديثة في شيء.
لكنني حين تخيلت الرجل يصعد عليه وهو يحمل كيس الحبوب إلى غرفة عائلته في الأعلى، عاد المكان إلى الحياة.
وهذه هي متعة الأماكن القديمة بالنسبة إليّ:
أن تحاول ألا تراها كما أصبحت، بل كما كانت.
أن تمحو من ذهنك السائح والكاميرا والحافلة الواقفة بالخارج، ثم تعيد إلى الفناء صوت الناس والدواب وأكياس القمح ورائحة الزيت وحركة البيع والشراء.
عندها فقط يبدأ الحجر بالكلام.
شنني.. قرية التصقت بالجبل
ثم كانت شنني.
ومن بين قرى الجنوب بقي مشهدها من أكثر ما تعلق في الذاكرة.

قرية تتسلق الجبل بدل أن تتمدد في السهل، وبيوت ومغاور وأطلال تتداخل مع الصخور حتى تكاد القرية تبدو جزءًا طبيعيًا من التكوين الجبلي.
وفوقها كان القصر القديم يراقب المكان.
تذكر اليونسكو أن قصر شنني شُيد على قمة نتوء جبلي مشرف على القرية ومساكنها الجوفية، وكان يتكون قديمًا من نحو مئتي غرفة على مستويين.
وحين وقفت في الأعلى ونظرت إلى الوادي والصحراء الممتدة أمامي فهمت شيئًا من حكمة اختيار المكان.
فالموقع المرتفع يكشف الطرق البعيدة، والجبل يمنح أهله الحماية، والصخر نفسه يدخل في بناء المسكن.
ولكن العجيب ليس أن الإنسان عاش هنا فقط؛ بل كيف صنع حياة كاملة في أرض تبدو للناظر لأول مرة شحيحة وقاسية.
فالزراعة في هذه الجبال اعتمدت أيضًا على ما يسمى الجسور؛ سدود صغيرة من التراب والحجارة تقام عبر مجاري المياه والمنحدرات لحجز مياه الأمطار النادرة والتربة خلفها، فتتحول أجزاء من الجبل إلى مصاطب يمكن أن تنمو فيها الأشجار والمحاصيل.
وهذا مما أحب أن أتوقف عنده في رحلاتي.
فالحضارة ليست دائمًا مدينة عظيمة أو قصرًا مزخرفًا.
أحيانًا تكون الحضارة حجرًا صغيرًا وُضع في المكان الصحيح ليحجز ماء المطر.

قصر حدادة.. حين دخلت تطاوين السينما
ثم وصلنا إلى قصر حدادة.
مكان آخر من تلك المباني التي تكاد أشكالها المقوسة وغرفها المتراكبة تبدو معدّة منذ البداية لعالم خيالي.
ولهذا لم يكن مستغربًا أن تصل إليه السينما.
فقد استُخدمت أجزاء من قصر حدادة أثناء تصوير فيلم Star Wars: Episode I – The Phantom Menace، وظهرت ضمن مشاهد مساكن العبيد في مدينة Mos Espa على كوكب Tatooine. 
وتوثق مصادر مواقع التصوير كذلك استخدام قصر أولاد سلطان في مشاهد من العالم السينمائي نفسه.
والطريف أنك حين تقف في المكان تدرك أن صانع الفيلم لم يحتج إلى أن يبني كل هذا الخيال من الصفر.
كان الخيال موجودًا قبله بقرون.
الأقواس، والجدران الطينية، والغرف الغائرة، والسلالم، والصحراء الممتدة خلفها...
كل ما فعله الفن السابع أنه نقل هذا المشهد من جنوب تونس إلى كوكب بعيد.
وربما لهذا تبدو أفلام الخيال مقنعة أحيانًا؛ لأنها تبدأ من واقع شديد الغرابة قبل أن تضيف إليه الخيال.
ليست القصور حكاية خوف فقط
ومن السهل أن يختصر الزائر تفسير هذه العمارة بجملة واحدة:
«بناها الناس خوفًا من اللصوص والمعتدين».
وفي هذا شيء من الحقيقة، لكنه ليس كل الحقيقة.
فالقصور تعكس أيضًا نظامًا اقتصاديًا واجتماعيًا قائمًا على تخزين الغذاء ومواجهة الجفاف والتعاون بين الجماعة، بينما تكشف القرى الجبلية والبيوت المحفورة قدرة أهل الجنوب على التكيف مع الحرارة وشح الماء وصعوبة الأرض.
ولهذا تنظر اليونسكو إلى عالم القصور والمساكن الجوفية في جنوب تونس باعتباره شاهدًا على التنظيم الاجتماعي والتضامن والتكيف البشري مع بيئة قاسية، وقد أدرجته تونس منذ عام 2020 ضمن قائمتها التمهيدية للتراث العالمي.
وهذا التفسير أعمق في نظري.
لأن الإنسان هنا لم يكن يقاتل عدوًا واحدًا.
كان يقاتل الجفاف، والحر، وبعد المسافات، وقلة الموارد، وعدم الأمان.
وكان سلاحه في ذلك كله المعرفة المتوارثة.

حين يصبح الجبل كتابًا
في تطاوين تعلمت أن قراءة المكان لا تكون دائمًا في الكتب.
يكفي أحيانًا أن تقف في فناء قصر قديم وتنظر إلى مئات الأبواب الصغيرة.
كل باب فصل.
وكل غرفة حكاية.
وكل سلم أثر قدم صعدت عليه ثم غابت.
وفي شنني، حين ترى البيوت تتوارى في الجبل، تدرك أن الإنسان الذي عاش هنا لم يأتِ إلى الطبيعة ليقول لها: سأهزمك.
بل قال لها:
سأتعلم كيف أعيش معك.
وهذه في رأيي إحدى أجمل الرسائل التي يحملها الجنوب التونسي.
من مطماطة إلى تطاوين تتغير الصورة، لكن الفكرة واحدة.
في مطماطة رأينا الإنسان ينزل إلى جوف الأرض هربًا من قيظها.
وفي تطاوين رأيناه يصعد إلى الجبل ليحفظ مؤونته ويراقب أرضه ويستفيد من كل قطرة مطر تهبط عليه.
هناك حفر بيته.
وهنا رفع مخزنه.
وبين الاثنين كتب الأمازيغ وأهل الجنوب من العرب الاوائل ، بالحجر والطين لا بالقلم، فصلًا كاملاً في تاريخ التكيف البشري.
وما بقي في الذاكرة
غادرنا تطاوين، وبقيت أنظر من نافذة السيارة إلى الجبال المتراجعة خلفنا.
لم أعد أراها جبالًا جرداء كما رأيتها عند الوصول.
كنت أعرف الآن أن بين ثناياها قرى، وفوق قممها قصورًا، وفي جدران قصورها غرفًا صغيرة حملت يومًا قوت الناس وأرزاقهم.
ولعل أجمل ما يمنحه السفر للرحالة أن الأشياء لا تبقى بعد معرفتها كما كانت قبلها.
الجبل الذي كنت تمر به ولا تلتفت إليه يصبح تاريخًا.
والغرفة المهجورة تصبح قصة أسرة.
والسلم المكسور يصبح طريقًا كان يصعد عليه رجل يحمل محصول عام كامل.
وهنا يكون السفر أكثر من انتقال بين المدن.
إنه انتقال من النظر إلى الرؤية.
وهكذا بقيت تطاوين في ذاكرتي:
ليست أرض القلاع الصحراوية فحسب، ولا مجرد مواقع شهرتها أفلام حرب النجوم، وإنما أرض قوم عرفوا أن الحياة في المكان القاسي لا تحتاج إلى القوة وحدها، بل إلى الحيلة والصبر والتعاون وفهم الأرض.
فإذا كانت مدن كثيرة تفاخر بما شيدته ملوكها...
فإن تطاوين تفاخر بما بناه أهلها ليحفظوا خبزهم.
وهذه، في ميزان التاريخ، حكاية لا تقل عظمة.
الرحال وائل الدغفق
رحّال الخبر