الأحد، 16 أغسطس 2026

من الذكريات لأول حجّة الى أول سفرة..حين تزاحمت الجينات… من مكة والهند وُلد «رحّال الخبر»


من الذكريات لأول حجّة الى أول سفرة… 

حين تزاحمت الجينات… من مكة والهند وُلد «رحّال الخبر»

حين أعود اليوم بذاكرتي إلى مطلع الثمانينيات، وإلى تلك السنوات القليلة الممتدة بين حج عام 1400هـ ورحلتي الأولى إلى الهند عام 1402هـ، أشعر أن شيئًا ما كان يتكوّن في داخلي من غير أن أعرف اسمه.


لم أكن يومها أخطط لأن أصبح رحّالًا، ولا كنت أرسم أمامي خريطة للعالم وأقول: سأطوف هذه البلاد كلها.

لم يكن في ذهني شيء اسمه «رحّال الخبر».

ولكن يبدو أن الله سبحانه كان يهيئ الأسباب بعضها لبعض، وأن طباعًا ورثتها عن والدي ووالدتي، رحمهما الله، كانت تتزاحم في نفسي حتى اجتمعت يومًا وصنعت ذلك الشغف الذي قادني بعد ذلك إلى أصقاع الأرض.

ومن والدي عبدالعزيز الدغفق أخذت ـ فيما أظن ـ جلد السفر، واحتمال الطريق، وعدم الخوف من مشقته، والاستعداد لأن أمضي إلى المكان ولو كان بعيدًا والطريق إليه مجهولًا.

أما الوالدة، رحمها الله، فأخذت منها شيئًا آخر لا يقل أهمية: الاهتداء إلى المكان، والانتباه لما حولي، ومحاولة فهم البيئة والناس والتفاصيل الصغيرة.

كانت تعرف المكان وتتأمله، وكأن لديها بوصلة داخلية.

ومع مرور الأيام اجتمعت الصفتان:

المغامرة من الوالد… والبوصلة من الوالدة.

وإن شئت أن أسمّيها اليوم مجازًا، قلت:

تزاحمت جينات السفر حتى خرج منها «رحّال الخبر».

الجمس موديل 78… وأولى الحكايات


كانت إحدى البدايات في حج عام 1401هـ.


انطلقنا من الخبر إلى مكة في سيارة جمس موديل 1978م، تلك السيارة التي أصبحت صورتها عندي اليوم أكبر من مجرد سيارة قديمة؛ فهي وعاء لذاكرة عائلة كاملة، وواحدة من الصور المبكرة للطريق الذي أخذني لاحقًا إلى العالم.

كان لونها ـ فيما بقي في الذاكرة ـ رصاصيًا أو رماديًا، وقد أكل الزمن شيئًا من دقة اللون، لكنه لم يأكل صورة من كان فيها.

كنا قرابة عشرة أشخاص.


يقود السيارة ولد العم محمد بن خليل الدغفق، والوالد عبدالعزيز بن عبدالله الدغفق في الأمام، وكنت أنا وولد العمة عبدالله بن عبدالكريم الحسن في الوسط عند المقعد الأمامي، أما الوالدة والأخوات وبنات العم فكن في المقاعد الخلفية.

ومعنا فوق ذلك كله عالم كامل من مستلزمات الحج:

خيمة، وقدور، وزوالي، وحقائب، وأمتعة تكاد تجعل السيارة بيتًا صغيرًا متحركًا.

كانت الرحلة من الخبر إلى مكة تستغرق منا نحو يومين، تتوسطها استراحة في الرياض.

لم تكن الطرق ولا السيارات ولا وسائل الراحة كما هي اليوم، ومع ذلك لا أذكر أننا كنا ننظر إلى الطريق بوصفه عذابًا.

كنا نقضيه بالسوالف والضحك والجمعة الطيبة.

واليوم، كلما تقدمت في العمر، ازددت يقينًا بأن بعض أجمل الرحلات ليست أكثرها رفاهية، وإنما أكثرها امتلاءً بالناس الذين نحبهم.

رحم الله من رحل منهم، وأطال الله في عمر من بقي.

سبعة من ذي الحجة 1401هـ

وصلنا إلى مكة يوم 7 ذي الحجة 1401هـ، أي قبل يوم التروية.

وأقمنا في منى على طريقة أهل ذلك الزمن؛ خيمة ننصبها بأيدينا، وقدور نطبخ فيها طعامنا، وسيارة نتنقل بها بين المشاعر.


لم تكن هناك تلك التنظيمات والخدمات التي يراها الحاج اليوم، ولذلك كان الحج يحمل شيئًا من الرحلة والمغامرة إلى جانب العبادة.

ومن الذكريات التي لا أنساها أننا حين وصلنا إلى منى بحثنا طويلًا عن موضع ننصب فيه الخيمة، فلم نجد مكانًا مناسبًا.

وأخيرًا وجدنا ساحة كانت مخصصة لمطوّف حجاج من المغرب، غير أن خيامهم لم تكن قد نُصبت بعد.

فقلنا: هذه أرض الله!

وساعد على تشجيعنا أن عائلة من أهل نجد شاركتنا المكان.

فنصبنا خيمتنا واستقررنا.

ولكن بعد العودة من عرفات جاء أصحاب المكان!

وصل الحجاج المغاربة ومعهم المطوّف، ووجدوا القوم قد سبقوهم إلى أرضهم.

وحصل ما يحصل في مثل تلك الظروف من جدال ورفع أصوات، حتى كدنا نقول:

راحت الحجة في الهوشة!

ثم هدأت النفوس، واتسع المكان والصدور، وتصالح الجميع.

فحج هؤلاء، وحج هؤلاء، وقضينا أيام منى في المكان نفسه.

والله يتقبل منا ومنهم.

أول نظرة إلى الكعبة

لكن أكثر مشاهد تلك الرحلة رسوخًا في نفسي لم يكن الطريق ولا الخيمة ولا زحام منى.

بل كان مشهدًا لا يزال أمام عيني حتى هذه اللحظة.

كنا ندور بالجمس قريبًا من الحرم، نبحث عن موقف لننزل لأداء الطواف.

وكانت السيارات آنذاك تصل إلى مواضع قريبة جدًا من أبواب المسجد الحرام مقارنة بما هو عليه الحال اليوم.


ومن خلال أحد أبواب الحرم…

رأيتها.

ظهرت الكعبة أمامي شامخة في كسوتها السوداء.

ولا أعرف حتى اليوم كيف أصف تلك اللحظة.

كنت أعرف الكعبة من الصور، وسمعت عنها منذ طفولتي، وقرأت الآيات والأحاديث وسمعت حديث الناس عنها.

لكن أن تراها بعينيك لأول مرة وأنت واعٍ بمعنى المكان، فذلك شيء آخر.

توقفت العين.

ودمعت.

وشعرت بقشعريرة تسري في جسدي.

كان في المشهد خوف وفرح، وهيبة وأُنس، وغموض وجمال.

وكأن كل ما عرفته عنها قبل تلك اللحظة كان مجرد تمهيد لهذه النظرة.

وقد رأيت بعد ذلك من عجائب العالم ما رأيت.

وقفت أمام جبال وأنهار وشلالات وبحار ومدن وآثار وحضارات، ووصلت إلى أماكن كنت في شبابي أظن أن الوصول إليها من ضروب الخيال.

ولكن بقيت لتلك النظرة الأولى إلى الكعبة منزلة لا ينافسها عندي منظر آخر.

ليس لأنها أجمل بناء رأيته بالمعنى المادي…

بل لأن القلب في تلك اللحظة كان يرى معها شيئًا أكبر من البناء.

منى… أول معرض عالمي رأيته

وكان في الحج شيء آخر بدأ يشدني بطريقة ربما لم أكن أدرك معناها يومها.

الناس.

كنت أتجول في منى بين الحجاج، لا أكتفي بالطريق بين الخيمة والجمرات.

أدخل في الأزقة، وأتفرج على البسطات، وأراقب الوجوه والملابس واللهجات وما يحمله الناس معهم.

وكانت منى في تلك السنوات أشبه بسوق عالمي مفتوح.

حجاج أفارقة يحملون بضائع جاءت معهم من بلادهم.

ومصريون وسودانيون ومغاربة يعرضون منتجات وأدوات لم نكن نراها كل يوم في الخبر.

وحجاج قادمون من آسيا الوسطى والقوقاز ومناطق الاتحاد السوفيتي، ممن كنا نسميهم يومها على نحو عام «حجاج الجمهوريات الروسية»، يحملون معهم أشياء غريبة علينا، ويبيع بعضهم جزءًا مما حمله ليستعين بثمنه على نفقات الرحلة الطويلة.

كنت أقف أمام تلك البسطات وكأنني أقف أمام خرائط مفتوحة.

هذه القطعة جاءت من بلد لا أعرفه.

وهذا الرجل قطع آلاف الكيلومترات حتى وصل مكة.

وتلك المرأة لها لباس مختلف.

وهؤلاء يتحدثون لغة لم أسمع مثلها.

وكنت أتساءل:

من أين جاء هؤلاء؟

وكيف تبدو بلادهم؟

وكيف يعيشون؟

وما وراء تلك الوجوه التي اجتمعت كلها هنا؟

لم أكن أعرف أن هذه الأسئلة الصغيرة ستصبح بعد سنوات مشروع عمر.

السوق بين الصفا والمروة

حتى السعي بين الصفا والمروة كان مختلفًا في الذاكرة.

الأسواق والمحلات تقترب من المكان، والحركة البشرية في كل اتجاه.

وكان باعة الماء ينتشرون بجرار زمزم الفخارية، وباعة عرق السوس يحمل أحدهم إناءه المعدني الكبير، وقد علّق حوله عددًا من الكؤوس.

يميل بجسمه، ثم يصب الشراب البارد في الكأس بحركة حفظتها العين قبل أن تحفظها الكاميرات.

كانت مكة يومئذ مدينة تكتشفها بكل حواسك:

صوت الباعة.

رائحة الطبخ.

حرارة الطريق.

ازدحام البشر.

ألوان الثياب.

لغات الدنيا.

ومهابة البيت العتيق فوق ذلك كله.

وربما لم أنتبه يومها إلى أنني لم أكن أحج فقط…

كنت أتعلم كيف أرى العالم.

حج آخر… وخبر هزّ العالم

وافق هذا الموسم للحج بحدث بقي عالقًا في ذاكرة تلك السنوات.

ففي السادس من أكتوبر 1981م وقع اغتيال الرئيس المصري محمد أنور السادات أثناء العرض العسكري في القاهرة.

وكان الخبر متزامنًا تقريبًا مع أيام الحج، حتى اختلط في الذاكرة بصور المشاعر والحجاج والأحاديث التي كانت تتناقل الخبر.

وبقي ذلك الحدث واحدًا من العلامات التي تربط عندي التاريخ العام بتاريخ الإنسان الشخصي؛ فالأحداث الكبرى لا نحفظها أحيانًا بالتقويم، وإنما نحفظها بالمكان الذي كنا فيه عندما سمعنا بها.

ثم جاءت الهند

وبعد تلك الحجة وبعد سنة 1402هـ.

وهنا حدث التحول الحقيقي.

الهند.

كانت أول سفرة بعيدة لي خارج البيئة التي عرفتها.

لم تكن الهند مجرد انتقال من بلد إلى بلد.

كانت خروجًا من المألوف.

وجوه أخرى.

روائح أخرى.

ألوان وأسواق وزحام وديانات وعمارة وطرق حياة مختلفة تمامًا.




 

 

هناك بدأت أشعر بأن العالم أكبر بكثير مما نراه في مدننا، وأن وراء كل حدود قصة، وخلف كل جبل قومًا، وفي كل سوق تاريخًا، وأن الرحلة ليست انتقال جسد من مكان إلى آخر، وإنما انتقال عقل من مساحة ضيقة إلى مساحة أوسع.

ولعل البذرة التي زُرعت في منى بين حجاج العالم وجدت في الهند أول أرض حقيقية تنبت فيها.

فما كنت أراه في الحج من وجوه وأدوات ولهجات وملابس أصبح أمامي هناك أوضح وأكبر.

وعندها بدأت الرغبة في السفر تتحول من فضول عابر إلى شغف.

لم يكن هدفي أن أطوف العالم

والغريب أنني لم أضع يومًا في تلك السن خطة تقول:

سأزور عشرات الدول.

ثم مئة دولة.

ثم ما وراء المئة.

لم يكن هناك رقم.

ولا منافسة.

ولا حساب.

كنت أذهب لأن وراء الطريق شيئًا أريد أن أعرفه.

وكلما وصلت إلى مكان، فتح لي ذلك المكان بابًا إلى آخر.

دولة تقود إلى دولة.

وجبل يقود إلى وادٍ.

وقصة تقود إلى شعب.

وشخص أقابله يدلني على قرية لم أسمع بها.

وكأن الطريق كان يبني نفسه أمامي خطوة بعد أخرى.

وأدرك الآن أن الفرق كبير بين من يسافر ليقول: وصلت، ومن يسافر ليسأل: ماذا يوجد بعد ذلك؟

كنت ـ من غير أن أدري ـ من الصنف الثاني.

الوالد أعطاني الطريق… والوالدة أعطتني البوصلة

وبعد هذه العقود كلها، حين أحاول أن أفهم من أين جاءت تلك الرغبة العجيبة في المضي نحو الأماكن الصعبة والمجهولة، أعود إلى البيت الأول.

إلى الوالد والوالدة، رحمهما الله.

من الوالد جاءت قوة الاحتمال.

أن الطريق إذا طال لا يعني أن نعود.

وأن التعب جزء من الرحلة.

وأن الإنسان يستطيع أن يعيش بالقليل ويصل إلى الكثير.

ومن الوالدة جاءت عين المكان.

أن تنظر حولك.

أن تعرف أين أنت.

أن تقرأ الوجوه والطريق.

أن تربط الأشياء ببعضها.

وأن تحفظ التفاصيل التي قد يمر بها غيرك فلا ينتبه إليها.

اجتمع الاثنان في داخلي.

من أبي أخذت جرأة الذهاب، ومن أمي أخذت معرفة أين أنظر عندما أصل.

ولعل هذه هي الخلطة التي صنعت الرحّال.

من جمس 78 إلى فضاء العالم

واليوم، عندما أنظر إلى صورة ذلك الجمس موديل 78، لا أراه سيارة عائلية قديمة وحسب.

أراه نقطة على خريطة طويلة جدًا.

من الخبر إلى الرياض.

ومن الرياض إلى مكة.

ومن خيمة صغيرة في منى إلى أسواق الحجاج.

ومن وجوه الأفارقة والمغاربة وحجاج آسيا الوسطى والقوقاز إلى الهند.

ثم من الهند…

إلى فضاء العالم الفسيح.

وكل رحلة جاءت بعد ذلك كانت تضيف سطرًا إلى حكاية بدأت من غير تخطيط.

ربما كانت المشيئة تسوقني إلى الطريق قبل أن أعرف أن الطريق سيكون قدري.

وربما كانت تلك الخيمة، وذلك الجمس، وتلك النظرة الأولى إلى الكعبة، وتلك البسطات التي كنت أتوقف أمامها طويلًا، والهند بما حملته من دهشة…

كلها قطع صغيرة لم أفهم صورتها يومها.

ثم جمعتها السنون.

فإذا بالصورة تظهر أمامي واضحة:

كان «رحّال الخبر» يتكوّن هناك… وأنا لا أدري.

وما ظننته يومها مجرد حج وسفرة وفضول شاب، أصبح بعد أربعة عقود حياة كاملة من الطريق والاكتشاف.

رحم الله والديّ؛ فقد رحلا عن الدنيا، ولكن شيئًا منهما ظل يسافر معي في كل أرض وطأتها.

أبي في قوة الطريق… وأمي في بوصلة المكان.

أما أنا فكنت حصيلة الاثنين:

رحّالًا انطلق من الخبر… ثم فتح الله له أبواب العالم.

الرحّال وائل الدغفق – رحّال الخبر




 

الجمعة، 14 أغسطس 2026

رجالات الزبير وجهاد القلم والادارة معرجهاد اخوان من طاع الله بقيادة الملك عبدالعزيز1916م


رجالات الزبير في الشرقية

كما رواها لي والدي عبدالعزيز الدغفق، ويؤيد بعضَها ما سمعته من إبراهيم القضيب

كان والدي عبدالعزيز الدغفق ــ رحمه الله ــ إذا انفتح باب الحديث عن رجال الزبير الأوائل الذين وفدوا إلى شرقي البلاد، تغيّرت نبرة صوته؛ فكأنه لا يحدثن عن أسماء مضت، وإنما يفتح لي بابًا أدخل منه إلى زمنٍ عرف أهله الرجال بأفعالهم، وحفظوا أخبارهم في المجالس قبل أن تحفظها الملفات والوثائق.

وكان يقول لي:
«يا ولدي، لا تنظر إلى الشرقية كما تراها اليوم، ثم تحاول أن تتخيل منها ما كانت عليه يوم جئناها وعرفنا رجالها. هذه المدن الواسعة، والطرق، والموانئ، والمطارات، والإدارات التي تراها اليوم، لم تكن يومئذ بهذه الصورة. ارجع بخيالك إلى زمن كانت فيه المسافات طويلة، والدروب قليلة، والبحر طريقًا، والإبل وسيلة، وكان الرجل الذي يعرف القراءة والكتابة والحساب رجلاً مطلوبًا، لأن الدولة كانت تتسع وتحتاج إلى من يحمل القلم كما تحتاج إلى من يحمل السلاح».

ثم يعود بي إلى البدايات، إلى ما بعد دخول الأحساء والقطيف تحت حكم الملك عبدالعزيز ــ رحمه الله ــ سنة 1331هـ/1913م، أي قبل إعلان المملكة العربية السعودية بنحو تسعة عشر عامًا.

ويقول:
«لما خرج العثمانيون من الأحساء، لم تنتهِ الحكاية يا ولدي؛ بل بدأت حكاية أخرى. فتح البلاد شيء، وإدارة البلاد شيء آخر. احتاج الملك عبدالعزيز إلى رجال للجمارك، وإلى رجال للمال، وإلى كتّاب، وحسّابين، ومترجمين، وأناس يعرفون الموانئ وأهلها، ويؤتمنون على مال الدولة وعلى الناس الداخلين والخارجين».

وكان في مقدمة من يذكرهم أبي عبداللطيف باشا المنديل.
       عبداللطيف باشا المنديل عام 1915

يقول:
«ذاك عبداللطيف المنديل لم يكن رجلاً عابرًا. كان من الرجال الذين عرف الملك عبدالعزيز قدرهم، وكان بينهما معرفة وثقة. والمنديل من دواسر جلاجل، وأسرته نجدية الأصل؛ أبوه إبراهيم خرج من جلاجل إلى الزبير في القرن التاسع عشر، وهناك نشأ عبداللطيف بين أهل الزبير وتجارتها ورجالها، حتى أصبح من كبار وجهائها وتجارها».

ثم يقول:
«وكان الرجل يعرف العراق والبصرة ويعرف الأتراك والإنجليز، ويعرف رجال نجد والزبير. وهذه المعرفة في ذلك الزمن رأس مالٍ لا يقل شأنًا عن المال نفسه. ولذلك كان للملك عبدالعزيز من الرجال الذين يعتمد عليهم في اتصالاته وشؤونه في البصرة والعراق».
وتذكر المصادر أن أسرة المنديل انتقلت من جلاجل إلى الزبير في القرن التاسع عشر، وأن عبداللطيف المنديل أصبح من أبرز وكلاء الملك عبدالعزيز ومعتمديه في البصرة وبغداد، وكانت له صلات بالعثمانيين ثم البريطانيين. وبعد دخول الأحساء في الحكم السعودي أصبح له دور في تنظيم شؤون الموانئ والجمارك في الشرق.

وكان أبي كلما جاء ذكر العقير توقف عندها طويلًا.

يقول:
«وأنت اليوم إذا سمعت العقير، ربما تخيلت ساحلاً قديمًا وآثار مبانٍ. لا يا ولدي؛ العقير في ذلك الزمان كانت باب نجد إلى البحر. من هناك تدخل البضائع، ومن هناك يأتي المسافرون والحجاج، ومن هناك يمر المال والخبر. وكانت الجمارك من موارد الدولة المهمة يوم لم يكن النفط قد ظهر بعد».

ولذلك لم تكن إدارة العقير مسألة صغيرة، وإنما كانت جزءًا من بناء الدولة نفسها. فقد ظل العقير بوابة نجد البحرية والميناء الرئيس لشرق البلاد ووسطها، وضم الجمارك والجوازات والفرضة والخان والإمارة، واستمر دوره الحيوي حتى بدأت طرق التجارة تتحول مع نشوء صناعة النفط وميناء الدمام.

ثم يقول أبي:
«وكان الملك عبدالعزيز يبحث عن الرجال الذين يعرفون الحساب والخط، والمنديل يعرف هؤلاء. والزبير يومها كان فيها رجال من أبناء نجد وأسرها تعلّموا واشتغلوا بالتجارة والكتابة والحساب، فصار بعضهم من الرجال الذين يصلحون لهذه الأعمال».

وكنت أسمع منه هذه الحكاية على أنها من أخبار الرجال التي تتناقلها المجالس، حتى ظهر لي بعد ذلك أن الوثائق نفسها تحفظ شيئًا من صورتها.

ففي سنة 1334هـ/1916م كان عبداللطيف المنديل يتنقل في شرقي البلاد، بين القطيف والجبيل وغيرها، ينظر في الموارد والسجلات وشؤون الجمارك.

وفي رسالة بعثها إلى الملك عبدالعزيز بتاريخ 4 شعبان 1334هـ، الموافق 7 يونيو 1916م، أبلغه أنه عيّن رجالًا للعمل في جمارك القطيف وسيهات ودارين وتاروت وصفوى، وأنه كلّف عمالًا بإصلاح خان العقير. وهي وثيقة تجعل الكلام الذي حفظته ذاكرة رجال ذلك الجيل أقرب إلى المشهد الذي كان أبي يصفه لي.

ثم كان أبي يذكر لي إبراهيم بن حمد الحميدان.

يقول:
«ومن هؤلاء رجال من أسر نجد التي استقرت في الزبير. وكان الواحد منهم لا يُختار عبثًا. كان إبراهيم الحميدان، مثلاً، معروفًا بحسن الخط والحساب، وهذان يومئذ ليسا شيئين هينين».

وتؤكد المصادر أن إبراهيم بن حمد الحميدان عُرف فعلًا بحسن الخط وإجادة الحساب، وأنه بدأ سنة 1334هـ/1916م العمل مسؤولًا في إدارة جمرك العقير، ضمن استقطاب النجديين المؤهلين للعمل في إدارات شرق البلاد.

وكان أبي يقول لي:
«أنتم اليوم يا ولدي عندكم الجامعات والدراسات العليا والشهادات في كل تخصص، فلا تقيسوا ذلك الزمن بزمنكم. الرجل الذي يقرأ ويكتب كتابة جيدة ويحسب ويضبط دفترًا وحسابًا كان له وزن. وحتى الشهادة الابتدائية قبل مئة سنة لم تكن شيئًا عاديًا. كان المتعلم قليلًا، وإذا أحسن الخط والحساب صار أهلًا لأن يوضع في موضع مسؤولية».

ولم يكن معنى كلامه أن الابتدائية آنذاك تساوي الجامعة بمعايير اليوم، وإنما أن ندرة التعليم النظامي جعلت مهارات القراءة والكتابة والحساب وضبط السجلات رأس مال إداريًا مهمًا.

وكان أبي يلخصها بكلمة بقيت في ذهني:
«العلم كان قوة يا ولدي؛ وكانوا يطلبون الرجل المتعلم للمهمة كما يطلبون الفارس للشدة».

ثم يأتي اسم زيد بن علي القريشي.

كان أبي إذا ذكره قال:
«كان زيد بن علي القريشي من رجال الزبير أيضًا؛ وُلد فيها، وعمل في شبابه كاتبًا وإداريًا عند التاجر الزبيري فهد بن محمد الراشد، ثم استقطبه الملك عبدالعزيز ضمن رجال الزبير المتعلمين وأدخله في مالية الأحساء. وهذه الصلة بمالية الأحساء ثابتة في المصادر، أما السنة الدقيقة التي التحق فيها زيد بالمالية فلم أقف إلى اليوم على أمر تعيين يحددها؛ ولذلك لا أجعل تعيينه في سنة 1334هـ مع إبراهيم الحميدان حقيقة ثابتة ما لم تظهر الوثيقة التي تقول ذلك.
وأحسب أن الوالد كان يريد من جمع هذه الأسماء أمامي أن يريني كيف بدأ الجهاز الإداري:
عبداللطيف المنديل يعرف الرجال ويستقطبهم، وإبراهيم الحميدان في جمرك العقير منذ 1916م، وزيد القريشي يدخل مالية الأحساء، ورجال آخرون يتوزعون على الجمارك والمنافذ.
ثم تمر السنون.
ويتغير شكل الإدارة.
ثم يرسم لي العقير كما عرفها الرجال:
«تخيل زيدًا واقفًا هناك، حيث البحر أمامه والصحراء وراءه. السفن تأتي، والسلع تدخل، والناس تمر، وكل شيء يحتاج إلى تسجيل وحساب وضبط. لم يكن المنفذ مجرد باب وحارس؛ كان عينًا للدولة على البحر والعالم».

وكان أبي يذكر مع الدبيكل.

ويقول:
«والدبيكل تولى منفذ دارين البحري».

ولم أكن صغيرًا أدرك لماذا يقرن أبي دارين بالعقير، حتى عرفت بعد ذلك ماذا كانت دارين في تاريخ الخليج.

فدارين لم تكن ميناءً وليد تلك الإدارة؛ إنها أقدم من ذلك بكثير. ميناؤها من الموانئ التاريخية العريقة في خليج تاروت، وكان يعرف قديمًا بـميناء المسك والعنبر، ووصلت إليه السلع من الهند، ومن بينها العطور والتوابل والمنسوجات، ووصل عبر التجارة الخليجية الحرير القادم من الصين، وكانت دارين مركزًا مهمًا لتجارة اللؤلؤ في القطيف.

وكان أبي يقول:
«تخيّل دارين والعقير يوم كانتا من أبواب البلاد، قبل أن تكون الدمام هي الدمام التي تعرفونها اليوم. البحر كان طريقًا، والميناء كان بابًا من أبواب الدولة. فمن وُضع على باب كهذا، لم يوضع في مكان هامشي».

ثم يمضي بي من البحر إلى البر.

يقول:
«وأما المنفذ البري، فعندك القريّة العليا. وكان ممن تولى العمل فيها عودة الدليجان، خال القصيبي».

ويعود فيؤكد:
«عودة الدليجان مكث في القرية نحو خمسين سنة».

وكانت "قرية العليا" يومئذ محطة مهمة للقادمين من جهة الزبير والبصرة والعراق والكويت، وازدادت أهميتها الإدارية لوقوعها على طرق العبور في شمال شرقي البلاد، فنشأت فيها المالية والجمرك والشرطة والبريد واللاسلكي والجوازات والإمارة وغيرها من مؤسسات الدولة. وتذكر المصادر أن مالية قرية العليا كانت قائمة سنة 1351هـ/1932م، وأن الجمرك كان من الإدارات الموجودة فيها.

أما أبي فكان يصورها لي بلغة رجال زمانه:

«يا ولدي، كانوا يقولون: إذا خرج الرجل من هناك فكأنه فارق بلاد السعودية. لا مطارات ولا طرق سريعة ولا لوحات كل بضعة كيلومترات تقول لك أين أنت. أرض ومسافات ومناهل وطرق يعرفها الرجال والإبل، ولذلك كان رجل المنفذ واجهة للبلاد، ولا بد أن يكون أمينًا، حازمًا، حسن التعامل».

وكان يربط أولئك الرجال بمجلس الملك عبدالعزيز فيقول:

«وهؤلاء لم يكونوا بعيدين عن مجالس الدولة ورجالها. وبعضهم كانت له صلة بمجلس الملك عبدالعزيز. ومجلس عبدالعزيز يا ولدي لم يكن مجلس سوالف فقط؛ تدخل إليه أخبار الناس والبلدان، وتُعرض الحاجات، ويُعرف فيه الرجال، ومن أثبت أمانته وعمله عرفه الملك ورجاله».

وهنا بدأت أفهم ما كان أبي يريد أن يوصله إليّ.

هو لا يحدثني عن موظفين انتقلوا من الزبير إلى الأحساء والقطيف فحسب.
إنما كان يتحدث عن مرحلة انتقال جيل من أبناء نجد وأسرها التي عاشت في الزبير، ثم عاد بعض رجالها إلى أرض الدولة الناشئة بعلم وتجربة اكتسبوها في العراق والزبير والبصرة، فأسهموا في بناء إداراتها الأولى.

وكان يقول:
«عبدالعزيز كان يبني دولة يا ولدي. والدولة لا تبنى بالسيف وحده. أيام الحرب تحتاج إلى الرجل الذي يحمل البندقية، ولكن إذا استقر الأمر احتجت إلى الرجل الذي يحمل القلم والدفتر. ولبعض رجال الزبير نصيب من هذا القلم».

ومن العقير إلى الأحساء، ومن القطيف إلى سيهات ودارين وتاروت وصفوى، أخذت تظهر شبكة الإدارة والجمارك والحسابات شيئًا فشيئًا في السنوات الأولى.

ثم ينتقل أبي إلى رجال آخرين، لا يقل دورهم دلالة على ذلك الجيل.

فيقول:
«وكان عندك محمد المانع، وكان معروفًا بالترجمة، ومعه الجويسر، من رجال الترجمة وممن رافقوا الملك عبدالعزيز».

ثم يزيد:
«والجويسر كان مترجمًا، وقيل لي إنه أقام في البحرين في آخر أيامه».

فالترجمة في تلك المرحلة لم تكن ترفًا ثقافيًا. الملك عبدالعزيز كان يتعامل مع البريطانيين وغيرهم، وتأتيه وفود ورسائل ومباحثات، وكان المترجم موضعًا يتطلب معرفة وثقة وحضور ذهن.

ثم يقول:
«وعندك محمد الدغيثر، أبو ناصر. بدأ في البرقيات».
وكان أبي يحب أن يقف عند البرقية، لأنها تبدو لنا اليوم شيئًا من زمن انقضى، بينما كانت يومئذ عصب الاتصال.

ويقول:
«البرقيات يا ولدي كانت أخبار الدنيا. ما عندك هاتف في جيبك ولا رسالة تصل في ثانية. الخبر المهم يأتي في السلك؛ أمر، حادثة، خبر دولة، رسالة من أمير إلى الملك، أو من الملك إلى أمير. والذي تكون البرقيات بين يديه يعرف أشياء كثيرة، ولهذا لا يوضع فيها إلا من وثقوا به».

ثم يكمل:
«ومحمد الدغيثر أثبت نفسه، فارتفع قدره وصار من رجال الثقة، ومستشارًا وأمين سر للملك عبدالعزيز».

وتؤيد المصادر أن محمد بن عبدالعزيز الدغيثر ارتبط بديوان البرقيات وكان مطلعًا على البرقيات الواردة إلى الملك عبدالعزيز والصادرة منه، حتى عُد في مقام أمين سره، ولازمه في سفره وحضره، ثم تولى لاحقًا مهام مهمة في الدولة.

وكان أبي يعلق على أمثال هذه السير بقوله:
«هكذا كان الرجال يا ولدي؛ لا يبدأ الواحد منهم كبيرًا. يعطى مهمة، فإن أتقنها أعطي أكبر منها. ثم إذا عرفوا صدقه وأمانته صار من أهل الثقة والمشورة».


والعقير يبقى بابًا كبيرًا بين البحر ونجد.
وبعد نحو عشرين عامًا من تلك البدايات نجد بين أيدينا وثيقة عجيبة، كأنها تكمل حديث الوالد من حيث توقف.
إنها كتاب صادر من:
المملكة العربية السعودية
مالية الأحساء وتوابعها
عدد 5015
بتاريخ 14 ذي القعدة 1355هـ، أي في أواخر يناير سنة 1937م تقريبًا، وموجَّه إلى:
«حضرة المكرم الأخ العزيز سليمان بن إبراهيم بن ثنيان أمير العقير المحترم».
وفيها تشكر مالية الأحساء أمير العقير على ما أبداه من الهمة والاستعداد في «تشييل البنزين»، أي تحميله ونقله، ثم تخبره بأنها أرسلت إليه:
«سبع خبر جماميل من أهل الزلفي».
وكان أبي لو وقف عند هذه العبارة لقال:
«لا تفهم يا ولدي أنهم سبعة جمال. الخبر هنا جماعة من الجماميل؛ رجال لهم جمالهم ومحاملهم، ينقلون بها التجارة من الساحل إلى نجد».
والوثيقة نفسها تفسر معناها.
فالـ«سبع خبر» كانت سبع جماعات من أهل النقل بالإبل، وجاءت أسماؤها محفوظة في الكتاب:
كانت الثلاث الخبر الأولى مع:
محمد آل مدالله،
وإبراهيم الحديثي،
ومحمد النفيسي.
وكان معهم من «المحاصن» ــ أي المحامل وتجهيزات تحميل الإبل ــ ما يكفي لنقل:
ألف وخمسمائة تنكة بنزين.
ثم جاءت الأربع الخبر الأخرى مع:
إبراهيم بن منديل،
وعبدالعزيز الحمين،
وسليمان المعجل،
وأحمد النصار.
ومعهم من المحامل ما يكفي لنقل:
ثلاثة آلاف ومائتي تنكة بنزين.
أي أن طاقة النقل التي رتبتها مالية الأحساء لهؤلاء الجماميل بلغت في تلك الدفعة:
4700 تنكة بنزين.
ولم تذكر الوثيقة عدد الإبل نفسها، ولذلك لا يصح أن نحاول استخراج عددها من عدد التنكات؛ لأننا لا نعرف من الكتاب مقدار ما كان يحمل على البعير الواحد ولا حجم التنكة المستخدمة تحديدًا.
لكننا نعرف أن تحميل التنك على الإبل يحتاج إلى المحامل التي توزع الحمل على جانبي البعير وتثبته في الطريق، وهذا هو المقصود في الوثيقة بقولها إن مع كل جماعة «المحاصن الكافية».
ثم أمرتهم المالية بألا يعودوا فورًا، فقالت لأمير العقير في معناها:
أبقِ الجماميل عندك إلى أن تصل الإرساليات الأخرى مع الشيخ عبدالله قاضي.
أي أننا أمام حركة نقل منظمة ومستمرّة، لا أمام شحنة عابرة.
وكانت الصورة في ذلك الزمان مدهشة:
سفينة تأتي من الخليج،
وتُنزل الوقود في العقير،
ورجال المالية يحصون التنكات،
ثم يأتي رجال الزلفي بإبلهم ومحاملهم،
وتحمل الإبل البنزين عبر الصحراء إلى الأحساء ونجد.
وكان هؤلاء جزءًا من عالم قديم عرفه أهل نجد جيدًا.
فهناك رجال عرفوا باسم أهل الحدرة والرحيلية والجماميل؛ ينحدرون من داخل نجد إلى موانئ الخليج، ولا سيما العقير والجبيل، يحملون ما معهم ويعودون محملين بالأرز والسكر والشاي والقهوة والتوابل وغيرها من السلع.
وتشرح دراسة محكمة صادرة عن دارة الملك عبدالعزيز أن هؤلاء سموا الحدرات لأنهم ينحدرون من نجد إلى موانئ الخليج، وسموا الرحيلية والجماميل لرحيلهم المستمر وراء التجارة ونقلها بالإبل. والدراسة تتحدث خصوصًا عن رجال القصيم، أما وثيقة البنزين نفسها فتخبرنا صراحة أن الجماميل السبعة في هذه الواقعة كانوا من أهل الزلفي؛ أي أن هذا النمط من النقل التجاري كان أوسع من بلدة واحدة في نجد.
وكان أبي يستطيع أن يقول لي:
«هؤلاء يا ولدي كانوا شاحنات زمانهم».
لا طريق إسفلت، ولا تريلات، ولا محطات وقود على الطريق.
الرجل يعرف الدرب.
والبعير يعرف المسير.
والتاجر يعرف المناهل.
والحمولة توزن وتوزع، ثم تنطلق القافلة من الساحل إلى قلب نجد.
لكن المدهش في وثيقة سنة 1355هـ أن ما على ظهور الجمال لم يعد أرزًا وقهوة وشايًا فقط.
لقد صار البنزين نفسه من الأحمال.
وهنا تجتمع في صورة واحدة مرحلتان من تاريخ الجزيرة:
الجمل، أقدم وسائل النقل في الصحراء، يحمل وقود السيارة، أحدث وسائل النقل التي بدأت تدخل حياة الناس.
والأجمل من ذلك أن رسالة 4700 تنكة البنزين كُتبت في أوائل سنة 1937م، أي قبل نجاح بئر الدمام رقم 7 في إعطاء النفط بكميات تجارية في مارس 1938م بنحو عام.
كانت أعمال البحث والحفر قائمة بالفعل في الظهران، وظهرت دلائل الزيت في بعض آبار الدمام، لكن الاكتشاف الذي أثبت الجدوى التجارية الكبيرة لم يأتِ إلا مع البئر السابعة سنة 1938م، ثم بدأ إعلان الإنتاج التجاري في السنة نفسها.
ولهذا فإن البنزين الذي تحمله تلك الإبل سنة 1937م كان وقودًا مستوردًا، قبل أن تتحول الأرض نفسها بعد سنوات قليلة إلى مصدر من أعظم مصادر النفط في العالم.
وكأن التاريخ أراد أن يصنع صورة لا تخطر على البال:
جمال تمشي فوق أرض لم يُكتشف سرها النفطي الكبير بعد، وعلى ظهورها تنكات بنزين جاءت من الخارج.
ولم تكن البنزين وحده هو الذي يدخل البلاد.
كان هناك الكاز، أو الكيروسين، وهو من أهم وقود البيوت في ذلك الزمن، يستعمل للإنارة والطبخ وغير ذلك.
وتحفظ رواية تجارية أحسائية صريحة أن الكاز كان يستورد من عبادان في التنك، ويدخل البلاد عن طريق ميناء العقير، ثم يحمل على الجمال إلى الأحساء ويباع في أسواقها. وتذكر الرواية تحديدًا أنه كان يصل إلى دروازة الخميس.
فكان خط التجارة واضحًا:
عبادان → البحر → العقير → التنك → ظهور الجمال → الأحساء، ومنها إلى طرق نجد وأسواقها.
أما فرضة الخبر، فقد أخذ دورها يتعاظم مع ظهور أعمال التنقيب في الظهران؛ فهي أقرب إلى معسكرات الشركة ومواقع العمل الجديدة.
وبحلول أبريل 1937م كانت فرضة الخبر بالفعل بوابة بحرية يصل عبرها القادمون من البحرين إلى الظهران؛ وتثبت الروايات التاريخية أن أسرة أحد أوائل الأمريكيين العاملين في التنقيب وصلت من البحرين بحرًا إلى فرضة الخبر في ذلك الشهر.
ثم أصبحت الفرضة مع توسع أعمال النفط مدخلًا لاحتياجات الشركة القادمة من البحرين؛ وتذكر المصادر استيراد الغاز والأنابيب والآلات والأجهزة من المنامة بحرًا عبر فرضة الخبر، ثم تنزيلها ونقلها إلى مواقع العمل.
وهنا أحب أن أفرق ــ كما علمني التاريخ ألا أخلط الرواية بالوثيقة ــ بين ما ثبت وما يحتمل:
ثبت لدينا أن الكيروسين كان يأتي من عبادان إلى العقير ويحمل على الجمال إلى الأحساء.
وثبت أن فرضة الخبر أصبحت بابًا بحريًا لحاجات الظهران وأعمال النفط القادمة من البحرين.
أما القول إن الكيروسين نفسه دخل عبر فرضة الخبر في سنة 1937م تحديدًا، فلم أقف إلى الآن على وثيقة صريحة تسمي الشحنة والميناء؛ ولذلك لا أجزم به وإن كان دخول المشتقات والحاجات النفطية عبر هذا الطريق أمرًا منسجمًا مع تطور الفرضة لاحقًا.
وكان أبي لو جمعت له هذه الوثائق كلها ربما ابتسم وقال:
«شف يا ولدي كيف تتغير الدنيا».
في سنة 1916م كان عبداللطيف المنديل يبحث عن رجل يحسن الخط والحساب، فيأتي إبراهيم بن حمد الحميدان إلى جمرك العقير.
ويأتي من رجال الزبير زيد بن علي القريشي إلى مالية الأحساء.
ثم بعد عشرين سنة تقريبًا، في 1937م، أصبحت المالية نفسها ترسل خطابًا برقم 5015، وتحسب طاقة قوافل كاملة لنقل 4700 تنكة بنزين، وتستدعي سبع جماعات من جماميل أهل الزلفي بأسمائهم.
محمد آل مدالله،
إبراهيم الحديثي،
محمد النفيسي،
إبراهيم بن منديل،
عبدالعزيز الحمين،
سليمان المعجل،
وأحمد النصار.

وهكذا يا ولدي كانت الشرقية تتغير.
في أول المشهد رجل يحمل قلمًا ودفترًا في جمرك العقير.
ثم بعد عشرين سنة يأتي رجل آخر يقود إبله إلى الميناء ليحمل عليها تنكات البنزين.
وفي البحر سفينة جاءت من خارج البلاد.
وفي الصحراء قافلة تتجه إلى الأحساء ونجد.
وفي الظهران رجال يحفرون الأرض بحثًا عن الزيت.
وفي الخبر فرضة صغيرة بدأت تستقبل ما تحتاجه تلك الأعمال الجديدة.
ثم لم تمضِ إلا سنة واحدة حتى جاءت بئر الدمام رقم 7 سنة 1938م، فانقلبت المعادلة كلها.
فالبلاد التي كانت تستورد البنزين والكيروسين في التنك، وتحملهما السفن والإبل إليها، أصبحت بعد سنوات قليلة هي التي يخرج النفط من أرضها إلى العالم.
ولعل هذه الوثائق الصغيرة هي التي تجعلني أفهم حديث أبي اليوم أكثر مما كنت أفهمه وأنا أسمعه.
فهو لم يكن يحدثني عن عبداللطيف المنديل، وإبراهيم الحميدان، وزيد القريشي، والدبيكل والدليجان والخبر والعقير، والجماميل كل واحد على حدة.
كان يحدثني عن مرحلة كاملة من حياة البلاد:
مرحلة بدأ فيها البناء بالرجل الذي يعرف الخط والحساب،
وحملتها قوافل الرجال والإبل بين البحر والصحراء،
ثم انتهت وهي تفتح الباب لعصر النفط والسيارة والطريق الحديث.
ذلك هو الفرق بين أن نقرأ اسمًا في وثيقة… وأن نعرف العالم الذي كان يتحرك خلف ذلك الاسم.

ثم يتغير وجه الحديث.
فإذا انفض كلام الموانئ والجمارك والدواوين والبرقيات، أخذ أبي يبتسم، وعرفت أنني سأخرج من التاريخ الرسمي إلى تاريخ آخر لا يقل جمالًا عنه:

تاريخ المجالس.

ومن أندر تلك المجالس إلى الرواية مجلس زيد القريشي في الخبر.

يرويها لي ابراهيم القضيب:

«فيذكر لي بجمال وصفه قوله: لو رأيت مجلس زيد لقلت إن الزمن توقف فيه. رجال أعمارهم لا تكاد تصدقها، ومع ذلك عقولهم حاضرة وسوالفهم حاضرة، ويذكرون من أخبار الدنيا ما لا تجده في كتاب».

وكان يعدد لي أسماءهم واحدًا واحدًا، وكأنه يخشى أن يذهب اسم منهم من الذاكرة:

أحمد عبدالرحمن التركي.

ووالده أبو عمر القضيب، وقد ناهز ــ في الرواية التي حفظها ــ المئة والخمس سنوات.

وزيد القريشي نفسه، الذي قارب المئة والعشر سنوات.

وسليمان المبيض.

وحمد الشعيل، وكان ممن قيل إن أعمارهم بلغت نحو المئة والخمس عشرة سنة.

وكان أبراهيم يقول:

«وأصغر الموجودين في المجلس قد بلغ المئة!»

ثم يضحك.

«ولا تظن أنهم جالسين لا يدرون عن الدنيا. بعضهم يقرأ الجريدة بلا نظارة، وإذا فتحت له خبرًا من خمسين أو سبعين سنة قال لك: لا، الأمر لم يكن هكذا؛ ثم سرد عليك الرجال والمكان وما قيل!»

وهذه الأعمار والتفاصيل بقيت عندي من الرواية الشفوية لذلك الجيل؛ فأوردها كما رُويت لي، لا باعتبارها سجلات مدنية موثقة، وإنما باعتبارها جزءًا من ذاكرة المجلس وأهله.

ومازلت مع الراوي إبراهيم القضيب، وهو من جيل والدي وفي عمره تقريبًا، فوجدت في حديثه أصداءً كثيرة مما سمعته من أبي: الأسماء نفسها، والرجال أنفسهم، وطبيعة تلك المجالس، وكأن الواحد منهما يعيد لي من زاوية أخرى قطعةً من الزمن نفسه.

وهنا أدركت قيمة الرواية حين تأتيك من شاهدين عاشا البيئة والجيل؛ فهي لا تتحول بذلك وحده إلى وثيقة قاطعة، لكنها تصبح شهادة تستحق أن تحفظ وأن تقارن بما بقي من الأوراق والسجلات.

ويروي لي ابراهيم القضيب هذه الرواية التي شهد فصولها يوم أن كان في مجلس زيد القريشي، وفوق مافيه من التاريخ والذكريات، فهو مجلس طرفة وحكمة.
ويحكي أبراهيم القضيب الحكاية :

«جاءهم مرة رجل بحلوى، ووضعها بينهم، ومد الرجال أيديهم يأكلون. فلما جاء سليمان المبيض يريد أن يأخذ، قال له زيد القريشي مازحًا:

ــ لا تأكل يا سليمان، هذه تقطع النسل!

فرد عليه سليمان، وهو قد بلغ من العمر ما بلغ:

ــ النسل مقطوع من زمان!»

ثم يضحك أبراهيم وهو يعيدها، وكأنه يسمع ضحكة المجلس من جديد.

لم تكن مجرد نادرة.

إنها طريقتهم في مصادقة الشيخوخة؛ رجال جاوز بعضهم المئة، ومع ذلك لم يجعلوا ثقل السنين أثقل من أرواحهم. كانوا يعرفون أن الشيخ إذا بقيت له القدرة على الضحك من عمره، فإن الزمن لم ينتصر عليه كله بعد.

وكان لـسليمان المبيض حكاية أخرى أحبها أبي كثيرًا.

يقول:

«وكان سليمان يفخر بيده».

فأسأله:

ولماذا يفخر بيده؟

فيقول:

«كان يقول: هذه اليد سلّمت على الإمام عبدالرحمن بن فيصل، وعلى ولده عبدالعزيز».

الإمام عبدالرحمن بن فيصل، والد الملك عبدالعزيز، آخر أئمة الدولة السعودية الثانية، والملك عبدالعزيز نفسه.

ويكمل أبراهيم القضيب:

«كان سليمان يقول إن ذلك وقع وهم ذاهبون إلى الغوص في الكويت، قبل نحو مئة سنة».

والغوص يومئذ ليس رحلة بحرية يتسلى بها الرجال.

كان موسم رزق وغياب ومخاطرة؛ يخرج الرجل وراء اللؤلؤ، ولا يدري ما يخبئ له البحر. ولهذا ظلت تلك المصافحة حاضرة في ذاكرة سليمان؛ لم يرها مجرد سلام على رجلين، وإنما لحظة مر بها وهو شاب، ثم عرف بعد عشرات السنين أنه صافح رجلاً سيكون مؤسس دولة، وصافح أباه الإمام عبدالرحمن.

ولكن أجمل الحكاية ما يأتي بعدها.

كان سليمان يرويها ثم يقول ساخرًا:

«وبعد أيام، أنا وعبدالعزيز كلنا فتحنا سوقًا!»

فيقال له:

وكيف؟

فيجيب:

«عبدالعزيز فتح الرياض، وأنا فتحت لي محل خرازة وصناعة جلود!»

وكان أبراهيم القضيب يضحك كلما رواها.

وهنا جمال النادرة.

لم يكن سليمان يساوي فتح محل بفتح الرياض، ولا يقارن نفسه بالملك؛ بل كانت خفة ظل رجل أدرك أن لكل إنسان فتحه الذي كتبه الله له.

هذا فتح الرياض وبدأ رحلة توحيد البلاد، وذاك فتح باب رزق صغيرًا، يشتغل بيده في الخرازة والجلود ويأكل من كسبه.

وكان في الطرفة شيء أعمق من الضحك:

أن الرجل القديم كان يرى في العمل كرامة، مهما صغر العمل.

وكان يحق له أن يقول: «أنا أيضًا فتحت»، لأنه فتح على نفسه وأسرته باب رزق شريف.

ثم يعود أبي في آخر الحديث إلى الهدوء.

ويقول:

«هؤلاء يا ولدي بعض رجال ذلك الزمن. لا تظن أنني أقول لك إن الزبير وحدها بنت الشرقية، ولا أن رجالاً بعينهم صنعوا كل شيء. البلاد بناها أهلها ورجالها من جهات كثيرة، وكل واحد له نصيبه. لكن هؤلاء رجال عرفناهم أو عرفنا أخبارهم، وكان لأبناء نجد والزبير منهم نصيب في الإدارة والمالية والمنافذ والترجمة والبرقيات».

وهذه عبارة مهمة؛ لأن تاريخ بناء الدولة أوسع من أن يُختزل في مدينة أو جماعة أو أسرة.

لكن في الوقت نفسه، لا يصح أن تضيع مساهمة أولئك الرجال لمجرد أنها توزعت بين سجلات قديمة وذكريات مجالس.

وكان أبي يقول:

«كانوا يأتون بما عندهم. هذا يعرف الحساب، وهذا يعرف الخط، وهذا يعرف التجارة، وهذا يعرف الناس، وهذا يعرف لغة الأجانب، وهذا أمين يؤتمن على منفذ. والدولة كانت تحتاج إلى كل هؤلاء».

ثم يسكت قليلاً وكأنه يستعيد وجوهًا لم يعد يراها.

ويقول:

«ذهبوا كلهم تقريبًا يا ولدي، وبقي الكلام».

ولعل هذه الجملة هي التي بقيت عندي أكثر من غيرها:

ذهب الرجال وبقي الكلام.

لكن الكلام نفسه يذهب إن لم يكتبه أحد.

ولهذا صرت كلما تذكرت حديث والدي عبدالعزيز الدغفق، وما سمعته بعد ذلك من إبراهيم القضيب في مجلس آخر، أدرك أن الرواية الشفوية ليست خصمًا للوثيقة، ولا ينبغي أن نجعلها بديلاً عنها.

الرواية تقول لنا: ابحث هنا.

والوثيقة تقول لنا: هذا ما استطعنا إثباته.

وبين الاثنتين نستطيع أن نستعيد صورة أقرب إلى الحقيقة.

فوثيقة عبداللطيف المنديل تعيد إلينا سنة 1916م، ورجال الجمارك في القطيف وسيهات ودارين وتاروت وصفوى، وخان العقير.

وسيرة إبراهيم الحميدان تعيد إلينا معنى الخط والحساب يوم كان المتعلم نادرًا.

ورواية زيد القريشي والدبيكل وعودة الدليجان تحفظ لنا أسماءً ارتبطت في ذاكرة ذلك الجيل بمنافذ البحر والبر.

ومحمد المانع والجويسر يفتحان باب رجال الترجمة.

ومحمد الدغيثر يعيدنا إلى زمن كانت فيه البرقية سلكًا تمر من خلاله شؤون الدولة.

ثم نصل إلى مجلس الخبر، فنجلس بين أحمد عبدالرحمن التركي، وأبي عمر القضيب، وزيد القريشي، وسليمان المبيض، وحمد الشعيل، فلا يعود التاريخ تواريخ ومناصب فقط.

نسمع ضحكتهم.

ونرى الحلوى تدور بينهم.

ونسمع زيدًا يقول لسليمان:

«لا تأكل، تقطع النسل».

ونسمع الشيخ يرد من وراء مئة عام:

«النسل مقطوع من زمان».

ثم نرى سليمان يرفع يده العتيقة ويقول:

«بهذه سلّمت على الإمام عبدالرحمن وولده عبدالعزيز».

ثم يبتسم ويقول:

«وبعدها كلنا فتحنا سوقًا؛ عبدالعزيز فتح الرياض، وأنا فتحت دكان خرازة للجلود ».

وهنا يا ولدي تعرف الفرق بين تاريخ يُقرأ… وتاريخ يُروى.

في الكتب تجد اسم الرجل ووظيفته وسنة عمله.

أما في مجالس الآباء فربما تجد صوته، وضحكته، وطريقته في النظر إلى الحياة.

وهذا ما كان والدي يريد أن يورثنيه قبل أن يذهب:

أن البلاد لا تحفظها الأبنية وحدها.

تحفظها كذلك ذاكرة الرجال.

وأن وراء كل ميناء قديم موظفًا وقف على بابه، ووراء كل دفتر يدًا خطّت أرقامه، ووراء كل برقية رجلاً اؤتمن عليها، ووراء كل دولة عظيمة أجيالاً كثيرة لا نعرف أسماء أكثرها.

فإذا بقي اسم واحد منهم في رواية أبي عبدالعزيز الدغفق ، أو في شهادة إبراهيم القضيب، أو في ورقة قديمة خرجت من الأرشيف بعد مئة عام، فقد نجا شيء من ذلك الزمن من النسيان.

تلك هي الشرقية التي كان أبي يحدثني عنها.

شرقية العقير ودارين، والقطيف وسيهات وتاروت وصفوى، والأحساء وقرية العليا.

وشرقية رجالٍ جاؤوا من نجد والزبير، يحمل بعضهم الدفتر والقلم، وبعضهم الحساب والترجمة، وبعضهم خبرة التجارة والموانئ.

ثم انتهت أعمالهم، وطالت أعمار بعضهم، فجلسوا في مجالس الخبر يتبادلون أخبار الأزمنة ويضحكون.

ورحلوا.

وبقي لنا أن نحفظ أسماءهم:
كوالدي عبدالعزيز عبدالله الدغفق.. 
وعبداللطيف باشا المنديل،
وإبراهيم المنديل،
وإبراهيم بن حمد الحميدان،
وزيد بن علي القريشي،
الدبيكل،
وعودة الدليجان،
ومحمد المانع،
والجويسر،
ومحمد الدغيثر أبو ناصر،
وأحمد عبدالرحمن التركي،
وأبو عمر القضيب،
وابنه إبراهيم القضيب،
وسليمان المبيض،
وحمد الشعيل،
والإمام عبدالرحمن بن فيصل،
والملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود.

وأن نحفظ قبل الأسماء المعنى الذي جمعهم:

أن بناء البلاد لم يكن قصة رجل واحد، ولا مدينة واحدة، ولا عمل واحد؛ بل كان اجتماع شجاعة السيف، وأمانة القلم، وحساب الدفتر، وخبرة البحر، وذاكرة المجلس.

وهكذا كنت أسمعها من والدي عبدالعزيز الدغفق.

وهكذا وجدت لبعضها صدىً آخر عند إبراهيم القضيب.

وهكذا أرويها اليوم، لا لأجعل الرواية الشفوية وثيقةً فيما لم تثبته الأوراق، بل كيلا تضيع الرواية قبل أن نعثر على أوراقها.

فرحم الله أولئك الرجال؛ أدّوا ما عليهم، ومضوا، وتركوا لنا من بعدهم دولةً تكبر، وذكرًا يستحق أن يُحفظ، وحكاياتٍ ما زالت ــ بعد أكثر من قرن ــ قادرةً على أن تجعل المجلس القديم حيًا من جديد.

وثيقتان تؤيدان الرواية
ومما يزيد رواية الوالد قوةً أن الباحث محمد بن عبدالرزاق القشعمي أورد في كتابه معتمدو الملك عبدالعزيز ووكلاؤه في الخارج رسالتين بعث بهما عبداللطيف باشا المنديل إلى الملك عبدالعزيز في شعبان سنة 1334هـ، في أثناء قيام المنديل بأعمال تنظيمية وإدارية في شرقي البلاد.

الرسالة الأولى – 1 شعبان 1334هـ:
يذكر المنديل فيها وصوله إلى القطيف، ثم انتقاله إلى الجبيل ولقاءه عبدالله بن علي آل خاطر وإخوانه، وتحديد مواضع السكن والمخازن والدكاكين ومناخ القوافل ومقر الإمارة. ثم عاد إلى القطيف، فراجع مع أميرها عبدالرحمن السويلم سجلات الواردات والمصروفات وبيانات النخيل والعقار، واجتمع بمدير جمرك القطيف مكي بن علوي المشقاب، ونظّم عمل الجمرك بصورة مؤقتة ريثما يصل محاسبون مؤهلون.

الرسالة الثانية – 4 شعبان 1334هـ:
وفيها يخبر المنديل الملك عبدالعزيز بما اتخذه من إجراءات، ومن أهمها تعيين رجال للعمل في جمارك القطيف وسيهات ودارين وتاروت وصفوى، وتكليف عمال بإصلاح خان العقير.
وتكتسب الرسالتان أهمية خاصة في هذه الرواية؛ لأنهما تؤيدان أصل ما كان يرويه الوالد من أن الدولة، بعد دخول الأحساء والقطيف في حكم الملك عبدالعزيز، احتاجت إلى رجال يجيدون الخط والحساب وضبط السجلات والعمل الإداري، وأن عبداللطيف المنديل كان من الرجال الذين أسهموا في تنظيم هذه الإدارات واستقطاب المؤهلين للعمل فيها.

المصدر المنشور:
محمد بن عبدالرزاق القشعمي، معتمدو الملك عبدالعزيز ووكلاؤه في الخارج، الطبعة الأولى، 1436هـ/2015م، ص121–122. وقد سبق للقشعمي أن نشر دراسة موسعة عن عبداللطيف المنديل ضمن بحثه «معتمدو الملك عبدالعزيز ووكلاؤه في الخارج (2)»، مجلة الدارة، دارة الملك عبدالعزيز، المجلد الخامس والثلاثون، العدد الثاني، 1430هـ/2009م، ص109–167.


اول مبنى البلدية الخبر 1942م

الخُبر... لذيذةُ المكان، جميلةُ الزمان، حلوةُ السكن والمقام
من تاريخ الخُبر اكتب عشقي لأحرفها ، وبمداد من بحرها ، وبنقطٍ من لؤلؤ أبيض نقي ، لأسطّر أجمل الغزل في معانيها ...

فليست الخُبر مدينةً طارئةً صنعها النفط من عدم، كما قد يتبادر إلى الذهن، وليست كذلك أقدم مدن شرق الجزيرة؛ فالأحساء والقطيف والجبيل لها جذورها العميقة في التاريخ والعمران.
لكن للخُبر حكاية أخرى تستحق أن تُروى...
حكاية مدينة حديثة العمران، قديمة الأرض، بحرية الروح، سبقت كثيرًا من الأحياء والمدن المحيطة بها إلى التشكّل الحضري الحديث، ثم وجدت نفسها في قلب التحول الأكبر الذي عرفته المنطقة الشرقية في القرن العشرين.
كانت الخُبر قبل أن تتلألأ شوارعها، وقبل أن تصير واجهةً على الخليج، أرضًا منخفضةً تلامس البحر؛ يمتد أمامها الأفق بلا حواجز، ويأتيها نسيم الخليج محمّلًا برائحة الملح والسفن واللؤلؤ.
مكانٌ بسيط، لكنه كان محاطًا بالتاريخ من كل جهة.


فإلى الغرب منها جبل الظهران، وفي جنوب الظهران تنتشر مواقع ومدافن أثرية تعود إلى الألف الثالث قبل الميلاد، وتدل المكتشفات فيها على صلات حضارية قديمة بمنظومة دلمون والخليج القديم.
وإلى الجنوب تقع عين السيح وقرية لنية ، والتي عُثر في نطاقها على مواقع مرتبطة بفخار حضارة العبيد، أي بتاريخ يرجع إلى آلاف السنين قبل الميلاد.
أما شمال الخبر، في نطاق الراكة، فقد كشفت التنقيبات عن بقايا استيطان وآبار ومبانٍ ولقى تمتد إلى عصور تاريخية متعددة تمثلت بقرية الحصين.


وهكذا، فإن الأرض التي ستقوم عليها الخُبر الحديثة لم تكن أرضًا بلا ذاكرة؛ بل كانت بين الراكة شمالًا، والظهران غربًا، وعين السيح جنوبًا، وفرضتها على الخليج شرقًا، وكأن التاريخ أحاط بها من الجهات الأربع ثم ترك للقرن العشرين أن يكتب فصلها الجديد.
ثم أقبل أهل البحر...
في سنة 1923م جاءت الهجرة التي ستغيّر شكل الساحل.


خرجت جماعات من دواسر البحرين إلى الساحل السعودي، واستقر قسم منهم في الخُبر، وتوزع آخرون في الدمام، فنشأت بذلك إحدى أهم نوى العمران الحديث في هذا الجزء من الساحل.
وكان اختيار الخُبر مفهومًا؛ فالبحر أمامهم، والبحرين خلف الأفق، ونمط الحياة مألوف: سفن، وغوص، وصيد، وتجارة، وبيوت بسيطة تُقام مما تجود به البيئة الساحلية من سعف النخيل والخشب والحجر البحري.
وتؤكد المصادر السعودية أن قرى الخبر والدمام التي عمّرها الدواسر بعد هجرتهم من البحرين عرفت في بدايتها مساكن سعفية بسيطة "برستيات" وعلى النمط الخليجي المعروف.


ولذلك لم ينقل الدواسر أجسادهم إلى الخُبر فحسب؛ بل نقلوا معهم ذاكرة المكان البحريني:
طريقة بناء البيت للبدايات،
وعلاقة البيت بالبحر،
وضيق الأزقة،
والمجالس،
والفرجان،
وتجارة الساحل،
وطريقة الاجتماع بين الجيران.


ثم بدأ البرستي يتحول إلى بيت عربي ، والبيت إلى فريج، والفريج إلى شارع، والشارع إلى مدينة.
ولا تزال أجزاء من قلب الخُبر القديم، حول نطاق شارع الأمير محمد وشارع الملك سعود وطلال والشوارع المتقاطعة القديمة بين 3 و5، تحتفظ بشيء من تلك الذاكرة؛ أزقة ومسارات لم تُخلق في مكتب مهندس حديث، بل فرضتها البيوت الأولى قبل أن يصل إليها التخطيط.
وهنا بدأت الخُبر من البحر، لا من النفط.
ثم جاء النفط يبحث عن مكانه...


فبعد عشرة أعوام تقريبًا من هجرة الدواسر، وقع الملك عبدالعزيز اتفاقية امتياز النفط مع شركة ستاندرد أويل أوف كاليفورنيا في 29 مايو 1933م، ووصل الجيولوجيون إلى المنطقة في سبتمبر من العام نفسه، وبدأت الأرض الواقعة خلف الخُبر تتغير بهدوء.
وفي أوائل سنة 1935م كان موقع العمل في الظهران يشغّل أكثر من 240 سعوديًا في إنشاء المعسكرات العمالية وأعمال الحفر ، بين جبل النهيدين ، وأيضا عند مسجد العدنيين وكانت تسمى "اللاينات" .
ثم تضاعفت أعداد السعوديين العاملين قرابة عشرة أضعاف مع اقتراب نهاية الثلاثينيات.
وذكر ان عددهم وصل الى«3100 ععامل»
وأوائل 1935، ثم نمو العدد قرابة عشرة أضعاف بنهاية العقد.


وكان كثير من هؤلاء العمال يحتاجون إلى مكان يعيشون فيه، وإلى سوق يشترون منه، وإلى مرفأ تصل عبره المؤن والمعدات.
وهنا عادت الخُبر لتدخل المشهد.
فهي لم تكن مقر البئر، ولكنها كانت باب البحر.
أما الظهران النفطية التي نعرفها اليوم، فقد أخذ عمرانها الحديث يتشكل حول معسكرات الشركة وأعمال الحفر في الثلاثينيات، أي بعد قيام النواة السكانية الحديثة في الخُبر.
ثم جاء اليوم الذي غيّر تاريخ المملكة.
في 4 مارس 1938م تدفق النفط بكميات تجارية من بئر الدمام رقم 7 – بئر الخير في جبل الظهران، بعد سنوات من المحاولات والحفر.
ومنذ ذلك الصباح لم يعد الساحل كما كان.


الخُبر... أول نافذة للنفط على البحر
من أجمل فصول تاريخ الخُبر، والذي يغيب عن كثيرين، أن النفط الذي اكتُشف في الظهران وجد طريقه في بداياته إلى البحر عبر ميناء الخُبر.
فقد أنشأت الشركة خطًا من منطقة الظهران إلى الخُبر، وأقامت فيها خزانات ومحطة للشحن، ومن سبتمبر 1938م بدأ نقل النفط من ميناء الخُبر "فرضة الخبر"  إلى مصفاة بابكو في البحرين.


أما أول شحنة نفطية سعودية كبرى من رأس تنورة، بحضور الملك عبدالعزيز، فجاءت في 1 مايو 1939م.
وهنا تكمن واحدة من مفاخر الخُبر الحقيقية:
النفط خرج من جوف الظهران، ولكنه لامس البحر في مرحلة مبكرة من تاريخه عبر الخُبر.
وكانت الفرضة كالقلب الذي أخذ يضخ الحياة في المدينة.
وصلت السفن من البحرين،
ونزلت البضائع،
وجاء العمال والتجار،
وفتحت الدكاكين،
وكثرت البيوت،
واتسعت الأسواق.
وأخذت البرستيات الأولى تُخلي مكانها شيئًا فشيئًا للبيوت المبنية، ومنها بيوت بالحجر البحري "فروش البحر" المحلي المعروف بـالفروش، في عمارة خليجية تشترك فيها مدن الساحل على جانبي الخليج.
ولم يكن الدواسر حين بنوا الخُبر يبتكرون عمارة غريبة عنهم؛ كانوا يعيدون، بصورة طبيعية، شيئًا مما عرفوه في البديّع وقرى البحرين، ولكن على ضفة أخرى من الخليج.
قبل أن تبنى الثقبة والعقربية بصورتهما الحديثة
حين كانت الخُبر تكبر حول فرضتها وأسواقها، فلم تكن أحياء الثقبة والعقربية والصبيخة قد أخذت بعد صورتها العمرانية التي عرفتها الأجيال اللاحقة.
وكانت الظهران نفسها في طور التحول من جبل ومعسكرات ومنشآت مرتبطة بأعمال النفط إلى مدينة مكتملة الملامح.
ولهذا فإن القول الأدق ليس إن «لا شيء كان موجودًا حول الخُبر»، وإنما:
الخُبر كانت من أسبق نوى العمران الحضري الحديث في الحاضرة التي ستصبح لاحقًا: الدمام–الخُبر–الظهران.
أما الدمام الحديثة، فقصتها متقاربة زمنيًا مع الخُبر، إذ استقر فيها أيضًا قسم من الدواسر، وبدأ عمرانها الساحلي حول موضع القلعة وما جاورها، ثم راحت هي الأخرى تتوسع وتتشكل أحياؤها.
فلم تكن العلاقة بين الخُبر والدمام علاقة مدينة قديمة بأخرى مستحدثة، بل كانتا شقيقتين ولدتا تقريبًا في زمن واحد، لكل واحدة منهما طريقها:
الخُبر أخذها البحر والتجارة وخدمة الظهران،
والدمام أخذتها الإدارة والميناء والتوسع العمراني اللاحق،
أما الظهران فصنع النفط شخصيتها الحديثة.
حين أصبحت الخُبر مركز الإدارة
ومع ازدياد العمال والسكان والتجارة، لم تعد تلك البلدة البحرية الصغيرة مجرد مساكن على الشاطئ.
ففي سنة 1359هـ/1940م أُنشئت في وسط مدينة الخُبر "إمارة مقاطعة الظهران" ، بعد أن كانت الخُبر والظهران والدمام في التنظيم السابق مرتبطة بإدارة القطيف.
وهنا ينبغي الدقة: لم تكن هذه «أول إمارة في المنطقة الشرقية» بمعناها التاريخي المطلق، وإنما كانت بداية التنظيم الإداري المستقل للحاضرة الجديدة التي كانت تنمو حول الخُبر والظهران والدمام.
ثم جاءت خطوة لا تقل دلالة.


ففي سنة 1361هـ/1942م أمر الملك عبدالعزيز بإنشاء بلدية الخُبر وتوابعها، وكان لها توابع ، مثل فرع الدمام وفرع الظهران، قبل أن يستقل الفرعان لاحقًا بعد خمس سنوات في عام 1947م.
وتلك الحقيقة وحدها تقول الكثير عن وزن الخُبر في الأربعينيات:
الخبر لم تكن يومها تابعًا حضريًا للدمام أو الظهران؛ بل كانت بلديتها تدير خدماتها وتمتد إداريًا إليهما.
ثم دارت عجلة الزمن...
وكبرت الدمام حتى أصبحت عاصمة المنطقة الإدارية،
وكبرت الظهران حتى أصبحت عاصمة صناعة النفط،
وكبرت الخُبر بطريقتها الخاصة...
لكنها حافظت على شيء لم تستطع الأبراج الحديثة أن تمحوه:
روح المدينة البحرية.
فالخُبر، مهما اتسعت، بقي البحر يحدد شخصيتها.
كورنيشها ليس زينة أضيفت إليها؛
البحر هو أصل قصتها.
وشوارعها القديمة ليست مجرد طرق ضيقة؛
إنها آثار أقدام أولئك الذين جاؤوا من البحرين وبنوا بيوتهم الأولى.
وفرضتها ليست رصيفًا مهجورًا؛
إنها بابٌ دخلت منه المعدات والسلع والرجال، وخرج عبره النفط في واحدة من البدايات المبكرة لتصديره.
والظهران خلفها ليست مدينة مجاورة فحسب؛
إنها الجبل الذي غيّر اقتصاد المملكة.
أما عين السيح ولنية والراكة ومدافن الظهران المحيطة بها، فتذكّرنا بأن القصة لم تبدأ سنة 1923 ولا سنة 1938؛ فهناك تحت الرمال زمن أقدم من النفط والدواسر والمدن الحديثة بآلاف السنين.
ولهذا أحب الخُبر...
ليس لأنها أكبر المدن،
ولا لأنها أقدم المدن،
ولا لأن التاريخ بدأ منها...
بل لأنها استطاعت في أقل من قرن أن تنتقل من أكواخ صغيرة على الخليج إلى مدينة لها حضورها، من غير أن تقطع حبلها بالبحر.
كانت لذيذة المكان، جميلة الزمان، حلوة السكن والمقام.
فيها هدوء البحر،
وذاكرة الدواسر،
وخطوات عمال النفط الأوائل،
وصوت السفن عند الفرضة،
ورائحة البيوت القديمة حين كان الفريج يعرف أهله واحدًا واحدًا.
ثم مر بها النفط، فكبرت.
ومرت بها التجارة، فاغتنت.
ومر بها الناس من أنحاء المملكة والعالم، فاتسعت.
وبقيت الخُبر...
مدينةً لا تحتاج أن تدّعي أنها أقدم من سواها لكي تفخر بتاريخها؛ فيكفيها أنها كانت من المدن التي وقفت عند باب التحول الكبير، ورأت الشرقية القديمة وهي تدخل عصر النفط والمدينة الحديثة.
وهنا أقولها، لا تعصبًا للمكان، وإنما وفاءً لذاكرته:
هَذِهِ الخُبَرُ فَأْتِني بِمِثْلِها أُفاخِر
إذا جُمِعَتْنا بَيْنَ المَدائِنِ مَجامِعُ
كتبها
رحّال الخُبر وابنها
وائل الدغفق
1448هـ – 2026م

الخبر التي تسكنني… من ذاكرة طفل في سبعينيات القرن الماضي

كلما عدت بذاكرتي إلى الخبر في سبعينيات القرن الماضي، لا أستعيد مدينةً كما تبدو في الصور القديمة فحسب، وإنما أستعيد زمنًا كاملًا؛ زمنًا كانت فيه الحياة أقلَّ رفاهية، لكنها أكثر قربًا بين الناس، وأشد التصاقًا بالمكان.

كانت أيامًا فيها التعب والحر والرطوبة، وفيها شظف العيش مقارنة بما نعرفه اليوم، ومع ذلك بقي لها في النفس عبق عجيب. ربما لأننا لم نكن نملك الكثير، لكننا كنا نعيش الأشياء بكل تفاصيلها.

كانت الخبر آنذاك أصغر، وأهلها يعرف بعضهم بعضًا، والأسواق والمطاعم والدكاكين والمجالس جزءًا من نسيج اجتماعي واحد. ولم تكن المدينة قد تمددت كما نراها اليوم، لذلك كان المرور في شارع أو سوق يعني غالبًا أن ترى وجهًا تعرفه، أو تسلّم على رجل يعرف والدك، أو تسمع اسم عائلة ارتبطت في ذهنك بمحل أو مهنة أو مجلس.

كازينو الخبر… ومقاهي المدينة

من الصور التي لا تزال عالقة في ذاكرتي كازينو الخبر، ذلك المكان الشعبي الشهير بجلساته البسيطة، وكان مقابل شارع الملك خالد في الحديقة الوسطى، أو ما كنا نسميه الجزيرة.

كان من أكثر مرتاديه سائقي ستيشن الخبر الذين اتخذوا من تلك الناحية مكانًا لهم، إلى جانب عدد من سكان المدينة.

ولم يكن الكازينو من الأماكن الفخمة؛ بل كان مقهى شعبيًا بسيطًا إذا قورن بما كان موجودًا آنذاك من مطاعم ومقاهٍ تعد راقية بمقاييس تلك الأيام.

فكان هناك مطعم ومقهى العوّامة عند البحر أمام مصنع القصيبي، ومطعم مكسيم في شارع البيبسي، ومطعم الواحة عند مدخل الراكة.

لكن المكان الذي بقي الأقرب إلى الناس، والأكثر حضورًا في ذاكرة الصغار والكبار، كان فوالة الحراج.

ولها عندي ذكرى خاصة؛ فهي، فيما أذكر، أول مطعم دخلته في حياتي عام 1974م.

وكانت حولها حياة كاملة؛ سوق، وحراج، ومحلات، وباعة، وأناس يأتون ويذهبون طوال النهار.

وفي شارع الملك خالد كانت مطاعم البخاري، وكانت هناك مقاهي الجراك فوق أسطح بعض المحلات، خصوصًا عند تقاطع شارع 3 مع شارع طلال، بالقرب من سوق السمك.

كانت المقاهي فوق السطوح مشهدًا من مشاهد الخبر القديمة؛ رجال يجلسون في المساء، وأحاديث تمتد، ودخان الجراك يتصاعد في الهواء، والمدينة تحتهم تمضي بهدوئها القديم.

غرفة المكيّف التي تجمع البيت كله

أما الصيف في الخبر، فله قصة أخرى.

لا ينبغي لمن يعيش اليوم بين المكيفات المركزية والعوازل الحرارية أن يقيس صيف تلك الأيام على صيفنا الحالي.

كان الحر شديدًا والرطوبة خانقة، وكثير من البيوت لم يكن فيها إلا مكيّف واحد.

وفي بيتنا كانت هناك غرفة مخصوصة نسميها ببساطة:

غرفة المكيّف.

فإذا اشتد الصيف اجتمعنا كلنا للنوم فيها.

وكان المكيّف القديم بصوته العالي وهديره يهز الغرفة، وربما أحسسنا أنه يهز البيت كله!

ومع ذلك، يا لحلاوة ذلك الصوت حين أستعيده اليوم.

صوت لو سمعه أبناؤنا الآن ربما لم يستطيعوا النوم معه، أما نحن فكان بالنسبة إلينا صوت النجاة من حر الخبر ورطوبتها.

ولم يكن المكيّف يعمل طوال الصيف كما يحدث اليوم.

فإذا انكسرت الرطوبة، واعتدل الهواء قليلًا، تركنا الغرفة وصعدنا للنوم فوق سطح البيت.

نفرش فرشنا تحت السماء، وننام على هواء الليل.

لم يكن الأمر نزهة رومانسية كما قد يتخيلها أحد اليوم، بل كان جزءًا طبيعيًا من الحياة.

ومع هذا… بقيت ليالي السطوح من أجمل ذكريات الطفولة.

ماء الخبر… والعودة من الزبير والكويت

ومن عاش الخبر قديمًا سيعرف جيدًا ماذا أعني حين أتحدث عن طعم الماء.

كانت المياه مالحة المذاق، أو فيها مرارة يصعب على من لم يعش تلك المرحلة أن يتصورها.

وكنا في الصيف نذهب إلى الكويت والزبير عند أخوالي، فنعتاد هناك على ماء أخف وأحلى مذاقًا.

وحين نرجع إلى الخبر نحتاج عدة أيام حتى تتأقلم ألسنتنا من جديد مع طعم مياهها!

أما الماء الحلو، أو ما كنا نسميه «البيذر»، فلم يكن ماء الاستعمال اليومي عندنا، بل يُحفظ غالبًا للشاي والطبخ.

وهذه التفاصيل الصغيرة تبدو اليوم هامشية، لكنها في الحقيقة جزء من تاريخ المدن؛ فالتاريخ ليس فقط تواريخ المباني والقرارات الرسمية، بل أيضًا:

ماذا كان الناس يشربون؟ وأين كانوا ينامون؟ وكيف كانوا يواجهون الصيف؟

شوارع التراب و«الحوط»

ولم تكن شوارع الخبر كلها مسفلتة.

الطرق الرئيسية نعم، أما كثير من الشوارع الداخلية فكانت ترابية.

وكانت هناك في أحياء الخبر أراضٍ كثيرة محاطة بالجدران وخالية من البناء نسميها «الحوط».

بعض هذه الحوط تحوّل إلى ملاعب كرة قدم للصغار والشباب، وبعضها كان عالمًا كاملًا لطفولتنا؛ نجري حول جدرانه، ونلعب بالقرب منه، ونصنع بأبسط الأشياء مغامرات تكفينا حتى المساء.

لم نكن نحتاج إلى مدن ألعاب.

كانت المدينة نفسها ملعبنا.

قطعة أرض فضاء، وكرة، وعدد من الأولاد، تكفي لصناعة نهار كامل من السعادة.

دكاكين الحي… وعالم البقالات الكبيرة

وكان لكل شارع تقريبًا دكانه الصغير.

أتذكر دكان العيدي ودكان الشميمري وغيرهما من الدكاكين التي كان يعرف أصحابها سكان الحي، ويعرفون أبناءهم.

تدخل الدكان فلا تكون مجرد زبون؛ فأنت ابن فلان ومن أهل الحي.

لكن إلى جانب هذه الدكاكين الصغيرة، كانت هناك البقالات الكبيرة التي بدت لنا نحن الأطفال وكأنها عالم آخر.

ومن أشهرها بقالة العائلات في شارع الأمير محمد عند تقاطع شارع 2، وكان يملكها العبّاد.

وكانت هناك كذلك بقالة الأسواق في الموقع الذي تقع فيه بلدية الخبر اليوم.

زيارة هذه البقالات كانت بالنسبة لنا أمنية.

ففيها بضائع لم نكن نراها في دكاكين الحي، وبخاصة المنتجات الأمريكية.

وهناك رأينا علب الكورن فليكس، وأنواعًا وأشكالًا من الككاوات والحلويات كانت تثير خيال طفل في ذلك الزمن.

أما المشروبات الغازية فكان لها عالمها الخاص:

بيبسي، سينالكو، كراش، وكندا دراي.

ولكل واحد منها زجاجته ولونه وطعمه وصورته في الذاكرة.

خبز المطرود… وألبان البدايات

حتى الخبز له ذاكرة.

كان الخبز البريد الذي يصنعه المطرود جميل الشكل في أعيننا، مختلفًا عما اعتدناه من الخبز التقليدي.

ويرتبط اسم المطرود في ذاكرتي كذلك ببدايات صناعة الألبان، مع مصنع الألبان الوطني للمطرود، في مرحلة مبكرة من تحول الخبر والمنطقة الشرقية إلى حياة مدينية أكثر تنظيمًا وتنوعًا في المنتجات.

أما الثلج، فلم يكن يأتي ببساطة من آلة صغيرة داخل كل بيت كما هو الحال اليوم.

كنا نعرف مصنع الدوسري للثلج في البايونية على طريق العزيزية، وكان الثلج سلعة يومية لها أهميتها، خصوصًا في صيف المنطقة الشرقية.

هذه الأشياء التي تبدو الآن عادية كانت آنذاك جزءًا من التحول الكبير الذي عاشته المدينة.

اللحم والسمك والخضرة… تُشترى كل يوم

ولم تكن فكرة ملء الثلاجة لأسبوع أو شهر مألوفة كما هي اليوم.

كنا نشتري اللحم يومًا بيوم، وكذلك السمك والخضار.

وكانت هذه الأسواق مقابل فوال الحراج تقريبًا، وأمامها حراج الخبر الذي كان عالمًا قائمًا بذاته.

وأذكر من رجاله الجطيلي، الذي كان من وجوه الحراج، وكان أبناؤه يعملون في مجال الكهرباء.

وكان السوق يومها ليس مجرد مكان للبيع والشراء.

كان مجلسًا.

يعرف الناس أخبار بعضهم فيه، ويلتقون ويتبادلون الحديث، وتنعقد من خلاله الصداقات والمصالح والعلاقات الاجتماعية.

أبي… ودورته الصباحية بين رجال الخبر

ولعل أكثر ما يربطني بالخبر القديمة تلك الجولات التي كنت أرافق فيها والدي، رحمه الله.

كانت له محطات يعرفها، ورجال يأنس إليهم، ومحلات لم تكن بالنسبة إليه مجرد أماكن تجارة، بل مجالس أصدقاء.

كان يجلس أحيانًا عند أبي عمر القضيب وأبنائه إبراهيم وعمر، في محلاتهم لبيع الأسمنت ومواد البناء.

وأنا معه، صغير أراقب الرجال وأسمع أحاديث لا أفهم كثيرًا منها، لكنها كانت تدخل الذاكرة من دون أن أدري.

ثم ينتقل إلى محلات الفارس:

عبداللطيف، وإبراهيم، وعبدالمحسن، وعبدالكريم.

ثم إلى محلات الإطارات عند محمد المانع وأخيه عبدالعزيز المانع، مترجم الملك عبدالعزيز، وهي عائلة ارتبط اسمها كذلك بالمستشفى والعمل التجاري في المنطقة.

وفي أيام أخرى يكون المجلس عند الجلاهمة، أو عند ناصر الفارس، أو أبي سمير العمران، أو أبي سعود الحمود، أو عند النصّار.

وهكذا كان الوالد، رحمه الله، يدور في الصباح بين أهل الخبر ومحلاتهم، وربما عاد إليهم في المساء.

لم أكن أعرف يومها أنني أشاهد أمامي فصلًا من التاريخ الاجتماعي للمدينة.

كنت أظن أن أبي فقط يزور أصدقاءه.

أما الآن فأفهم أن تلك الجولات كانت صورة لنمط حياة كامل؛ المدينة فيه شبكة من العلاقات الإنسانية، والتاجر يعرف جاره، وصاحب المحل يعرف العائلة، والرجل إذا مر بالسوق وجد أكثر من مجلس يستطيع أن يجلس فيه دون موعد.

الخبر قبل أن تكبر

كبرت الخبر بعد ذلك.

امتدت الشوارع، وارتفعت المباني، واختفت أراضٍ كثيرة كنا نسميها الحوط، وغابت دكاكين، وظهرت مكانها أسواق ومجمعات ضخمة.

ودخل التكييف كل غرفة.

وجاء الماء المحلّى إلى البيوت.

وأصبح الثلج في باب الثلاجة.

وصار اللحم والسمك والخضار محفوظًا لأيام.

وتغيرت سيارات الأجرة، والمطاعم، والمقاهي، والأسواق.

وهذا كله من نعم الله ومن تطور الحياة.

ولست ممن يزعم أن الماضي كان أفضل في كل شيء.

لم يكن كذلك.

كان الماضي أصعب في جوانب كثيرة، وكانت الخدمات أقل، والحر أشد وطأة، والمياه أصعب، والشوارع أقل تجهيزًا.

لكن شيئًا آخر كان موجودًا بكثافة أكبر:

قرب الناس من بعضهم.

فالفرق بين الأمس واليوم ليس أن الماضي كان جميلًا كله والحاضر سيئًا؛ فتلك قراءة رومانسية غير عادلة للتاريخ.

إنما الفرق أن لكل زمن مكاسبه وخسائره.

ربحنا اليوم الراحة والخدمات والاتساع والخيارات، لكن المدينة الصغيرة القديمة كانت تمنح أهلها نوعًا من الألفة يصعب أن يبقى بالدرجة نفسها حين تكبر المدن ويزداد سكانها وتتغير أنماط الحياة.

الذاكرة هي الخريطة الأخيرة

وحين أكتب هذه الذكريات الآن، أكتشف أن للإنسان مدينتين.

مدينة يعيش فيها بجسده.

ومدينة يحملها في داخله.

أما الخبر التي أحملها أنا، ففيها كازينو الخبر، وفوالة الحراج، والعوامة، ومكسيم، والواحة.

وفيها دكان العيدي والشميمري، وبقالة العائلات والأسواق.

وفيها بيبسي وسينالكو وكراش وكندا دراي.

وفيها خبز المطرود وثلج الدوسري.

وفيها سوق السمك، والحراج، والحوط، وشوارع التراب.

وفيها رائحة البحر ورطوبة الصيف.

وفيها غرفة واحدة ينام فيها أهل البيت جميعًا تحت هدير مكيف يهز الجدار.

وفيها سطح بيت ننام فوقه إذا ذهبت الرطوبة.

وفيها كوب شاي لا نصنعه إلا بالماء الحلو.

لكن أجمل ما فيها…

أبي رحمه الله.

أراه يمشي أمامي في أسواق الخبر، يدخل هذا المحل ويخرج من ذاك، ويسلم على هذا ويجلس عند ذاك، وأنا طفل أسير خلفه ولا أعرف أنني أختزن المشهد كله ليوم سيأتي بعد نصف قرن فأبحث فيه عن تلك الوجوه وتلك الأماكن.

اختفت محلات، ورحل رجال، وتغيرت المدينة.

لكن الغريب في الذاكرة أنها لا تعترف كثيرًا بالهدم والبناء.

يكفي أن يمر اسم قديم بخاطرك حتى يعود الشارع كما كان، وتفتح الدكاكين أبوابها، ويجلس الرجال أمام المحلات، وتعود أصواتهم، وتتحرك السيارات في الطريق، ويهب هواء البحر الرطب من جديد.

وأعود أنا ذلك الطفل الذي يمشي إلى جوار أبي في شوارع الخبر.

كم كانت أيامًا حلوة…

حلوة حتى بتعبها.

وحلوة بحرارتها.

وحلوة بمائها الذي كنا نشكو طعمه.

لأن قيمة بعض الأيام لا نعرفها ونحن نعيشها؛
إنما نعرفها عندما تصبح هي الشيء الوحيد الذي لا نستطيع العودة إليه.

الرحّال وائل الدغفق – رحّال الخبر

الأربعاء، 12 أغسطس 2026

حين يصبح الاختلاف تهمة.. ومن حبّ تركيا والدفاع عنها إلى الاستعلاء الثقافي تجاه السائح العربي..


حين يصبح الاختلاف تهمة

كثيرًا ما يُقال للسائح: «احترم ثقافة البلد الذي تزوره»، وهي قاعدة صحيحة. لكن السؤال الذي ظل يلح عليّ بعد سنوات طويلة من السفر هو: أليس على المجتمع المضيف أيضًا أن يحترم اختلاف السائح؟

فليس كل خطأ إساءة، ولا كل جهل بعادة محلية احتقارًا لها. والمجتمع السياحي الناضج يفرق بين من يتعمد الإساءة، ومن يخطئ لأنه لا يعرف.

وقد برز هذا السؤال عندي بوضوح في تجربتي مع تركيا، وخصوصًا إسطنبول.

واللافت أنني لم أبدأ علاقتي بتركيا ناقدًا لها؛ بل كنت من محبيها والمدافعين عنها. ففي 2011 كتبت عنها بعنوان: «الدولة التي أحبها تركيا»، وبعد سنوات، وفي 2017، كنت لا أزال أعدها من أكثر البلدان تكاملًا عندي من حيث الحضارة والطبيعة والثقافة والطعام.

بل إنني تعرضت في إحدى رحلاتي القديمة إلى إسطنبول لسرقة منزلنا في سارير، وتعرض والدي لمحاولة سرقة، ومع ذلك لم أحمّل تلك الوقائع شعبًا كاملًا، وظللت أرفض التعميم.

لكن الذي غيّر نظرتي لاحقًا لم يكن حادثة واحدة، بل تراكم مواقف متكررة جعلتني ألاحظ في بعض المدن الكبرى شيئًا من الغلظة والتعامل بفوقية، حتى سجلت ذلك صراحة في كتاباتي عام 2022.

وكان أكثر ما أثار انتباهي سؤالًا آخر:

لماذا يُغتفر للأوروبي أحيانًا ما لا يُغتفر للعربي؟

قد يخطئ الأوروبي فيقال: «أجنبي ولا يعرف»، بينما يتحول خطأ العربي أحيانًا إلى حكم على «العرب» جميعًا.

وهنا لا تعود القضية مجرد اختلاف في الطباع، بل تدخل فيها الصور النمطية، والمكانة الاجتماعية المتخيلة للجنسيات، وتأثير السياسة والتاريخ والهجرة.

ومع ذلك لا أقول: «الأتراك هكذا»؛ فقد عرفت في تركيا أناسًا في غاية الكرم والمودة، كما أن المشكلة ليست تركية وحدها؛ فنحن العرب قد نقع في التمييز نفسه حين نعامل جنسية باحترام يفوق أخرى.

الخلاصة عندي بسيطة:

السائح مطالب باحترام البلد الذي يزوره، لكن المضيف مطالب أيضًا باحترام اختلاف ضيفه.

فالضيف لا يملك حق إهانة البيت،
وصاحب البيت لا يملك حق إذلال الضيف.

وقد استفضت تفاصيل تجربتي الترحالية، مع تحول موقفي من المحبة والدفاع إلى المراجعة والنقد، وقراءتي لأسباب هذه الظاهرة، والتي كتبتها بتوسع في المقال التالي:

حين يصبح الاختلاف تهمة

من حبّ تركيا والدفاع عنها إلى سؤال الاستعلاء الثقافي تجاه السائح العربي

حين يصبح السائح مطالبًا بالاعتذار عن ثقافته
تجربتي مع السياحة في تركيا… من الدفاع عنها إلى مراجعة الموقف
ليس جديدًا أن يسمع المسافر قبل دخوله بلدًا ما عبارة: «احترم ثقافة البلد الذي تزوره».
وهي في أصلها قاعدة صحيحة لا خلاف عليها.
من يدخل بلاد الناس فعليه أن يحترم قوانينها، ومقدساتها، وخصوصيات أهلها، وألا يتعامل مع المال الذي ينفقه بوصفه رخصة للتعدي على الآخرين أو السخرية من تقاليدهم.
لكن سنوات السفر الطويلة جعلتني أتوقف أمام سؤال آخر لا يقل أهمية:
هل السائح وحده مطالب بفهم ثقافة البلد الذي يزوره، أم أن على المجتمع المضيف أيضًا واجبًا في فهم السائح واختلاف ثقافته؟
وهل احترام ثقافة البلد يعني أن يتحول الزائر، بمجرد نزوله من الطائرة، إلى نسخة من أهل ذلك البلد؟
وماذا نفعل عندما يقع السائح في خطأ لم يقصده، سببه جهله بعادة محلية لا يعرفها؟
هل نشرح له؟
أم نوبخه؟
أم نحمله وزر الصورة النمطية المسبقة عن شعبه كله؟
وهنا تصبح المسألة أعمق من نصيحة سياحية عابرة؛ لأنها تتصل بفكرة الاستعلاء الثقافي، وبنظرة بعض المجتمعات إلى نفسها وإلى الآخرين.
وقد عشت هذا السؤال في بلدان مختلفة، لكن التجربة التركية ـ وخصوصًا في إسطنبول ـ جعلته عندي أكثر إلحاحًا.
ولا أكتب هذه الكلمات اليوم من موقع خصومة مع تركيا، ولا بوصفها مقالة غضب على الأتراك؛ فالحقيقة أن علاقتي بتركيا بدأت من الاتجاه المعاكس تمامًا.
كنت من المدافعين عنها.
ثم تغيّر شيء ما.
ولذلك تستحق القصة أن تُروى من أولها.

احترام الثقافة… أم الخضوع لها؟
هناك فرق كبير بين أن يقول المجتمع للزائر:

«نحن نحترم ثقافتنا، ونرجو منك ألا تسيء إليها».

وبين أن يقول له ضمنًا:

«طريقتنا هي الطريقة الصحيحة، وعليك أن تعرفها وتتصرف وفقها، وإلا فأنت قليل احترام».

الأولى حق مشروع لأي مجتمع.
أما الثانية فتدخل بنا إلى شيء آخر: 
الى المركزية الثقافية أو الإثنية؛ أي أن ينظر الإنسان إلى عاداته وثقافته بوصفها المعيار الطبيعي الذي يجب أن تُقاس عليه تصرفات الآخرين.
وهذه الظاهرة ليست حكرًا على الأتراك، ولا على الأوروبيين، ولا على العرب.

كل مجتمع يمكن أن يقع فيها.
نحن العرب أنفسنا قد نفعل ذلك حين نستغرب من زائر لا يعرف عادات المجلس أو القهوة أو السلام، مع أن الرجل لم يولد بيننا حتى يعرف ما نعرفه.
لكن الفرق بين المجتمع السياحي الناضج وغيره يظهر في طريقة التعامل مع ذلك الاختلاف.
المجتمع الواثق من ثقافته لا يحتاج إلى إذلال الغريب دفاعًا عنها.
يقول له ببساطة:
هنا نفعل الأمر بهذه الطريقة.
ويشرح له.
أما المجتمع الذي يحمّل كل خطأ عابر معنى يمس كرامته أو قوميته أو حضارته، فقد انتقل من الاعتزاز بثقافته إلى شيء أقرب إلى الحساسية الثقافية المتضخمة.
السائح ليس طالبًا دخل مدرسة لإعادة تأهيله ثقافيًا.
هو إنسان جاء من مجتمع آخر، يحمل معه لغة وعادات وتصورات مختلفة.
والسياحة الحقيقية ليست أن يذوب المختلف في المضيف، وإنما أن يلتقي الاثنان دون أن يهين أحدهما الآخر.

الضيف لا يملك حق إهانة البيت، وصاحب البيت لا يملك حق إذلال الضيف.

التفسير الأول: 
حين يتحول الاعتزاز بالهوية إلى مركزية ثقافية
تملك بعض المجتمعات سردية وطنية قوية جدًا عن نفسها: تاريخ عظيم، إمبراطوريات قديمة، أمجاد عسكرية، لغة قومية، رموز وطنية، وشعور بأنها تحمل إرثًا يفوق ما حولها.
وهذا في ذاته ليس خطأ.
لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الذاكرة الوطنية من مصدر للثقة إلى مقياس لقيمة الآخرين.
فيصبح السؤال غير المعلن:
من الأقرب إلينا؟
من الأكثر تحضرًا في نظرنا؟
من يحمل الجنسية أو اللغة التي نحترمها؟
ومن يقع في درجة أدنى داخل السلم الاجتماعي المتخيل؟
وهنا قد يقع أمر شديد الدقة:
السلوك نفسه لا يعود يُقرأ بالطريقة نفسها إذا تغير صاحب السلوك.
فالخطأ الذي يقع فيه شخص نراه عالي المكانة يمكن تفسيره بأنه جهل بالعادات:
«مسكين، لا يعرف.»
لكن إذا وقع الخطأ نفسه ممن نحمل عن جماعته صورة سلبية، فقد يصبح:
«هؤلاء هكذا.»
وهذا فارق هائل.
لأننا في الحالة الأولى نحاكم الفرد.
وفي الثانية نحاكم هويةً كاملة من خلال الفرد.
وهنا بالضبط بدأت أسأل نفسي عن بعض ما رأيته في تركيا.

لكن قبل أن نفسر نظرة بعض الأتراك إلى السائح العربي، من العدل أن أسأل نفسي أولًا: هل تغيرت تركيا في عيني، أم تغيرت عيني أنا؟

 وللإجابة لا أحتاج إلى الذاكرة وحدها؛ فكتاباتي القديمة مؤرخة وتشهد عليّ.
من المحبة إلى المراجعة… شهادة الرحّالة قبل الحكم
من السهل جدًا أن يقول الكاتب بعد خصومة ما:
«كنت منصفًا لهم ثم تغيرت.»
لكنني في حالتي لا أحتاج إلى الاعتماد على الذاكرة؛ لأن ما كتبته منذ سنوات طويلة لا يزال موجودًا.
وفيه ما يشهد لي، وربما يشهد عليّ أيضًا.
ففي مارس 2011 كتبت تقريرًا عن تركيا بعنوان لا يحتاج إلى شرح:
«تفصيل للدولة التي أحبها تركيا لمن أرادها بأجمل طريقة.»
كنت أصفها صراحة بأنها «الدولة التي أحبها»، وأقدم للناس الطرق والمناطق وأماكن الزيارة، وأساعد المسافر ليصل إليها ويستمتع بها. وسجل بريدي القديم نفسه يحتفظ بعنوان ذلك النص وتاريخه.
لم تكن تركيا عندي يومها بلدًا أبحث عن عيوبه.
بل كانت من البلدان التي أحبها وأوصي بها.
ثم مضت السنوات، ولم يتغير ذلك سريعًا.
ففي يونيو 2016 كتبت
 «خطوات ترحالية ذكية لرحلة ممتعة إلى تركيا»، 
وبدأت المقال بوصف تركيا بأنها من بلاد الجمال والطبيعة والتاريخ، وقدمت للمسافرين نصائح عملية تساعدهم على زيارتها والاستمتاع بها. وسجل المدونة المرسل إلى بريدي يحفظ المقال وتاريخه أيضًا.
وفي يناير 2015 كنت قد زرت أكثر من مئة وأربعين دولة، ومع ذلك كتبت أن تركيا تميزت عندي باجتماع أربعة أركان أحبها في الرحلة: الإسلام، والحضارة، والطبيعة، والطعام الطيب الحلال.
كانت ـ في عيني آنذاك ـ من أكثر البلدان تكاملًا للسائح.
وهذه نقطة مهمة جدًا في حكايتي.
لأن الإنسان الذي بدأ موقفه من بلد بالإعجاب الشديد لا يشبه الإنسان الذي دخله يبحث عن سبب ليكرهه.
بل إن كتاباتي ومحادثاتي القديمة تظهر أنني كنت أذهب أحيانًا إلى أبعد من مجرد المديح؛ كنت أدافع عن الأتراك حين ينتقدهم الآخرون.
وفي إحدى نقاشاتي القديمة مع رفاق السفر شددت على عدم تعميم تصرف فرد على الأتراك جميعًا، وذكرت خبرتي الطويلة معهم، وقلت يومها بوضوح إن علينا ألا نكيل بمكيالين، ثم رويت صورًا جميلة من ترحيب أناس التقيتهم خارج إسطنبول ودعوتهم لنا إلى الطعام ومودتهم معنا.
أي أنني لم أكن فقط محايدًا.
بل كانت كفة حسن الظن عندي راجحة.
حادثة سارير… وحتى السرقة لم تجعلني أتهم شعبًا
ففي إحدى رحلاتي القديمة عام 1989 إلى إسطنبول كنت أقيم مع الأسرة والوالدين في منزل بمنطقة سارير شمال المدينة والمطلة على البوسفور.
وكانت البيوت في تلك الفترة لا تعتمد على أجهزة التكييف كما هي الحال اليوم، فكنا نفتح النوافذ بسبب حرارة الصيف.
وفي ليلة دخل لص من إحدى النوافذ.
وسرق محفظتي، وما فيها من مال وبطاقات، وبعض الأشياء الصغيرة مرتفعة القيمة.
وفي الفترة نفسها تعرض والدي ـ رحمه الله ـ وهو برفقة والدتي في أحد الأزقة لمحاولة سرقة من رجلين، لكنه قاومهما حتى ابتعدا عنه.
كان بإمكاني يومها أن أحول التجربة إلى قصة غضب على تركيا.
وبعدها بسنوات تعرضت اختي لسرقة حقيبتها وبها مبلغ كبير وايضا كانت بسبب تهاونها وعدم حرصها…  
فهنا السرقة ليست اختلافًا ثقافيًا، ومحاولة الاعتداء على والدي ليست موقفًا هينًا، وسرقة حقيبة أختي بالشارع ليست امرا اعتياديا .
ومع ذلك لم أفعل.
لم أقل:
«الأتراك لصوص».
ولم أبن على الواقعة حكمًا عن المجتمع.
كنت أرى ـ وما زلت ـ أن اللص يمثل نفسه، وأن الجريمة لا جنسية لها.
وفي كل مدينة في العالم يوجد الصالح والفاسد.
بل بحثت يومها عن تفسير متعلق بالظروف الاقتصادية وضعف بعض النفوس بدل أن أصنع من الجريمة نظرية عن الشعب التركي.
ولهذا فإنني حين أراجع اليوم موقفي من بعض صور التعامل في تركيا لا أستطيع أن أفسر ذلك بأنه نتيجة عقدة قديمة بسبب السرقة.
فالسرقة نفسها لم تجعلني أكرههم.
وهنا يصبح السؤال أكثر أهمية:
إذا لم تغيّرني حادثة سطو فعلية، فما الذي غير لغتي بعد سنوات؟
الإجابة عندي هي:
التراكم.
المشكلة لم تكن في الحادثة… بل في تكرار النمط
مرة بعد مرة كنت أواجه موقفًا، ثم أبحث له عن العذر.
ربما أسأنا الفهم.
ربما الرجل متعب.
ربما اختلاف اللغة.
ربما السائح العربي هو المخطئ.
ربما لا يعرف أننا لم نقصد الإساءة.
كنت أفسر وأعذر.
والإنصاف يقتضي ذلك.
لكن الإنصاف نفسه يفرض على الإنسان في مرحلة ما أن يسأل:
متى يصبح تكرار الحادثة نمطًا؟
فإذا تكرر أمام الرحّالة المشهد في أماكن وأزمنة مختلفة، لم يعد علميًا ولا أخلاقيًا أن يمسح كل تجربة مستقلة بحجة أن «الأفراد لا يمثلون المجتمع».
صحيح أن الفرد لا يمثل الأمة.
لكن تكرار أنماط السلوك داخل بيئة معينة يصبح في ذاته موضوعًا صالحًا للتأمل الاجتماعي.
وهذا هو التحول الذي حدث عندي.
لم أصحُ صباحًا وأقرر أنني لم أعد أحب تركيا.
بل بدأت المسافة تظهر ببطء بين تركيا المكان وبعض صور تركيا الإنسان التي كنت أواجهها في المدن الكبرى.
ولهذا تجدني في كتاباتي اللاحقة ما زلت أمدح طبيعة تركيا وجمالها وتنوعها، لكن لغتي تجاه التعامل البشري ـ وخصوصًا في إسطنبول وبعض المدن الكبرى ـ أصبحت أكثر تحفظًا.
وفي كتابتي عام 2022 سجلت بوضوح ملاحظتي عن الغلظة والتعامل بفوقية التي يمكن أن يلمسها الزائر في المدن المكتظة، وعلى رأسها إسطنبول.
ولم أقل ذلك يوم دخلت تركيا لأول مرة.
بل بعد سنين طويلة من السفر فيها والدفاع عنها. 

وهذه بالنسبة لي هي الفكرة المركزية:
لم تكن النتيجة موجودة أولًا ثم بحثت لها عن الأدلة؛ بل قاومت النتيجة زمنًا طويلًا قبل أن تدفعني إليها التجربة.
ومع ذلك أتركها نتيجة قابلة للمراجعة.
لأن الرحّالة إذا توقف عن مراجعة نفسه تحول من شاهد إلى داعية لفكرته.

لماذا لا أقول: «الأتراك هكذا»؟
لأنني لو قلتها لارتكبت الخطأ نفسه الذي أعترض عليه.
إذا كنت أرفض أن يرى إنسانٌ العربي ثم يقول:
«العرب هكذا».
فلا يحق لي أن أرى عددًا من الأتراك وأقول:
«الأتراك هكذا».
تركيا مجتمع ضخم، متنوع في مناطقه وطبقاته وتوجهاته السياسية والثقافية والدينية.
وقد عشت بنفسي ـ خصوصًا خارج إسطنبول ـ نماذج كريمة جدًا من الضيافة والمودة.
دخلنا بيوتًا.
شاركنا الناس طعامهم.
وجدنا من يسعد بمجالستنا.
وعشت من المحبة مثلما عشت من النفور.
ولهذا فإن موضوعي ليس «الدم التركي»، ولا «الشخصية التركية» باعتبارها جينات ثابتة.
بل أسأل عن ظاهرة اجتماعية:
هل توجد في بعض البيئات التركية، ولا سيما في المدن الكبرى، مركزية ثقافية ونظرة هرمية إلى الأجانب تجعل العربي أحيانًا في موقع مختلف عن الأوروبي؟
هذا هو السؤال الذي أستطيع أن أدافع عنه.
أما القول إن كل تركي يحتقر العربي فدعوى لا أستطيع إثباتها، ولا أؤمن بها.

التفسير الثاني: 
لماذا يُغتفر للأوروبي ما لا يُغتفر للعربي؟

وهذه عندي أكثر نقاط المسألة حساسية.
فمن خلال السفر الطويل لا يكفي أن تراقب كيف يعاملك الناس، وإنما عليك أن تراقب أيضًا كيف يعاملون الآخرين من حولك.
وهنا يبدأ الإنسان بملاحظة فروق لا تظهر في الكتب السياحية.
قد يقع الأوروبي في جهل بعادة محلية، فيبتسم له الناس:
«أجنبي، لا يعرف.»
بينما قد يقع العربي في الأمر نفسه، فيستحضر البعض مباشرة صورة جاهزة عن «العرب».
وهنا لا نتحدث فقط عن حسن الخلق وسوئه.
نحن أمام ما يمكن وصفه بـ هرمية غير معلنة للجنسيات.
فبعض المجتمعات لا تنظر إلى «الأجنبي» باعتباره فئة واحدة.
هناك أجنبي عالي المكانة في المخيال الاجتماعي.
وأجنبي أقل مكانة.
جواز السفر، واللغة، واللون، والصورة الإعلامية، والقوة الاقتصادية والسياسية للدولة التي يأتي منها الإنسان؛ كلها قد تدخل ـ بوعي أو دون وعي ـ في صناعة تلك النظرة.
ولهذا قد يفسَّر سلوك الأوروبي بوصفه سلوك فرد.
بينما يتحول تصرف العربي بسهولة إلى سلوك جماعة.
«هذا الأوروبي أخطأ.»
لكن:
«هؤلاء العرب يفعلون كذا.»
وهذه نقلة نفسية شديدة الخطورة.
مفارقة القرب: لماذا قد يكون القريب أقل تسامحًا من البعيد؟
وقد يبدو الأمر غريبًا.
فالعربي والتركي عاشا قرونًا طويلة في فضاء تاريخي متداخل، وبينهما دين مشترك لدى الأغلبية وروابط جغرافية وثقافية عميقة.
فلماذا يمكن أحيانًا أن يكون الأوروبي البعيد أكثر قبولًا؟
لأن القرب بين الشعوب لا يصنع المحبة دائمًا.
أحيانًا يصنع المنافسة والذاكرة والحساسية والتوقعات.
البعيد لا يحمل تاريخًا مشتركًا ثقيلاً.
هو «أجنبي» فقط.
أما القريب فقد تُسقط عليه خلافات التاريخ والسياسة والهوية.
ولهذا نجد في العالم كله أن التوتر بين المجتمعات المتجاورة أو المتشابهة قد يكون أشد أحيانًا من التوتر مع شعوب بعيدة جدًا.
والسائح قد يدخل الفندق أو المطعم وهو يظن نفسه مجرد مسافر جاء ليقضي ثلاثة أيام، بينما يقرأه الشخص المقابل من خلال مئة عام من السياسة والصور الإعلامية والخلافات التي لم يكن السائح نفسه طرفًا فيها.
العربي والسوري… حين تنتقل الصورة من جماعة إلى أخرى
ولا يمكن في السنوات الأخيرة فصل هذا النقاش عن قضية اللاجئين السوريين في تركيا.
فالتوترات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية المرتبطة باللجوء صنعت لدى جزء من المجتمع التركي موقفًا سلبيًا من السوريين.
وهذا أمر لا يجوز إنكاره.
لكن الخطر يبدأ حين يحدث ما يحدث عادة في صناعة الصور النمطية:
تبدأ الصورة بـ:
«السوري».
ثم تتسع إلى:
«العربي».
وعندها يمكن أن يصل السائح الخليجي أو العراقي أو المغربي إلى تركيا وهو يحمل جوازًا وتذكرة فندق، لكنه يجد نفسه في ذهن بعض الناس داخل تصنيف اجتماعي لم يصنعه.
ولا أقول إن هذا يفسر كل موقف عشته.
لكنني أراه جزءًا من الصورة التي تستحق الدراسة.

السائح ليس مطالبًا بالاعتذار عن ثقافته
وهنا أعود إلى أصل المقال.
من حق التركي أن يعتز بثقافته.
ومن حق الفرنسي.
والألماني.
والتونسي.
والسعودي.
لكن ليس من حق أحد أن يجعل ثقافته امتحان دخول أخلاقيًا للآخرين.
السائح مطالب بثلاثة أشياء واضحة:
- أن يحترم القانون.
- وألا يهين الناس ومقدساتهم.
- وأن يتجنب ما يعلم أنه يؤذي المجتمع الذي يستضيفه.
أما أن يطلب منه معرفة كل إشارة وكل عادة وكل معنى اجتماعي خفي، ثم يحاسب إن جهلها، فذلك غير منطقي.
فالإنسان لا يتعلم ثقافة مجتمع كامل في المطار.
المجتمع السياحي الناضج يفرق بين الخطأ والإساءة
هناك فرق بين رجل دخل مسجدًا أو مكانًا دينيًا وتعمد السخرية منه، وبين سائح أخطأ لأنه لا يعرف عادة محلية.
وفرق بين إنسان اعتدى على شخص، وبين شخص استخدم إشارة أو عبارة فهمها أهل البلد بصورة مختلفة.
الأول يتحمل المسؤولية.
أما الثاني فنشرح له.

قياس نضج المجتمع سياحياً.
وهنا أقيس نضج المجتمع السياحي.
فلايقاس المجتمع بعدد الفنادق.
ولا بعدد الطائرات.
ولا بحجم الأموال التي يجنيها من السياحة.
بل بقدرته على استيعاب المختلف دون أن يفقد احترامه لذاته.
المجتمع القوي يقول:
هذه عاداتنا، ونحب أن تحترمها.
لكنه لا يفترض أن كل من جهلها يحتقره.
وهل هذا النقد خاص بتركيا؟
لا.
وسيكون مقالي ضعيفًا أخلاقيًا لو جعلت المشكلة تركية فقط.
نحن العرب نحتاج إلى المرآة نفسها.
فقد ننتقد مجتمعًا لأنه يعطي الأوروبي مساحة أوسع من العربي، بينما توجد في بعض مجتمعاتنا نحن صور مشابهة في التعامل مع الأوروبي مقارنة بالآسيوي أو الإفريقي أو العامل الأجنبي الأقل مكانة اجتماعية.
وقد يعامل البعض الغربي باسم «الخواجة» أو «الأجنبي» باحترام زائد، ثم يعامل أجنبيًا آخر بطريقة مختلفة لأن جنسيته لا تحمل القيمة الرمزية نفسها.
إذن المشكلة أوسع من تركيا.
إنها مشكلة ترتيب البشر في العقل قبل أن نتعامل معهم.
ولهذا لا أريد أن أستبدل مركزية تركية ـ إن وجدت ـ بمركزية عربية مقابلة.
فالاستعلاء لا يصبح عدلًا إذا تبدلت جهة ممارسته.
إسطنبول ليست تركيا… لكنها ليست تفصيلًا صغيرًا أيضًا
وأخص إسطنبول كثيرًا في حديثي لأن تجربتي فيها كانت الأشد.
لكن من الإنصاف أن نقول إن إسطنبول مدينة هائلة، مزدحمة، مثقلة بالسياحة والهجرة والاقتصاد والاختلافات السياسية والاجتماعية.
وقد تكون العلاقة فيها بين السكان والسائح مختلفة تمامًا عن قرية في الأناضول أو بلدة صغيرة قرب البحر الأسود.
وقد رأيت أنا نفسي هذا الفرق.
لكن في المقابل لا يمكن الرد دائمًا بعبارة:
«هذه إسطنبول ولا تمثل تركيا».
فإسطنبول أيضًا واجهة تركيا الكبرى، وأهم مدنها السياحية، ويزورها ملايين البشر.
وما يحدث فيها يستحق أن يناقش، لا أن يُلغى لأنه لا يمثل كل قرية تركية.
الصواب في المنتصف:
إسطنبول ليست كل تركيا، لكنها جزء بالغ الأهمية منها.
حين تأخذ الدولة مال السائح فعليها أن تتقبل اختلافه
السياحة ليست عملية اقتصادية من طرف واحد.
الدولة التي تدعو العالم إلى زيارتها وتبني الفنادق والمطارات والمطاعم والأسواق لكي تجذب الأجانب تعرف مسبقًا أنها تستدعي معها شيئًا آخر:
اختلاف البشر.
لغة مختلفة.
لباس مختلف.
طرق مختلفة في الطعام والكلام.
عادات اجتماعية مختلفة.
لا تستطيع أن تقول للعالم:
تعالوا بأموالكم، لكن اتركوا اختلافكم في المطار.
هذه ليست سياحة.
السياحة الحقيقية لقاء بين ثقافتين.
ولهذا كما أن للسائح واجبًا، للمضيف واجب أيضًا.
السائح عليه كفاءة الاحترام.
والمضيف عليه كفاءة الضيافة.
ما الذي تعلمته من تجربتي التركية؟
تعلمت أولًا أن حب بلد لا يلزمك بالدفاع عنه في كل شيء.
وتعلمت أن انتقاد مجتمع لا يعني كراهيته.
وتعلمت كذلك أن الرحّالة إذا خشي أن يقول ما رأى حتى لا يغضب محبو المكان، فقد تحول إلى كاتب دعاية سياحية، لا شاهد على الناس والبلدان.
أنا اليوم لا أنكر تركيا التي أحببتها في 2011.
ولا أتبرأ من كلامي الذي كتبته مدافعًا عن أهلها.
بل أراه جزءًا أساسيًا من قصتي.
لأن الإنسان الذي لا يسمح لتجربته بأن تعدل أحكامه لم يتعلم شيئًا من السفر.
وقد أعود غدًا إلى تركيا فأجد ما يدفعني إلى تعديل هذا الرأي مرة أخرى.
وهذا لا يحرجني.
بل العكس.
فالرحّالة ليس قاضيًا يصدر حكمًا أبديًا على الشعوب.
إنه شاهد يمشي ويرى ويقارن ويراجع.
لا أطالب السائح بحصانة… ولا المضيف بالطاعة
موقفي في النهاية بسيط.
إذا أساء السائح عمدًا، فليحاسب.
إذا خالف القانون، فليطبق عليه القانون.
إذا أهان الناس، فلا تحميه جنسيته ولا أمواله.
لكن إذا أخطأ لأنه لا يعرف، فعلّموه.
وإذا اختلف، فلا تهينوه.
وإذا كان عربيًا فلا تحملوه أخطاء كل عربي رأيتموه قبله.
وإذا كان أوروبيًا فلا تعطوه امتيازًا أخلاقيًا لمجرد أن جوازه أوروبي.
فالقاعدة التي تحترم الإنسان لا تتغير بتغير جواز سفره.
السؤال الذي بقي معي
بعد كل هذه السنوات لم يعد سؤالي:
هل الأتراك جيدون أم سيئون؟
فهذا سؤال طفولي لا يليق بشعب ولا برحّالة.
كل شعب فيه هذا وذاك.
السؤال الذي يستحق أن يبقى هو:
متى يتحول حب الأمة لنفسها إلى استعلاء على غيرها؟
ومتى يصبح الاعتزاز بالهوية حاجة إلى أن يشعر الآخر بأنه أدنى؟
ولماذا نمنح بعض الغرباء حق الجهل بعاداتنا، بينما نطالب غريبًا آخر بأن يعتذر حتى عن اختلافه؟
هذه الأسئلة ليست موجهة إلى تركيا وحدها.
بل إلى كل مجتمع يفتح أبوابه للعالم.
وإلينا نحن العرب قبل غيرنا.
فالسياحة ليست اختبار ولاء ثقافيًا.
ولا ينبغي أن تكون مسابقة لإثبات أي الشعوب أرقى.
السياحة، في صورتها الإنسانية النبيلة، هي لقاء مؤقت بين شخصين جاء كل منهما من قصة مختلفة.
يقول الزائر للمضيف:
سأحترم بيتك.
ويرد عليه المضيف:
وسأحترم اختلافك.
وحين تتحقق هذه المعادلة يصبح السفر جسرًا بين الشعوب.
أما حين يصبح أحد الطرفين مطالبًا بالتخلي عن هويته حتى يرضى عنه الآخر، فقد فقد السفر جزءًا كبيرًا من معناه.
ولهذا، وبعد تجربة بدأت بمحبة تركيا والدفاع عنها ثم مرت بسنوات طويلة من المراجعة، لا أقول إنني أصبحت خصمًا للأتراك.
بل أقول شيئًا أدق:
كنت أدافع حين كان الدفاع، في نظري، هو الإنصاف.
واليوم أنتقد ما رأيته لأن الإنصاف نفسه هو الذي يطالبني ألا أصمت عنه.
فالضيف لا يملك حق إهانة البيت.
وصاحب البيت لا يملك حق إذلال الضيف.
وهذه، قبل أن تكون قاعدة في السياحة، قاعدة في احترام الإنسان.
الرحّال وائل الدغفق – رحّال الخبر
ولمحبي الاختصار،اقدم هذا المختصر المفيد..

حين يصبح الاختلاف تهمة
من حبّ تركيا والدفاع عنها إلى سؤال الاستعلاء الثقافي تجاه السائح العربي
من أكثر العبارات التي يسمعها المسافر: «احترم ثقافة البلد الذي تزوره»، وهي قاعدة صحيحة؛ فمن يدخل بلاد الناس فعليه احترام قوانينهم ومقدساتهم وخصوصياتهم.
لكن سنوات السفر الطويلة جعلتني أسأل سؤالًا آخر: هل السائح وحده مطالب بفهم ثقافة البلد، أم أن على المجتمع المضيف أيضًا أن يتفهم ثقافة ضيفه واختلافه؟
فالسائح لا يصل إلى المطار وقد تعلم كل إشارات المجتمع وعاداته. وقد يقع في تصرف لا يقصد به إساءة، فيكون واجب المجتمع السياحي الناضج أن يفرق بين الجهل بالعادة وبين احتقارها.
فالضيف لا يملك حق إهانة البيت، لكن صاحب البيت كذلك لا يملك حق إذلال الضيف.
حين يتحول الاعتزاز إلى استعلاء
لكل شعب حق الاعتزاز بتاريخه وثقافته، لكن المشكلة تبدأ حين تتحول الثقافة إلى معيار نحاكم به الآخرين.
في هذه الحالة قد يقع شخص نراه عالي المكانة في خطأ فنقول:
«إنه أجنبي ولا يعرف.»
بينما يقع شخص من جماعة نحمل عنها صورة سلبية في الخطأ نفسه فنقول:
«هؤلاء هكذا.»
الأول نحاسبه بوصفه فردًا، والثاني نحمله هوية شعب كامل.
وقد شعرت بهذا الفارق في بلدان مختلفة، لكنه كان أكثر حضورًا في بعض تجاربي التركية، وخصوصًا في إسطنبول.
لكن قبل أن نفسر نظرة بعض الأتراك إلى السائح العربي، من العدل أن أسأل نفسي أولًا: هل تغيرت تركيا في عيني، أم تغيرت عيني أنا؟ وللإجابة لا أحتاج إلى الذاكرة وحدها؛ فكتاباتي القديمة مؤرخة وتشهد عليّ.
من المحبة إلى المراجعة… شهادة الرحّالة قبل الحكم
في مارس 2011 كتبت تقريرًا عن تركيا بعنوان صريح:
«تفصيل للدولة التي أحبها تركيا لمن أرادها بأجمل طريقة.»
ثم واصلت لسنوات أنصح بالسفر إليها، وفي 2016 كتبت دليلًا بعنوان «خطوات ترحالية ذكية لرحلة ممتعة إلى تركيا».
وفي 2017، وبعد أن كنت قد زرت أكثر من 125 دولة، رأيت أن تركيا من أكثر البلدان التي تكاملت فيها عندي أربعة عناصر أحبها في السفر: الإسلام والحضارة والطبيعة والطعام الطيب الحلال.
بل إنني كنت أدافع عن الأتراك عندما يعمم بعض المسافرين أحكامهم عليهم، وكنت أذكر تجاربي الطيبة معهم في مدن وقرى كثيرة، وأرفض أن يحمل المجتمع أخطاء بعض أفراده.
أي أنني لم أدخل تركيا باحثًا عن سبب لانتقادها؛ بل كنت، إن صح التعبير، منحازًا إلى حسن الظن بها.
حتى السرقة لم تجعلني أكره تركيا
وفي إحدى رحلاتي القديمة إلى إسطنبول، كنا نقيم مع الأسرة والوالدين في منزل بمنطقة سارير المطلة على البوسفور، فدخل لص ليلًا من إحدى النوافذ وسرق محفظتي وبعض مقتنياتي.
وفي الفترة نفسها تعرض والدي ـ رحمه الله ـ أثناء وجوده مع والدتي لمحاولة سرقة من رجلين في أحد الأزقة، فقاومهما حتى ابتعدا.
ومع ذلك لم أقل يومها: «الأتراك لصوص».
فاللص يمثل نفسه، والجريمة لا جنسية لها.
وهذه الواقعة مهمة عندي اليوم؛ لأنها تعني أن حادثة شديدة كهذه لم تصنع موقفي الحالي.
الذي غيّر موقفي لم يكن حادثة… بل تراكم التجربة.
عندما يتحول التكرار إلى نمط
كنت في كل موقف أبحث عن العذر:
ربما سوء فهم، أو اختلاف لغة، أو ضغط عمل، أو خطأ منا نحن السياح.
لكن عندما تتكرر المواقف في أزمنة وأماكن مختلفة يبدأ الرحّالة في التساؤل: متى تتوقف الحادثة عن كونها استثناءً وتصبح ظاهرة تستحق الملاحظة؟
ولهذا تغيرت لغتي تدريجيًا، حتى سجلت في كتاباتي سنة 2022 ملاحظتي عن الغلظة والتعامل بفوقية في بعض المدن التركية الكبرى، وفي مقدمتها إسطنبول.
ولذلك لا أرى في تغير موقفي تناقضًا.
التناقض الحقيقي أن يرى الإنسان الوقائع تتغير أمامه، ثم يصر على رأيه القديم خوفًا من الاعتراف بأنه راجعه.
لماذا يُغتفر للأوروبي ما لا يُغتفر للعربي؟
وهنا أصل إلى أكثر ما أثار انتباهي.
في بعض المواقف رأيت أن الأوروبي يمكن أن يخطئ فيُنظر إليه على أنه شخص لا يعرف العادة، بينما يُقرأ خطأ العربي أحيانًا داخل صورة مسبقة عن «العرب».
وهذه ليست مسألة تركية خالصة، بل تدخل في هرمية اجتماعية غير معلنة للجنسيات؛ حيث تؤثر صورة الدولة والجواز واللغة والتاريخ والسياسة في الطريقة التي يُنظر بها إلى الإنسان.
وقد ساهمت في السنوات الأخيرة قضية اللاجئين السوريين والتوترات السياسية والاقتصادية في تكوين صور سلبية لدى جزء من المجتمع التركي، والخطر أن تتوسع صورة «السوري» أحيانًا لتصبح صورة عن «العربي» عمومًا.
ولا أقول إن هذا يفسر كل موقف، ولا أن الأتراك جميعًا يفكرون بهذه الطريقة.
فأنا نفسي عرفت في تركيا أناسًا في غاية الكرم والمودة، وخصوصًا خارج إسطنبول.
ولهذا لا أقول: «الأتراك هكذا».
ولو قلتها لكنت أرتكب التعميم نفسه الذي أعترض عليه.
إسطنبول ليست تركيا كلها
كانت تجربتي الأصعب غالبًا في إسطنبول، لكن إسطنبول ليست تركيا بأكملها.
في الأرياف والمدن الصغيرة عشت صورًا مختلفة من الترحيب والبساطة والمودة.
ومع ذلك لا يمكن أيضًا إلغاء ما يحدث في إسطنبول بحجة أنها لا تمثل تركيا؛ فهي أكبر واجهات البلاد السياحية، وما يحدث فيها يستحق النقاش.
والسؤال موجه إلينا نحن أيضًا
سيكون النقد ناقصًا إن جعلنا المشكلة تركية فقط.
فنحن العرب قد نمارس أحيانًا التمييز نفسه عندما نعامل الغربي بطريقة، والآسيوي أو الإفريقي بطريقة أخرى.
إذن القضية ليست صراعًا بين العرب والأتراك، بل سؤال أوسع:
هل نحترم الإنسان لكونه إنسانًا، أم بحسب مرتبته في خيالنا الاجتماعي؟
السياحة لقاء بين ثقافتين
الدولة التي تدعو العالم إلى زيارتها لا تستطيع أن تقول للناس:
تعالوا بأموالكم، لكن اتركوا اختلافكم في المطار.
السياحة لقاء بين ثقافتين.
على السائح أن يحترم القانون والمقدسات والناس.
وعلى المضيف أن يستوعب أن الزائر مختلف، وقد يجهل بعض عاداته.
فإذا أساء السائح عمدًا فليحاسب، وإذا خالف القانون فليطبق عليه.
أما إذا أخطأ لأنه لا يعرف، فعلّموه ولا تهينوه.
وإذا كان عربيًا فلا تحملوه أخطاء العرب جميعًا، وإذا كان أوروبيًا فلا تمنحوه حصانة ثقافية لأن جوازه أوروبي.
ما الذي تعلمته؟
تعلمت أن حب بلد لا يلزمك بالدفاع عنه في كل شيء، وأن نقده لا يعني كراهيته.
كنت أدافع عن تركيا حين كنت أعتقد أن الدفاع عنها هو الإنصاف.
واليوم أنتقد ما رأيته لأن الإنصاف نفسه هو الذي يطالبني بذلك.
وقد أراجع رأيي مرة أخرى إن تغيرت تجربتي؛ فالرحّالة ليس قاضيًا يصدر أحكامًا أبدية على الشعوب، وإنما شاهد يرى ويقارن ويراجع.
ويبقى السؤال الذي خرجت به من كل ذلك:
متى يتحول الاعتزاز بالهوية إلى استعلاء على هوية الآخر؟ ولماذا نمنح بعض الغرباء حق الجهل بعاداتنا، بينما نطالب غريبًا آخر بالاعتذار حتى عن ثقافته؟
السياحة في معناها الإنساني ليست اختبار ولاء.
بل علاقة بسيطة بين ضيف ومضيف:
يقول الضيف: سأحترم بيتك.
ويرد المضيف: وسأحترم اختلافك.
فالضيف لا يملك حق إهانة البيت،
وصاحب البيت لا يملك حق إذلال الضيف.

الرحّال وائل الدغفق - رحّال الخبر 2026