الأحد، 25 أكتوبر 2026

العمارة الزبيرية النجدية حين شيّد الأجداد بيوتًا تتنفّس


العمارة الزبيرية النجدية

حين شيّد الأجداد بيوتًا تتنفّس

هندسة الطين والجص والنورة وملاقف الهواء في بيوت الزبير القديمة

رسم رمزي توضيحي أُنشئ لهذه المادة؛ ليس صورة توثيقية لمبنى بعينه

تصوّر فني لبيت زبيري قديم ذي فناء داخلي وملاقف هواء. الصورة رمزية غير تاريخية.

جمع وتحقيق: د. الرحّال وائل عبدالعزيز الدغفق

٢٥ أكتوبر ٢٠٢٦م

مدخل:

 بيت الزبير بوصفه ذاكرة معمارية

لم تكن بيوت الزبير القديمة مجرد جدران من طين وسقوف من خشب؛ بل منظومة من الخبرات التي تمزج البناء النجدي الطيني مع تأثيرات البصرة وجنوب العراق وأسواق الخليج. استجابت تلك العمارة لحرارة الصحراء، والحاجة إلى الظل، وخصوصية الأسرة، وسبل الضيافة، ووفرت أشكالًا متنوّعة من الفناء الداخلي والأروقة والسقوف ووسائل تصريف المياه.

تتبع هذه المادة رحلة البناء من التخطيط والأساسات إلى السطح والتهوية والتشطيبات، مع توضيحات تصويرية رمزية؛ وتظل بعض التسميات المحلية أو نسب الخلط الدقيقة بحاجة إلى مقابلات مباشرة مع كبار السن والحرفيين ووثائق البيوت الباقية. والتفاصيل الواردة هي خصائص رُصدت في بيوت مختلفة، وليست نموذجًا واحدًا ينطبق على جميع المنازل.

1- الحوش والفراغ الداخلي

كان الحوش المكشوف قلب البيت الزبيري: منه يدخل النور والهواء، وحوله تلتف الغرف والأروقة. وكان توزيع المداخل والغرف يعكس التوازن بين الضيافة وخصوصية الأسرة.

رسم توضيحي رمزي للعنصر المعماري، وليس صورة تاريخية موثقة

الحوش: فناء مفتوح إلى السماء، تتوزع عليه غرف السكن، وقد يضم أماكن للجلوس أو أواني الماء أو بعض النباتات. يساعد على إضاءة الفراغات المحيطة وتجديد الهواء.

الليوان: رواق مسقوف مفتوح على الحوش، يحمل سقفه أعمدة أو أقواس، ويمنح الغرف ظلًا وانتقالًا مريحًا بينها.

الطرمة والبرندة: شرفة أو مساحة مظللة ملاصقة للغرف بحسب طراز البناء والاستعمال المحلي؛ وقد تختلف حدود هذين اللفظين عن استعمالهما في نجد أو البصرة.

الديوان والحرم: يُخصص مجلس الضيافة في موضع يمكن الوصول إليه دون المرور بغرف الأسرة، ويُراعى حجب النظر من المدخل إلى قلب البيت.

2-  الأساسات والعروق واللبن

تبدأ العمارة من التربة: يجري تحديد موضع الحوائط وحفر الأساس ثم رفع الجدران بالعروق الطينية أو اللبن المجفف بالشمس، مع إدخال الحجر والطابوق في مواضع بحسب الفترة والإمكانات.

رسم توضيحي رمزي للعنصر المعماري، وليس صورة تاريخية موثقة

العروق: رصّ طبقات متتابعة من الطين المعجون بالماء والتبن، مع ترك وقت كافٍ لتتماسك كل طبقة قبل رفع التي تليها؛ وتختلف أبعادها وفترات تجفيفها بحسب الطقس وطبيعة الخلطة.

اللبن: طين مخلوط بالتبن يُصب في قالب خشبي يسمى المِلبَن، ثم يجفف بالشمس قبل رصّه في مداميك بمونة طينية.

المشّة والطين الحَرّي: تذكر الدراسات المحلية حجر المشّة وبعض أصناف الطين الملائم للبناء، ويختلف الاستخدام وفق نوع التربة وطبيعة الموقع.

السرّ المناخي: الجدار الطيني السميك يؤخّر انتقال الحرارة ويحدّ من التفاوت السريع بين حرارة النهار والليل، لكنه يحتاج إلى الحماية من المياه والصيانة المنتظمة.

3-  الجص والنورة والزخارف

ليست الزبير عمارة طين فحسب؛ فقد عرف البناؤون الجص والنورة والمواد الكلسية لتسوية الجدران وتبييضها وتزيين الأقواس وإطارات الأبواب والنوافذ.

رسم توضيحي رمزي للعنصر المعماري، وليس صورة تاريخية موثقة

الجص: مادة تشطيب وربط سريعة التماسك، استُخدمت لتسوية الجدران وتثبيت عناصر الطابوق وفي الزخارف، خاصة في العقادة.

النورة: مادة جيرية تقليدية لتبييض الجدران وإعطائها سطحًا فاتحًا؛ وتقتضي أعمال الترميم التمييز بين الجير والجص الجبسي والخلطات القديمة.

الزخارف: قد تظهر في تيجان الأعمدة وطاقات الجدران والأقواس وفتحات الواجهات، وتختلف من بيت بسيط إلى بيت تجاري واسع.

تنبيه توثيقي: بعض أسماء المواد مثل «البورق» وردت في شهادات محلية، لكن إثبات تركيبها الكيميائي واستعمالها المحدد يحتاج إلى معاينة عينات قديمة أو سماع الحرفيين.

4-  السقف الخشبي: الجندل والباسجيل والبواري

كانت الأسقف تُنشأ طبقات متراكبة، لكل منها وظيفة إنشائية أو عازلة؛ يبدأ السقف بالجندل، ثم الباسجيل والحصر النباتية، ويعلوه الطين المعجون.

رسم توضيحي رمزي للعنصر المعماري، وليس صورة تاريخية موثقة

الجندل: أخشاب أسطوانية أو شبه مستقيمة تُمد بين الجدران لتكون روافد السقف الرئيسة، وقد دخلت المنطقة أخشاب مستوردة عبر التجارة البحرية.

الباسجيل: عيدان وقصب أو عناصر رفيعة متقاربة تُفرش فوق الروافد لتقليل الفجوات وحمل الطبقات التالية.

البواري والبارية: حُصر من القصب أو المواد النباتية تُستعمل حاجزًا لمنع سقوط التراب وتحمل الطين. «البارية» في بعض الاستعمالات مفرد «البواري»، فلا يلزم اعتبارها طبقة أخرى في كل بيت.

الطينة العازلة: توضع فوق الحصر طبقات من الطين المخلوط بالتبن وتُسوّى بميول خفيفة نحو نقاط التصريف، وتُرمّم عند ظهور التشققات.

خطوات إعداد طينة السطح: يُنتقى الطين المناسب وتزال شوائبه، ثم يضاف الماء تدريجيًا مع التبن ويُعجن حتى تتجانس الخلطة. تُفرش على السطح على دفعات، وتُدك وتُسوّى مع مراعاة ميول التصريف، ثم تُعالج التشققات بعد الجفاف. لا توجد نسبة ثابتة صالحة لكل أنواع الطين، وتحتاج المقادير المحلية الأصلية إلى رواية البنّائين.

5-  العقادة والشيلمان والطابوق

ظهر في فترات لاحقة نظام العقادة الذي يستند إلى جسور حديدية متوازية تحمل عقودًا منخفضة من الطابوق المثبّت بمونة الجص، بدل الاعتماد الكامل على الجندل.

رسم توضيحي رمزي للعنصر المعماري، وليس صورة تاريخية موثقة

الشيلمان: الجسر الحديدي ذو مقطع شبيه بالحرف I؛ يمدّ بين الجدران على مسافات يحددها أسلوب الإنشاء والأحمال.

العقادة: صفّ الطابوق بين الجسور على هيئة عقد خفيف، وتثبيته بمونة مناسبة، ثم تسوية طبقات السقف وحمايتها من تسرب مياه الأمطار.

المتانة والصيانة: يتطلب النظام حماية الحديد من الصدأ ومراقبة الشقوق والرطوبة. ولا يمكن تعميم قدرة التحمل على كل بيت من غير معاينة إنشائية.

6-  الباقدير والسيسر وهندسة الهواء

استفادت البيوت من الرياح والظل لتلطيف الفراغات الداخلية. ويُعد الباقدير مثالًا بارزًا على توجيه الهواء طبيعيًا، بينما خُصصت فتحات علوية أخرى لطرد الدخان والهواء الساخن.

رسم توضيحي رمزي للعنصر المعماري، وليس صورة تاريخية موثقة

الباقدير: ملقف هواء يرتفع عن السطح، يستقبل تيارات الرياح عبر فتحاته ويوجهها إلى الداخل، وقد تختلف الفتحات بحسب اتجاهات الرياح واتساع الغرف.

السيسر: يرد في تراث عمارة الخليج والبصرة بوصفه فتحة أو تركيبًا علويًا لطرد دخان الطبخ والهواء الساخن؛ وتحتاج درجة شيوع المصطلح في الزبير إلى تحقق ميداني خاص.

الحوش والفتحات: تُوزع البناجر والطاقات والفراغات المحمية من الشمس لتكوين مسارات تهوية بحسب اتجاه الهواء وفروق الضغط والحرارة.

التبريد التبخيري: قد تُستعمل مواد نباتية رطبة على مسار الهواء أحيانًا، لكن جدوى هذا الأسلوب ترتبط بدرجة الرطوبة وسرعة الرياح، ولا يُفترض وجوده في جميع البيوت.

7-  الدروازة والبنجرة والروشن

كانت واجهة البيت تجمع الحماية والخصوصية والذوق؛ فالدروازة تعلن المدخل، والبنجرة تنظم الضوء والهواء، وتبرز بعض الرواشن الخشبية من الواجهات.

رسم توضيحي رمزي للعنصر المعماري، وليس صورة تاريخية موثقة

الدروازة: باب خارجي كبير يُصنع من أخشاب متينة ويُدعم بمفصلات ومسامير حديدية، وقد يحتوي على باب أصغر يسمى الخوخة لتيسير المرور اليومي.

العتبة: قطعة عند أسفل المدخل من حجر أو طابوق أو خشب؛ وقد يرتفع منسوبها قليلًا للحد من دخول الغبار ومياه الأمطار.

البنجرة: نافذة خشبية قد تُجهز بقضبان، وتنفتح على الحوش أو الخارج. واللفظ متصل بالتركية «Pencere» وله جذور لغوية أقدم.

الروشن والرواشن: نوافذ أو بروزات خشبية وفق طراز البيت، يدخل منها الهواء والضوء مع قدر من حجب الرؤية؛ ويجب التفريق بين النموذج الزبيري وشناشيل البصرة الواسعة.

8-  الميبّب والسوباط والنقبة

تجاوزت هندسة البيوت حدود الجدار، فكانت بعض الروابط المعمارية تعبر السكة بين بيوت الجيران، وتشكّل ظلالًا وأماكن للتواصل الاجتماعي.

رسم توضيحي رمزي للعنصر المعماري، وليس صورة تاريخية موثقة

الميبّب: ممر مسقوف أو مقبب فوق السكة يربط بيتين متقابلين، وقد يعلوه مجلس أو غرفة. وهو في الشهادات الزبيرية ليس مجرد دهليز داخل المدخل.

السوباط أو الساباط: ممر فوقه بناء أو سقف يصل بين جدارين، ويوفر الظل للمارة، وقد يتقاطع استعماله مع الميبّب في بعض الأوصاف.

النقبة: فتحة اتصال بين أجزاء أو بيوت متجاورة، استُفيد منها في التواصل بين الأسر، وليس صوابًا حصرها في معنى نافذة علوية للتهوية.

الدهليز: ممر داخلي يحجب النظر المباشر من باب الدار إلى الحوش، وهو عنصر مختلف وظيفيًا عن الميبّب الذي يمتد فوق الطريق.

9-  حماية الطين: المرازيم والمدعاب والدروة

كان الماء خطرًا على الجدران الطينية. لذلك صُممت الأسطح بميول مناسبة، وفُتحت منافذ صرف تبعد ماء المطر عن الجدران والأساسات.

رسم توضيحي رمزي للعنصر المعماري، وليس صورة تاريخية موثقة

المرزام: ميزاب خشبي أو قناة بارزة تُخرج مياه السطح إلى الخارج بعيدًا عن وجه الجدار، وقد تُصنع من جذع نخلة مجوف أو ألواح خشبية.

المدعاب: فتحة منخفضة تسمح بخروج مياه الحوش إلى السكة أو إلى نقطة تصريف أخرى، ويختلف موضعها من منزل لآخر.

الدروة: سترة أو جدار قصير يحيط بحافة السطح، يمنح الخصوصية والأمان وقد يحمل زخارف بسيطة.

الصيانة: تنظيف المرزام، وترميم شقوق الطين، وإعادة معالجة أماكن التسرب أعمال متكررة لا تقل أهمية عن أصل البناء.

10-  المرافق والأرضيات والزخارف

اجتمعت في البيت مرافق السكن والضيافة والخدمة، وتدرّجت الأرضيات من الطين المدكوك إلى الطابوق والكاشي؛ مع تقنيات حفظ الماء وتبريده.

رسم توضيحي رمزي للعنصر المعماري، وليس صورة تاريخية موثقة

الكاشي: بلاط يُستخدم لكسوة الأرضيات، وقد يكون إسمنتيًا ملونًا أو خزفيًا بحسب الفترة ونوع البناء.

الديوان والوجار: مجلس استقبال الضيوف وموضع إعداد القهوة، وقد يكون قرب المدخل لاستقلال حركة الضيف عن خصوصية الأسرة.

الكمار والطاقات: تجاويف أو رفوف ضمن سماكة الجدار لحفظ الأواني والأدوات، فضلاً عن إضفاء إيقاع بصري على الفراغ.

السرداب والبئر والزير: قد توجد في بعض المنازل سردايب للتخزين أو التلطيف، وآبار وأوانٍ فخارية لتوفير الماء وحفظه؛ ولا يصح اعتبارها عناصر لازمة في كل بيت.

11-  الدنقة والطرمة والبرندة

تتداخل تسميات عناصر الرواق في التراث الشفهي. ويُفيد توثيق مواضع الأعمدة والظلال وطريقة اتصال الرواق بالحوش في ضبط الاصطلاح المحلي لكل عائلة وحارة.

رسم توضيحي رمزي للعنصر المعماري، وليس صورة تاريخية موثقة

الدنقة (الدنكة): اسم يُطلق محليًا على عمود حامل، ويُقارن بعناصر الأعمدة في الطرمة والليوان؛ وتحتاج ضبطًا من روايات البنائين.

الطرمة: مساحة مظللة أو شرفة داخل الحوش في بعض وصف العمارة الزبيرية؛ ولا ينبغي إسقاط استعمال الكلمة في نجد عليها بلا قرينة.

البرندة: رواق مغطى أو شرفة متصلة بالغرف، وقد تكون مكشوفة الجوانب ومحمية من الشمس.

الليوان: رواق مسقوف يفتح على فناء المنزل. وتبقى حدود الألفاظ في منازل الزبير موضوعًا صالحًا للتحقيق المصور.

12-  الفلسفة المناخية والاجتماعية للبيت

شكّل البيت الزبيري نظامًا مترابطًا: ظلّ في الخارج، وفناءٌ في الداخل، ومواد ذات كتلة حرارية، ومداخل متدرجة، ومنافذ للتهوية وتصريف الماء.

رسم توضيحي رمزي للعنصر المعماري، وليس صورة تاريخية موثقة

الظل قبل التبريد: توفّره السكك الضيقة والأروقة والمظلات والحوائط المرتفعة نسبيًا.

الكتلة الحرارية قبل العزل الصناعي: تحتفظ الجدران الطينية بخصائص تؤخر انتقال الحرارة، لكنها لا تلغي الحاجة إلى التهوية.

الخصوصية مع الكرم: يُمنح الضيف مدخلًا ومجلسًا ملائمين مع حماية الفراغات العائلية.

الصيانة جزء من العمارة: لا يكتمل نجاح البيت إلا بترميم الطبقات الواقية للجدار والسقف وتنظيف مجاري المطر.

خاتمة: عمارة تستحق الحفظ

بنت الزبير منازلها بخبرة أهلها وتجاربهم في الطين والخشب والجص والنورة، وأعادت صياغة تقاليد نجديّة في بيئة مرتبطة بالبصرة وبحركة التجارة البحرية. ولم تكن براعة البنّاء في رفع الجدار وحده، بل في معرفة اتجاه الريح، وموضع النافذة، وميل المرزام، وموقع الحوش، وكيف يدخل الضيف دون أن تُكشف أسرار المنزل.

ولكي تُحفظ هذه المعرفة للأجيال، ينبغي تصوير البيوت القائمة ورفع مخططاتها، وتسجيل كلام البنائين وكبار السن بألفاظهم الأصلية، ومطابقة الروايات بما بقي من عمارة ووثائق. إن الرسوم المرفقة وسائل تعليمية لفهم العناصر، وليست بديلًا من التصوير والتوثيق الميداني.

المراجع وشواهد الاستزادة

•  أحمد جارالله الجارالله، «مدينة الزبير وإقليمها: شخصية المكان وبصمة الإنسان»، المكتبة الرقمية كاظمة: https://www.kazima.org/pages/text/28385?full=1

•  مريم خيرالله خلف وماهر يعقوب موسى، «نشأة مدينة الزبير ومراحلها المورفولوجية»، مجلة دراسات البصرة، ٢٠٢١: https://bsgcenter.uobasrah.edu.iq/news/10032

•  دراسة مروية عن ميّبب الزبير، ضمن «أيام الزبير وذكريات الزمن الجميل» لحسن زبون العنزي: https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=601453

•  «البصرة بعيون نجدية»، رابطة أدباء الشام: https://www.odabasham.net/مقالة/26133-البصرة-بعيون-نجدية

•  «مكيفات الهواء: البارجيل والباقدير وملاقف الهواء قديمًا قبل الكهرباء»، مدونة رحال الخبر: https://rahal-k.blogspot.com/2022/05/blog-post.html

•  مادة تعريفية حول طرق بناء البيوت التراثية في السعودية، سعوديبيديا: https://saudipedia.com

•  هذه المراجع للاستزادة؛ وتحتاج الألفاظ الزبيرية ذات الدلالات المتغيرة، ومقادير خلطة الطين، إلى توثيق ميداني وصوري مستقل.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق