الأحد، 16 أغسطس 2026

من الذكريات لأول حجّة الى أول سفرة..حين تزاحمت الجينات… من مكة والهند وُلد «رحّال الخبر»


من الذكريات لأول حجّة الى أول سفرة… 

حين تزاحمت الجينات… من مكة والهند وُلد «رحّال الخبر»

حين أعود اليوم بذاكرتي إلى مطلع الثمانينيات، وإلى تلك السنوات القليلة الممتدة بين حج عام 1400هـ ورحلتي الأولى إلى الهند عام 1402هـ، أشعر أن شيئًا ما كان يتكوّن في داخلي من غير أن أعرف اسمه.


لم أكن يومها أخطط لأن أصبح رحّالًا، ولا كنت أرسم أمامي خريطة للعالم وأقول: سأطوف هذه البلاد كلها.

لم يكن في ذهني شيء اسمه «رحّال الخبر».

ولكن يبدو أن الله سبحانه كان يهيئ الأسباب بعضها لبعض، وأن طباعًا ورثتها عن والدي ووالدتي، رحمهما الله، كانت تتزاحم في نفسي حتى اجتمعت يومًا وصنعت ذلك الشغف الذي قادني بعد ذلك إلى أصقاع الأرض.

ومن والدي عبدالعزيز الدغفق أخذت ـ فيما أظن ـ جلد السفر، واحتمال الطريق، وعدم الخوف من مشقته، والاستعداد لأن أمضي إلى المكان ولو كان بعيدًا والطريق إليه مجهولًا.

أما الوالدة، رحمها الله، فأخذت منها شيئًا آخر لا يقل أهمية: الاهتداء إلى المكان، والانتباه لما حولي، ومحاولة فهم البيئة والناس والتفاصيل الصغيرة.

كانت تعرف المكان وتتأمله، وكأن لديها بوصلة داخلية.

ومع مرور الأيام اجتمعت الصفتان:

المغامرة من الوالد… والبوصلة من الوالدة.

وإن شئت أن أسمّيها اليوم مجازًا، قلت:

تزاحمت جينات السفر حتى خرج منها «رحّال الخبر».

الجمس موديل 78… وأولى الحكايات


كانت إحدى البدايات في حج عام 1401هـ.


انطلقنا من الخبر إلى مكة في سيارة جمس موديل 1978م، تلك السيارة التي أصبحت صورتها عندي اليوم أكبر من مجرد سيارة قديمة؛ فهي وعاء لذاكرة عائلة كاملة، وواحدة من الصور المبكرة للطريق الذي أخذني لاحقًا إلى العالم.

كان لونها ـ فيما بقي في الذاكرة ـ رصاصيًا أو رماديًا، وقد أكل الزمن شيئًا من دقة اللون، لكنه لم يأكل صورة من كان فيها.

كنا قرابة عشرة أشخاص.


يقود السيارة ولد العم محمد بن خليل الدغفق، والوالد عبدالعزيز بن عبدالله الدغفق في الأمام، وكنت أنا وولد العمة عبدالله بن عبدالكريم الحسن في الوسط عند المقعد الأمامي، أما الوالدة والأخوات وبنات العم فكن في المقاعد الخلفية.

ومعنا فوق ذلك كله عالم كامل من مستلزمات الحج:

خيمة، وقدور، وزوالي، وحقائب، وأمتعة تكاد تجعل السيارة بيتًا صغيرًا متحركًا.

كانت الرحلة من الخبر إلى مكة تستغرق منا نحو يومين، تتوسطها استراحة في الرياض.

لم تكن الطرق ولا السيارات ولا وسائل الراحة كما هي اليوم، ومع ذلك لا أذكر أننا كنا ننظر إلى الطريق بوصفه عذابًا.

كنا نقضيه بالسوالف والضحك والجمعة الطيبة.

واليوم، كلما تقدمت في العمر، ازددت يقينًا بأن بعض أجمل الرحلات ليست أكثرها رفاهية، وإنما أكثرها امتلاءً بالناس الذين نحبهم.

رحم الله من رحل منهم، وأطال الله في عمر من بقي.

سبعة من ذي الحجة 1401هـ

وصلنا إلى مكة يوم 7 ذي الحجة 1401هـ، أي قبل يوم التروية.

وأقمنا في منى على طريقة أهل ذلك الزمن؛ خيمة ننصبها بأيدينا، وقدور نطبخ فيها طعامنا، وسيارة نتنقل بها بين المشاعر.


لم تكن هناك تلك التنظيمات والخدمات التي يراها الحاج اليوم، ولذلك كان الحج يحمل شيئًا من الرحلة والمغامرة إلى جانب العبادة.

ومن الذكريات التي لا أنساها أننا حين وصلنا إلى منى بحثنا طويلًا عن موضع ننصب فيه الخيمة، فلم نجد مكانًا مناسبًا.

وأخيرًا وجدنا ساحة كانت مخصصة لمطوّف حجاج من المغرب، غير أن خيامهم لم تكن قد نُصبت بعد.

فقلنا: هذه أرض الله!

وساعد على تشجيعنا أن عائلة من أهل نجد شاركتنا المكان.

فنصبنا خيمتنا واستقررنا.

ولكن بعد العودة من عرفات جاء أصحاب المكان!

وصل الحجاج المغاربة ومعهم المطوّف، ووجدوا القوم قد سبقوهم إلى أرضهم.

وحصل ما يحصل في مثل تلك الظروف من جدال ورفع أصوات، حتى كدنا نقول:

راحت الحجة في الهوشة!

ثم هدأت النفوس، واتسع المكان والصدور، وتصالح الجميع.

فحج هؤلاء، وحج هؤلاء، وقضينا أيام منى في المكان نفسه.

والله يتقبل منا ومنهم.

أول نظرة إلى الكعبة

لكن أكثر مشاهد تلك الرحلة رسوخًا في نفسي لم يكن الطريق ولا الخيمة ولا زحام منى.

بل كان مشهدًا لا يزال أمام عيني حتى هذه اللحظة.

كنا ندور بالجمس قريبًا من الحرم، نبحث عن موقف لننزل لأداء الطواف.

وكانت السيارات آنذاك تصل إلى مواضع قريبة جدًا من أبواب المسجد الحرام مقارنة بما هو عليه الحال اليوم.


ومن خلال أحد أبواب الحرم…

رأيتها.

ظهرت الكعبة أمامي شامخة في كسوتها السوداء.

ولا أعرف حتى اليوم كيف أصف تلك اللحظة.

كنت أعرف الكعبة من الصور، وسمعت عنها منذ طفولتي، وقرأت الآيات والأحاديث وسمعت حديث الناس عنها.

لكن أن تراها بعينيك لأول مرة وأنت واعٍ بمعنى المكان، فذلك شيء آخر.

توقفت العين.

ودمعت.

وشعرت بقشعريرة تسري في جسدي.

كان في المشهد خوف وفرح، وهيبة وأُنس، وغموض وجمال.

وكأن كل ما عرفته عنها قبل تلك اللحظة كان مجرد تمهيد لهذه النظرة.

وقد رأيت بعد ذلك من عجائب العالم ما رأيت.

وقفت أمام جبال وأنهار وشلالات وبحار ومدن وآثار وحضارات، ووصلت إلى أماكن كنت في شبابي أظن أن الوصول إليها من ضروب الخيال.

ولكن بقيت لتلك النظرة الأولى إلى الكعبة منزلة لا ينافسها عندي منظر آخر.

ليس لأنها أجمل بناء رأيته بالمعنى المادي…

بل لأن القلب في تلك اللحظة كان يرى معها شيئًا أكبر من البناء.

منى… أول معرض عالمي رأيته

وكان في الحج شيء آخر بدأ يشدني بطريقة ربما لم أكن أدرك معناها يومها.

الناس.

كنت أتجول في منى بين الحجاج، لا أكتفي بالطريق بين الخيمة والجمرات.

أدخل في الأزقة، وأتفرج على البسطات، وأراقب الوجوه والملابس واللهجات وما يحمله الناس معهم.

وكانت منى في تلك السنوات أشبه بسوق عالمي مفتوح.

حجاج أفارقة يحملون بضائع جاءت معهم من بلادهم.

ومصريون وسودانيون ومغاربة يعرضون منتجات وأدوات لم نكن نراها كل يوم في الخبر.

وحجاج قادمون من آسيا الوسطى والقوقاز ومناطق الاتحاد السوفيتي، ممن كنا نسميهم يومها على نحو عام «حجاج الجمهوريات الروسية»، يحملون معهم أشياء غريبة علينا، ويبيع بعضهم جزءًا مما حمله ليستعين بثمنه على نفقات الرحلة الطويلة.

كنت أقف أمام تلك البسطات وكأنني أقف أمام خرائط مفتوحة.

هذه القطعة جاءت من بلد لا أعرفه.

وهذا الرجل قطع آلاف الكيلومترات حتى وصل مكة.

وتلك المرأة لها لباس مختلف.

وهؤلاء يتحدثون لغة لم أسمع مثلها.

وكنت أتساءل:

من أين جاء هؤلاء؟

وكيف تبدو بلادهم؟

وكيف يعيشون؟

وما وراء تلك الوجوه التي اجتمعت كلها هنا؟

لم أكن أعرف أن هذه الأسئلة الصغيرة ستصبح بعد سنوات مشروع عمر.

السوق بين الصفا والمروة

حتى السعي بين الصفا والمروة كان مختلفًا في الذاكرة.

الأسواق والمحلات تقترب من المكان، والحركة البشرية في كل اتجاه.

وكان باعة الماء ينتشرون بجرار زمزم الفخارية، وباعة عرق السوس يحمل أحدهم إناءه المعدني الكبير، وقد علّق حوله عددًا من الكؤوس.

يميل بجسمه، ثم يصب الشراب البارد في الكأس بحركة حفظتها العين قبل أن تحفظها الكاميرات.

كانت مكة يومئذ مدينة تكتشفها بكل حواسك:

صوت الباعة.

رائحة الطبخ.

حرارة الطريق.

ازدحام البشر.

ألوان الثياب.

لغات الدنيا.

ومهابة البيت العتيق فوق ذلك كله.

وربما لم أنتبه يومها إلى أنني لم أكن أحج فقط…

كنت أتعلم كيف أرى العالم.

حج آخر… وخبر هزّ العالم

وافق هذا الموسم للحج بحدث بقي عالقًا في ذاكرة تلك السنوات.

ففي السادس من أكتوبر 1981م وقع اغتيال الرئيس المصري محمد أنور السادات أثناء العرض العسكري في القاهرة.

وكان الخبر متزامنًا تقريبًا مع أيام الحج، حتى اختلط في الذاكرة بصور المشاعر والحجاج والأحاديث التي كانت تتناقل الخبر.

وبقي ذلك الحدث واحدًا من العلامات التي تربط عندي التاريخ العام بتاريخ الإنسان الشخصي؛ فالأحداث الكبرى لا نحفظها أحيانًا بالتقويم، وإنما نحفظها بالمكان الذي كنا فيه عندما سمعنا بها.

ثم جاءت الهند

وبعد تلك الحجة وبعد سنة 1402هـ.

وهنا حدث التحول الحقيقي.

الهند.

كانت أول سفرة بعيدة لي خارج البيئة التي عرفتها.

لم تكن الهند مجرد انتقال من بلد إلى بلد.

كانت خروجًا من المألوف.

وجوه أخرى.

روائح أخرى.

ألوان وأسواق وزحام وديانات وعمارة وطرق حياة مختلفة تمامًا.




 

 

هناك بدأت أشعر بأن العالم أكبر بكثير مما نراه في مدننا، وأن وراء كل حدود قصة، وخلف كل جبل قومًا، وفي كل سوق تاريخًا، وأن الرحلة ليست انتقال جسد من مكان إلى آخر، وإنما انتقال عقل من مساحة ضيقة إلى مساحة أوسع.

ولعل البذرة التي زُرعت في منى بين حجاج العالم وجدت في الهند أول أرض حقيقية تنبت فيها.

فما كنت أراه في الحج من وجوه وأدوات ولهجات وملابس أصبح أمامي هناك أوضح وأكبر.

وعندها بدأت الرغبة في السفر تتحول من فضول عابر إلى شغف.

لم يكن هدفي أن أطوف العالم

والغريب أنني لم أضع يومًا في تلك السن خطة تقول:

سأزور عشرات الدول.

ثم مئة دولة.

ثم ما وراء المئة.

لم يكن هناك رقم.

ولا منافسة.

ولا حساب.

كنت أذهب لأن وراء الطريق شيئًا أريد أن أعرفه.

وكلما وصلت إلى مكان، فتح لي ذلك المكان بابًا إلى آخر.

دولة تقود إلى دولة.

وجبل يقود إلى وادٍ.

وقصة تقود إلى شعب.

وشخص أقابله يدلني على قرية لم أسمع بها.

وكأن الطريق كان يبني نفسه أمامي خطوة بعد أخرى.

وأدرك الآن أن الفرق كبير بين من يسافر ليقول: وصلت، ومن يسافر ليسأل: ماذا يوجد بعد ذلك؟

كنت ـ من غير أن أدري ـ من الصنف الثاني.

الوالد أعطاني الطريق… والوالدة أعطتني البوصلة

وبعد هذه العقود كلها، حين أحاول أن أفهم من أين جاءت تلك الرغبة العجيبة في المضي نحو الأماكن الصعبة والمجهولة، أعود إلى البيت الأول.

إلى الوالد والوالدة، رحمهما الله.

من الوالد جاءت قوة الاحتمال.

أن الطريق إذا طال لا يعني أن نعود.

وأن التعب جزء من الرحلة.

وأن الإنسان يستطيع أن يعيش بالقليل ويصل إلى الكثير.

ومن الوالدة جاءت عين المكان.

أن تنظر حولك.

أن تعرف أين أنت.

أن تقرأ الوجوه والطريق.

أن تربط الأشياء ببعضها.

وأن تحفظ التفاصيل التي قد يمر بها غيرك فلا ينتبه إليها.

اجتمع الاثنان في داخلي.

من أبي أخذت جرأة الذهاب، ومن أمي أخذت معرفة أين أنظر عندما أصل.

ولعل هذه هي الخلطة التي صنعت الرحّال.

من جمس 78 إلى فضاء العالم

واليوم، عندما أنظر إلى صورة ذلك الجمس موديل 78، لا أراه سيارة عائلية قديمة وحسب.

أراه نقطة على خريطة طويلة جدًا.

من الخبر إلى الرياض.

ومن الرياض إلى مكة.

ومن خيمة صغيرة في منى إلى أسواق الحجاج.

ومن وجوه الأفارقة والمغاربة وحجاج آسيا الوسطى والقوقاز إلى الهند.

ثم من الهند…

إلى فضاء العالم الفسيح.

وكل رحلة جاءت بعد ذلك كانت تضيف سطرًا إلى حكاية بدأت من غير تخطيط.

ربما كانت المشيئة تسوقني إلى الطريق قبل أن أعرف أن الطريق سيكون قدري.

وربما كانت تلك الخيمة، وذلك الجمس، وتلك النظرة الأولى إلى الكعبة، وتلك البسطات التي كنت أتوقف أمامها طويلًا، والهند بما حملته من دهشة…

كلها قطع صغيرة لم أفهم صورتها يومها.

ثم جمعتها السنون.

فإذا بالصورة تظهر أمامي واضحة:

كان «رحّال الخبر» يتكوّن هناك… وأنا لا أدري.

وما ظننته يومها مجرد حج وسفرة وفضول شاب، أصبح بعد أربعة عقود حياة كاملة من الطريق والاكتشاف.

رحم الله والديّ؛ فقد رحلا عن الدنيا، ولكن شيئًا منهما ظل يسافر معي في كل أرض وطأتها.

أبي في قوة الطريق… وأمي في بوصلة المكان.

أما أنا فكنت حصيلة الاثنين:

رحّالًا انطلق من الخبر… ثم فتح الله له أبواب العالم.

الرحّال وائل الدغفق – رحّال الخبر




 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق