الأربعاء، 12 أغسطس 2026

كمزار العمانية.. قرية حاصرها جبل راس مسندم وفتح لها البحر أبواب العالم يكتشفها رحال الخبر

كمزار.. القرية التي حاصرها الجبل وفتح لها البحر أبواب العالم

من روايات رحّال الخبر


هناك قرى تصل إليها بالطريق، وقرى تقودك إليها الجبال، وأخرى لا تسمح لك أن تراها إلا بعد أن تركب البحر.


وكمزار من النوع الأخير.

كنت قد سمعت عنها كثيرًا قبل الوصول إليها؛ قرية عند أقصى رؤوس مسندم، تتكئ على الجبل من جهة ويغسل البحر أقدامها من الجهة الأخرى، حتى لكأن الطبيعة تعمدت أن تحاصرها ثم تركت لها بابًا واحدًا إلى الدنيا:البحر.

وحين زرتها أدركت أن عزلتها لم تعزلها عن العالم، بل حدث العكس تمامًا.


فمن هذا الموضع النائي المطل على مضيق هرمز، مرّ البحارة والتجار القادمون من فارس والهند وبلوشستان وسواحل الجزيرة العربية، فتركوا في القرية شيئًا من كلماتهم وحكاياتهم، حتى أصبحت كمزار الصغيرة مكانًا تستطيع أن تقرأ فيه تاريخ الملاحة في الخليج من خلال لسان أهلها قبل حجارة بيوتها.

وتصفها وكالة الأنباء العمانية بأنها قرية ساحلية في أقصى شمال مسندم بالقرب من مضيق هرمز، وقد ورد ذكرها لدى عدد من الرحالة والمؤرخين العرب، بينما بقي الصيد والحياة البحرية من أهم عناصر معيشة أهلها.

إلى كمزار.. الطريق الذي لا يكون طريقًا

بدأت رحلتنا من خصب، عاصمة مسندم.


استأجرنا قاربًا يشق بنا الأخوار شمالًا باتجاه القرية، واستغرقت الرحلة في قاربنا قرابة نصف ساعة في كل اتجاه، تزيد أو تنقص بحسب سرعة القارب وحالة البحر.

ومع الدقائق الأولى بدأت جبال مسندم تظهر على حقيقتها.


جبال ليست كبقية الجبال؛ صخور شاهقة تهبط فجأة إلى البحر، وأخوار تدخل بين الجبال كما تدخل الأصابع في الكف، ومياه زرقاء عميقة تعكس جدرانًا صخرية تكاد تكون عمودية.


ولذلك شبّه كثير من أدبيات السياحة في عُمان مسندم بـ «نرويج الجزيرة العربية» بسبب أخوارها العميقة ومداخلها البحرية المحاطة بالجبال.

لكنني وأنا أعبرها لم أكن بحاجة إلى التشبيه بنرويج أو غيرها.


فلمسندم شخصيتها الخاصة.

إنها مكان تشعر فيه أن الجبل والبحر يتصارعان منذ آلاف السنين، ولم ينتصر أحدهما على الآخر.

جزيرة التلغراف.. صخرة مرّت فوقها أخبار العالم

وفي طريقنا مررنا بـ جزيرة التلغراف؛ تلك الصخرة الصغيرة النابتة في خور شم، والتي ربما يمر بها السائح اليوم فيراها جزيرة حجرية لا شيء فيها يستحق الوقوف.

وعرفت محليا بجزيرة "مُقلَب" وكيبل التلغراف هو من اشهرها..


لكن تاريخها يقول شيئًا مختلفًا.

ففي عام 1864م حصل البريطانيون على موافقة السلطان ثويني بن سعيد بن سلطان لإقامة محطة تلغراف عليها، ضمن شبكة الاتصالات التي ربطت مصالح بريطانيا في الخليج وبين جوادر الباكستانية الى البصرة ثم لندن ، ولم تعش المحطة طويلًا؛ إذ أُهملت سنة 1870م تقريبًا بعد تغيير مسار الكابل ، نظرا لمشاكل امنية وطقسية هنا لتنتقل وصلة الكيبل لجاسك وهنغام .


تأملت الجزيرة ونحن نعبر بجانبها.

صخرة صغيرة وسط جبال مسندم، لكنها في زمن لم يكن فيه هاتف ولا طائرة ولا قمر صناعي، كانت جزءًا من الطريق الذي تسافر عليه الأخبار بين القارات.


وهذا مما يعلّمه السفر:

لا تحكم على أهمية المكان بحجمه.

فقد تكون جزيرة بالكاد تتسع لبضعة رجال، ومع ذلك تمر من خلالها رسائل إمبراطوريات.

رفقة الدلافين

ثم تقدّم بنا القارب أكثر.

وفجأة ظهرت الدلافين.


بدأ بعضها يسابق مقدمة القارب، يغوص ثم يظهر، ويشق صفحة الماء بسرعة كأنه يعرف تمامًا أين ستذهب السفينة.

وشاهدنا كذلك السلاحف في ذلك البحر الصافي، وعلى تجاويف الصخور السوداء والنتوءات الجبلية رأيت طيور الغاق التي يسميها أهل المنطقة اللوهة، وقد اتخذت من الحواف الصخرية مواضع لها.

كان المشهد كله يقول إن هذا البحر ليس ممرًا مائيًا فقط، وإنما عالم كامل يعيش بين الصخور.

وتؤكد الجهات السياحية العمانية أن مياه مسندم معروفة بتنوع الحياة البحرية، وأن مشاهدة الدلافين من الأنشطة الشائعة في رحلات الأخوار البحرية.


مررنا كذلك بقرى صغيرة متشبثة بالساحل، وبعض المواقع والمنشآت المطلة على البحر، ثم أخذ الجبل يزداد قسوة والطريق البحري يتجه بنا إلى آخر الرأس.

وهناك...

بدأت كمزار تظهر.

القرية التي لا تعرف أين تتسع


أول ما استوقفني في كمزار ليس بيوتها، وإنما المكان الذي وُضعت فيه البيوت.

تخيل واديًا ضيقًا ينتهي عند البحر، تحيط به جبال شديدة الانحدار من جانبيه، ثم حاول أن تضع فيه قرية كاملة.


هكذا تبدو كمزار.

الأرض قليلة، والجبال لا تتراجع لتمنح الناس مساحة، والبحر أمامهم.

فلم يكن أمام الأهالي إلا أن يتعلموا فن الاقتصاد في المكان.

تراصّت المنازل، وضاقت الأزقة، واقترب المسجد من البيت، والمقبرة من الحي، والوادي من الجميع.


وتصف المصادر السياحية الرسمية كمزار بأنها قرية شديدة العزلة يمكن الوصول إليها بحرًا، وأن قلة الأرض جعلت منازلها متقاربة ومتراصة.

وهنا رأيت شيئًا طالما رأيته في قرى الجبال حول العالم:

حين تبخل الجغرافيا على الإنسان بالمساحة، يصبح التخطيط ضرورة لا ترفًا.

في داخل كمزار

نزلنا من القارب وبدأت أمشي.

دخلت الأزقة الضيقة، وتوغلت بين المنازل، من الساحل باتجاه الوادي والجبل.


هناك مدرسة، ومبانٍ خدمية، ومساجد تبدو مآذنها من بعيد، وبيوت تزدحم بعضها إلى جوار بعض حتى يبدو أن القرية كلها عائلة كبيرة بنت بيوتها في فناء واحد.

واليوم تشير المصادر العمانية إلى وجود معالم تاريخية منها برج كمزار والمسجد القديم إلى جانب المشهد البحري والجبل المحيط بالقرية.

ومن القصص التي سمعتها قبل الزيارة أن أهل كمزار يدفنون موتاهم داخل بيوتهم.


لهذا بحثت بعيني.

قطعت القرية وتجولت فيها، وما رأيت ذلك.

رأيت المقابر قريبة من البيوت بسبب ضيق المكان، وبعضها محاط بسور بسيط، ورأيت مقبرة قرب المسجد وفيها بناء مقبب، وأخرى عند أطراف الجبل، 


لكنني لم أر قبرًا داخل منزل.

وهذه عندي إحدى فوائد الرحلة.

فليس كل ما يروى عن الأماكن النائية حقيقة.

وكلما ازداد بُعد المكان، ازدادت الأساطير التي تُنسج حوله.

ولهذا أقول دائمًا:

عين الرحالة لا تلغي الكتاب، لكنها تختبر الحكاية.

كمزار واللسان الذي حمل آثار البحارة

ويبقى أكثر ما أثار فضولي في القرية:

اللغة الكمزارية.

كنت أسمع أهلها يتحدثون فيما بينهم بسرعة، فإذا بالكلام يختلف تمامًا عما نسمعه في لهجات الخليج.

وعندما تحدثنا معهم بالعربية أجابونا وتفاهمنا معهم دون مشكلة.


وهنا ظننت في زيارتي الأولى أن ما يسمى بالكمزارية ربما يكون لهجة عربية شديدة الاختلاط بالفارسية والهندية والبلوشية وغيرها نتيجة قرون من التعامل مع البحارة.

لكنني حين رجعت بعد الرحلة إلى الدراسات اللغوية وجدت الصورة أكثر إثارة مما توقعت.

فالبحث اللغوي الحديث يصنف الكمزارية ضمن اللغات الإيرانية الجنوبية الغربية، مع تأثير عربي بالغ القوة في أصواتها ومفرداتها وبنيتها؛ ولذلك وصفها بعض الباحثين بأنها لغة ذات عناصر عربية وفارسية متداخلة، وليست مجرد «لهجة عربية أضيفت إليها كلمات أجنبية».

وهذه إحدى المرات الجميلة التي صحح فيها البحثُ انطباعي الأول كرحالة.

كمزار مع رحال الخبر

فالرحالة ليس مطلوبًا منه أن يدافع عن أول تفسير خطر له، وإنما أن يعود إلى مصادر العلم، فإن خالفت ما ظنه، صحّح ما ظن.

بل إن بعض الباحثين يصف الكمزارية بأنها اللغة الإيرانية الوحيدة المتوطنة في الجزيرة العربية، وهو أمر يجعل هذه القرية الصغيرة حالة لغوية نادرة عالميًا.

لغة كمزار كما زارها رحال الخبر

وتشير الدراسات إلى وجود بضعة آلاف فقط من المتحدثين بها، أساسًا في مسندم، مع وجود لهجة وثيقة الصلة بها في جزيرة لارك على الجانب الآخر من مضيق هرمز.

فكأن المضيق الذي نراه اليوم فاصلاً بين ساحلين كان عبر التاريخ جسرًا لغويًا قبل أن يكون حدًا جغرافيًا.

الأعجب.. أن البحر دخل حتى في اتجاهاتهم

ولعل أجمل ما قرأته بعد زيارتي لكمزار دراسة تتناول كيف صنع البحر حتى طريقة أهلها في وصف المكان.

نحن نقول:

شمال وجنوب، شرق وغرب.

أما في الاستعمال الكمزاري التقليدي، فتظهر بقوة فكرتا «فوق» و«تحت» مرتبطتين بالجبل والبحر؛ فالهبوط نحو البحر اتجاه، والصعود داخل الوادي نحو الجبل اتجاه آخر.

بل إن الدراسات المسجلة من كلام أهل القرية تشير إلى أن البحر والرياح يدخلان حتى في أحاديثهم اليومية، وأن سؤالًا عن الريح يمكن أن يظهر ضمن التحايا والكلام المعتاد، لأن معرفة الريح ليست عند الصياد معلومة عن الطقس، وإنما قرار حياة: هل يخرج إلى البحر أم يبقى؟ وأين يصيد؟ وكيف يعود؟

وهنا فهمت شيئًا آخر:

نحن نصنع اللغة، لكن المكان يصنع جزءًا من لغتنا أيضًا.

فالبدوي يحتاج عشرات الأوصاف للصحراء والناقة.

والمزارع يعرف من أسماء النبات والتربة ما قد لا يعرفه غيره.

وأهل كمزار عاشوا للبحر...

فدخل البحر حتى في قاموس اتجاهاتهم.

من أين جاء اسم «كمزار»؟

ومن الحكايات الجميلة المتداولة أن اسم القرية جاء من عبارة:

«كم زار هذه البلدة من بشر؟»

ثم اختُصرت «كم زار» فصارت كمزار.

وهناك روايات شعبية أخرى تربط الاسم بملابس قديمة أو ألفاظ أخرى.

والحكاية الأولى جميلة جدًا، بل تكاد تناسب تاريخ الموقع؛ فكم من بحار مر من هنا فعلًا؟

لكن الجمال شيء، والتوثيق شيء آخر.

فالدراسات التي بحثت في أصل اسم كمزار تعرض أكثر من رأي ولا تقدم، فيما اطلعت عليه، حسمًا يجعل رواية «كم زار» حقيقة تاريخية مؤكدة. ولذلك أحب أن أرويها كحكاية يتناقلها الناس، لا كحقيقة أقطع بها.


وهذه أيضًا من أمانة أدب الرحلات:

أن نفرق بين:

ما رأيناه، وما قرأناه، وما سمعناه.

فالخلط بينها قد يصنع قصة أجمل، لكنه يصنع تاريخًا أسوأ.

الشحوح ورؤوس الجبال

ويرتبط أهل كمزار تاريخيًا بجماعات الشحوح التي عاشت في رؤوس جبال مسندم وسواحلها، وقد سجل الباحث برترام توماس منذ عام 1930 ارتباط المتحدثين بالكمزارية بجماعات ساحلية من الشحوح في مسندم.

أما تفاصيل الأنساب القديمة والروايات التي تربط كل فرع بأصل بعينه، فهي باب يحتاج إلى دراسة مستقلة، ولا أرى أن من الأمانة تحويل الرواية الشفهية إلى نسب تاريخي مقطوع به بلا سند كافٍ.

والذي رأيته أهم من ذلك كله:

رأيت أناسًا من أهل عُمان، يعيشون في أقصى شمالها، يتحدثون العربية معنا، ويحفظون بينهم لسانًا محليًا نادرًا، ويعيشون ثقافة صاغها البحر والجبل معًا.

والاختلاف اللغوي هنا لا ينتقص من هوية المكان؛ بل يضيف إليها طبقة جديدة من التاريخ.

قرية تهاجر ثم تعود

والبحر لا يحكم لغة كمزار وحدها، بل يحكم إيقاع السنة أيضًا.

فقد عرف أهلها تاريخيًا التنقل الموسمي بينها وبين خصب، ويرتبط جانب كبير من حياتهم بصيد الأسماك ومواسم البحر. وتشير وكالة الأنباء العمانية إلى أن رحلاتهم الموسمية بين كمزار وخصب جزء من نمط حياتهم المرتبط بالصيد.

وهذا أيضًا مفهوم حين تقف هناك.

فالإنسان يستطيع أن يعاند المكان يومًا أو عامًا، لكنه لا يستطيع أن يعاند المناخ والجبل والبحر أجيالًا كاملة.


لذلك طوّر أهل كمزار حياتهم بطريقة تشبه حركة المد والجزر:

يذهبون... ثم يعودون.

حين يصبح أقصى المكان وسط العالم

وأكثر ما بقي في نفسي وأنا أقف على الساحل هو هذه المفارقة.

كمزار بالنسبة إلى خريطة عمان قرية في أقصى الشمال.

لكن إذا قلبت الخريطة ونظرت إليها بعين البحار القديم، فلن تكون في الطرف إطلاقًا.

ستجدها أمام مضيق هرمز، على ممر بحري تاريخي يصل المحيط الهندي بالخليج، وعلى طريق مرت منه قرون من التجارة والهجرات والجيوش والسفن.

وفجأة يتحول المكان «النائي» إلى مكان كان العالم يمر من أمام بابه.

لهذا أقول:

أحيانًا لا يكون المكان بعيدًا عن العالم؛ نحن فقط ننظر إليه من الخريطة الخطأ.

ومن عاش في كمزار قد يكون بعيدًا عن أقرب طريق بري، لكنه كان يرى من ساحله سفن أمم لا يراها ساكن مدن الداخل طوال حياته.

ولعل هذا هو أحد أسرار لغتهم.

فقد ضاقت عليهم الأرض...

فاتسع لهم البحر.

كمزار كما رأيتها

غادرت القرية وعدت إلى القارب.


بدأت البيوت تتراجع خلفنا شيئًا فشيئًا، ثم عاد الجبل يطبق عليها حتى بدت من بعيد كأنها شريط أبيض صغير عالق بين كتلتين عظيمتين من الصخور.

تساءلت:

كيف استطاع الناس أن يصنعوا حياة هنا؟

ثم أدركت أن السؤال نفسه ربما كان خطأ.

فهم لم ينتظروا أن يصبح المكان سهلًا لكي يعيشوا فيه.

تعلموا لغته.

عرفوا الريح.

عرفوا البحر.

حفظوا مواسم السمك.

بنوا بيوتهم حيث توجد قطعة أرض.

وحين ضاقت المسافة بين البيت والقبر والمسجد والوادي لم يهجروا المكان نهائيًا، بل أعادوا ترتيب حياتهم داخله.


وهذه هي الحكاية التي أحببتها في كمزار.

ليست حكاية «قرية غريبة يتحدث أهلها لغة غريبة».

هذا وصف سطحي لا ينصفها.

إنها حكاية قرية صغيرة وقعت في واحد من أعقد المواقع الجغرافية في المنطقة، فحوّلت العزلة إلى اتصال، والبحر إلى طريق، والريح إلى معرفة، واختلاط البحارة إلى لغة، والجبل إلى جدار يحمي ذاكرتها.

وصلناها لنرى قرية.

وخرجت منها وأنا أشعر أنني رأيت متحفًا حيًا لتاريخ البحر في الخليج.

وفي رحلة العودة مررنا مرة أخرى بين جبال مسندم، والدلافين تظهر وتختفي، وجزيرة التلغراف تتضاءل في البعيد.

وعندها تذكرت كمزار خلفنا.

قرية لا يصلها الطريق...

ومع ذلك وصل إليها العالم كله.

وهذا ما يفعله السفر بنا حين نحسن قراءته:

نخرج بحثًا عن مكان بعيد، ثم نكتشف أن البعيد لم يكن بعيدًا قط.

وأن الجغرافيا التي ظنناها عزلة، كانت في زمن آخر بوابة.

الرحال وائل الدغفق

رحّال الخبر

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق