الأحد، 16 أغسطس 2026

الغابة الجيولوجية والتاريخية لوادي المياه. د.وائل الدغفق

اعده وكتبه : الرحال وائل الدغفق


خريطة فيها كل المواقع الـ 31 واحداثيتها


وادي المياه "الستار والستاران والطف ووادي القرايا"

الموقع والمعلم الأول وادي الستار :

منتصف وادي المياه

وادي الستار. 

يمثل وادي المياه نطاقًا جغرافيًا واسعًا وطويلًا في المنطقة الشرقية، ويمتد في المنطقة الواقعة بين هضبة الصمان غربًا ونطاق السهل الساحلي للخليج العربي شرقًا، وتنتظم قراه وهجره من نواحي النعيرية والكهفة في الشمال والشمال الغربي، ثم تمتد جنوبًا وجنوب شرق عبر نطاع والصرار وحنيذ وعريعرة وجودة وما جاورها، وصولًا إلى الأطراف الشمالية من نطاق بقيق وأم العراد. 


وتذكر موسوعة المملكة العربية السعودية أن وادي المياه يُعرف تاريخيًا باسم وادي الستار، وأنه من أودية المنطقة الشرقية الطويلة التي عرفت بالمياه والمراعي، ويقع على نحو 80 كم من الجبيل و120 كم شمال غربي الدمام، وتنتشر فيه مواضع وقرى تاريخية مثل: 

" ثاج والحَنَاة والصرار وعتيّق وغيرها". ومن بلداته وهجره المعروفة في نطاقه الواسع: "النعيرية، مليجة، نطاع، الصرار، الزغين، الونان، العوينة، حنيذ، شفية، متالع، عريعرة وجودة، وإلى جوارها ثاج والكهفة والصحاف والقليب ومغطي وبخا وسديرة وغيرها."


والاسم التاريخي الأقدم والأوثق لهذا النطاق التضاريسي هو :  وادي الستار

وهو اسم معروف في كتب جغرافية الجزيرة العربية. فقد وصف ياقوت الحموي في معجم البلدان الستار بأنه ناحية من البحرين كثيرة القرى، والمقصود بالبحرين هنا الإقليم التاريخي القديم الذي كان يشمل جانبًا واسعًا من شرق الجزيرة العربية ولها تسمية كهجر والاحساء

وتؤكد المصادر الجغرافية القديمة اتصال اسم الستار بديار بني تميم وبمواضع المياه والنخيل والاستقرار في هذه الناحية. 

أما صيغة «الستارين» فليست تسمية حديثة؛ إذ أثبتها أبو منصور الأزهري في القرن الرابع الهجري حين وصف عين حنيذ التي شاهدها بنفسه، فقال إنه رآها في «وادي الستارين»، وذكر نخيلها وماءها الحار الذي يطيب بعد تبريده. 

                ابار حنيذ الحارة 

وهذه الشهادة مهمة لأنها تثبت أن اسم وادي الستارين كان مستعملًا قبل أكثر من ألف عام.

أما القول بأن تسمية الستارين جاءت تحديدًا من انقسام سلسلة المرتفعات الغربية إلى قسمين عند العيينة، بين جبال النظيم شمالًا وجبال حنيذ جنوبًا، فهو تفسير ميداني يتوافق مع شكل التضاريس ويمكن ذكره على سبيل الاحتمال، لكنه لا ينبغي تقديمه بوصفه حقيقة تاريخية ثابتة؛ لأن النصوص القديمة التي عُثر عليها تثبت الاسم ولا تشرح سبب التثنية. 

والأقرب علميًا أن نقول إن المرتفعات الغربية شكلت حاجزًا طبيعيًا بين منخفض الوادي والصمان، وربما كان لذلك صلة بدلالة لفظ «الستار»، بينما يبقى سبب التثنية بحاجة إلى نص جغرافي أقدم يقطع به.

وقد ظهر للوادي في المصادر النجدية المتأخرة اسمان آخران هما «الطف» و«وادي القرايا». ففي أحداث سنة 1207هـ/نحو 1792–1793م ذكر المؤرخ حسين بن غنام:  أن سعود بن عبدالعزيز، بعد خروجه من الأحساء، «قصد قرية نطاع ماء في الطف»، وهو نص مهم يثبت أن نطاع كانت يومئذ معدودة من مياه الطف. ولفظ «الطف» في العربية يحمل معنى الأرض المشرفة أو الدانية من طرف مرتفع، ولذلك فإن ربط الاسم بالمرتفعات المشرفة على الوادي تفسير لغوي ممكن، إلا أن ابن غنام نفسه لم يشرح سبب إطلاق الاسم على هذه الناحية، فلا يصح الجزم بأن الجبال الغربية هي التي أنشأته.

أما «وادي القرايا» فقد أورده ابن غنام في سياق حملة ثويني بن عبدالله السعدون على المنطقة سنة 1211هـ/1796–1797م، وليس سنة 1210هـ كما يرد أحيانًا؛ إذ ذكر أن سعودًا لما تحقق من «نزول ثويني وادي القرايا» أرسل حسن بن مشاري إلى أهل تلك البلاد، ثم اتجهت التجمعات إلى مياه أم ربيعة في تلك الناحية. ويبدو لغويًا أن «القرايا» وصف للمنطقة لكثرة القرى والمياه المتقاربة فيها، وهو تفسير ينسجم مع وصف ياقوت القديم للستار بأنه ناحية كثيرة القرى، لكن ابن غنام لا ينص صراحة على أن كثرة القرى هي سبب التسمية؛ ولذلك فالأدق عدُّ وادي القرايا اسمًا تاريخيًا ورد للناحية في سياق أحداث القرن الثالث عشر الهجري، لا إثبات أنه كان الاسم العام الدائم للوادي في جميع العصور.


وتبرز المنطقة التاريخية" ثاج "بوصفها أهم المواقع الأثرية في نطاق وادي المياه؛ فهي مدينة مسوّرة كبيرة ازدهرت في القرون السابقة للميلاد، وتعد من أهم مواقع العصر الهلنستي في شرق الجزيرة العربية، وتربطها المصادر الحديثة بمملكة الجرهاء، مع بقاء تحديد موقع الجرهاء القديمة موضوعًا للنقاش العلمي. 

وقد استفادت ثاج من موقعها بين مرفأ الجبيل ووادي المياه وطريق القوافل الواصل بين جنوب العراق وهجر واليمامة ووسط الجزيرة، وكانت على اتصال بشبكة طرق تجارية من بينها درب الكنهري ودرب الجمل. وهذا يكشف أن أهمية وادي المياه لم تأت من موارد الماء والمراعي وحدها، بل من كونه ممرًا داخليًا ربط ساحل الخليج بداخل الجزيرة ثم ببلاد الرافدين منذ عصور مبكرة.

كما أن عددًا من أسماء الوادي الحالية له جذور تاريخية قديمة، ومن أبرزها حنيذ ومتالع ونطاع وجودة وثاج وعتيّق.


الموقع والمعلم الثاني متالع :

متالع عين قديمة في شمال يجودة

متالع عين قديمة وعين شمال يجودة

متالع: عين قديمة وموضع من ديار تميم في وادي الستار

تقع متالع في الجزء الجنوبي من وادي المياه، أو وادي الستار في اسمه التاريخي، شمال جودة وبجوار عريعرة والنجيبية، وهي اليوم هجرة قائمة ضمن نطاق محافظة الأحساء. غير أن أهميتها تتجاوز وضعها العمراني الحديث؛ إذ يحمل اسمها جذورًا جغرافية وتاريخية ضاربة في القدم، ويرتبط في المصادر القديمة بجبل وعين ماء وديار لبني سعد من تميم. وما يزيد من قوة مطابقة متالع القديمة بالموضع الحالي أن المصادر تربطها بثاج وجودة، ثم تأت الدراسات الجغرافية الحديثة لتضع عين متالع القديمة قرب عريعرة والنجيبية، وهي المواضع نفسها التي لا تزال تحمل أسماءها حتى اليوم.

اسم متالع ومعناه

ضبط ياقوت الحموي اسم مُتَالِع بضم الميم، وذكر احتمال اشتقاقه من التَّلعة، وهي مجرى الماء النازل من الأماكن المرتفعة والجبال، وقد تحفر السيول بمرورها مجاري وأخاديد في الأرض. وهذا الاشتقاق ملائم لطبيعة الموضع الذي ارتبط منذ القدم بجبل ومياه تنساب من سفحه، وإن كان ياقوت يقدمه احتمالًا لغويًا لا تفسيرًا قطعيًا لأصل الاسم.

ويجب الانتباه إلى أن كتب البلدان القديمة تعرف أكثر من موضع يحمل اسم متالع؛ فقد ذكر ياقوت جبلًا بهذا الاسم في نجد، وذكر كذلك متالع أخرى في ناحية البحرين، ولهذا لا يجوز إلحاق كل خبر أو شعر ورد فيه اسم متالع بمتالع وادي المياه دون قرينة جغرافية. أما متالع التي تعنينا هنا فتتميز بوصف واضح عنده بأنها جبل بناحية البحرين القديمة بين السودة والأحساء، وفي سفحه عين ماء تسمى عين متالع.

عين متالع وذكرها في الشعر القديم

ترجع شهرة الموضع إلى الماء قبل العمران؛ فمتالع في أقدم أوصافها جبل ومورد ماء. وقد حفظ ياقوت بيتًا لذي الرمة، الشاعر المتوفى نحو سنة 117هـ/735م، يجمع بين ثاج ومتالع في مسار جغرافي واحد:

«نحاها لثأج نحوة ثم إنه
توخّى بها العينين عيني متالع»

وتكمن أهمية البيت في أنه لا يذكر الاسم منفردًا، وإنما يربط ثاج بعيني متالع، وهو ارتباط يتفق مع جغرافية وادي الستار. كما أن صيغة «العينين» توحي بوجود موردين أو عينين معروفتين في الموضع في صدر العصر الإسلامي.

ويعزز هذه المطابقة الباحث عبدالرحمن عبدالكريم العاني في دراسته «البحرين في صدر الإسلام»؛ فقد عدّ متالع من عيون وادي الستار، وذكر أن عين متالع بقيت معروفة وعليها نخيل، وأن موضعها بالقرب من النجيبية وعريعرة. وهذه شهادة جغرافية حديثة ذات قيمة كبيرة؛ لأنها تصل الوصف القديم بالمشهد الحالي، وتدعم بقوة أن متالع الحالية تحفظ اسم الموضع التاريخي نفسه.

متالع وجودة في شعر جرير

ويأتي دليل أقوى على الصلة بين متالع وجودة من شعر جرير بن عطية التميمي، المتوفى سنة 110هـ/728م. فقد قال في قصيدة يهجو بها ربيعة الجوع:

«ألا تسألان الجوَّ جوَّ متالع
أما برحت بعدي يجودة والقصر»

ويشرح راوية ديوان جرير أن جو متالع كان لبني سعد. وهذه الإشارة بالغة الأهمية؛ لأنها تجمع في بيت واحد بين متالع ويجودة، وهي جودة الحالية على الأرجح، وتضعهما ضمن مشهد جغرافي واحد قبل نحو ثلاثة عشر قرنًا. كما أن ياقوت نفسه أورد البيت عند تعريف يجودة، وعرّفها بأنها موضع في بلاد تميم. ومن هنا يصبح قرب متالع الحالية من جودة ليس مجرد تشابه أسماء، بل جزءًا من سلسلة قرائن نصية وجغرافية متوافقة.

ويكشف البيت أيضًا عن صلة متالع القديمة ببني سعد من تميم؛ فالشرح القديم للديوان يقول عن جو متالع: «وهو لبني سعد»، بينما ينقل ياقوت عن الحفصي أن الجبل والماء كانا لبني مالك بن سعد. وتنسجم الروايتان في وضع الموضع ضمن نطاق بني سعد التميميين الذين كانت لهم مواطن واسعة في شرق الجزيرة العربية.

متالع في العصور الإسلامية الوسطى

ولم يختف اسم متالع بعد العصر الأموي؛ بل بقي حاضرًا في الجغرافيا السياسية لشرق الجزيرة. ففي القرن الثامن الهجري/الرابع عشر الميلادي أورد ابن فضل الله العمري في «مسالك الأبصار في ممالك الأمصار» متالع ضمن ديار عقيل من آل عامر، وذكر في القائمة نفسها الأحساء والقطيف وملج وأنطاع وجودة ومتالع. ويثبت هذا النص أن اسم متالع ظل معروفًا ومتداولًا في جغرافية إقليم البحرين بعد عدة قرون من ذكر جرير وذي الرمة له.

لكن لا ينبغي تفسير هذا النص على أنه يعني بقاء السكان أنفسهم في متالع عبر جميع العصور؛ فالقبائل ومناطق النفوذ تغيرت، بينما بقيت المياه والجبال وأسماء المواضع أكثر ثباتًا. وهذا فرق مهم عند كتابة تاريخ القرية: ما نستطيع إثباته هو استمرار الاسم والموضع ومورد الماء في المصادر، لا استمرار تجمع سكاني واحد منذ الجاهلية أو صدر الإسلام حتى الزمن الحديث.

متالع ووادي الستار

يبدو من مجموع النصوص أن متالع كانت جزءًا مهمًا من منظومة المياه والاستقرار في وادي الستار. فالوادي لم يكن قائمًا على مدينة مركزية واحدة، وإنما على سلسلة من المياه والعيون والقرى والمناهل؛ ومنها ثاج ونطاع وحنيذ ومتالع وجودة. وكان المورد المائي هو الأساس الذي تستقر حوله النخيل والزراعة والمساكن، وتعتمد عليه حركة المسافرين والماشية والقوافل. ويظهر ذكر عين متالع والنخيل في الدراسات الحديثة بوصفه استمرارًا لهذه الوظيفة التاريخية للمكان.

ومن اللافت أن حمد الجاسر، أثناء تحقيقه لمواضع المنطقة، استشهد بنص قديم عن الستار يذكر أن فيه أكثر من مائة قرية، ثم يذكر من قراه ثاج ويستشهد مباشرة ببيت ذي الرمة عن عيني متالع، وهو ما يعزز وضع متالع داخل جغرافية الستار التاريخية لا خارجها.

هل «يوم سفح متالع» وقع هنا؟

تذكر كتب أيام العرب واقعة تسمى «يوم سفح متالع»، وفيها أغار علقمة بن سيف التغلبي على جماعات من تميم ووقعت بينهم معركة. إلا أن إلحاق هذه الواقعة بمتالع وادي الستار يحتاج إلى الحذر؛ فبعض روايات اليوم تصف متالع التي وقعت عندها المعركة بأنها جبل مما يلي الحجاز، في حين أن المصادر الجغرافية نفسها تعرف أكثر من متالع في الجزيرة. ولذلك لا أرى من المنهج الصحيح إدراج «يوم سفح متالع» ضمن تاريخ قرية متالع الحالية على أنه حقيقة، إلا إذا ظهر نص يربط الواقعة صراحة بمتالع البحرين أو بجودة وثاج.

وهذه نقطة مهمة؛ لأن تشابه أسماء المواضع من أكثر أسباب الخطأ في تاريخ الجزيرة العربية، وما يقوي تاريخ متالع الحالية ليس جمع كل خبر يحمل الاسم، وإنما القرائن المتصلة جغرافيًا: ثاج، عين متالع، جو متالع، يجودة، عريعرة والنجيبية.

متالع في العصر الحديث

أما اليوم فمتالع هجرة قائمة رسميًا ضمن نطاق الأحساء وترتبط إداريًا وخدميًا بعريعرة؛ وتظهر في المصادر الحكومية باسم هجرة متالع، كما أعلنت أمانة الأحساء ومحافظة الأحساء عن مشروعات تطويرية حديثة تخدم متالع وعريعرة، وهو ما يثبت استمرار الاسم في الجغرافيا الإدارية المعاصرة.

وهكذا فإن قيمة متالع التاريخية لا تقوم على مبانٍ أثرية ضخمة كالتي نراها في ثاج، وإنما على شيء ربما يكون أكثر أهمية لفهم وادي الستار: استمرار اسم المكان ومورده المائي في النصوص لأكثر من ألف وثلاثمائة سنة. فقد عرفها شعراء العصر الأموي، وربطها جرير بجودة وربطها ذو الرمة بثاج، ووصف الجغرافيون جبلها وعينها، وظل اسمها حاضرًا في جغرافية شرق الجزيرة في القرون الوسطى، ثم بقي حتى متالع الحالية. وبذلك تمثل متالع واحدة من أوضح حلقات الاتصال بين الجغرافيا القديمة والجغرافيا الحية لوادي المياه.


الموقع والمعلم الثالث حنيذ :

حنيذ عين الستارين الحارّة.

حنيذ عين الستارين الحارّة

  حنيذ عين الستارين الحارة وواحة بني سعد القديمة

تقع حنيذ في وادي المياه، أو وادي الستار والستارين في المصادر القديمة، جنوب الصرار وفي الجزء الأوسط إلى الجنوبي من هذا الامتداد التاريخي للواحات والمناهل. وهي اليوم مركز إداري من الفئة (أ) تابع لمحافظة النعيرية، يقع على نحو 111 كم جنوب مدينة النعيرية ونحو 218 كم من الدمام. غير أن تاريخ الاسم والمكان يسبق التقسيمات الإدارية الحديثة بأكثر من ألف عام؛ إذ وردت حنيذ في المصادر اللغوية والجغرافية القديمة بوصفها عين ماء حارة تحيط بها النخيل والعمران في ديار بني سعد من تميم.

حنيذ في شهادة أبي منصور الأزهري

تكتسب حنيذ أهمية خاصة لأن أحد كبار علماء العربية، أبو منصور محمد بن أحمد الأزهري، 282–370هـ/895–981م، لم ينقل خبرها عن راوٍ سابق فحسب، بل رآها بنفسه أثناء إقامته الطويلة في بوادي شرق الجزيرة في القرن الرابع الهجري. وقد وقع الأزهري في أسر القرامطة، ثم عاش مدة بين جماعات من هوازن اختلطت بها أصرام من تميم وأسد، وتَنقّل معهم بين الدهناء والصمان والستارين، فقال في مقدمة تهذيب اللغة إنهم كانوا «يتشتون الدهناء، ويتربعون الصمان، ويتقيظون الستارين»، وأنه أفاد من لغتهم وأخبارهم في تأليف معجمه.

وفي أثناء تلك الإقامة رأى حنيذ، ووصفها وصفًا مباشرًا بالغ القيمة، فقال إنه رأى في وادي الستارين من ديار بني سعد ماءً عليه «نخل زين عامر وقصور من قصور مياه العرب»، وأن ذلك الماء يسمى حنيذ، وكان الماء عند استخراجه حارًا، فإذا وُضع في السقاء وعُلّق حتى تضربه الرياح برد وعذب وطاب. ونقل ياقوت الحموي هذا الوصف لاحقًا في معجم البلدان عند مادة «حنيذ».

وهذه الشهادة تجعل حنيذ من أوضح المواضع القابلة للمطابقة في وادي الستار؛ فالأزهري يحدد ثلاثة عناصر اجتمعت في مكان واحد: وادي الستارين، وديار بني سعد، وعين حنيذ الحارة ذات النخيل والعمران. واستمرار الاسم إلى اليوم في المنطقة نفسها قرينة قوية جدًا على أن مركز حنيذ الحالي يحفظ اسم المورد القديم، وإن كانت حدود المستوطنة القديمة وموقع قصورها وعينها الأصلية تحتاج إلى دراسة أثرية ومائية ميدانية دقيقة.

لماذا سميت حنيذ؟

ضبط ياقوت الاسم حَنِيذ، وذكر في المادة نفسها أن «الحنيذ» في العربية يتعلق بالتسخين والنضج، وأن من معانيه الماء المسخّن، كما يطلق على اللحم النضيج المشوي. وهذا يجعل حرارة العين القديمة تفسيرًا قويًا جدًا لاسم الموضع؛ فالأزهري نفسه وصف ماء حنيذ بأنه حار عند استخراجه. ومع ذلك فالأدق أن نقول إن الاسم يُرجح ارتباطه بحرارة الماء، لأننا لا نملك نصًا قديمًا يقول صراحة: «سميت حنيذ بهذا الاسم لأن ماءها حار».

ولا ينبغي الخلط بين اسم حنيذ الجغرافي في المنطقة الشرقية وطبق «الحنيذ» المعروف في الجزيرة العربية؛ فكلاهما ينتمي إلى الجذر اللغوي نفسه المرتبط بالحرارة والإنضاج، لكن لا يوجد دليل يثبت أن الطعام أخذ اسمه من قرية حنيذ أو أن القرية سميت نسبة إلى الطعام. والأقرب أن كلا الاستعمالين تطور من المعنى العربي القديم للجذر ح ن ذ.

عين حنيذ: واحة لا مجرد منهل

تكشف عبارة الأزهري «نخل زين عامر وقصور» أن حنيذ في القرن الرابع الهجري لم تكن بئرًا منفردة وسط الصحراء، بل كانت موردًا مائيًا نشطًا ارتبط به نخيل وعمران. ولا ينبغي أن نفهم لفظ «القصور» هنا بالضرورة بمعنى القصور الملكية؛ فاستعمال الجغرافيين للفظ قد يشمل أبنية ومستقرات محصنة أو مساكن قائمة عند موارد المياه. لكن وجود النخل والأبنية معًا يدل بوضوح على استيطان مستقر أو شبه مستقر قائم حول العين.

كما وصف الباحث عبدالرحمن عبدالكريم العاني حنيذ ضمن عيون وادي الستار، ناقلًا وصف الأزهري لها بأنها عين فوارة، ووضعها إلى جانب عيون الوادي الأخرى مثل متالع، وهو ما يوضح أن وادي الستار كان منظومة من العيون والمياه التي قامت حولها القرى والنخيل ومراحل القوافل، لا واديًا ذا مجرى دائم واحد.

وحرارة عين حنيذ القديمة تستحق اهتمامًا جيولوجيًا أيضًا؛ فالنص لا يصف ماءً دافئًا عرضًا، وإنما ماء يخرج حارًا ثم يصبح مستساغًا بعد التبريد. لكن لا يصح وصف العين بأنها «عين كبريتية» أو «ينبوع حراري جوفي» بالمعنى الجيولوجي الحديث دون تحليل للمياه أو دراسة هيدروجيولوجية منشورة؛ فالشاهد التاريخي يثبت حرارة الماء ولا يحدد مصدرها الكيميائي أو الجيولوجي.


حنيذ وديار بني سعد من تميم

النص القديم صريح في وضع حنيذ ضمن ديار بني سعد، وهم من سعد بن زيد مناة من تميم. وهذا يتفق مع الصورة الأوسع لوادي الستار في المصادر، حيث نسبت مواضع كثيرة فيه إلى فروع تميم، ومنها متالع وجودة ونطاقات قريبة من ثاج. ولا يعني ذلك بالطبع أن حنيذ ظلت لقبيلة واحدة خلال جميع العصور؛ فمنازل القبائل ونفوذها تغيرت، بينما بقيت أسماء المياه والجبال والقرى مدة أطول.

واللافت أن الأزهري نفسه كان يعيش خلال إقامته في هذه البلاد مع جماعات من هوازن وتميم وأسد تتحرك موسميًا بين الدهناء والصمان والستارين. وهذا يقدم لنا صورة حية لوظيفة الوادي في القرن الرابع الهجري: الستاران مصيف ومورد ماء للبادية، بينما كانت الدهناء مشتى والصمان مرباعًا؛ أي أن حنيذ لم تكن معزولة، بل واقعة ضمن دورة تنقل موسمية واسعة بين أهم أقاليم شرق نجد وشرق الجزيرة.

حنيذ والمشهد الأثري المحيط بها

ولا تقف أهمية حنيذ عند العين القديمة؛ فالمنطقة المحيطة بها جزء من نطاق أثري أوسع في وادي المياه. وقد وثق الباحث الأثري نبيل يوسف الشيخ يعقوب مواقع للرسومات والمخربشات الصخرية في الوادي، ومن بينها موقع قلبان الشريعة قرب سبخة الضبطية، على مسافة نحو 10 كم جنوب حنيذ، ويضم رسومًا آدمية وحيوانية ووسومًا ومشاهد متعددة نُفذت في فترات مختلفة.

كما أشار المسح نفسه إلى وجود تلال مدافن في نطاق حنيذ وأماكن أخرى من وادي المياه. وهذا يجعل حنيذ واقعة داخل مشهد استيطان بشري أقدم بكثير من وصف الأزهري في العصر الإسلامي. إلا أن الربط بين المدافن والرسومات وبين سكان حنيذ التاريخيين يحتاج إلى الحذر؛ إذ لا يمكن نسبة هذه الآثار إلى بني سعد أو إلى مجتمع حنيذ في القرن الرابع الهجري، فالعديد منها يرجح أنه أقدم بقرون وربما بآلاف السنين.

ما الذي يجعل حنيذ مهمة في تاريخ وادي الستار؟

تتفوق حنيذ من الناحية التوثيقية على كثير من قرى الوادي؛ لأن لدينا عنها وصفًا مباشرًا من رجل زار الموضع قبل أكثر من ألف سنة. فالأزهري لم يقل «بلغني» أو «قيل لي»، بل قال إنه رأى الماء والنخيل والعمران بنفسه، ثم سجل حرارة العين وطريقة أهل المكان في تبريد مائها. وهذه التفاصيل اليومية الصغيرة تمنح النص قيمة تاريخية وجغرافية استثنائية؛ فهي تصف الحياة حول عين ماء حقيقية في الستارين في القرن الرابع الهجري.

والأهم أن وصفه يقدم دليلًا مبكرًا على أن وادي الستار كان وادي واحات وعمران قبل أكثر من ألف عام. فحين نضع حنيذ إلى جوار متالع وثاج ونطاع وجودة، تتشكل أمامنا سلسلة من موارد المياه والمستوطنات الممتدة من شمال الوادي إلى جنوبه؛ بعضها يرجع إلى ما قبل الإسلام، وبعضها بقي حيًا في العصر الإسلامي، وما زالت أسماؤه باقية إلى وقتنا.


معالم تاريخية حول حنيذ

اولا : مدافن ركامية 
فقد وجدت مدافن تلالية ركامية بأنماط مختلفة شمال حنيذ بـ 6 كلم تسمى قبوراء وتم وضع اسفل رابط لها ..

ثانيا: جبل حربية
الجبل رسوبي كما هي طبيعة الجبال هناك
ولكنه يحوي بين جنباته من العجائب والغرائب الشيء الكثير وهو ما اطلقت عليه جبال القلاع وعلى امتار من ابار حنيذ العتيقة. 

ثالثا: عين حنيذ دليما
أشهر آبار حنيذ القديمة بئر (دليما) وقد ينطقونها (دليمه) بالهاء . 
 وهي مطوية بالحجر المهذب، وفي الناحية الشمالية من طي البئر فتحة مجرى مائي كان في السابق يجري معه ماء البئر إلى النخل الذي تسقيه هذه البئر، ويبلغ طول هذا المجرى قرابة ثلاثمائة متر، وقد عطل هذا المجرى بعد نقص ماء البئر واستعمال المضخات الحديثة.
ولعل بئر (دليما) هي العين التي أشار إليها الأزهري بقوله:
 
«وقد رأيت بوادي الستارين من ديار بني سعد عين ماء عليه نخل زين عامر وقصور من قصور مياه العرب يقال لذلك الماء (حنيذ)، وكان نشيله حاراً فإذا حقن في السقاء وعلق في الهواء حتى تضربه الريح عذب وطاب»

حنيذ اليوم

ما يزال الاسم التاريخي قائمًا في الجغرافيا السعودية الحديثة؛ فحنيذ اليوم مركز من الفئة (أ) بمحافظة النعيرية، وتظهر رسميًا ضمن مراكز المحافظة إلى جانب الصرار ومليجة وثاج ونطاع والعيينة وغيرها من قرى وادي المياه. وهذا الاستمرار في الاسم لا يثبت وحده استمرارية العمران في الموضع نفسه دون انقطاع، لكنه، مع شهادة الأزهري الدقيقة وتوافق الجغرافيا، يجعل مطابقة حنيذ الحديثة بعين حنيذ القديمة من أقوى المطابقات الجغرافية في وادي الستار.

وهكذا يمكن القول إن حنيذ ليست قرية حديثة حملت اسمًا قديمًا فحسب، بل واحدة من الواحات التاريخية الأساسية لوادي الستارين؛ عرفت بعينها الحارة ونخيلها وعمرانها، وسجلها أبو منصور الأزهري شاهد عيان في القرن الرابع الهجري، وظل اسمها محفوظًا في كتب اللغة والجغرافيا ثم في الجغرافيا المعاصرة. وبقاء حنيذ ومتالع وجودة وثاج ونطاع بأسمائها القديمة يجعل وادي المياه من المناطق النادرة في شرق الجزيرة التي يمكن فيها تتبع استمرارية أسماء المواضع عبر أكثر من ألف عام، وبعضها إلى مدد أقدم من ذلك.

ولهذا فإن التعامل مع وادي المياه على أنه تجمع حديث من الهجر وحدها يفقد المكان جزءًا كبيرًا من قيمته؛ فالأصح النظر إليه باعتباره إقليم مياه واستيطان وطرق قوافل متصلًا تاريخيًا تغيرت فيه مواضع العمران وأسماؤها وأحجامها عبر القرون.

ثاج والحَنَاة: مدينتان على طريق التجارة في وادي الستار
تعد ثاج أهم المراكز الأثرية في وادي المياه، أو وادي الستار تاريخيًا، ويقع إلى شمالها الشرقي بنحو تسعة إلى عشرة كيلومترات موضع الحَنَاة، الذي بقي اسمه حيًا حتى العصر الحديث. وإذا كانت ثاج قد كشفت التنقيبات عن مدينة كبيرة محاطة بالأسوار، فإن الحناة تمثل موقعًا أصغر وأقل دراسة، لكنه يحمل شواهد أثرية ونقوشًا ومدافن تجعل النظر إلى الموضعين معًا أكثر فائدة من دراسة كل منهما منفردًا.

الموقع والمعلم الرابع ثاج :
الاحداثي 
https://maps.app.goo.gl/obhbCjL5MP4o8X4H9?g_st=ac

ثاج: المدينة الكبرى في وادي المياه
تقع ثاج في منخفض وادي المياه غرب الجبيل بنحو 90 كم، على طرف سبخة واسعة، وفي موضع تتقاطع فيه الطرق القادمة من ساحل الخليج مع الطرق البرية المتجهة جنوبًا نحو هجر واليمامة وشمالًا نحو الكويت وجنوب العراق. وقد وصفها المشروع الأثري السعودي–الفرنسي بأنها أكبر موقع معروف من عصر ما قبل الإسلام في شرق الجزيرة العربية. وتشمل المدينة المسورة نحو 38–40 هكتارًا، وإلى جنوب شرقها ضاحية خارج الأسوار تبلغ قرابة عشرة هكتارات، بينما تحيط بها مقبرة ضخمة تضم أكثر من ألف تل ومدفن جنائزي.
وتشير نتائج التنقيبات إلى أن ازدهار ثاج الحضري الكبير بدأ في حدود القرن الثالث قبل الميلاد، وربما سبقه استيطان يعود إلى القرن الرابع قبل الميلاد، ثم استمر النشاط فيها خلال القرون التالية. وقد كشفت التنقيبات القديمة والحديثة عن مراحل عمرانية تمتد من العصر الهلنستي إلى القرون الميلادية الأولى، وأظهرت البعثة السعودية–الفرنسية استمرارًا للنشاط في أجزاء من الموقع إلى القرن الثالث أو الرابع الميلادي على الأقل، بينما تشير بحوث أخرى إلى حضور متأخر يصل في بعض أجزاء المنطقة إلى أواخر العصور القديمة. ولذلك فالأدق وصف ثاج بأنها مدينة متعددة المراحل، لا مدينة قامت في سنة واحدة أو اختفت فجأة في تاريخ محدد.
ويحيط بالمدينة سور ضخم مبني من كتل الحجر الجيري، يبلغ سمكه في المسوحات الحديثة نحو 4–4.5 م، واتخذ تخطيطًا شبه رباعي غير منتظم. 

وقد كشفت الدراسات الجيوفيزيائية والتصوير الجوي عن بوابات وشوارع ووحدات سكنية ومبانٍ صناعية، ومن أهم المكتشفات ورشة لصناعة الفخار ترجع إلى القرنين الأول والثالث الميلاديين تقريبًا. كما ساعد وجود المياه الجوفية القريبة من السطح، التي يمكن الوصول إليها بآبار لا يتجاوز عمق الماء فيها بضعة أمتار، على نشوء هذه الواحة الكبيرة في بيئة تبدو اليوم شديدة الجفاف.
وكانت ثاج مدينة تجارة بامتياز؛ فقد وقعت على درب الكنهري الواصل بينها وبين جهة الجبيل، وعلى الطريق الداخلي الممتد عبر وادي المياه بين الأحساء والكويت والبصرة، ضمن شبكة أوسع كانت تربط جنوب الجزيرة واليمامة وشرق الجزيرة ببلاد الرافدين والخليج. ولهذا لا ينبغي تصور ثاج قرية صحراوية منعزلة، بل محطة قوافل كبرى وواحة تجارية في شبكة تبادل إقليمية واسعة.

هل ثاج هي الجرهاء؟
كثيرًا ما يقال إن ثاج هي مدينة الجرهاء القديمة التي تحدث عنها المؤلفون اليونان والرومان، وهذا احتمال مهم وله مؤيدون بين الباحثين، لكنه لم يتحول إلى حقيقة أثرية نهائية. حجم ثاج، وموقعها التجاري، وثروتها، وازدهارها في الحقبة المناسبة تجعلها مرشحًا قويًا، لكن تحديد موضع الجرهاء ما زال موضوعًا للنقاش العلمي. ولذلك فالأدق أن نقول إن بعض الباحثين يرجحون صلة ثاج بالجرهاء أو كونها أحد أهم مراكز مملكتها وشبكتها التجارية، لا أن نكتب أن المسألة حسمت نهائيًا.

كنز ثاج ومدافنها
وتضاعفت شهرة ثاج بعد اكتشاف مدفن طفل سنة 1419هـ/1998م احتوى على مجموعة استثنائية من المصوغات الذهبية، من بينها قناع ذهبي وحلي وتلبيسات وقطع ثمينة تعود إلى نحو ألفي عام. لكن «كنز ثاج» ليس أهميتها الوحيدة؛ فالمقبرة المحيطة بالمدينة، التي تضم أكثر من ألف بناء جنائزي، توفر اليوم للباحثين مادة واسعة لفهم السكان ومكانتهم الاجتماعية وعادات الدفن وتطور المجتمع في شرق الجزيرة من العصر الحديدي إلى أواخر ما قبل الإسلام.

كما عُثر في ثاج والحناة ومواقع أخرى من شرق الجزيرة على نقوش جنائزية مكتوبة بخط المسند الجنوبي وبلهجة تعرف في الدراسات باسم الحسائية Hasaitic، وهو ما يكشف اتصال شرق الجزيرة الثقافي والكتابي بمناطق أخرى من الجزيرة العربية، مع احتفاظه بخصائصه المحلية.

الموقع والمعلم الخامس الحناة :
احداثي الحناة 
https://maps.app.goo.gl/K3wT2J6kgSNFTQNV7?g_st=ac

الحَنَاة: الجارة الصغيرة لثاج
تقع الحَنَاة Al-Hinnah إلى الشمال الشرقي من ثاج، على بعد يقارب 9–10 كم. ويبدو من المصادر الحديثة أن هناك طبقتين ينبغي التفريق بينهما: الحناة الأثرية القديمة من جهة، والهجرة الحديثة وخرائب قريتها الطينية القديمة من جهة أخرى. فقد ذكرت موسوعة المملكة أن القرية الحديثة قامت بجوار أطلال أقدم، وأن بقايا الحناة القديمة تمثل أحد المواقع الأثرية المهمة في وادي المياه. كما تدرج وزارة الثقافة السعودية الحناة ضمن قائمة المواقع التراثية والأثرية المسجلة في محافظة النعيرية.
ولا أرى أن من المنهج الدقيق القول، كما تذكر بعض الكتابات، إن «الحناة بنيت حتمًا في زمن ثاج نفسه» اعتمادًا على الأطلال وحدها؛ فالموقع لم يحظ حتى الآن بحجم التنقيبات التي حظيت بها ثاج، ولا تزال مراحله العمرانية بحاجة إلى دراسة طبقية أوسع. لكن هناك أدلة مستقلة تثبت أن الحناة موقع أثري قديم مهم وأن نشاطه يمتد إلى عصور ما قبل الإسلام وأواخرها.

الحناة والنقوش القديمة
ومن أقوى الأدلة على مكانة الحناة أن الباحث James P. Mandaville ذكر في دراسته الشهيرة عن ثاج سنة 1963م أن اثني عشر نقشًا بخط جنوب الجزيرة كانت قد سُجلت حتى ذلك الوقت في ثاج والحناة المجاورة، وأن عددًا منها اكتُشف بعد الزيارة المبكرة للكابتن William Shakespear. وهذا يعني أن الحناة لم تكن مجرد مورد ماء حديث، بل دخلت منذ بدايات البحث الأثري في شرق الجزيرة ضمن مواقع الكتابات القديمة المرتبطة بثاج.
ويجب هنا التفريق بين خط الكتابة واللغة: فشكل الحروف مشتق من تقاليد خط المسند الجنوبي، لكن النقوش الشرقية تعرف في الدراسات الحديثة بالنقوش الحسائية أو Hasaitic، وكثير منها نقوش جنائزية تسجل أسماء المتوفين وأنسابهم أو صيغًا مرتبطة بالقبر. وهذا يعطينا دليلًا مباشرًا على مجتمع محلي كان يعرف الكتابة، وعلى وجود مقابر ذات شواهد مكتوبة في نطاق ثاج والحناة.

الحناة سنة 1911م وأقدم الصور التي نملكها
وللحناة ميزة لا تتوافر لكثير من قرى وادي الستار. وهنا صور فوتوغرافية تاريخية يزيد عمرها على قرن. ففي سنة 1911م مر بها الضابط والمستكشف البريطاني شكسبير William Henry Irvine Shakespear وصور آبار الحناة وحياة البادية عندها. وما تزال مجموعته محفوظة لدى Royal Geographical Society، ومن الصور المعروفة. 
 
فهنا نساء من البادية عند آبار الحناة، ومشاهد من سقي الإبل والناس من مياهها. 

وتصف سجلات الصور الموقع صراحة بأنه al-Hinnah wells, near Thaj, just north-east of Thaj.
وهذه الصور مهمة جدًا لتاريخ الوادي؛ لأنها لا توثق آثارًا حجرية فقط، بل توثق وظيفة الحناة بوصفها مورد ماء حيًا في أوائل القرن العشرين: الآبار، والإبل، والتنقل، والتجمع حول الماء. وبذلك تصل بين تاريخ الموضع القديم وبين حياة البادية في وادي المياه قبل التحولات العمرانية الحديثة.
كذلك صوّر شكسبير حملة الملك عبدالعزيز هنا

الحناة والمسيحية القديمة في شرق الجزيرة
وثمة جانب أكثر إثارة في تاريخ الحناة؛ فقد سجل الباحث John A. Langfeldt في دراسة علمية منشورة سنة 1994م عددًا من الحجارة المنقوشة بصلبان من الحناة، وفسرها بوصفها شواهد قبور مرتبطة بمقبرة مسيحية قديمة. وتؤكد دراسات لاحقة أن الحناة، الواقعة نحو عشرة كيلومترات شمال شرقي ثاج، تقدم دليلًا على مقبرة مسيحية قديمة غير محسومة التاريخ بدقة. كما توجد في ثاج نفسها بقايا مبنى اقترح بعض الباحثين أنه كنيسة أو مصلى من أواخر العصور القديمة.
لكن يلزم هنا الاحتراز: وجود الصلبان يجعل تفسير بعض المدافن على أنها مسيحية تفسيرًا قويًا، لكنه لا يسمح بالقول إن الحناة كلها كانت «مدينة مسيحية»، ولا أن جميع سكانها كانوا مسيحيين، كما أن تاريخ المقبرة لم يحسم بالتنقيب الطبقي الكامل. والأقرب أنها شاهد على التنوع الديني الذي عرفه شرق الجزيرة في القرون السابقة والمجاورة لظهور الإسلام، حين انتشرت جماعات مسيحية من كنيسة المشرق على سواحل الخليج وواحاته. الدراسات الحديثة في تاريخ شمال الجزيرة تضع بالفعل مقبرة الحناة بجوار شواهد مسيحية أخرى في ثاج والجبيل.

ثاج والحناة: مركز واحد أم مدينتان؟
لا نملك حتى الآن دليلًا يسمح بالقول إن ثاج والحناة كانتا مدينة واحدة، والمسافة بينهما تقارب عشرة كيلومترات. والأقرب أثريًا أن ثاج كانت المركز الحضري والتجاري الأكبر، بينما مثلت الحناة مستوطنة ومورد ماء ومجال دفن ضمن الشبكة العمرانية المحيطة بها. وجود النقوش في الموقعين، وطرق القوافل، والآبار، والمقابر، وتقارب التسلسل الزمني يجعل العلاقة بينهما قوية، لكن طبيعتها السياسية والإدارية الدقيقة ما زالت بحاجة إلى التنقيب.
ويمكن تخيل المشهد القديم على نحو أكثر اتزانًا: ثاج مدينة مسورة وسوق ومحطة قوافل كبيرة، تحيط بها مزارع وآبار وضواحٍ ومقابر ومواضع أصغر مثل الحناة، وترتبط كلها بشبكة طرق تمتد إلى ساحل الجبيل ووادي المياه وهجر واليمامة والعراق. وليس هذا إثباتًا أن الحناة كانت «ضاحية إدارية» لثاج، وإنما قراءة جغرافية تستند إلى القرب المكاني والآثار المشتركة وشبكة الحركة التي كشفت عنها الدراسات.
وهكذا فإن ثاج والحناة ينبغي أن تقرآ معًا: ثاج تمثل القوة الحضرية والاقتصادية الكبرى في شمال وادي الستار، والحناة تحفظ الوجه الآخر للمشهد؛ مورد الماء والاستيطان الأصغر والنقوش والمدافن، ثم استمرار الحياة عند الآبار حتى صورتها عدسة Shakespear سنة 1911م.

 وإذا أضيفت إليهما ثاج ومدافنها وسبختها ودرب الكنهري، ظهر أمامنا إقليم حضري وتجاري متكامل أكثر تعقيدًا بكثير من صورة «قرى صحراوية متباعدة» التي يوحي بها المكان اليوم.
 

                  من آبار قرية الحناة 

 اودية فرعية تغذي وادي الستار الاكبر. 

ومن الناحية الطبيعية تستقبل أرض الوادي عددًا من المجاري والشعاب القادمة في الغالب من المرتفعات الغربية والمتجهة نحو المنخفضات والسبخات شرقًا. 

ومن أشهر ما سُجل ميدانيًا وادي النجيبية في ناحية جودة، ويتصل به شعيبي الأصبع والعاذرية، وفيه كهف النجيبية الأشهر.

  كما يعرف شعيب الهيشري في ناحية حنيذ وسبخة الضبطية، ووادي النظيم وشعيب مطعم في نطاق جبال وومطعم ياتي من ظهرة ووادي النظيم جنوب الصرار، ثم جنوبا الى العيينة والقليب .

ووادي السوق ووادي السويق القادمان من جهة ظهرة النظيم نحو الصرار. ويثبت اسم وادي النجيبية أيضًا في وثائق حديثة رسمية مرتبطة بمحافظة الأحساء، أما تحديد مسارات بقية الشعاب وتفرعاتها بالتفصيل فيعتمد بدرجة أكبر على الاستطلاع الميداني والتسميات المحلية، ولذلك ينبغي تثبيتها مستقبلًا على خريطة طبوغرافية قبل عدّها حصرًا رسميًا للروافد.

وتكثر في هذا المنخفض كذلك السبخات والممالح، ومنها سبخات الصرار وثاج والضبطية وغيرها، وهو ما ينسجم مع طبيعة الوادي بوصفه حوضًا منخفضًا تتجمع فيه مياه الأمطار والسيول ثم تتبخر، تاركة ترسبات ملحية. وقد أسهم اجتماع الماء والمرعى والقرى والطرق والأسواق والسبخات في تكوين شخصية وادي المياه التاريخية؛ فمن «الستار» و«الستارين» في المصادر الجغرافية واللغوية القديمة، إلى «الطف» و«وادي القرايا» في أخبار القرنين الثاني عشر والثالث عشر الهجريين، ثم إلى الاسم الحديث وادي المياه، ظل المكان واحدًا من أهم الممرات الداخلية القديمة في شرق الجزيرة العربية، تتوزع على امتداده موارد الماء والقرى والمواقع الأثرية وطرق القوافل، وفي مقدمتها ثاج وحنيذ ونطاع ومتالع وجودة.



الموقع والمعلم السادس دروب التجارة :
طرق ودروب التجارة

طرق ودروب التجارة في وادي المياه
لم تكن أهمية وادي المياه، أو وادي الستار قديمًا، نابعة من كثرة موارده ومناهل مياهه وحدها، بل أسهم موقعه بين ساحل الخليج العربي وهضبة الصمان واليمامة والأحساء في جعله معبرًا لعدد من طرق القوافل القديمة التي ربطت موانئ شرق الجزيرة العربية بداخلها. ومن أبرز الدروب التي ارتبطت بنطاق الوادي درب الكنهري، ودرب العرعري، ودرب الجودي، وهي طرق كانت تعتمد في مساراتها على موارد المياه والقرى والمناهل التي يستطيع المسافرون والقوافل التزود منها أثناء عبور المسافات الصحراوية. 
وتذكر الدراسات الجغرافية لإقليم البحرين القديم "هجر - الاحساء" .
أن درب الجودي كان يمر بجودة، 
وأن درب العرعري يمر بعريعرة، 
في حين يمر درب الكنهري بكنهل، المعروفة لاحقًا بعوينة كنهر، غرب ثاج، ويتجه من ناحية الجبيل إلى داخل نجد.
ويعد درب الكنهري أوضح هذه الدروب اتصالًا بمدينة ثاج؛ فقد أكدت المصادر الأثرية الحديثة أن ثاج كانت مركزًا تجاريًا مهمًا يقع ضمن شبكة طرق القوافل البرية، ومن بينها درب الكنهري ودرب الجمل، وأن اتصالها بالساحل كان يمتد إلى منفذ الدفي الأثري بالجبيل وعلى الخليج العربي، ومنه ترتبط الحركة البحرية بمراكز الخليج وبلاد الرافدين. 
وهذا الموقع الوسيط بين الساحل والداخل يفسر جانبًا من ازدهار ثاج وتحولها إلى مدينة كبيرة محصنة في القرون السابقة للميلاد.
أما درب الجودي فكان من الطرق القديمة التي تصل إقليم شرق الجزيرة العربية باليمامة ووسط نجد، ويظهر ارتباطه بمنهل جودة جنوب عريعرة، بينما ارتبط درب العرعري بعريعرة وما حول متالع والنجيبية. وبهذا يتضح أن الدروب الثلاثة لم تكن طرقًا منفصلة عن طبيعة وادي المياه، بل كانت تستفيد من سلسلة المناهل والمواضع المأهولة الممتدة فيه، الأمر الذي جعل الوادي جزءًا من شبكة مواصلات داخلية أوسع تصل الخليج بالأحساء واليمامة ونجد، ومنها إلى طرق الجزيرة الأخرى.
وكانت هذه الطرق تتصل بدورها بشبكات التجارة الأوسع في الجزيرة العربية؛ فقد تحركت عبر طرق جنوب الجزيرة وشمالها سلع نفيسة، في مقدمتها اللبان والمر والتوابل، كما انتقلت عبر تجارة الخليج والطرق البرية أصناف متعددة من المنسوجات والمواد الثمينة والمنتجات القادمة من مناطق بعيدة.
 إلا أن من الأدق تاريخيًا ألا ننسب جميع هذه السلع إلى قوافل وادي المياه تحديدًا دون دليل أثري مباشر؛ وإنما نقول إن طرق الوادي كانت جزءًا من شبكة التجارة العربية والخليجية الكبرى التي تداولت هذه السلع بين جنوب الجزيرة والخليج وبلاد الرافدين والشرق الأدنى. وتشهد المصادر الدولية على اتساع تجارة اللبان والمر والتوابل في الجزيرة العربية خلال القرون السابقة للميلاد.
وفي قلب هذه الشبكة برزت ثاج بوصفها أهم مركز حضري وتجاري في نطاق الوادي؛ إذ تشير سعوديبيديا، اعتمادًا على هيئة التراث وموسوعة المملكة وجامعة الملك سعود، إلى أنها ربطت بين مراكز مهمة مثل جنوب بلاد الرافدين ونجران وقرية الفاو واليمامة وهجر عبر طرق القوافل البرية. 
ولذلك تبدو ثاج أقرب إلى محطة عقدية تلتقي عندها طرق الساحل بطرق الداخل، وليس مجرد قرية قامت بجوار مورد ماء.


سبخات وادي المياه
ومن أبرز السمات الطبيعية لوادي المياه كثرة السبخات والممالح الداخلية المنتشرة في منخفضاته، وهي نتيجة طبيعية لاجتماع انخفاض السطح وضعف التصريف وارتفاع معدلات التبخر؛ فعندما تصل مياه السيول والأمطار إلى هذه الأحواض المنخفضة تبقى فوق سطحها أو في تربتها المشبعة، ثم يؤدي التبخر التدريجي إلى تركيز الأملاح وظهور القشرة الملحية على السطح، ولهذا يتغير مظهر السبخة بين موسم الأمطار وفصل الجفاف.
وترد في التوثيق الميداني للوادي مجموعة من السبخات والممالح المعروفة محليًا، من أبرزها مملحة الفوار، وسبخة الصرار، وسبخة ثاج، وسبخة الخويصرة، وسبخة فليفلة، وسبخة الضبطية، وسبخة أبواب. كما تؤكد طبيعة موقع ثاج نفسه حضور البيئة السبخية؛ إذ تذكر المصادر الأثرية أن الأراضي السبخة تغطي الجزء الشمالي من المدينة القديمة، بينما تخترق الأودية قسمها الجنوبي، وهو ما يوضح العلاقة المباشرة بين الاستيطان القديم والماء والسباخ في هذا الجزء من الوادي.
أما قائمة السبخات السابقة بأسمائها كاملة، فهي مثبتة في المسح والاستطلاع الميداني المنشور لوادي الستارين، لكنها لا تظهر جميعًا — بالوضوح نفسه — في مصدر خرائطي رسمي منشور يمكن الرجوع إليه إلكترونيًا؛ ولذلك فالأدق في البحث التاريخي والجغرافي إبقاء هذه الأسماء بوصفها مسميات ميدانية ومحلية موثقة إلى أن تقارن بخرائط هيئة المساحة الجيولوجية أو الخرائط الطبوغرافية الرسمية.
وهكذا تكمل السبخات صورة وادي المياه الجغرافية والتاريخية؛ فالوادي لم يكن مجرى مائيًا واحدًا بالمعنى المعتاد، وإنما نطاقًا واسعًا من المنخفضات والمناهل والشعاب والواحات والسبخات، وبين هذه العناصر تشكلت القرى ومحطات القوافل والدروب القديمة. ولذلك اجتمعت فيه عوامل الماء والمرعى والاستيطان والتجارة، فصار حلقة وصل طبيعية بين ساحل الخليج والأحساء واليمامة وداخل الجزيرة العربية، وكانت ثاج ونطاع وحنيذ وعريعرة وجودة وغيرها من مواضعه شواهد على استمرار هذه الوظيفة عبر فترات تاريخية متعاقبة.

الموقع والمعلم السابع محمية الاراك :
موقع شجرة الأراك .
يقع في نطاق وادي الستار جنوب مدينة ثاج الأثرية، باتجاه حنيذ، موضع معروف محليًا بشجرة الأراك، وقد ورد ذكره في الاستطلاعات الميدانية للمنطقة بوصفه من المواضع القديمة اللافتة للنظر. وتكتسب الشجرة أهميتها من ندرة تجمعات الأراك في هذا الجزء من المنطقة الشرقية؛ فقد أشارت تقارير محلية إلى وجود مجموعات محدودة من أشجار الأراك في ثاج والعقير، كما ذكرت أن تاريخ وجودها أو زراعتها في ثاج غير معروف على وجه اليقين. والأراك (Salvadora persica) من النباتات القادرة على النمو في البيئات الجافة والترب المالحة، ولذلك فإن وجوده بالقرب من السبخات والمنخفضات ومواطن المياه لا يستلزم بالضرورة أن يكون الإنسان قد زرعه.

واصبح مكان الشجرة محمية ، وقد حُميت فعلا بسياج بعد تعرضها لللرعي. 

واحتمال وجود مدافن قديمة في المحيط الجغرافي العام ليس مستبعدًا؛ فالأبحاث الأثرية الحديثة في ثاج أثبتت وجود مقبرة واسعة جدًا خارج المدينة القديمة تضم أكثر من ألف مدفن وتل جنائزي، وقد انتشرت تلال الدفن حول المدينة في جهاتها الغربية والجنوبية والشرقية، وتراوح قطر بعضها بين نحو عشرة وستين مترًا. وهذا يجعل الأراضي الواقعة جنوب ثاج جزءًا من مشهد أثري جنائزي واسع، لكنه لا يتيح علميًا نقل هذا الحكم تلقائيًا إلى موضع شجرة الأراك نفسها من غير مسح أو تنقيب متخصص.


ويجب تسجيل الموقع ضمن معالم وادي الستار باسم «موضع شجرة الأراك جنوب ثاج»؛ 

وهو موقع طبيعي ذو دلالة ميدانية وأثرية محتملة، يقع ضمن النطاق الأثري الواسع لثاج، وتربطه الرواية المحلية بمواضع دفن قديمة، إلا أن تحديده مقبرةً أو مستوطنةً قديمة يحتاج إلى مسح وتنقيب أثري يثبت ذلك.


الوقائع التاريخية والعبادة الجاهلية في وادي الستار
كان الستار في المصادر الجغرافية القديمة إقليمًا مأهولًا واسعًا من إقليم البحرين التاريخي بشرق الجزيرة العربية، ولم يكن اسمًا لمجرى وادٍ فحسب؛ فقد وصفه ياقوت الحموي بأنه «ناحية بالبحرين» تضم قرى تزيد على مائة، وكانت لبني امرئ القيس بن زيد مناة ولأفناء سعد بن زيد مناة من تميم، وذكر ثاج من جملة قراه. وهذا الوصف شاهد مهم على كثافة الاستيطان في هذه الناحية في العصور القديمة، لكنه لا يعني أن وادي المياه الحالي كان يضم مائة قرية في وقت واحد، بل هو وصف للإقليم الذي كان الجغرافيون يسمونه الستار.

يوم الستار
ومن الوقائع التي حفظتها كتب أيام العرب واقعة عرفت باسم يوم الستار، وكانت بين بني تميم وبكر بن وائل. ويذكر الميداني في مجمع الأمثال وياقوت الحموي أن فارس بكر قتادة بن سلمة الحنفي قُتل في ذلك اليوم على يد قيس بن عاصم التميمي، وحُفظ من شعر تلك الواقعة قول شاعر تميم:
قتلنا قتادة يوم الستار
وزيدًا أسرنا لدى معنق
ولم تحدد المصادر القديمة التي بين أيدينا سنة هذه الوقعة تحديدًا دقيقًا، ولذلك فالأصح وضعها ضمن أيام العرب في الجاهلية المتأخرة قبل الإسلام من غير اختراع تاريخ هجري أو ميلادي لها. 
كما ينبغي الاحتراز في تحديد موقعها؛ فياقوت يذكر عدة مواضع في الجزيرة تحمل اسم الستار، ثم يورد خبر يوم الستار في المادة نفسها، بينما يصف الميداني موضع اليوم بأنه «جبل». ولهذا فإن ربط الواقعة تحديدًا بوادي المياه، وإن أخذ به عدد من الباحثين والكتابات المحلية اعتمادًا على اسم الستار ووجود تميم في هذه الناحية، يظل ترجيحًا جغرافيًا قويًا لا نصًا صريحًا قاطعًا من المصادر القديمة.

الموقع والمعلم الثامن نطاع ويوم الصفقة :
نطاع ويوم الصفقة ..
نطاع وبداية أحداث يوم الصفقة 622م
أما الواقعة التي يتأكد اتصالها جغرافيًا بوادي المياه اتصالًا أوضح فهي حادثة نطاع. 
فقد وصف ياقوت نطاع بأنها ماء في بلاد بني تميم، وذكر بنفسه أنها ركية عذبة غزيرة الماء وأنه كانت عندها وقعة بين بني سعد من تميم وهوذة بن علي الحنفي، وفيها استولى بنو تميم على لطائم كسرى التي كان هوذة يتولى خفارتها. 
وتؤكد رواية ابن الأثير أن باذان، نائب كسرى أبرويز في اليمن، أرسل حملاً إلى الملك الساساني، فلما بلغ الحمل نطاع أغارت عليه تميم وأخذته وسلبت حاميته
وبذلك تمثل نطاع موضعًا تاريخيًا ثابتًا في سلسلة الأحداث التي أفضت بعد ذلك إلى يوم الصفقة.

الموقع والمعلم التاسع جبل المشقر :
حصن المشقر. 
لكن من المهم الفصل بين الحدثين: نهب القافلة وقع في نطاع، أما يوم الصفقة نفسه فلم يقع في نطاع ولا في وادي الستار، وإنما وقع لاحقًا في حصن المُشَقَّر بهَجَر في الأحساء. 
وتروي المصادر أن كسرى أبرويز أراد الانتقام من بني تميم، فشارك هوذة بن علي والمكعبر، عامل الفرس على البحرين، في استدراج التميميين إلى المشقر في سنة أصاب الناس فيها الجهد والحاجة إلى الميرة. 
وأُدخل الرجال إلى الحصن على دفعات، ثم قتل منهم عدد كبير وأُغلق الباب على من بقي؛ ومن إصفاق الباب، أي إغلاقه، جاءت تسمية «يوم الصفقة». 
وتذكر الرواية أن هوذة استوهب مائة رجل منهم فأطلقهم في يوم الفصح.
وتفيد رواية ابن الأثير بأن يوم الصفقة وقع بعد بعثة النبي ﷺ وهو لا يزال في مكة وقبل الهجرة؛ ومن ثم يمكن تأريخه بأمان إلى أوائل القرن السابع الميلادي، بين البعثة والهجرة، أي قبل 622م، من غير الجزم بسنة محددة لم تثبتها المصادر القديمة. وهذا يتفق مع وقوع الحادثة في عهد كسرى الثاني أبرويز، الذي حكم الدولة الساسانية بين 590 و628م.
وبذلك تكتسب نطاع أهمية تتجاوز كونها مورد ماء قديمًا؛ فهي موضع موثق في معجم البلدان ارتبط مباشرة بالصراع على طرق القوافل ونظام الخفارة بين بني تميم والسلطة الساسانية وحلفائها المحليين، ثم كان ما جرى فيها أحد الأسباب المباشرة ليوم المشقر أو يوم الصفقة، وهو من أشهر وقائع العلاقة بين عرب شرق الجزيرة والدولة الساسانية في أواخر العصر الجاهلي.

الموقع والملعم العاشر آبار رُضّاء :
رُضاء وبيت العبادة الجاهلي
ومن الأخبار اللافتة المرتبطة بتاريخ تميم الديني قبل الإسلام خبر رُضى أو رُضاء. 
والأدق ألا نسميه ابتداءً «صنم رضاء»؛ لأن أقدم النصوص التي بين أيدينا، وهو كتاب الأصنام لهشام بن محمد الكلبي، يقول إن رُضى كان بيتًا لبني ربيعة بن كعب بن سعد بن زيد مناة، وهم من تميم. ويذكر أن الذي هدمه في الإسلام هو المستوغر، واسمه عمرو بن ربيعة بن كعب بن سعد بن زيد مناة التميمي؛ وبذلك يسقط التردد الوارد أحيانًا بين «كعب بن ربيعة» و«عمرو بن ربيعة»، فالمستوغر في رواية ابن الكلبي هو عمرو بن ربيعة.
وحفظ ابن الكلبي شعر المستوغر في هدمه، ومنه:
ولقد شددت على رضاء شدة
فتركتها تلًّا تنازع أسجما
ودعوت عبد الله في مكروهها
ولمثل عبد الله يغشى المجرما
ويكشف هذا النص عن وجود بيت عبادة جاهلي خاص بفرع من تميم، ثم هدمه صاحبه بعد دخول الإسلام. أما وصف رضاء بأنه «كعبة» أو الجزم بأنه كان صنمًا قائمًا داخل البيت فهما تعبيران يحتاجان إلى قدر من الاحتراز، لأن نص ابن الكلبي الذي وصلنا يقول بوضوح إن «رضى كان بيتًا»، ولا يقدم في هذا الموضع وصفًا أثريًا لبنائه أو لهيئة ما كان يعبد فيه.
وتوجد اليوم في نطاق وادي المياه ناحية تحمل اسم رضا/رضاء وبها مورد ماء، وقد قام باحثون ورحالة ميدانيون"رحالة الجزيرة العربية" بمطابقة هذا الموضع مع «رُضاء» الوارد في خبر المستوغر. وهذه المطابقة جديرة بالبحث وقوية من ناحية بقاء الاسم ووقوع الموضع ضمن ديار تميم القديمة، لكنها لم تتحول بعد إلى حقيقة أثرية قاطعة؛ إذ لا يكفي استمرار الاسم وحده لإثبات أن الموقع الحالي هو بعينه موضع بيت العبادة الجاهلي ما لم تدعمه مكتشفات أثرية أو نص جغرافي قديم يحدد موقع رضاء بالنسبة إلى ثاج وحنيذ ونطاع وغيرها. ولذلك فالأدق في البحث القول: «يرجح بعض الباحثين الميدانيين أن موضع رضاء المعروف اليوم في وادي المياه يحفظ اسم بيت رضاء الجاهلي»، لا القول إن موقع البيت قد ثبت نهائيًا.
وهكذا يكشف تاريخ وادي الستار عن طبقات متتابعة من حياة شرق الجزيرة العربية: إقليم كثيف القرى لقبائل تميم؛ ووقائع من أيام العرب مثل يوم الستار؛ وموضع نطاع الذي شهد الاستيلاء على لطائم كسرى وكان شرارة لأحداث يوم الصفقة في المشقر؛ ثم خبر بيت رضاء الذي يمثل شاهدًا على الحياة الدينية لتميم قبيل الإسلام. وهذه الأخبار، حين تقرأ مع جغرافية ثاج وحنيذ ونطاع وطرق القوافل، تجعل وادي المياه إقليمًا تاريخيًا يتجاوز دوره بوصفه واديًا للرعي والمياه، ليظهر جزءًا من مسرح السياسة والتجارة والصراع والمعتقد في شرق الجزيرة العربية قبل الإسلام.

 
معالم جيلوجية وأحافير تاريخية في وادي الستار. 

المواقع الجيولوجية والأحافير والفن الصخري في وادي الستار

الموقع والمعلم الحادي عشر تكوين الدام: 

يتميز وادي المياه، أو وادي الستار تاريخيًا، بقيمة لا تقتصر على تاريخه البشري وطرقه وقراه القديمة، بل تمتد إلى سجل جيولوجي وأحفوري بالغ الأهمية يرجع إلى عصر الميوسين، حين كان شكل شرق الجزيرة العربية ومناخه وبيئاته مختلفًا جذريًا عما نراه اليوم. وتكشف المكاشف الواقعة في نطاق الصرار وسبخة الضبطية وما حولهما عن طبقات من تكوين الدام Dam Formation، وهو تكوين يعود إلى الميوسين المبكر وشهد تعاقب بيئات بحرية ضحلة وساحلية ومصبية وقارية ونهرية، في فترة كانت مياه البحر تتوغل غربًا في أجزاء واسعة من شرق الجزيرة العربية. 
الصورة اعلاه هي مكاشف تكوين الدام من الميوسين في الصرار بالمنطقة الشرقية .

وتشير الدراسات الحديثة إلى أن البحر في الميوسين المبكر كان يمتد في بعض المراحل إلى نحو 120 كم غرب الساحل الحالي، ضمن نطاق طويل موازٍ للخليج.

الموقع والمعلم الثاني عشر دحل السبب:
احداثي الدحل 
https://goo.gl/maps/iBAk1k8tLtqPnBrP7?g_st=ac
دحل عبارة عن تجويف صخري تكون بفعل النحت بفعل السيول وكوّن تجويفات ممتدة لمسافات كبيرة ، ويعد في العصور الماضية عدّ للمياه بسبب مايحفظه في جوفه من مياه لوقوعها في عزل عن الاحواء الخارجية. 

الموقع والمعلم الثالث عشر عتيّق:
احداثي عتيق
https://maps.app.goo.gl/CCK9rVdEFUVSWKmA6?g_st=ac

عتيّق والحِسّي من قرى وادي الستار
تقع عتيّق والحِسّي في نطاق الصرار ووادي المياه، ضمن الامتداد التاريخي لوادي الستار، وقد نشأ استيطانهما حول موارد الماء التي شكلت منذ القدم أساس العمران والتنقل في هذه الناحية.
عتيّق تقع إلى الشرق من نطاع وقرب مملحتها، ويرجح الباحثون أنها الموضع القديم الذي ورد باسم «العَتيد» في وصف طرق شرق الجزيرة العربية. وقد ذكر لُغدة الأصفهاني، المتوفى في أوائل القرن الرابع الهجري، في كتابه بلاد العرب «ماء العتيد» ضمن الطريق الخارج من الأحساء شمالًا باتجاه البصرة، بعد ذكر الستار ومياه بني سعد، ثم تتتابع بعده مياه الطريفة وطويلع. ورجح الباحث عبدالرحمن العاني أن هذا الماء هو عتيّق الحالية، مستندًا إلى توافق الموقع وتسلسل المناهل القديمة على الطريق. كما أورد ياقوت الحموي اسم «العُتيد» ضمن أسماء المواضع العربية، إلا أن تحديده لا يكفي وحده للجزم بأنه عتيّق الحالية. وبذلك يمكن عد عتيّق من المواضع التي يرجح أن أصلها مورد ماء قديم على الطريق بين الأحساء وشمال شرق الجزيرة، ثم نما الاستقرار حوله حتى أصبح بلدة قائمة.

الموقع والمعلم الرابع عشر الحسي: 
احداثي الحسي
https://maps.app.goo.gl/VPxPgRUe9ohJXSEg9
منهل الحسي 
أما الحِسّي فيقع في النطاق نفسه قريبًا من الصرار ونطاع وعتيّق، واسمه مرتبط بالماء ارتباطًا مباشرًا؛ فـالحِسْي في لغة العرب هو الموضع الذي يختزن الماء تحت الرمل أو في الأرض القريبة من السطح، فإذا حُفر ظهر الماء، ومن هذا الأصل جاء جمع «أحساء». وقد شرح أبو منصور الأزهري هذا المعنى في تهذيب اللغة من واقع مشاهداته لبادية شرق الجزيرة.
وذكر حمد الجاسر الحسي في المعجم الجغرافي للبلاد العربية السعودية ضمن قرى نطاع في المنطقة الشرقية، كما عُرفت في وادي المياه عين الحسي ضمن مجموعة المناهل والآبار القديمة المنتشرة في الوادي. ولا يتوافر حتى الآن نص بلدي قديم صريح يثبت اسم الحسي الحالية في القرون الأولى للهجرة، ولذلك يبقى الثابت أن اسمها يحمل دلالة مائية قديمة وأن نشأتها ارتبطت بمورد ماء معروف في هذه الناحية.
وهكذا تمثل عتيّق والحسي نموذجًا لطريقة نشوء قرى وادي الستار؛ فالماء كان البداية، ثم أصبح المورد منهلًا للمارة والرعاة والقوافل، وبعده نشأ الاستقرار والنخيل والعمران، وبقيت أسماء تلك المواضع محفوظة في جغرافية الوادي حتى العصر الحديث.


الموقع والمعلم الخامس عشر كهف الدويمات :
احافير كهف الدويمات
احافير كهف الدويمات 
الصرار قبل نحو 17–15 مليون سنة
بدأ الاهتمام العلمي بأحافير هذه الناحية مبكرًا، ونُشرت نتائج مهمة عنها في حولية أطلال تحت عنوان تقرير مبدئي لدراسة الكائنات القديمة في منطقة الصرار لهربرت توماس وزملائه، ثم ظهرت الدراسة التفصيلية The Lower Miocene Fauna of As-Sarrar، التي جعلت الصرار من المواقع المعروفة علميًا لدراسة حيوانات الميوسين المبكر في الجزيرة العربية. 
وتتجه الدراسات اللاحقة إلى وضع معظم طبقات الصرار الأحفورية في أواخر الميوسين المبكر، في حدود 17–15 مليون سنة تقريبًا، ولذلك فهذه المدة أدق من تعميم «14–17 مليون سنة» على جميع المواقع.

        يشاهد موقع جبل ادموات غرب نطاع 
          الكهف اسفل جبل الدويمات

وفي هذه الطبقات سجلت بقايا لكائنات عاشت في بيئات متنوعة؛ فهناك رخويات بحرية وثنائية المصراع وأحافير بحرية مجهرية تدل على فترات التقدم البحري، وفي الطبقات القارية والنهرية ظهرت بقايا أسماك وسلاحف وتماسيح وقوارض، إلى جانب ثدييات كبيرة شملت وحيد القرن وحيوانات خنزيرية ومجترات وخرطوميات قديمة شبيهة بالفيلة. وقد كان يطلق على بعض الخرطوميات في الدراسات القديمة اسم «المستدون»، إلا أن الأدق في المصطلح الحديث أن من بينها Gomphotherium وأقارب الغومفوثيريات؛ وهي خرطوميات منقرضة قريبة في الهيئة العامة من الفيلة، لكنها ليست الفيل الحديث ولا «المستدون» الأمريكي بالمعنى التصنيفي الدقيق.
«ومن المواقع التي زرناها ميدانيًا جبل الدويمات غرب الصرار، الواقع ضمن النطاق الجيولوجي الغني بمكاشف الميوسين وأحافيره في وادي الستار.».
ومن البحر إلى الأنهار والمستنقعات
ولا تعكس أحافير المنطقة بيئة واحدة ثابتة؛ وهذه نقطة مهمة في فهم تاريخ الوادي. فقد أظهرت الدراسات الرسوبية الحديثة أن تكوين الدام سجل تغيرات متتابعة في مستوى البحر، فتكونت فيه رواسب بحرية كربوناتية ضحلة، ثم ظهرت رواسب أكثر قربًا من الساحل والمصب، وأخرى قارية ونهرية. ولذلك فالأدق ألا نتخيل المنطقة طوال ملايين السنين بحيرة واحدة تحيط بها النخيل، بل سهلًا ساحليًا واسعًا تغيرت بيئاته مع تقدم البحر وانحساره، وتخللته أنهار ومصبات ومستنقعات ومناطق نباتية.
وتدعم الأحافير النباتية والحيوانية صورة بيئة أكثر رطوبة ودفئًا من البيئة الحالية؛ فقد عرفت بعض المواقع أخشاب النخيل ونباتات الأراضي الرطبة، ودلت تجمعات الحيوانات على بيئات من الأحراج المفتوحة والشجيرات والسافانا، بينما تشير مواقع أخرى إلى ظروف ساحلية شبه استوائية ومصبات مائية ومسطحات طينية. ولذلك كان من الممكن أن تعيش في شرق الجزيرة حينذاك التماسيح والسلاحف ووحيد القرن والخرطوميات وغيرها من الحيوانات التي يستحيل تقريبًا تصورها اليوم في صحراء الصرار ووادي المياه.
أما وصف هذه الترسبات بأنها من «بحر تيثيس» فيحتاج إلى شيء من الدقة؛ فالمنطقة كانت خلال تلك المرحلة جزءًا من عالم بحري نشأ على هامش محيط نيوتيثس Neo-Tethys في أثناء تقلصه وإغلاق ممراته نتيجة حركة الصفيحة العربية باتجاه أوراسيا وتكوّن نطاق زاغروس. ومن ثم فالأدق القول إن رواسب الدام البحرية تمثل التوغلات البحرية المرتبطة بالمراحل المتأخرة من نظام نيوتيثس في شرق الجزيرة العربية، لا أنها ببساطة قاع «بحر تيثيس» القديم بمعناه الواسع.

الموقع والمعلم السادس عشر قرد الضبطية :
قرد الضبطية: شاهد على صلات الجزيرة العربية بأفريقيا في الميوسين
من أبرز الاكتشافات الأحفورية في وادي المياه ومحيطه بقايا قرد من أشباه البشر القديمة عُثر عليها في موقع الضبطية ضمن تكوين الدام. 
    من صفحات البحث لقرد سبخة الضبطية

وقد جُمعت الأحافير خلال الأعمال الميدانية في المنطقة سنة 1974م، ثم نشر Peter Andrews وW. R. Hamilton وP. J. Whybrow وصفها في مجلة Nature سنة 1978م؛ وتتألف من جزء من الفك العلوي وأربع أسنان منفردة سجلت في المتحف البريطاني للتاريخ الطبيعي بالأرقام M35145–M35149، كما في الصورة أعلاه ..
ولاحظ الباحثون تشابهها مع قردة الميوسين المبكر في شرق أفريقيا. وفي سنة 1987م أعاد Peter Andrews وLawrence Martin دراستها وأطلقا عليها الاسم العلمي Heliopithecus leakeyi. 

             وهنا صورة اوضح للفك ..

وقد حُدد موقع اكتشاف العينة النمطية بدقة على مسافة نحو 4 كم جنوب شرقي سبخة الضبطية، عند الإحداثيات 26°27′02″N، 48°35′24″E.
 وتكتسب هذه الأحفورة أهميتها من كونها شاهدًا نادرًا على وجود الهومينويدات في شرق الجزيرة العربية في الميوسين وعلى الصلات الحيوانية القديمة بين أفريقيا والجزيرة العربية، مع بقاء موقع Heliopithecus التصنيفي الدقيق وعلاقته بالجنس الأفريقي Afropithecus موضع نقاش علمي.


وهنا تظهر القيمة العلمية الكبرى لوادي الستار ومحيطه: فوجود الخرطوميات ووحيد القرن والقردة والثدييات والقوارض والأسماك والتماسيح في طبقات متقاربة يجعل شرق الجزيرة أحد المواقع التي تساعد العلماء على فهم مرحلة مهمة من تاريخ اتصال الكتل القارية. فخلال الميوسين المبكر أخذ الحاجز البحري بين أفرو-عربيا وأوراسيا في الانغلاق، وأصبح الانتقال البري للحيوانات بين القارتين أكثر إمكانًا، ولذلك تمثل الصرار والضبطية جزءًا مهمًا من سجل التبادل الحيواني بين أفريقيا وآسيا عبر الجزيرة العربية.

الموقع والمعلم السابع عشر قبور الضبطية :
القبور الهرمية وبعض قلاع الحجر. 
كما لا نذهب بعيدا عن قرد سبخة الضبطية فالى الشمال الشرقي منه ولمسافة 1400متر فقط نجد موقع لقبور هرمية بارتفاع مترين وجنوبها قلاع الحجر الفريدة والمتناثرة .
والتي لاتحمل بحثا ولا معرفة تاريخ واصل لها وهي بلا شك معلم تاريخي قبل الاسلام وعدم معرفتنا بأمره لا يقلل من أهميته وهنا اضعه ضمن نقاط البحث القادمة للباحثين لكشف اسراره ..

الموقع والمعلم الثامن عشر جبال القلاع :
قلاع الحجر من اسرار وادي الستار الغير مكتشفة 
واغلب تلك الجبال المحتوية انفاق لارتقائها احدهم افقي للدخول ثم عمودي للصعود اعلى الحبل أو التل المسطح وبعضها يحوي فتحتين من الانفاق للدخول ، كما ان بعضها تدمر بفعل الزمن فلايمكن الصعود اليه. 
نفق الصعود العمودي

نفق الدخول الأفقي

من جبال القلاع ..

وكلها تقع غرب الصرار وحنيذ ، وتحوي العديد منها بشكل متباعد ، وساضع لكل موقع منها نقطة لاهميتها واغلبها تقع في غرب من حنيذ والصرار . 

الموقع والمعلم التاسع عشر جبال القلاع  :
أحد جبال القلاع قرب حنيذ

الموقع والمعلم العشرين جبل السفينة :
جبل السفينة من قلاع الجبال. 


الموقع والمعلم الواحد والعشرون جبال القلاع :
موقع آخر لجبال القلاع 


الموقع والمعلم الثاني والعشرون المذيلات :
مذيلات ومنشآت حجرية

الموقع والمعلم الثالث والعشرون قبوراء :
قبوراء موقع قبور هرمية شمال حنيذ

الموقع والمعلم الرابع والعشرون قبور ومذيلات :
قبور هرمية مع مذيشلات قرب جروف شمال حنيذ. 


الموقع والمعلم الخامس والعشرون نقوش :
الرسومات الصخرية في وادي المياه
وننتقل الى زمن الإنسان الذي يقاس بآلاف السنين، نجد في الوادي طبقة أخرى من الشواهد تتمثل في الرسومات والنقوش والمخربشات الصخرية. وقد وثق الباحث الأثري نبيل يوسف الشيخ يعقوب، من متحف الدمام الإقليمي، وجود أكثر من 24 موقعًا للرسومات والمخربشات الصخرية في وادي المياه، ونشر دراسته عنها في مجلة الواحة، العدد 25، سنة 2002م. وهذه المعلومة أدق من القول إن لدينا اليوم إحصاءً رسميًا نهائيًا بـ24 موقعًا؛ فالعدد يمثل ما كان الباحث قد سجله في أعماله الميدانية حتى ذلك الوقت.
ومن أهمها الموقع الذي سماه الباحث «الموقع رقم 1»، وكان من أوائل المواقع التي شاهدها بنفسه سنة 1987م. يقع عند قلبان الشريعة بالقرب من سبخة الضبطية، على مسافة تقارب عشرة كيلومترات جنوب حنيذ، وقد سجل إحداثياته بنحو 26°29′13.9″ شمالًا، 48°37′27.9″ شرقًا. وتنتشر الرسومات على شريط صخري في الجزء الشمالي من السفح، والصخرة نفسها من الحجر الجيري العائد جيولوجيًا إلى الميوسين؛ أي إن الفنان القديم نقش رسومه قبل آلاف السنين على صخر كان قد تكوّن قبل نحو ستة عشر مليون سنة أو أكثر.
وتضم اللوحات أشكالًا آدمية وحيوانية وفرسانًا وجمالًا وطائر نعام ووسومًا قبلية ومشاهد للصيد والقتال. ووصف نبيل الشيخ أسلوبين رئيسيين في التنفيذ: الرسوم التخطيطية التي تظهر فيها الحركة والتفاصيل، والأسلوب العودي البسيط الذي تختزل فيه الأجسام إلى خطوط؛ كما استعمل الفنانون الخدش بأداة حادة والنقر على سطح الصخر. ومن أكثر المشاهد إثارة للاهتمام فارس يحمل رمحًا، وفرسان آخرون بأسلحة، ومشهد لصيد الجمل، إضافة إلى صورة نعامة؛ وهي مشاهد توفر مادة لدراسة حياة سكان المنطقة وتنقلهم وصيدهم ورموزهم الاجتماعية.

الموقع والمعلم السادس والعشرون مدافن :
مقابر هرمية وتلال مدافن. 
وتوجد قرب الموقع رقم (1)  تلال مدافن رجح الباحث نبيل الشيخ يعقوب ، مبدئيًا أنها تعود إلى الألف الثاني أو الأول قبل الميلاد، ولذلك طرح احتمال أن يكون أصحاب المدافن هم أنفسهم أو من الجماعات القريبة زمنيًا ممن نفذوا بعض الرسومات.
 لكنه قال صراحة إن هذا احتمال يحتاج إلى تنقيب أثري وليس نتيجة ثابتة. ومن ثم فالصياغة الأدق هي: «قد تكون بعض رسوم قلبان الشريعة معاصرة للمدافن القريبة المؤرخة مبدئيًا إلى الألفين الثاني والأول قبل الميلاد، إلا أن هذه الصلة لم تثبت أثريًا حتى الآن».
وهكذا يجمع وادي الستار في مساحة جغرافية واحدة سجلين متباعدين زمنًا على نحو استثنائي: سجلًا طبيعيًا يعود إلى الميوسين قبل نحو 15–19 مليون سنة، حين كانت المنطقة ساحلًا دافئًا تعيش حول مياهه التماسيح ووحيد القرن والخرطوميات والقردة القديمة؛ وسجلًا بشريًا أحدث بكثير، تمثله المدافن والرسومات والمخربشات الصخرية التي خلفتها جماعات عاشت وتنقلت في الوادي قبل آلاف السنين. وهذه الثنائية تجعل منطقة الصرار–الضبطية–حنيذ من أهم أجزاء وادي المياه للبحث المتكامل في الجيولوجيا والأحافير والبيئة القديمة والآثار، وتستحق أن توثق مواقعها وإحداثياتها وتحفظ بوصفها جزءًا من التراث الطبيعي والثقافي للمنطقة الشرقية.


 الموقع والمعلم السابع والعشرون قلعة نطاع:
قرية نطاع وقصر الملك عبدالعزيز

واشهر مافيها امرين. 
الاول: بئر الجاهلية 
وهي لاتزال موجودة حتى هذا الوقت وكانت هي البئر الوحيدة التي يرتوي منها سكان نطاع حيث يأخذون منها الماء للشرب والماشية ويستخدمونها ايضا البناء منازلهم وتنسب هذه البئر لرجل يقال له ( ابن منديل ) . 

قصر الملك عبدالعزيز في نطاع
يقع قصر الملك عبدالعزيز في نطاع بوادي المياه، جنوب غرب النعيرية، ويُعد من أبرز الشواهد التاريخية على امتداد الإدارة السعودية إلى شمال المنطقة الشرقية في أواخر عهد توحيد البلاد.
       اخذت الصورة للقصر عام 1930م 
وهنا احداثية القصر.. 
https://maps.app.goo.gl/3gvkaTkrFD1vUHvA9?g_st=ac

 واعتمادًا على المركز الوطني للوثائق والمحفوظات ودارة الملك عبدالعزيز، 
فأن الملك عبدالعزيز قد أمر بإنشاء القصر سنة 1347هـ/1928م، وافتُتح سنة 1349هـ/1930م ليكون مقرًا للإمارة.  
وتشير الروايات المحلية إلى أن مرحلة البناء الفعلية استغرقت نحو سبعة إلى ثمانية أشهر، وأن الأمير عبدالله بن جلوي وجّه بتنفيذ المشروع، وشارك في بنائه بنّاؤون قدموا من الأحساء مع عدد من أهالي نطاع. وبعد اكتماله أصبح القصر أكثر من مجرد مقر لسكن الأمير؛ إذ ضم الإمارة والإدارة المالية والشرطة والبريد ومركز اللاسلكي والحامية والمسجد، وعُيّن لحمايته نحو خمسين رجلًا، وهو ما يكشف دوره بوصفه مركزًا إداريًا وأمنيًا للدولة في وادي المياه وما حوله.
وتفيد رواية كبار أهالي نطاع، التي وثقتها صحيفة اليوم، بأن عبدالله بن يوسف تولى إمارة نطاع سنة 1349هـ بتكليف من الأمير عبدالله بن جلوي، ومكث نحو ستة أشهر، ثم تعاقب على الإمارة عدد من الأمراء. كما كانت نطاع مركزًا إداريًا لنطاق واسع من وادي المياه امتد جنوبًا في اتجاه عريعرة وشمالًا نحو االنعيرية. 
ويعدّ قصر نطاع أحد أقدم مراكز الإدارة السعودية في وادي المياه وشمال داخل المنطقة الشرقية، وشاهد معماري وسياسي مهم على مرحلة بناء مؤسسات الدولة قبل إعلان اسم المملكة العربية السعودية سنة 1351هـ/1932م.
المصادر الرئيسة: سعوديبيديا «مركز نطاع» – ومصادرها دارة الملك عبدالعزيز والمركز الوطني للوثائق والمحفوظات؛ الموقع الرسمي لإمارة المنطقة الشرقية؛ صحيفة اليوم، 2 أغسطس 2003 و9 ديسمبر 2013؛ صحيفة عكاظ، 6 يونيو 2011.

الموقع والمعلم الثامن والعشرون جودة:
احداثي مركز جودة 
https://maps.app.goo.gl/5SAWiHy6HqJ53vRt7?g_st=ac

جودة
جودة من المواضع التاريخية القديمة في شرق الجزيرة العربية، وكانت موردًا للمياه على طرق العبور بين الأحساء ونجد. 
وقد ذكرها ياقوت الحموي في معجم البلدان باسم «يَجُودة» فقال: 
«موضع في بلاد تميم»، واستشهد بقول جرير: «ألا تسألان الجوَّ جوَّ متالعٍ، أما برحت بعدي يجودة والقصر؟»، كما ورد اسمها في شعر عبدة بن الطبيب: 
«لولا يجودة والحيُّ الذين بها، أمسى المزالف لا تذكو بها نار»
ورجّح العلامة حمد الجاسر أن «يجودة» الواردة في المصادر القديمة هي جودة الحالية، ومن أدلته اقترانها في شعر جرير بمتالع، وهو الموضع المعروف إلى اليوم بالقرب منها. واشتهرت جودة قديمًا بموارد مياهها، والعديد من الآبار في هجرة جودة أشهرها: 
( بئر الحربية )
والواقع في شمال البلدة، ويحاط البئر بالنخيل،.

 وبئر أخري تسمى (بئر الشريعة)
 يقع بجوار البلدة من جهة الجنوب الشرقي، ويحاط ويحاط البئر بالنخيل أيضًا.
 واما من سكنها مؤخرا فهم الدامر من العجمان ..
وفيها قصر الاميرة حزوى وقصر بن حثلين ..لكنه اندثر مع الزمن..
 
الموقع والمعلم التاسع والعشرين قصر حزوى:
احداثي القصر
https://maps.app.goo.gl/pJ5eCEvVnJxgc5zg6?g_st=ac
قصر حزوى الدامر 
في تاريخ جودة الحديث وماحولها ، فقد استقر بها العجمان، وبرزت فيها أسرة الدامر التي ارتبطت بإدارة مركز جودة عبر أجيال. 
ومن الشواهد العمرانية التي تتناقلها الرواية المحلية قصر حزوى الدامر، وهو بناء طيني أقيم بمحاذاة جبل حمراء جودة، وتذكر الرواية أنها شقيقة الأميرة صيتة بنت فهد بن محمد الدامر، حرم الملك خالد بن عبدالعزيز ووالدة الأمير فيصل بن خالد. وهكذا تجمع جودة بين اسم ضارب في الشعر والجغرافيا العربية القديمة، وموارد المياه، وتاريخ الاستيطان الحديث، وبيئة جبل حمراء جودة المميزة.



والدة حزوى هي رفعه شحيتان آل ضاعن العجمي.
وهي أخت الشيوخ عبدالله وعبدالرحمن الدامر. 

كما ان أخواتها: صيتة الشهيرة بالملكة زوجة الملك خالد ذائعة الصيت..
وبقية الاخوات (نورة، وضحى، الجازي، وسمية)
وهي خالة كلا من الأمراء (فيصل وفهد ابناء الملك خالد)…






ويقع قصرها او منزلها وسط جودة عند اهلها الدامر ..
ويزيد القصر تألقا وقوعه على سفوح جبال حمراء جودة .

الموقع والمعلم الثلاثون اصبع جودة: 
احداثي اصبع جودة
https://maps.app.goo.gl/vnASxaxZ8Npfn9Uq5?g_st=ac
 اصبع جودة هو أشهر معلم على درب الجودي وقرب جودة والدرب الشهير يخرج من واحة الأحساء مرورا بجودة ليتجه غربا اليمامة ونجد، وشهرته كونه يخدم واحة الأحساء بنجد والاحساء لديها ميناء العقير ، وهو منفذ بحري مهم يأتي بالبضائع من العالم لنجد عبر الاحساء ومرورا بهذا الدرب لنجد. 

الموقع والمعلم الواحد الثلاثون جبل حمراء جودة: 
احداثي احد مداخل حمراء جودة
https://goo.gl/maps/PKsKHoyfqexQphuGA?g_st=ac
وجبل حمراء جودة يعتبر من أجمل تضاريس وادي المياه، حيث يرتفع نحو 250 متر عن سطح البحر ، كما أن فيه ظهره تتسع لمساحة 10كلم عرضا بـ10كلم طولا وفيها عدة فياض تنبت بالربيع وبعض اشجار السدر.. 
وفي سفوحة تجاويف ومغارات يتخذها رعاة الماشية والمسافرين مسكنا في الظهيرة صيفا ، او اتقاء لرياح الشتاء القارسة.. 
وهناك شماله اسهر غيران المنطقة وهو غار النجيبية مقابل متالع شمال الجبل وايضا جنوبة وامام اصبع جودة يقع بعض الغيران المناسبة للجلوس والراحة. 

د.الرحال وائل الدغفق 1448هـ 

============================

المصادر المعتمدة في التحقيق: 

أبو منصور الأزهري، تهذيب اللغة، مادة حنيذ وما نقله عنه ابن منظور في لسان العرب؛ 

وياقوت الحموي، معجم البلدان، مادتا الستار والطف؛ 

حسين بن غنام، روضة الأفكار والأفهام في حوادث سنتي 1207هـ و1211هـ؛ 

موسوعة المملكة العربية السعودية الصادرة عن مكتبة الملك عبدالعزيز العامة، مادة قرى وادي المياه؛ 

سعوديبيديا، مدينة ثاج التاريخية؛ عبدالله محمد إبراهيم الشمري، وادي المياه: الستار قديمًا، الدمام، 1413هـ؛ 

هيئة التراث وموسوعة المملكة العربية السعودية كما نقلتهما سعوديبيديا في مادة مدينة ثاج التاريخية؛ وعلاقات يوم الصفقة بالدولة الساسانية؛
عبدالرحمن عبدالكريم العاني، البحرين في صدر الإسلام، في تحديد مياه جودة وعريعرة وكنهل ومرور دروب الجودي والعرعري والكنهري بها؛
 وكالة الأنباء السعودية، خبر أعمال التنقيب الأثري في ثاج؛ 
اليونسكو، الدراسات الخاصة بطرق تجارة اللبان والمر والتوابل في الجزيرة العربية؛ 
الاستطلاع الميداني المنشور عن وادي الستارين في توثيق مسميات الشعاب والسبخات والطرق المحلية.
أبو الفضل الميداني، مجمع الأمثال، باب أسماء أيام العرب؛
 ابن الأثير، الكامل في التاريخ، خبر يوم الصفقة ويوم المشقر؛ 
هشام بن محمد الكلبي، كتاب الأصنام، خبر رُضى ووالمستوغر؛
 Herbert Thomas وآخرون، The Lower Miocene Fauna of As-Sarrar (Eastern Province, Saudi Arabia)، حولية أطلال، العدد 5، ص 109–136؛
 والتقرير العربي المختصر تقرير مبدئي لدراسة الكائنات القديمة في منطقة الصرار، أطلال 5، ص 101–106. Peter J. Whybrow وآخرون، ملف الدراسات المتخصصة Miocene Geology and Palaeontology of Ad Dabtiyah, Saudi Arabia، Bulletin of the British Museum (Natural History), Geology 41(4)، 1987، ويتضمن دراسات مستقلة عن جيولوجية الموقع والقردة والخرطوميات ووحيد القرن والمجترات. 
Peter Andrews, W.R. Hamilton & P.J. Whybrow، Dryopithecines from the Miocene of Saudi Arabia، Nature 274، 1978. Peter Andrews & L. Martin، The phyletic position of the Ad Dabtiyah hominoid، 1987، وفيه تسمية Heliopithecus leakeyi. Syed Haroon Ali وآخرون، Sedimentary facies, depositional environments and conceptual outcrop analogue — Dam Formation, early Miocene, Eastern Arabian Platform, Saudi Arabia، 2021.
 نبيل يوسف الشيخ يعقوب، «الرسومات الصخرية في المنطقة الشرقية – وادي المياه»، مجلة الواحة، العدد 25، 2002م، ص 21–24.

من الذكريات لأول حجّة الى أول سفرة..حين تزاحمت الجينات… من مكة والهند وُلد «رحّال الخبر»


من الذكريات لأول حجّة الى أول سفرة… 

حين تزاحمت الجينات… من مكة والهند وُلد «رحّال الخبر»

حين أعود اليوم بذاكرتي إلى مطلع الثمانينيات، وإلى تلك السنوات القليلة الممتدة بين حج عام 1400هـ ورحلتي الأولى إلى الهند عام 1402هـ، أشعر أن شيئًا ما كان يتكوّن في داخلي من غير أن أعرف اسمه.



لم أكن يومها أخطط لأن أصبح رحّالًا، ولا كنت أرسم أمامي خريطة للعالم وأقول: سأطوف هذه البلاد كلها.

لم يكن في ذهني شيء اسمه «رحّال الخبر».

ولكن يبدو أن الله سبحانه كان يهيئ الأسباب بعضها لبعض، وأن طباعًا ورثتها عن والدي ووالدتي، رحمهما الله، كانت تتزاحم في نفسي حتى اجتمعت يومًا وصنعت ذلك الشغف الذي قادني بعد ذلك إلى أصقاع الأرض.

ومن والدي عبدالعزيز الدغفق أخذت ـ فيما أظن ـ جلد السفر، واحتمال الطريق، وعدم الخوف من مشقته، والاستعداد لأن أمضي إلى المكان ولو كان بعيدًا والطريق إليه مجهولًا.

أما الوالدة، رحمها الله، فأخذت منها شيئًا آخر لا يقل أهمية: الاهتداء إلى المكان، والانتباه لما حولي، ومحاولة فهم البيئة والناس والتفاصيل الصغيرة.

كانت تعرف المكان وتتأمله، وكأن لديها بوصلة داخلية.

ومع مرور الأيام اجتمعت الصفتان:

المغامرة من الوالد… والبوصلة من الوالدة.

وإن شئت أن أسمّيها اليوم مجازًا، قلت:

تزاحمت جينات السفر حتى خرج منها «رحّال الخبر».

الجمس موديل 78… وأولى الحكايات


كانت إحدى البدايات في حج عام 1401هـ.


انطلقنا من الخبر إلى مكة في سيارة جمس موديل 1978م، تلك السيارة التي أصبحت صورتها عندي اليوم أكبر من مجرد سيارة قديمة؛ فهي وعاء لذاكرة عائلة كاملة، وواحدة من الصور المبكرة للطريق الذي أخذني لاحقًا إلى العالم.

كان لونها ـ فيما بقي في الذاكرة ـ رصاصيًا أو رماديًا، وقد أكل الزمن شيئًا من دقة اللون، لكنه لم يأكل صورة من كان فيها.

كنا قرابة عشرة أشخاص.


يقود السيارة ولد العم محمد بن خليل الدغفق، والوالد عبدالعزيز بن عبدالله الدغفق في الأمام، وكنت أنا وولد العمة عبدالله بن عبدالكريم الحسن في الوسط عند المقعد الأمامي، أما الوالدة والأخوات وبنات العم فكن في المقاعد الخلفية.

ومعنا فوق ذلك كله عالم كامل من مستلزمات الحج:

خيمة، وقدور، وزوالي، وحقائب، وأمتعة تكاد تجعل السيارة بيتًا صغيرًا متحركًا.

كانت الرحلة من الخبر إلى مكة تستغرق منا نحو يومين، تتوسطها استراحة في الرياض.

لم تكن الطرق ولا السيارات ولا وسائل الراحة كما هي اليوم، ومع ذلك لا أذكر أننا كنا ننظر إلى الطريق بوصفه عذابًا.

كنا نقضيه بالسوالف والضحك والجمعة الطيبة.

واليوم، كلما تقدمت في العمر، ازددت يقينًا بأن بعض أجمل الرحلات ليست أكثرها رفاهية، وإنما أكثرها امتلاءً بالناس الذين نحبهم.

رحم الله من رحل منهم، وأطال الله في عمر من بقي.

سبعة من ذي الحجة 1401هـ

وصلنا إلى مكة يوم 7 ذي الحجة 1401هـ، أي قبل يوم التروية.

وأقمنا في منى على طريقة أهل ذلك الزمن؛ خيمة ننصبها بأيدينا، وقدور نطبخ فيها طعامنا، وسيارة نتنقل بها بين المشاعر.


لم تكن هناك تلك التنظيمات والخدمات التي يراها الحاج اليوم، ولذلك كان الحج يحمل شيئًا من الرحلة والمغامرة إلى جانب العبادة.

ومن الذكريات التي لا أنساها أننا حين وصلنا إلى منى بحثنا طويلًا عن موضع ننصب فيه الخيمة، فلم نجد مكانًا مناسبًا.

وأخيرًا وجدنا ساحة كانت مخصصة لمطوّف حجاج من المغرب، غير أن خيامهم لم تكن قد نُصبت بعد.

فقلنا: هذه أرض الله!

وساعد على تشجيعنا أن عائلة من أهل نجد شاركتنا المكان.

فنصبنا خيمتنا واستقررنا.

ولكن بعد العودة من عرفات جاء أصحاب المكان!

وصل الحجاج المغاربة ومعهم المطوّف، ووجدوا القوم قد سبقوهم إلى أرضهم.

وحصل ما يحصل في مثل تلك الظروف من جدال ورفع أصوات، حتى كدنا نقول:

راحت الحجة في الهوشة!

ثم هدأت النفوس، واتسع المكان والصدور، وتصالح الجميع.

فحج هؤلاء، وحج هؤلاء، وقضينا أيام منى في المكان نفسه.

والله يتقبل منا ومنهم.

أول نظرة إلى الكعبة

لكن أكثر مشاهد تلك الرحلة رسوخًا في نفسي لم يكن الطريق ولا الخيمة ولا زحام منى.

بل كان مشهدًا لا يزال أمام عيني حتى هذه اللحظة.

كنا ندور بالجمس قريبًا من الحرم، نبحث عن موقف لننزل لأداء الطواف.

وكانت السيارات آنذاك تصل إلى مواضع قريبة جدًا من أبواب المسجد الحرام مقارنة بما هو عليه الحال اليوم.


ومن خلال أحد أبواب الحرم…

رأيتها.

ظهرت الكعبة أمامي شامخة في كسوتها السوداء.

ولا أعرف حتى اليوم كيف أصف تلك اللحظة.

كنت أعرف الكعبة من الصور، وسمعت عنها منذ طفولتي، وقرأت الآيات والأحاديث وسمعت حديث الناس عنها.

لكن أن تراها بعينيك لأول مرة وأنت واعٍ بمعنى المكان، فذلك شيء آخر.

توقفت العين.

ودمعت.

وشعرت بقشعريرة تسري في جسدي.

كان في المشهد خوف وفرح، وهيبة وأُنس، وغموض وجمال.

وكأن كل ما عرفته عنها قبل تلك اللحظة كان مجرد تمهيد لهذه النظرة.

وقد رأيت بعد ذلك من عجائب العالم ما رأيت.

وقفت أمام جبال وأنهار وشلالات وبحار ومدن وآثار وحضارات، ووصلت إلى أماكن كنت في شبابي أظن أن الوصول إليها من ضروب الخيال.

ولكن بقيت لتلك النظرة الأولى إلى الكعبة منزلة لا ينافسها عندي منظر آخر.

ليس لأنها أجمل بناء رأيته بالمعنى المادي…

بل لأن القلب في تلك اللحظة كان يرى معها شيئًا أكبر من البناء.

منى… أول معرض عالمي رأيته

وكان في الحج شيء آخر بدأ يشدني بطريقة ربما لم أكن أدرك معناها يومها.

الناس.

كنت أتجول في منى بين الحجاج، لا أكتفي بالطريق بين الخيمة والجمرات.

أدخل في الأزقة، وأتفرج على البسطات، وأراقب الوجوه والملابس واللهجات وما يحمله الناس معهم.

وكانت منى في تلك السنوات أشبه بسوق عالمي مفتوح.

حجاج أفارقة يحملون بضائع جاءت معهم من بلادهم.

ومصريون وسودانيون ومغاربة يعرضون منتجات وأدوات لم نكن نراها كل يوم في الخبر.

وحجاج قادمون من آسيا الوسطى والقوقاز ومناطق الاتحاد السوفيتي، ممن كنا نسميهم يومها على نحو عام «حجاج الجمهوريات الروسية»، يحملون معهم أشياء غريبة علينا، ويبيع بعضهم جزءًا مما حمله ليستعين بثمنه على نفقات الرحلة الطويلة.

كنت أقف أمام تلك البسطات وكأنني أقف أمام خرائط مفتوحة.

هذه القطعة جاءت من بلد لا أعرفه.

وهذا الرجل قطع آلاف الكيلومترات حتى وصل مكة.

وتلك المرأة لها لباس مختلف.

وهؤلاء يتحدثون لغة لم أسمع مثلها.

وكنت أتساءل:

من أين جاء هؤلاء؟

وكيف تبدو بلادهم؟

وكيف يعيشون؟

وما وراء تلك الوجوه التي اجتمعت كلها هنا؟

لم أكن أعرف أن هذه الأسئلة الصغيرة ستصبح بعد سنوات مشروع عمر.

السوق بين الصفا والمروة

حتى السعي بين الصفا والمروة كان مختلفًا في الذاكرة.

الأسواق والمحلات تقترب من المكان، والحركة البشرية في كل اتجاه.

وكان باعة الماء ينتشرون بجرار زمزم الفخارية، وباعة عرق السوس يحمل أحدهم إناءه المعدني الكبير، وقد علّق حوله عددًا من الكؤوس.

يميل بجسمه، ثم يصب الشراب البارد في الكأس بحركة حفظتها العين قبل أن تحفظها الكاميرات.

كانت مكة يومئذ مدينة تكتشفها بكل حواسك:

صوت الباعة.

رائحة الطبخ.

حرارة الطريق.

ازدحام البشر.

ألوان الثياب.

لغات الدنيا.

ومهابة البيت العتيق فوق ذلك كله.

وربما لم أنتبه يومها إلى أنني لم أكن أحج فقط…

كنت أتعلم كيف أرى العالم.

حج آخر… وخبر هزّ العالم

وافق هذا الموسم للحج بحدث بقي عالقًا في ذاكرة تلك السنوات.

ففي السادس من أكتوبر 1981م وقع اغتيال الرئيس المصري محمد أنور السادات أثناء العرض العسكري في القاهرة.

وكان الخبر متزامنًا تقريبًا مع أيام الحج، حتى اختلط في الذاكرة بصور المشاعر والحجاج والأحاديث التي كانت تتناقل الخبر.

وبقي ذلك الحدث واحدًا من العلامات التي تربط عندي التاريخ العام بتاريخ الإنسان الشخصي؛ فالأحداث الكبرى لا نحفظها أحيانًا بالتقويم، وإنما نحفظها بالمكان الذي كنا فيه عندما سمعنا بها.

ثم جاءت الهند

وبعد تلك الحجة وبعد سنة 1402هـ.

وهنا حدث التحول الحقيقي.

الهند.

كانت أول سفرة بعيدة لي خارج البيئة التي عرفتها.

لم تكن الهند مجرد انتقال من بلد إلى بلد.

كانت خروجًا من المألوف.

وجوه أخرى.

روائح أخرى.

ألوان وأسواق وزحام وديانات وعمارة وطرق حياة مختلفة تمامًا.




 

 

هناك بدأت أشعر بأن العالم أكبر بكثير مما نراه في مدننا، وأن وراء كل حدود قصة، وخلف كل جبل قومًا، وفي كل سوق تاريخًا، وأن الرحلة ليست انتقال جسد من مكان إلى آخر، وإنما انتقال عقل من مساحة ضيقة إلى مساحة أوسع.

ولعل البذرة التي زُرعت في منى بين حجاج العالم وجدت في الهند أول أرض حقيقية تنبت فيها.

فما كنت أراه في الحج من وجوه وأدوات ولهجات وملابس أصبح أمامي هناك أوضح وأكبر.

وعندها بدأت الرغبة في السفر تتحول من فضول عابر إلى شغف.

لم يكن هدفي أن أطوف العالم

والغريب أنني لم أضع يومًا في تلك السن خطة تقول:

سأزور عشرات الدول.

ثم مئة دولة.

ثم ما وراء المئة.

لم يكن هناك رقم.

ولا منافسة.

ولا حساب.

كنت أذهب لأن وراء الطريق شيئًا أريد أن أعرفه.

وكلما وصلت إلى مكان، فتح لي ذلك المكان بابًا إلى آخر.

دولة تقود إلى دولة.

وجبل يقود إلى وادٍ.

وقصة تقود إلى شعب.

وشخص أقابله يدلني على قرية لم أسمع بها.

وكأن الطريق كان يبني نفسه أمامي خطوة بعد أخرى.

وأدرك الآن أن الفرق كبير بين من يسافر ليقول: وصلت، ومن يسافر ليسأل: ماذا يوجد بعد ذلك؟

كنت ـ من غير أن أدري ـ من الصنف الثاني.

الوالد أعطاني الطريق… والوالدة أعطتني البوصلة

وبعد هذه العقود كلها، حين أحاول أن أفهم من أين جاءت تلك الرغبة العجيبة في المضي نحو الأماكن الصعبة والمجهولة، أعود إلى البيت الأول.

إلى الوالد والوالدة، رحمهما الله.

من الوالد جاءت قوة الاحتمال.

أن الطريق إذا طال لا يعني أن نعود.

وأن التعب جزء من الرحلة.

وأن الإنسان يستطيع أن يعيش بالقليل ويصل إلى الكثير.

ومن الوالدة جاءت عين المكان.

أن تنظر حولك.

أن تعرف أين أنت.

أن تقرأ الوجوه والطريق.

أن تربط الأشياء ببعضها.

وأن تحفظ التفاصيل التي قد يمر بها غيرك فلا ينتبه إليها.

اجتمع الاثنان في داخلي.

من أبي أخذت جرأة الذهاب، ومن أمي أخذت معرفة أين أنظر عندما أصل.

ولعل هذه هي الخلطة التي صنعت الرحّال.

من جمس 78 إلى فضاء العالم

واليوم، عندما أنظر إلى صورة ذلك الجمس موديل 78، لا أراه سيارة عائلية قديمة وحسب.

أراه نقطة على خريطة طويلة جدًا.

من الخبر إلى الرياض.

ومن الرياض إلى مكة.

ومن خيمة صغيرة في منى إلى أسواق الحجاج.

ومن وجوه الأفارقة والمغاربة وحجاج آسيا الوسطى والقوقاز إلى الهند.

ثم من الهند…

إلى فضاء العالم الفسيح.

وكل رحلة جاءت بعد ذلك كانت تضيف سطرًا إلى حكاية بدأت من غير تخطيط.

ربما كانت المشيئة تسوقني إلى الطريق قبل أن أعرف أن الطريق سيكون قدري.

وربما كانت تلك الخيمة، وذلك الجمس، وتلك النظرة الأولى إلى الكعبة، وتلك البسطات التي كنت أتوقف أمامها طويلًا، والهند بما حملته من دهشة…

كلها قطع صغيرة لم أفهم صورتها يومها.

ثم جمعتها السنون.

فإذا بالصورة تظهر أمامي واضحة:

كان «رحّال الخبر» يتكوّن هناك… وأنا لا أدري.

وما ظننته يومها مجرد حج وسفرة وفضول شاب، أصبح بعد أربعة عقود حياة كاملة من الطريق والاكتشاف.

رحم الله والديّ؛ فقد رحلا عن الدنيا، ولكن شيئًا منهما ظل يسافر معي في كل أرض وطأتها.

أبي في قوة الطريق… وأمي في بوصلة المكان.

أما أنا فكنت حصيلة الاثنين:

رحّالًا انطلق من الخبر… ثم فتح الله له أبواب العالم.

الرحّال وائل الدغفق – رحّال الخبر