تطاوين.. خزائن الجبال وابداع الانسان
من روايات رحّال الخبر لجولتي في جنوب تونس.
غادرنا مطماطة، وما زالت في الذاكرة تلك البيوت التي اختبأت في جوف الأرض، واتجهنا جنوبًا نحو تطاوين.
وكنت أظن أنني بعد غرابة مطماطة لن أجد في الطريق ما يفاجئني كثيرًا، لكن الجنوب التونسي لا يكشف أسراره دفعة واحدة.
فإذا كان أهل مطماطة قد وجدوا أمنهم وراحتهم تحت الأرض، فإن أهل تطاوين وما حولها اختاروا طريقًا آخر:
رفعوا خزائنهم إلى رؤوس الجبال.
كلما توغلنا في أرض تطاوين تبدل المشهد؛ جبال جرداء، وهضاب صخرية، وأودية يابسة، وقرى بلون الأرض تكاد لا تراها إلا حين تقترب منها.
هنا لا يبدو العمران غريبًا عن الجبل، بل كأنه خرج منه.
الحجر من الحجر، والطين من التراب، والجدار يأخذ لون الصخرة نفسها، حتى يصعب أحيانًا أن تعرف أين ينتهي الجبل وأين تبدأ القرية.
وفي وسط هذا المشهد ظهرت لنا تلك المنشآت التي اشتهر بها جنوب تونس:
القصور.
قصور ليست قصورًا
وقد يخدع الاسم من يسمعه للمرة الأولى.
فحين نقول «قصر» يتبادر إلى الذهن قصر حاكم، بأبهائه وغرفه وزخارفه، لكن قصور تطاوين شيء مختلف تمامًا.
إنها أقرب إلى خزائن جماعية ضخمة، أو حصون اقتصادية صغيرة، كانت القبائل والأسر تحفظ فيها ما تعتمد عليه حياتها من حبوب وزيت وأعلاف ومؤن وممتلكات.
وتحيط بساحة القصر حجرات صغيرة متراكبة بعضها فوق بعض تسمى الغُرَف – Ghorfas، وقد يصل بعضها إلى ثلاثة أو أربعة مستويات، فتبدو حين تنظر إليها من داخل الفناء مثل خلايا نحل عملاقة صنعت من الطين والحجر.
وكانت هذه الغرف تحفظ مؤونة الأسر بعيدًا عن العبث والنهب، ولا سيما في مجتمع عرف التنقل وشبه الترحال ومواسم الجفاف الطويلة. ولم تكن القصور مخازن وحسب؛ بل كانت أيضًا مواضع لقاء وتبادل وتجارة، أي أن القصر كان جزءًا من النظام الاجتماعي، لا مجرد مبنى.
وقفت في إحدى ساحاتها أتأمل الأبواب الصغيرة المتتابعة فوق بعضها.
باب هنا، وفوقه باب، وإلى جانبه آخر، ثم سلالم حجرية وخشبية معلقة بالجدران.
وفكرت:
كم قصة خبز مرت من هذه الأبواب؟
كم موسم حصاد صعد إلى هذه الغرف؟
وكم أسرة وضعت هنا قوت عامها، مطمئنة إلى أن شيئًا مما تحتاج إليه في أيام الشدة محفوظ خلف ذلك الباب الصغير؟
عندها لم تعد الغرفة حفرة مظلمة في جدار قديم، بل أصبحت في عيني خزانة أمان لعائلة عاشت قبلنا بقرون.
قصر أولاد سلطان.. خلايا الجبل
ومن أشهر ما زرناه في المنطقة قصر أولاد سلطان.
وما إن تدخل ساحته حتى تفهم لماذا صار واحدًا من أكثر قصور الجنوب التونسي تصويرًا.
الجدران تعلو من حولك، والغرف تتدرج في طبقات، وبينها السلالم الصغيرة والدعامات والأخشاب القديمة، حتى يخيل إليك أنك تقف في قلب خلية نحل بشرية هائلة.
وتذكر اليونسكو أن قصر أولاد سلطان يضم نحو 287 غرفة، منها 96 حول الفناء الخارجي، وأن غرفه ترتفع في أجزاء منه إلى ثلاثة وأربعة مستويات، كما يتميز بكثرة السلالم الخارجية المثبتة على البناء والخطاطيف الخشبية التي كانت تساعد على الوصول إلى الغرف العليا.
توقفت أمام أحد تلك السلالم.
ضيّق، بسيط، لا يشبه سلالم مبانينا الحديثة في شيء.
لكنني حين تخيلت الرجل يصعد عليه وهو يحمل كيس الحبوب إلى غرفة عائلته في الأعلى، عاد المكان إلى الحياة.
وهذه هي متعة الأماكن القديمة بالنسبة إليّ:
أن تحاول ألا تراها كما أصبحت، بل كما كانت.
أن تمحو من ذهنك السائح والكاميرا والحافلة الواقفة بالخارج، ثم تعيد إلى الفناء صوت الناس والدواب وأكياس القمح ورائحة الزيت وحركة البيع والشراء.
عندها فقط يبدأ الحجر بالكلام.
شنني.. قرية التصقت بالجبل
ثم كانت شنني.
ومن بين قرى الجنوب بقي مشهدها من أكثر ما تعلق في الذاكرة.
قرية تتسلق الجبل بدل أن تتمدد في السهل، وبيوت ومغاور وأطلال تتداخل مع الصخور حتى تكاد القرية تبدو جزءًا طبيعيًا من التكوين الجبلي.
وفوقها كان القصر القديم يراقب المكان.
تذكر اليونسكو أن قصر شنني شُيد على قمة نتوء جبلي مشرف على القرية ومساكنها الجوفية، وكان يتكون قديمًا من نحو مئتي غرفة على مستويين.
وحين وقفت في الأعلى ونظرت إلى الوادي والصحراء الممتدة أمامي فهمت شيئًا من حكمة اختيار المكان.
فالموقع المرتفع يكشف الطرق البعيدة، والجبل يمنح أهله الحماية، والصخر نفسه يدخل في بناء المسكن.
ولكن العجيب ليس أن الإنسان عاش هنا فقط؛ بل كيف صنع حياة كاملة في أرض تبدو للناظر لأول مرة شحيحة وقاسية.
فالزراعة في هذه الجبال اعتمدت أيضًا على ما يسمى الجسور؛ سدود صغيرة من التراب والحجارة تقام عبر مجاري المياه والمنحدرات لحجز مياه الأمطار النادرة والتربة خلفها، فتتحول أجزاء من الجبل إلى مصاطب يمكن أن تنمو فيها الأشجار والمحاصيل.
وهذا مما أحب أن أتوقف عنده في رحلاتي.
فالحضارة ليست دائمًا مدينة عظيمة أو قصرًا مزخرفًا.
أحيانًا تكون الحضارة حجرًا صغيرًا وُضع في المكان الصحيح ليحجز ماء المطر.
قصر حدادة.. حين دخلت تطاوين السينما
ثم وصلنا إلى قصر حدادة.
مكان آخر من تلك المباني التي تكاد أشكالها المقوسة وغرفها المتراكبة تبدو معدّة منذ البداية لعالم خيالي.
ولهذا لم يكن مستغربًا أن تصل إليه السينما.
فقد استُخدمت أجزاء من قصر حدادة أثناء تصوير فيلم Star Wars: Episode I – The Phantom Menace، وظهرت ضمن مشاهد مساكن العبيد في مدينة Mos Espa على كوكب Tatooine.
وتوثق مصادر مواقع التصوير كذلك استخدام قصر أولاد سلطان في مشاهد من العالم السينمائي نفسه.
والطريف أنك حين تقف في المكان تدرك أن صانع الفيلم لم يحتج إلى أن يبني كل هذا الخيال من الصفر.
كان الخيال موجودًا قبله بقرون.
الأقواس، والجدران الطينية، والغرف الغائرة، والسلالم، والصحراء الممتدة خلفها...
كل ما فعله الفن السابع أنه نقل هذا المشهد من جنوب تونس إلى كوكب بعيد.
وربما لهذا تبدو أفلام الخيال مقنعة أحيانًا؛ لأنها تبدأ من واقع شديد الغرابة قبل أن تضيف إليه الخيال.
ليست القصور حكاية خوف فقط
ومن السهل أن يختصر الزائر تفسير هذه العمارة بجملة واحدة:
«بناها الناس خوفًا من اللصوص والمعتدين».
وفي هذا شيء من الحقيقة، لكنه ليس كل الحقيقة.
فالقصور تعكس أيضًا نظامًا اقتصاديًا واجتماعيًا قائمًا على تخزين الغذاء ومواجهة الجفاف والتعاون بين الجماعة، بينما تكشف القرى الجبلية والبيوت المحفورة قدرة أهل الجنوب على التكيف مع الحرارة وشح الماء وصعوبة الأرض.
ولهذا تنظر اليونسكو إلى عالم القصور والمساكن الجوفية في جنوب تونس باعتباره شاهدًا على التنظيم الاجتماعي والتضامن والتكيف البشري مع بيئة قاسية، وقد أدرجته تونس منذ عام 2020 ضمن قائمتها التمهيدية للتراث العالمي.
وهذا التفسير أعمق في نظري.
لأن الإنسان هنا لم يكن يقاتل عدوًا واحدًا.
كان يقاتل الجفاف، والحر، وبعد المسافات، وقلة الموارد، وعدم الأمان.
وكان سلاحه في ذلك كله المعرفة المتوارثة.
حين يصبح الجبل كتابًا
في تطاوين تعلمت أن قراءة المكان لا تكون دائمًا في الكتب.
يكفي أحيانًا أن تقف في فناء قصر قديم وتنظر إلى مئات الأبواب الصغيرة.
كل باب فصل.
وكل غرفة حكاية.
وكل سلم أثر قدم صعدت عليه ثم غابت.
وفي شنني، حين ترى البيوت تتوارى في الجبل، تدرك أن الإنسان الذي عاش هنا لم يأتِ إلى الطبيعة ليقول لها: سأهزمك.
بل قال لها:
سأتعلم كيف أعيش معك.
وهذه في رأيي إحدى أجمل الرسائل التي يحملها الجنوب التونسي.
من مطماطة إلى تطاوين تتغير الصورة، لكن الفكرة واحدة.
في مطماطة رأينا الإنسان ينزل إلى جوف الأرض هربًا من قيظها.
وفي تطاوين رأيناه يصعد إلى الجبل ليحفظ مؤونته ويراقب أرضه ويستفيد من كل قطرة مطر تهبط عليه.
هناك حفر بيته.
وهنا رفع مخزنه.
وبين الاثنين كتب الأمازيغ وأهل الجنوب من العرب الاوائل ، بالحجر والطين لا بالقلم، فصلًا كاملاً في تاريخ التكيف البشري.
وما بقي في الذاكرة
غادرنا تطاوين، وبقيت أنظر من نافذة السيارة إلى الجبال المتراجعة خلفنا.
لم أعد أراها جبالًا جرداء كما رأيتها عند الوصول.
كنت أعرف الآن أن بين ثناياها قرى، وفوق قممها قصورًا، وفي جدران قصورها غرفًا صغيرة حملت يومًا قوت الناس وأرزاقهم.
ولعل أجمل ما يمنحه السفر للرحالة أن الأشياء لا تبقى بعد معرفتها كما كانت قبلها.
الجبل الذي كنت تمر به ولا تلتفت إليه يصبح تاريخًا.
والغرفة المهجورة تصبح قصة أسرة.
والسلم المكسور يصبح طريقًا كان يصعد عليه رجل يحمل محصول عام كامل.
وهنا يكون السفر أكثر من انتقال بين المدن.
إنه انتقال من النظر إلى الرؤية.
وهكذا بقيت تطاوين في ذاكرتي:
ليست أرض القلاع الصحراوية فحسب، ولا مجرد مواقع شهرتها أفلام حرب النجوم، وإنما أرض قوم عرفوا أن الحياة في المكان القاسي لا تحتاج إلى القوة وحدها، بل إلى الحيلة والصبر والتعاون وفهم الأرض.
فإذا كانت مدن كثيرة تفاخر بما شيدته ملوكها...
فإن تطاوين تفاخر بما بناه أهلها ليحفظوا خبزهم.
وهذه، في ميزان التاريخ، حكاية لا تقل عظمة.
الرحال وائل الدغفق
رحّال الخبر
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق