الخُبر... لذيذةُ المكان، جميلةُ الزمان، حلوةُ السكن والمقام
من تاريخ الخُبر اكتب عشقي لأحرفها ، وبمداد من بحرها ، وبنقطٍ من لؤلؤ أبيض نقي ، لأسطّر أجمل الغزل في معانيها ...
فليست الخُبر مدينةً طارئةً صنعها النفط من عدم، كما قد يتبادر إلى الذهن، وليست كذلك أقدم مدن شرق الجزيرة؛ فالأحساء والقطيف والجبيل لها جذورها العميقة في التاريخ والعمران.
لكن للخُبر حكاية أخرى تستحق أن تُروى...
حكاية مدينة حديثة العمران، قديمة الأرض، بحرية الروح، سبقت كثيرًا من الأحياء والمدن المحيطة بها إلى التشكّل الحضري الحديث، ثم وجدت نفسها في قلب التحول الأكبر الذي عرفته المنطقة الشرقية في القرن العشرين.
كانت الخُبر قبل أن تتلألأ شوارعها، وقبل أن تصير واجهةً على الخليج، أرضًا منخفضةً تلامس البحر؛ يمتد أمامها الأفق بلا حواجز، ويأتيها نسيم الخليج محمّلًا برائحة الملح والسفن واللؤلؤ.
مكانٌ بسيط، لكنه كان محاطًا بالتاريخ من كل جهة.
فإلى الغرب منها جبل الظهران، وفي جنوب الظهران تنتشر مواقع ومدافن أثرية تعود إلى الألف الثالث قبل الميلاد، وتدل المكتشفات فيها على صلات حضارية قديمة بمنظومة دلمون والخليج القديم.
وإلى الجنوب تقع عين السيح وقرية لنية ، والتي عُثر في نطاقها على مواقع مرتبطة بفخار حضارة العبيد، أي بتاريخ يرجع إلى آلاف السنين قبل الميلاد.
أما شمال الخبر، في نطاق الراكة، فقد كشفت التنقيبات عن بقايا استيطان وآبار ومبانٍ ولقى تمتد إلى عصور تاريخية متعددة تمثلت بقرية الحصين.
وهكذا، فإن الأرض التي ستقوم عليها الخُبر الحديثة لم تكن أرضًا بلا ذاكرة؛ بل كانت بين الراكة شمالًا، والظهران غربًا، وعين السيح جنوبًا، وفرضتها على الخليج شرقًا، وكأن التاريخ أحاط بها من الجهات الأربع ثم ترك للقرن العشرين أن يكتب فصلها الجديد.
ثم أقبل أهل البحر...
في سنة 1923م جاءت الهجرة التي ستغيّر شكل الساحل.
خرجت جماعات من دواسر البحرين إلى الساحل السعودي، واستقر قسم منهم في الخُبر، وتوزع آخرون في الدمام، فنشأت بذلك إحدى أهم نوى العمران الحديث في هذا الجزء من الساحل.
وكان اختيار الخُبر مفهومًا؛ فالبحر أمامهم، والبحرين خلف الأفق، ونمط الحياة مألوف: سفن، وغوص، وصيد، وتجارة، وبيوت بسيطة تُقام مما تجود به البيئة الساحلية من سعف النخيل والخشب والحجر البحري.
وتؤكد المصادر السعودية أن قرى الخبر والدمام التي عمّرها الدواسر بعد هجرتهم من البحرين عرفت في بدايتها مساكن سعفية بسيطة "برستيات" وعلى النمط الخليجي المعروف.
ولذلك لم ينقل الدواسر أجسادهم إلى الخُبر فحسب؛ بل نقلوا معهم ذاكرة المكان البحريني:
طريقة بناء البيت للبدايات،
وعلاقة البيت بالبحر،
وضيق الأزقة،
والمجالس،
والفرجان،
وتجارة الساحل،
وطريقة الاجتماع بين الجيران.
ثم بدأ البرستي يتحول إلى بيت عربي ، والبيت إلى فريج، والفريج إلى شارع، والشارع إلى مدينة.
ولا تزال أجزاء من قلب الخُبر القديم، حول نطاق شارع الأمير محمد وشارع الملك سعود وطلال والشوارع المتقاطعة القديمة بين 3 و5، تحتفظ بشيء من تلك الذاكرة؛ أزقة ومسارات لم تُخلق في مكتب مهندس حديث، بل فرضتها البيوت الأولى قبل أن يصل إليها التخطيط.
وهنا بدأت الخُبر من البحر، لا من النفط.
ثم جاء النفط يبحث عن مكانه...
فبعد عشرة أعوام تقريبًا من هجرة الدواسر، وقع الملك عبدالعزيز اتفاقية امتياز النفط مع شركة ستاندرد أويل أوف كاليفورنيا في 29 مايو 1933م، ووصل الجيولوجيون إلى المنطقة في سبتمبر من العام نفسه، وبدأت الأرض الواقعة خلف الخُبر تتغير بهدوء.
وفي أوائل سنة 1935م كان موقع العمل في الظهران يشغّل أكثر من 240 سعوديًا في إنشاء المعسكرات العمالية وأعمال الحفر ، بين جبل النهيدين ، وأيضا عند مسجد العدنيين وكانت تسمى "اللاينات" .
ثم تضاعفت أعداد السعوديين العاملين قرابة عشرة أضعاف مع اقتراب نهاية الثلاثينيات.
وذكر ان عددهم وصل الى«3100 ععامل»
وأوائل 1935، ثم نمو العدد قرابة عشرة أضعاف بنهاية العقد.
وكان كثير من هؤلاء العمال يحتاجون إلى مكان يعيشون فيه، وإلى سوق يشترون منه، وإلى مرفأ تصل عبره المؤن والمعدات.
وهنا عادت الخُبر لتدخل المشهد.
فهي لم تكن مقر البئر، ولكنها كانت باب البحر.
أما الظهران النفطية التي نعرفها اليوم، فقد أخذ عمرانها الحديث يتشكل حول معسكرات الشركة وأعمال الحفر في الثلاثينيات، أي بعد قيام النواة السكانية الحديثة في الخُبر.
ثم جاء اليوم الذي غيّر تاريخ المملكة.
في 4 مارس 1938م تدفق النفط بكميات تجارية من بئر الدمام رقم 7 – بئر الخير في جبل الظهران، بعد سنوات من المحاولات والحفر.
ومنذ ذلك الصباح لم يعد الساحل كما كان.
الخُبر... أول نافذة للنفط على البحر
من أجمل فصول تاريخ الخُبر، والذي يغيب عن كثيرين، أن النفط الذي اكتُشف في الظهران وجد طريقه في بداياته إلى البحر عبر ميناء الخُبر.
فقد أنشأت الشركة خطًا من منطقة الظهران إلى الخُبر، وأقامت فيها خزانات ومحطة للشحن، ومن سبتمبر 1938م بدأ نقل النفط من ميناء الخُبر "فرضة الخبر" إلى مصفاة بابكو في البحرين.
أما أول شحنة نفطية سعودية كبرى من رأس تنورة، بحضور الملك عبدالعزيز، فجاءت في 1 مايو 1939م.
وهنا تكمن واحدة من مفاخر الخُبر الحقيقية:
النفط خرج من جوف الظهران، ولكنه لامس البحر في مرحلة مبكرة من تاريخه عبر الخُبر.
وكانت الفرضة كالقلب الذي أخذ يضخ الحياة في المدينة.
وصلت السفن من البحرين،
ونزلت البضائع،
وجاء العمال والتجار،
وفتحت الدكاكين،
وكثرت البيوت،
واتسعت الأسواق.
وأخذت البرستيات الأولى تُخلي مكانها شيئًا فشيئًا للبيوت المبنية، ومنها بيوت بالحجر البحري "فروش البحر" المحلي المعروف بـالفروش، في عمارة خليجية تشترك فيها مدن الساحل على جانبي الخليج.
ولم يكن الدواسر حين بنوا الخُبر يبتكرون عمارة غريبة عنهم؛ كانوا يعيدون، بصورة طبيعية، شيئًا مما عرفوه في البديّع وقرى البحرين، ولكن على ضفة أخرى من الخليج.
قبل أن تبنى الثقبة والعقربية بصورتهما الحديثة
حين كانت الخُبر تكبر حول فرضتها وأسواقها، فلم تكن أحياء الثقبة والعقربية والصبيخة قد أخذت بعد صورتها العمرانية التي عرفتها الأجيال اللاحقة.
وكانت الظهران نفسها في طور التحول من جبل ومعسكرات ومنشآت مرتبطة بأعمال النفط إلى مدينة مكتملة الملامح.
ولهذا فإن القول الأدق ليس إن «لا شيء كان موجودًا حول الخُبر»، وإنما:
الخُبر كانت من أسبق نوى العمران الحضري الحديث في الحاضرة التي ستصبح لاحقًا: الدمام–الخُبر–الظهران.
أما الدمام الحديثة، فقصتها متقاربة زمنيًا مع الخُبر، إذ استقر فيها أيضًا قسم من الدواسر، وبدأ عمرانها الساحلي حول موضع القلعة وما جاورها، ثم راحت هي الأخرى تتوسع وتتشكل أحياؤها.
فلم تكن العلاقة بين الخُبر والدمام علاقة مدينة قديمة بأخرى مستحدثة، بل كانتا شقيقتين ولدتا تقريبًا في زمن واحد، لكل واحدة منهما طريقها:
الخُبر أخذها البحر والتجارة وخدمة الظهران،
والدمام أخذتها الإدارة والميناء والتوسع العمراني اللاحق،
أما الظهران فصنع النفط شخصيتها الحديثة.
حين أصبحت الخُبر مركز الإدارة
ومع ازدياد العمال والسكان والتجارة، لم تعد تلك البلدة البحرية الصغيرة مجرد مساكن على الشاطئ.
ففي سنة 1359هـ/1940م أُنشئت في وسط مدينة الخُبر "إمارة مقاطعة الظهران" ، بعد أن كانت الخُبر والظهران والدمام في التنظيم السابق مرتبطة بإدارة القطيف.
وهنا ينبغي الدقة: لم تكن هذه «أول إمارة في المنطقة الشرقية» بمعناها التاريخي المطلق، وإنما كانت بداية التنظيم الإداري المستقل للحاضرة الجديدة التي كانت تنمو حول الخُبر والظهران والدمام.
ثم جاءت خطوة لا تقل دلالة.
ففي سنة 1361هـ/1942م أمر الملك عبدالعزيز بإنشاء بلدية الخُبر وتوابعها، وكان لها توابع ، مثل فرع الدمام وفرع الظهران، قبل أن يستقل الفرعان لاحقًا بعد خمس سنوات في عام 1947م.
وتلك الحقيقة وحدها تقول الكثير عن وزن الخُبر في الأربعينيات:
الخبر لم تكن يومها تابعًا حضريًا للدمام أو الظهران؛ بل كانت بلديتها تدير خدماتها وتمتد إداريًا إليهما.
ثم دارت عجلة الزمن...
وكبرت الدمام حتى أصبحت عاصمة المنطقة الإدارية،
وكبرت الظهران حتى أصبحت عاصمة صناعة النفط،
وكبرت الخُبر بطريقتها الخاصة...
لكنها حافظت على شيء لم تستطع الأبراج الحديثة أن تمحوه:
روح المدينة البحرية.
فالخُبر، مهما اتسعت، بقي البحر يحدد شخصيتها.
كورنيشها ليس زينة أضيفت إليها؛
البحر هو أصل قصتها.
وشوارعها القديمة ليست مجرد طرق ضيقة؛
إنها آثار أقدام أولئك الذين جاؤوا من البحرين وبنوا بيوتهم الأولى.
وفرضتها ليست رصيفًا مهجورًا؛
إنها بابٌ دخلت منه المعدات والسلع والرجال، وخرج عبره النفط في واحدة من البدايات المبكرة لتصديره.
والظهران خلفها ليست مدينة مجاورة فحسب؛
إنها الجبل الذي غيّر اقتصاد المملكة.
أما عبن السيح ولنية والراكة ومدافن الظهران المحيطة بها، فتذكّرنا بأن القصة لم تبدأ سنة 1923 ولا سنة 1938؛ فهناك تحت الرمال زمن أقدم من النفط والدواسر والمدن الحديثة بآلاف السنين.
ولهذا أحب الخُبر...
ليس لأنها أكبر المدن،
ولا لأنها أقدم المدن،
ولا لأن التاريخ بدأ منها...
بل لأنها استطاعت في أقل من قرن أن تنتقل من أكواخ صغيرة على الخليج إلى مدينة لها حضورها، من غير أن تقطع حبلها بالبحر.
كانت لذيذة المكان، جميلة الزمان، حلوة السكن والمقام.
فيها هدوء البحر،
وذاكرة الدواسر،
وخطوات عمال النفط الأوائل،
وصوت السفن عند الفرضة،
ورائحة البيوت القديمة حين كان الفريج يعرف أهله واحدًا واحدًا.
ثم مر بها النفط، فكبرت.
ومرت بها التجارة، فاغتنت.
ومر بها الناس من أنحاء المملكة والعالم، فاتسعت.
وبقيت الخُبر...
مدينةً لا تحتاج أن تدّعي أنها أقدم من سواها لكي تفخر بتاريخها؛ فيكفيها أنها كانت من المدن التي وقفت عند باب التحول الكبير، ورأت الشرقية القديمة وهي تدخل عصر النفط والمدينة الحديثة.
وهنا أقولها، لا تعصبًا للمكان، وإنما وفاءً لذاكرته:
هَذِهِ الخُبَرُ فَأْتِني بِمِثْلِها أُفاخِر
إذا جُمِعَتْنا بَيْنَ المَدائِنِ مَجامِعُ
كتبها
رحّال الخُبر وابنها
وائل الدغفق
1448هـ – 2026م
الخبر التي تسكنني… من ذاكرة طفل في سبعينيات القرن الماضي
كلما عدت بذاكرتي إلى الخبر في سبعينيات القرن الماضي، لا أستعيد مدينةً كما تبدو في الصور القديمة فحسب، وإنما أستعيد زمنًا كاملًا؛ زمنًا كانت فيه الحياة أقلَّ رفاهية، لكنها أكثر قربًا بين الناس، وأشد التصاقًا بالمكان.
كانت أيامًا فيها التعب والحر والرطوبة، وفيها شظف العيش مقارنة بما نعرفه اليوم، ومع ذلك بقي لها في النفس عبق عجيب. ربما لأننا لم نكن نملك الكثير، لكننا كنا نعيش الأشياء بكل تفاصيلها.
كانت الخبر آنذاك أصغر، وأهلها يعرف بعضهم بعضًا، والأسواق والمطاعم والدكاكين والمجالس جزءًا من نسيج اجتماعي واحد. ولم تكن المدينة قد تمددت كما نراها اليوم، لذلك كان المرور في شارع أو سوق يعني غالبًا أن ترى وجهًا تعرفه، أو تسلّم على رجل يعرف والدك، أو تسمع اسم عائلة ارتبطت في ذهنك بمحل أو مهنة أو مجلس.
كازينو الخبر… ومقاهي المدينة
من الصور التي لا تزال عالقة في ذاكرتي كازينو الخبر، ذلك المكان الشعبي الشهير بجلساته البسيطة، وكان مقابل شارع الملك خالد في الحديقة الوسطى، أو ما كنا نسميه الجزيرة.
كان من أكثر مرتاديه سائقي ستيشن الخبر الذين اتخذوا من تلك الناحية مكانًا لهم، إلى جانب عدد من سكان المدينة.
ولم يكن الكازينو من الأماكن الفخمة؛ بل كان مقهى شعبيًا بسيطًا إذا قورن بما كان موجودًا آنذاك من مطاعم ومقاهٍ تعد راقية بمقاييس تلك الأيام.
فكان هناك مطعم ومقهى العوّامة عند البحر أمام مصنع القصيبي، ومطعم مكسيم في شارع البيبسي، ومطعم الواحة عند مدخل الراكة.
لكن المكان الذي بقي الأقرب إلى الناس، والأكثر حضورًا في ذاكرة الصغار والكبار، كان فوالة الحراج.
ولها عندي ذكرى خاصة؛ فهي، فيما أذكر، أول مطعم دخلته في حياتي عام 1974م.
وكانت حولها حياة كاملة؛ سوق، وحراج، ومحلات، وباعة، وأناس يأتون ويذهبون طوال النهار.
وفي شارع الملك خالد كانت مطاعم البخاري، وكانت هناك مقاهي الجراك فوق أسطح بعض المحلات، خصوصًا عند تقاطع شارع 3 مع شارع طلال، بالقرب من سوق السمك.
كانت المقاهي فوق السطوح مشهدًا من مشاهد الخبر القديمة؛ رجال يجلسون في المساء، وأحاديث تمتد، ودخان الجراك يتصاعد في الهواء، والمدينة تحتهم تمضي بهدوئها القديم.
غرفة المكيّف التي تجمع البيت كله
أما الصيف في الخبر، فله قصة أخرى.
لا ينبغي لمن يعيش اليوم بين المكيفات المركزية والعوازل الحرارية أن يقيس صيف تلك الأيام على صيفنا الحالي.
كان الحر شديدًا والرطوبة خانقة، وكثير من البيوت لم يكن فيها إلا مكيّف واحد.
وفي بيتنا كانت هناك غرفة مخصوصة نسميها ببساطة:
غرفة المكيّف.
فإذا اشتد الصيف اجتمعنا كلنا للنوم فيها.
وكان المكيّف القديم بصوته العالي وهديره يهز الغرفة، وربما أحسسنا أنه يهز البيت كله!
ومع ذلك، يا لحلاوة ذلك الصوت حين أستعيده اليوم.
صوت لو سمعه أبناؤنا الآن ربما لم يستطيعوا النوم معه، أما نحن فكان بالنسبة إلينا صوت النجاة من حر الخبر ورطوبتها.
ولم يكن المكيّف يعمل طوال الصيف كما يحدث اليوم.
فإذا انكسرت الرطوبة، واعتدل الهواء قليلًا، تركنا الغرفة وصعدنا للنوم فوق سطح البيت.
نفرش فرشنا تحت السماء، وننام على هواء الليل.
لم يكن الأمر نزهة رومانسية كما قد يتخيلها أحد اليوم، بل كان جزءًا طبيعيًا من الحياة.
ومع هذا… بقيت ليالي السطوح من أجمل ذكريات الطفولة.
ماء الخبر… والعودة من الزبير والكويت
ومن عاش الخبر قديمًا سيعرف جيدًا ماذا أعني حين أتحدث عن طعم الماء.
كانت المياه مالحة المذاق، أو فيها مرارة يصعب على من لم يعش تلك المرحلة أن يتصورها.
وكنا في الصيف نذهب إلى الكويت والزبير عند أخوالي، فنعتاد هناك على ماء أخف وأحلى مذاقًا.
وحين نرجع إلى الخبر نحتاج عدة أيام حتى تتأقلم ألسنتنا من جديد مع طعم مياهها!
أما الماء الحلو، أو ما كنا نسميه «البيذر»، فلم يكن ماء الاستعمال اليومي عندنا، بل يُحفظ غالبًا للشاي والطبخ.
وهذه التفاصيل الصغيرة تبدو اليوم هامشية، لكنها في الحقيقة جزء من تاريخ المدن؛ فالتاريخ ليس فقط تواريخ المباني والقرارات الرسمية، بل أيضًا:
ماذا كان الناس يشربون؟ وأين كانوا ينامون؟ وكيف كانوا يواجهون الصيف؟
شوارع التراب و«الحوط»
ولم تكن شوارع الخبر كلها مسفلتة.
الطرق الرئيسية نعم، أما كثير من الشوارع الداخلية فكانت ترابية.
وكانت هناك في أحياء الخبر أراضٍ كثيرة محاطة بالجدران وخالية من البناء نسميها «الحوط».
بعض هذه الحوط تحوّل إلى ملاعب كرة قدم للصغار والشباب، وبعضها كان عالمًا كاملًا لطفولتنا؛ نجري حول جدرانه، ونلعب بالقرب منه، ونصنع بأبسط الأشياء مغامرات تكفينا حتى المساء.
لم نكن نحتاج إلى مدن ألعاب.
كانت المدينة نفسها ملعبنا.
قطعة أرض فضاء، وكرة، وعدد من الأولاد، تكفي لصناعة نهار كامل من السعادة.
دكاكين الحي… وعالم البقالات الكبيرة
وكان لكل شارع تقريبًا دكانه الصغير.
أتذكر دكان العيدي ودكان الشميمري وغيرهما من الدكاكين التي كان يعرف أصحابها سكان الحي، ويعرفون أبناءهم.
تدخل الدكان فلا تكون مجرد زبون؛ فأنت ابن فلان ومن أهل الحي.
لكن إلى جانب هذه الدكاكين الصغيرة، كانت هناك البقالات الكبيرة التي بدت لنا نحن الأطفال وكأنها عالم آخر.
ومن أشهرها بقالة العائلات في شارع الأمير محمد عند تقاطع شارع 2، وكان يملكها العبّاد.
وكانت هناك كذلك بقالة الأسواق في الموقع الذي تقع فيه بلدية الخبر اليوم.
زيارة هذه البقالات كانت بالنسبة لنا أمنية.
ففيها بضائع لم نكن نراها في دكاكين الحي، وبخاصة المنتجات الأمريكية.
وهناك رأينا علب الكورن فليكس، وأنواعًا وأشكالًا من الككاوات والحلويات كانت تثير خيال طفل في ذلك الزمن.
أما المشروبات الغازية فكان لها عالمها الخاص:
بيبسي، سينالكو، كراش، وكندا دراي.
ولكل واحد منها زجاجته ولونه وطعمه وصورته في الذاكرة.
خبز المطرود… وألبان البدايات
حتى الخبز له ذاكرة.
كان الخبز البريد الذي يصنعه المطرود جميل الشكل في أعيننا، مختلفًا عما اعتدناه من الخبز التقليدي.
ويرتبط اسم المطرود في ذاكرتي كذلك ببدايات صناعة الألبان، مع مصنع الألبان الوطني للمطرود، في مرحلة مبكرة من تحول الخبر والمنطقة الشرقية إلى حياة مدينية أكثر تنظيمًا وتنوعًا في المنتجات.
أما الثلج، فلم يكن يأتي ببساطة من آلة صغيرة داخل كل بيت كما هو الحال اليوم.
كنا نعرف مصنع الدوسري للثلج في البايونية على طريق العزيزية، وكان الثلج سلعة يومية لها أهميتها، خصوصًا في صيف المنطقة الشرقية.
هذه الأشياء التي تبدو الآن عادية كانت آنذاك جزءًا من التحول الكبير الذي عاشته المدينة.
اللحم والسمك والخضرة… تُشترى كل يوم
ولم تكن فكرة ملء الثلاجة لأسبوع أو شهر مألوفة كما هي اليوم.
كنا نشتري اللحم يومًا بيوم، وكذلك السمك والخضار.
وكانت هذه الأسواق مقابل فوال الحراج تقريبًا، وأمامها حراج الخبر الذي كان عالمًا قائمًا بذاته.
وأذكر من رجاله الجطيلي، الذي كان من وجوه الحراج، وكان أبناؤه يعملون في مجال الكهرباء.
وكان السوق يومها ليس مجرد مكان للبيع والشراء.
كان مجلسًا.
يعرف الناس أخبار بعضهم فيه، ويلتقون ويتبادلون الحديث، وتنعقد من خلاله الصداقات والمصالح والعلاقات الاجتماعية.
أبي… ودورته الصباحية بين رجال الخبر
ولعل أكثر ما يربطني بالخبر القديمة تلك الجولات التي كنت أرافق فيها والدي، رحمه الله.
كانت له محطات يعرفها، ورجال يأنس إليهم، ومحلات لم تكن بالنسبة إليه مجرد أماكن تجارة، بل مجالس أصدقاء.
كان يجلس أحيانًا عند أبي عمر القضيب وأبنائه إبراهيم وعمر، في محلاتهم لبيع الأسمنت ومواد البناء.
وأنا معه، صغير أراقب الرجال وأسمع أحاديث لا أفهم كثيرًا منها، لكنها كانت تدخل الذاكرة من دون أن أدري.
ثم ينتقل إلى محلات الفارس:
عبداللطيف، وإبراهيم، وعبدالمحسن، وعبدالكريم.
ثم إلى محلات الإطارات عند محمد المانع وأخيه عبدالعزيز المانع، مترجم الملك عبدالعزيز، وهي عائلة ارتبط اسمها كذلك بالمستشفى والعمل التجاري في المنطقة.
وفي أيام أخرى يكون المجلس عند الجلاهمة، أو عند ناصر الفارس، أو أبي سمير العمران، أو أبي سعود الحمود، أو عند النصّار.
وهكذا كان الوالد، رحمه الله، يدور في الصباح بين أهل الخبر ومحلاتهم، وربما عاد إليهم في المساء.
لم أكن أعرف يومها أنني أشاهد أمامي فصلًا من التاريخ الاجتماعي للمدينة.
كنت أظن أن أبي فقط يزور أصدقاءه.
أما الآن فأفهم أن تلك الجولات كانت صورة لنمط حياة كامل؛ المدينة فيه شبكة من العلاقات الإنسانية، والتاجر يعرف جاره، وصاحب المحل يعرف العائلة، والرجل إذا مر بالسوق وجد أكثر من مجلس يستطيع أن يجلس فيه دون موعد.
الخبر قبل أن تكبر
كبرت الخبر بعد ذلك.
امتدت الشوارع، وارتفعت المباني، واختفت أراضٍ كثيرة كنا نسميها الحوط، وغابت دكاكين، وظهرت مكانها أسواق ومجمعات ضخمة.
ودخل التكييف كل غرفة.
وجاء الماء المحلّى إلى البيوت.
وأصبح الثلج في باب الثلاجة.
وصار اللحم والسمك والخضار محفوظًا لأيام.
وتغيرت سيارات الأجرة، والمطاعم، والمقاهي، والأسواق.
وهذا كله من نعم الله ومن تطور الحياة.
ولست ممن يزعم أن الماضي كان أفضل في كل شيء.
لم يكن كذلك.
كان الماضي أصعب في جوانب كثيرة، وكانت الخدمات أقل، والحر أشد وطأة، والمياه أصعب، والشوارع أقل تجهيزًا.
لكن شيئًا آخر كان موجودًا بكثافة أكبر:
قرب الناس من بعضهم.
فالفرق بين الأمس واليوم ليس أن الماضي كان جميلًا كله والحاضر سيئًا؛ فتلك قراءة رومانسية غير عادلة للتاريخ.
إنما الفرق أن لكل زمن مكاسبه وخسائره.
ربحنا اليوم الراحة والخدمات والاتساع والخيارات، لكن المدينة الصغيرة القديمة كانت تمنح أهلها نوعًا من الألفة يصعب أن يبقى بالدرجة نفسها حين تكبر المدن ويزداد سكانها وتتغير أنماط الحياة.
الذاكرة هي الخريطة الأخيرة
وحين أكتب هذه الذكريات الآن، أكتشف أن للإنسان مدينتين.
مدينة يعيش فيها بجسده.
ومدينة يحملها في داخله.
أما الخبر التي أحملها أنا، ففيها كازينو الخبر، وفوالة الحراج، والعوامة، ومكسيم، والواحة.
وفيها دكان العيدي والشميمري، وبقالة العائلات والأسواق.
وفيها بيبسي وسينالكو وكراش وكندا دراي.
وفيها خبز المطرود وثلج الدوسري.
وفيها سوق السمك، والحراج، والحوط، وشوارع التراب.
وفيها رائحة البحر ورطوبة الصيف.
وفيها غرفة واحدة ينام فيها أهل البيت جميعًا تحت هدير مكيف يهز الجدار.
وفيها سطح بيت ننام فوقه إذا ذهبت الرطوبة.
وفيها كوب شاي لا نصنعه إلا بالماء الحلو.
لكن أجمل ما فيها…
أبي رحمه الله.
أراه يمشي أمامي في أسواق الخبر، يدخل هذا المحل ويخرج من ذاك، ويسلم على هذا ويجلس عند ذاك، وأنا طفل أسير خلفه ولا أعرف أنني أختزن المشهد كله ليوم سيأتي بعد نصف قرن فأبحث فيه عن تلك الوجوه وتلك الأماكن.
اختفت محلات، ورحل رجال، وتغيرت المدينة.
لكن الغريب في الذاكرة أنها لا تعترف كثيرًا بالهدم والبناء.
يكفي أن يمر اسم قديم بخاطرك حتى يعود الشارع كما كان، وتفتح الدكاكين أبوابها، ويجلس الرجال أمام المحلات، وتعود أصواتهم، وتتحرك السيارات في الطريق، ويهب هواء البحر الرطب من جديد.
وأعود أنا ذلك الطفل الذي يمشي إلى جوار أبي في شوارع الخبر.
كم كانت أيامًا حلوة…
حلوة حتى بتعبها.
وحلوة بحرارتها.
وحلوة بمائها الذي كنا نشكو طعمه.
لأن قيمة بعض الأيام لا نعرفها ونحن نعيشها؛
إنما نعرفها عندما تصبح هي الشيء الوحيد الذي لا نستطيع العودة إليه.
الرحّال وائل الدغفق – رحّال الخبر