السبت، 24 يوليو 2021

الشاي والقهوة سردا تاريخيا عن مجلة القافلة





قهوة أم شاي

   

 
3Malaf-21
3Malaf-22
3Malaf-23
3Malaf-24
3Malaf-25
3Malaf-26
3Malaf-30

منقول من 

مجلة القافلة لشركة ارامكو وهي مجلةثقافية منوعة

العدد اصدار مايو يونيو 2019

القهوة اليمنية
التي لا تغيب عنها الشمس



 كتبها: محمد محمد إبراهيم

  

أن تكون بذور البُن قد ظهرت أولاً بين النباتات البريَّة في القرن الإفريقي، فإن مشروبها بدأ في اليمن وكذلك زراعتها. فما سرّ تفرُّد اليمن بجودة نبتة القهوة؟ ولماذا احتكرها اليمنيون زمناً طويلاً وكيف؟ وكيف وصلت إلى العالم مشروباً ثم زراعةً؟ وماذا تعني لحركته الفكرية والثقافية عبر محطات تاريخها؟
الإجابة عن هذه الأسئلة تقتضي الانطلاق من صورة مختزلة عن حاضر القهوة اليمنية.

يقوم أرباب الأسر بإعداد القهوة اليمنية بأنفسهم لإكرام كل من يحلّ عليهم ضيفاً

تصحو مقاهي صنعاء القديمة باكراً جداً، لتنتظم على طاولاتها وجوه مختلفة الأعمار والمهن، تتناول مشروب القهوة صباحاً وظهيرة ومساءً.
هذا الحضور للمقاهي والقهوة في قلب العاصمة اليمنية يعبِّر بأمانة عما هو قائم في كل مدن اليمن وأسواقها وقراها وخيام بدوها ومجالس حضرها. فلا توجد مدينة صغيرة أو كبيرة إلا وتجد على الطرق والمداخل المؤدية إليها مقاهي عديدة. أما في القرى فلا يخلو مجلس أي بيت من موقد القهوة الراسخة والجاهزة على مدى النهار. بل يتعهد أرباب الأسر خصوصاً كبار السن بأنفسهم إعداد أي نوع من أنواع القهوة اليمنية، وحسب عُرف كل منطقة، لإكرام كل من يحل عليهم ضيفاً بكؤوس القهوة كأول شراب يتناوله الضيف، ولقبوله أو رفضه دلالات اجتماعية تختلف باختلاف ثقافات المناطق اليمنية التي لا يتسع المقام هنا لتناولها.

تنوُّع في تحضير القهوة
لا مثيـل لــه في أي مكان آخر
وتتعدَّد في اليمن أنواع القهوة وطرق تحضيرها. ويكفي للدلالة على هذا التنوُّع أن نعدِّد بعضه:
القهوة العربية السوداء (البن الصافي)، يحضر هذا النوع من القهوة في أغلب مناطق اليمن، وفق مكونات يرتكز جلها على أنواع البن المزروعة في المناطق الجبلية لجودتها العالية، وذلك بعد التقشير والتحميص. ويسمى هذا النوع من القهوة “البن الصافي”، وتكون سوداء اللون لتركيز مسحوق البن المحمص، ونادراً ما تكون بلا سكر.
قهوة القشر (القهوة المر)، لقهوة القشر حضورها في حياة المجتمع اليمني، ولا تزال حتى اليوم مشروب المجالس الأول خصوصاً في الأرياف، حيث يُعد القشر أهم سلعة تجلب من الأسواق المحلية حتى لأبسط الأسر وأقلها دخلاً. وقد وردت قهوة القشر في أجناس الأدب الشعبي شعراً ونثراً وأمثالاً وأغنيات. ولها “قهاوجة” (طهاة) مَهَرَة، وكثيراً ما يتعهد كبار السن بأنفسهم إعداد هذه القهوة عبر نقع قشور البن في الماء لوقت طويل. وتظل القهوة المر في دِلالِها وجمانِها، على نار تعد في المواقد المصنوعة من الفخار، ونادراً ما تضاف إليها توابل أخرى كالزنجبيل أو القرفة أو الهال.


بعض الأنواع يتطلَّب قدراً معيَّناً من الارتفاع ووفرة الماء. وبعضها يتحمَّل الجفاف، وبعضها يفضّل الهضاب، وبعضها يفضّل الأودية الجارية.

القهوة الحضرمية، تُقَدّم القهوة الحضرمية في الأفراح والمآتم كأبرز مشروب يتناوله الخاصة والعامة على مدار السنة. وتزداد أهميتها، في فصل الشتاء، فهي دافئة تقاوم نزلات البرد والتهاب اللوزتين. وتحضر هذه القهوة من نصف لتر من الماء، ونصف ملعقة من الزنجبيل، وملعقة قرفة مطحونة، ونصف ملعقة هيل مطحون، ونصف كوب سُكَّر بُنِّي، ونصف كوب سُكّر أبيض، ونصف كوب زبيب أسود، وأحياناً كوب عسل طبيعي بدلاً من السكر والزبيب. ثم يتم غلي الماء على نار هادئة مدة نصف ساعة، إلى أن تنحسر كمية الماء ويتحوَّل لون القهوة إلى بُنِّي داكن، ثم تُصفّى إلى الفناجين، عبر مصفاة تصنع كغطاء “للدلة” أو “الجمنة” من عذق النخل، لإمساك الشوائب والقشور.
القهوة الصنعانية، وتتفرع هذه القهوة إلى أنواع عديدة، أشهرها “قهوة الوالدة”، وهي قهوة تعتني النساء بتحضيرها من سُكَّرْ النَباتْ (قطع كبيرة من بلورات السكر)، ويضاف إليها أيضاً شراب “عِنَّابْ”، “برير”، “قِشْر”، “ينسون”، “شمّار”، و”قرفة”.

القهوة الحضرمية أو البن الأخضر

القهوة البيضانية، سميت بذلك نسبة لمدينة البيضاء اليمنية، وللونها الأبيض. ويقتضي تحضيرها توخي الدقة في تدرج وضع المكونات: (كأس من السمسم المحمص- ثلاثة إلى أربعة كؤوس ماء- ثلاثة كؤوس حليب مركز- ملعقة هيل- ملعقة قرفة- ملعقة زنجبيل مطحون- كوب أو كوبان سكر، وأحياناً تكون بدون سكر). ويستمر غلي المكونات الأولى لعشر دقائق حتى يتناقص الماء ويتبخر. ثم تضاف كمية الحليب، وتظل فوق النار لخمس دقائق إضافية، ثم تضاف ملعقة من البن المحمص، وتترك على النار أقل من دقيقتين، وتُقَدّم ساخنةً.

القهوة العربية بالتمر، عرفت شبه الجزيرة العربية ومنها اليمن، قهوة التمر العربية، خصوصاً المناطق الساحلية والسهلية الغنية بزراعة النخيل. وتحضر هذه القهوة من ثلاث حبَّات من التمر المهروس، بيضة، نصف ملعقة فانيليا، نصف ملعقة باكينج باودر، أربع ملاعق من دقيق البر الناعم، ثلاث ملاعق بن متوسط التحميص، ربع ملعقة زنجبيل، وملعقة قرفة. وتخلط هذه المكونات بماء ساخن (كوب) في صاج ذي سطح مصقول زيتي يمنع التصاق القهوة، ثم يُصب فوق هذه المكوّنات نصف لتر ماء ساخن، ويغلى على النار لمدة نصف ساعة. وبعد ذلك، يُصب هذا المزيج في دلة تحتوي على ملعقة بن مطحون، وملعقة هال مطحون.

قهوة العسل والذِّرَة، يسمى هذا النوع من القهوة اليمنية “قهوة علان”، وتروج بشكل خاص في أول موسم الحصاد في مرتفعات اليمن الغربية والمناطق الوسطى، وتحضَّر من البن الأحمر القاني عند بداية نضجه، وحبوب الذرة الرفيعة الخضراء، وكوب من العسل الطبيعي. وغالباً ما يحتسيها الكبار من الرجال.

التُفَّاحي واحد من أربعة أنواع رئيسة من البن سائدة في العالم

التصنيف الزراعي للبُن
زراعياً، ثَمَّة أربعة أنواع رئيسة من البُن سائدة في العالم، وهي: التُفَّاحي، والعُديني، والبرعي، والدوائري. ولكل نوع خصائصه الشكلية، ومميزاته البيئية والإنتاجية. وتتوزَّع هذه الأنواع الأربعة على أسماء محلية، مثل: الحمَّادي، والحرازي، واليافعي، والآنسي، والحرازي، والحيمي، والخولاني، والبرعي، والريمي، والحواري، وغيرها. وكلها تتسم بالجودة العالية الصادرة عن الطبيعة اليمنية البكر التي تُعد، بتنوُّع تضاريسها، الأكثر ملاءمة لزراعة أنواع القهوة الأربعة على مستوى العالم، وبفوارق دقيقة يدركها المزارعون اليمنيون.

فبعض الأنواع يتطلَّب قدراً معيَّناً من الارتفاع ووفرة الماء. وبعضها يتحمَّل الجفاف. وبعضها يفضّل الهضاب. وبعضها يفضّل الأودية الجارية. لكن العامل المشترك في هذه الفوارق هو اعتدال الجو على مدار السنة، فلا شتاء قارس البرودة يجمّد الشجرة بالصقيع، ولا صيف شديد الحرّ يُضْعِف جودة المحصول بالرطوبة. ناهيك عن المهارات التي ورثها المزارع اليمني أباً عن جدٍّ، فاستوعب مواقيت الزراعة، بذاراً ورعايةً وحصاداً، وأصول جني الثمرة مرحلياً لمواكبة التدرج الطبيعي لنضج المحصول خلال موسم الحصاد، حيث يجني المزارع الثمار قانية اللون (الحمراء). وبعضهم ينتظر حتى يصير لونها بين البنفسجي والرمادي الداكن المشارف على الوصول إلى اللون البُنِّي الغامق. وفي كل مرة تُجنى كميّة لا تخلط بسابقتها، بل تجفف مستقلة، بعد عزل الثمار التي تتساقط من ذاتها، لأنها مشبعة بالرطوبة.

الطبيب العربي ابن الرازي

جدل المنشأ ودوافع الاحتكار

تعيد بعض الأساطير الشعبية اكتشاف البن إلى راعٍ من أسلاف شعب الأورومو الذي كان يقطن قديماً المنحدرات والهضاب الجنوبية الغربية للوادي المتصدع في إثيوبيا. فيقال إن هذا الراعي لاحظ تيساً يتصرف بطريقة غريبة من الحركة والنشاط، فظل يراقبه في المرعى حتى رآه يأكل أوراق وحبوب شجرة البُن، فتذوق ثمارها، وأدرك خواصها. ومن وقتها تناولها الأحباش مضغاً، ثم تحوَّل تناولها بعد زمن طويل إلى شراب منقوع.
وفيما يعود أول ذكر لمحصول القهوة باسم (البُن اليمني) إلى الطبيب العربي ابن الرازي في عام 900، تشير بعض المخطوطات إلى أن علي بن عمر الشاذلي المتوفي في المخا عام 1418 هو أول من نقل بذور القهوة من جنوب غرب الحبشة إلى اليمن، وأول من احتساها كمشروب. وذكر الحنبلي في كتابه “عمدة الصفوة في حل القهوة” أن جمال الدين الذبحاني المتوفي سنة 1470 هو أول من زرع القهوة في اليمن، بعد خروجه من عدن إلى بر العجم (إفريقيا أو إثيوبيا حالياً)، فوجد أهله ينقعون ثمر البُن فيشربونه، فشرب منه، فوجده يهدئ الآلام، ويقاوم النعاس ويمنح الجسم خفة وحضوراً ذهنياً.
المؤكد أن القرن الخامس عشر الميلادي شهد الانتشار الحقيقي لزراعة البُن وشرب القهوة على المستوى المحلي اليمني، وتحوّل محصول القهوة إلى سلعة طُرحت في الأسواق لغرض التبادل التجاري. ثم تطوَّر الحال إلى تخصيص أسواق جديدة لهذا المحصول، سميت أسواق القشر أو البُن، وتركزت في المدن الرئيسة والثانوية، عبر مناطق اليمن المشهورة بزراعة البُن. ثم حضرت هذه السلعة بقوة في الأسواق الكبيرة التي كانت تعقد في الموانئ التجارية، مثل موانئ “المخاء” و”الحديدة” و”اللحية” و”عدن” و”شقرة” وغيرها، لتسويق محصول القهوة محلياً عبر هذه الموانئ. فصارت تبعاً لذلك عملية زراعة البن وإعداد ثمارها وتجهيزها وتقشيرها وتحميصها للأسواق المحلية جزءاً لا يتجزأ من نشاط اليمن الاقتصادي الداخلي.

.

زراعة البن في إحدى القرى الجبلية في اليمن

وبحكم موقع اليمن الجغرافي التجاري والملاحي، الذي جعلها ممراً للرحالة الأجانب والتجار الذين يجوبون الشرق والغرب، فقد تزايد الإقبال على شراء القهوة، ليأخذ محصولها طابعاً تجارياً واسعاً كسلعة ثمينة.
ومع تنامي إدراك اليمنيين للقيمة الاقتصادية للقهوة والمستقبل الذي ينتظرها شرقاً وغرباً، استشعروا خطر إمكانية نقل زراعتها إلى خارج اليمن، ما دفع السلطات في القرون السابقة إلى إحكام السيطرة على زراعة محصولها، بفرض قوانين صارمة تصل فيها عقوبة من يحاول تهريب البذور إلى حكم الإعدام. وابتكروا آليات دقيقة لإبطال صلاحية النواة للزراعة خارج اليمن، إما بالغلي أو التقشير (فصل القشرة عن النواة)، ثم تحميص النواة، أي إحراقها وتحريكها على نار تتراوح درجتها ما بين 180 و240 درجة مئوية، ولمدة 20 دقيقة.
ويترتب على هذه العملية إبطال صلاحية النواة للزراعة، والحصول على الجودة والنكهة المطلوبتين. والتلوين المتدرّج من اللون السُّكّرِي المائل للأخضر (البيج)، إلى البُنِّي الفاتح، إلى البُنِّي المائل للرمادي، إلى البُنِّي الغامق، إلى البُنِّي القريب من السواد. كما يصبح من الممكن التحكم بدرجة الطحن بين دقيق ناعم، ومحبب متوسط، ومحبب عالٍ. ويكون التحميص إما منزلياً يقوم به المزارع، أو تجارياً بواسطة أيدٍ عاملة بسيطة تقليدية. وهكذا احتكرت اليمن زراعة القهوة على مدى نحو ثلاثمئة سنة، من القرن الخامس عشر حتى القرن السابع عشر الميلادي.



التلوين المتدرج من اللون السُّكّرِي المائل للأخضر (البيج)، إلى البُنِّي الفاتح، إلى البُنِّي المائل للرمادي، إلى البُنِّي الغامق، إلى البُنِّي القريب من السواد

3Malaf-35

كانت أول محطة تصلها القهوة اليمنية كمشروب خارج اليمن، هي مكة المكرمة عام 1490 وبكميات قليلة للاستخدام الشخصي عبر الحجيج. ثم تحوَّلت بعد ذلك إلى مشروب مرغوب في أنحاء كثيرة من الحجاز. وعلى أيادي طلبة العلم اليمنيين، وصلت القهوة إلى جامع الأزهر، ومنها انتشرت إلى مصر كلها عام 1500. فيما نقل أوزدمير باشا – والي السلطات العثمانية في اليمن- القهوة إلى إسطنبول عام 1517 في عهد السلطان سليم الأول (1501-1520). ومن إسطنبول انتقلت إلى أوروبا على أيدي الأتراك. لكن مراجع أخرى تعيد وصول القهوة اليمنية إلى أوروبا إلى البرتغاليين الذين غزوا السواحل الغربية لليمن عام 1507. واستضافهم شيخ مدينة المخا بشراب القهوة، فاستحسنوا مذاقها ومفعولها، وكانوا أول من نقلها إلى أوروبا عبر ميناء المخا، الواقع على مسافة 40 ميلاً بحرياً شمالي باب المندب.

3Malaf-37


(موكا كافي)..  ا( موكا كافي) وانتشار القهوة

تشير الباحثة اليمنية أروى الخطابي، في كتابها “تجارة البُن اليمني” إلى أن العثمانيين عندما تمكنوا من طرد البرتغاليين من سواحل البحر الأحمر بشكل كامل في عام 1538، بدأوا عهداً جديداً من التجارة، عبر موانئ البحر الأحمر، وبالتحديد انطلاقاً من ميناء المخا. وهو الاسم الذي تحوَّل إلى ماركة عالمية: (MOCKA COFFEE)، وقد ظهر هذا الاسم للمرة الأولى في اللغة الإنجليزية في عام 1598، وهو يعني “بُن المخا”.
في بداية القرن السابع عشر الميلادي، بدأت أنظار التجَّار الغربيين وحكومات بلدانهم بالتنبه إلى القيمة الاقتصادية الكبيرة التي ينطوي عليها هذا المحصول اليمني.
ففي عام 1609، زار المخا الرحالة الأوروبي جورداين وتوقَّع رواجاً تجارياً أكبر لمحصول البُن اليمني، فيما نبّه التاجر الهولندي بيتر فان دن بروكه الهولنديين إلى الأهمية التجارية للبُن اليمني في عام 1616. ووصف الرحالة الإيطالي البرتغالي جيرونيمو لوبو -الذي أبحر في البحر الأحمر عام -1625 ميناء المخا بأنه مرفأ لجميع السُّفن العابرة في مياه البحر الأحمر ومركز دفعها لضريبة العبور.



3Malaf-39

من المؤكد أن القرن الخامس عشر الميلادي شهد الانتشار الحقيقي لزراعة البُن وشرب القهوة على المستوى المحلي اليمني.

3Malaf-40

و في عام 1628 أبحرت أول شحنة من محصول البُن
 اشتراها الهولنديون من المخا إلى مراكزهم التجارية في شمال غربي الهند وبلاد فارس. وفي أواخر عام 1633، بعث التاجر الهولندي يوهن كرستزون رسالة إلى مدير شركة الهند الشرقية في سورات بالهند، واصفاً له ازدهار تجارة البُن وتصديره إلى العالم من أهم مرافئ البحر الأحمر المخا. فبدأت الشركة باستيراد البُن إلى مستعمرات هولندا غرب الهند وفارس. وعلى الرغم من أن إنجلترا عرفت القهوة في 1650، إلا أن محصول البُن لم يظهر في قوائم الشركة كسلعة تجارية في أسواق لندن إلا في عام 1660. وفي العام 1661 وصل البُن إلى هولندا بكميات غير تجارية، ولكنه راج بسرعة بدءاً من العام التالي.
أدَّى انتشار “بُن المخا” ذي الجودة العالية في الأسواق العالمية إلى اشتعال المنافسة على الميناء من قبل الشركات الهولندية والفرنسية والبريطانية. فقام الهولنديون بإنشاء معمل للبـُّن في مدينة المخا عام 1708، وفي العام 1720 أنشأ الفرنسيون معملاً آخر، مما خلق نشاطاً اقتصادياً بفعل الحركة التجارية بين ميناء المخاء، وموانئ الهند ومصر وبور سودان وإسطنبول وأوديسا في روسيا. واستمر ذلك الحضور التجاري العالمي حتى أواخر القرن التاسع عشر مع ازدهار ميناء عدن الذي اهتم به البريطانيون.

3Malaf-42
3Malaf-43

استزراع القهوة عالمياً

بعد أن عرف الأوروبيون جدوى زراعة البُن الاقتصادية قياساَ على ما ينفقونه على استيراده سنوياً، وقياساً على الفجوة القائمة بين العرض اليمني من المحصول والطلب العالمي عليه، ظلَّ شغلهم الشاغل محاولة تهريب البُن لزراعته. وفشلت محاولات كثيرة، إلى أن تمكَّن الهولنديون من تهريب كمية بسيطة من البذور الصالحة للزراعة المخبأة في قطعة قماش، من ميناء المخا إلى مستعمراتهم في أرخبيل إندونيسيا وسريلانكا. فزرعوا القهوة لأول مرَّة في سريلانكا عام 1658. وفي إندونيسيا (جاوه) عام 1696.
وفي عام 1711 تم تصدّير أول شحنة من البُن المزروع خارج اليمن، إلى أوروبا. وتمكَّن الهولنديون بعد ذلك من زراعة شتلات القهوة في بيوت زجاجية تحفظ الحرارة في أمستردام. وفي عام 1714، قدَّم عمدة المدينة ثمار هذه النبتة هدية لملك فرنسا لويس الرابع عشر، وفي عام 1715 زُرع البُن في هايتي وسانتو دومنجو في أرخبيل الأنتيل. ثم في جزر المارتينيك والبرازيل في عام 1723، ولاحقاً في أماكن كثيرة من أمريكا الوسطى. بحيث لم تعد الشمس تغيب عن أشجار البن المنتشرة في أنحاء المعمورة، التي خرجت ذات يوم من أرض اليمن.

3Malaf-44
3Malaf-45
3Malaf-46

وختاما… 

اقتصاد القهوة ماضياً وحاضراً

وصل الإنتاج العام من محصول القهوة – حسب المراجع التاريخية – في القرنين (17-18) إلى ما يقارب الأربعين ألف طن سنوياً، لتصدِّر اليمن منها ما بين 30 و35 ألف طن سنوياً، إلى وجهات وأسواق عالمية كبرى في دول الغرب والشرق. واستمرت شهرة اليمن العالمية والاقتصادية مرتكزة على تجارة محصول القهوة حتى أواخر القرن التاسع عشر. لكن محصول الثروة السمراء شهد تراجعاً بعد ذلك بسبب الحروب التي شهدتها سواحل البحر الأحمر، كالحرب العثمانية الإيطالية عام (1911)، والحرب العالمية الأولى (1914-1918)، وغيرها من الحروب التي تزامن معها ظهور منتجين جدد للبن في العالم. بيد أن هذا التراجع لم يلغ محورية تجارة القهوة في بناء الاقتصاد اليمني، في عهد الدولة المتوكلية (1918-1948). وخلال الحرب الأهلية التي شهدتها اليمن في ستينيات القرن الماضي. تأثرت زراعة القهوة اليمنية لتشهد بعد ذلك في عقود السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات اهتماماً ورعاية على المستويين الشعبي والرسمي، فتصاعد مؤشر الإنتاج والتصدير خصوصاً مع دخول أسواق الخليج وبالذات المملكة العربية السعودية، على خط الوجهات التسويقية. وفي هذا السياق يشير تقرير النمو الاقتصادي الصادر عن البنك    الدولي إلى أن صادرات اليمن من محصول القهوة بلغت نهاية 1999 نحو 43.3 مليون دولار أمريكي، حازت المملكة العربية السعودية ما نسبته %85 من تلك الصادرات، إذ بلغت الصادرات للسوق السعودية نحو 29 مليون دولار أمريكي في نفس العام. وتستورد السعودية ما نسبته %30 من احتياجات سوقها من اليمن، كما أن نصيب اليمن في سوق البن في مجلس التعاون الخليجي ككل لا يزال يحتل المركز الرابع بنسبة %9.2 من السوق الخليجية، بعد إثيوبيا %37 والهند %13 وإسبانيا %12.
ولا تزال السوق السعودية اليوم الوجهة الأهم للصادرات اليمنية من محصول القهوة المتميِّز، حيث تُعد السعودية تاسع أكبر مستهلك للقهوة في العالم، حسب المنظمة العالمية للبن (القهوة). فيما تؤكد مؤشرات الواردات السعودية من محصول القهوة خلال الأعوام الخمسة الماضية أن السعودية استوردت 355.6 ألف طن، بقيمة إجمالية تجاوزت 5.4 مليار ريال. لافتة أن اليمن تحتل المركز الخامس بين مصادر الاستيراد بعد إثيوبيا، والبرازيل، والإمارات، وماليزيا.

وهنا انتهى النقل من مجلة القافلة اصدار مايو ويونيو 2019 ..

#الرحال_وائل_الدغفق 
#رحال_الخبر 
#رودRK 
3Malaf-47
3Malaf-48
3Malaf-49
3Malaf-50
3Malaf-51
3Malaf-52
3Malaf-53
3Malaf-54
3Malaf-55
3Malaf-56
3Malaf-57
3Malaf-58
3Malaf-59
3Malaf-60
3Malaf-1
3Malaf-2
3Malaf-3
3Malaf-6
3Malaf-7
3Malaf-8
3Malaf-9
3Malaf-10
3Malaf-13
3Malaf-14
3Malaf-15
3Malaf-16
3Malaf-17
3Malaf-18
3Malaf-19
3Malaf-20

نقلا من مجلة القافلة للعدد مارس ابريل 2018 

 قهوة ام شاي 

القهوة أو الشاي نستقبل النهار، وبهما نلاقي الأحبة والضيوف. في حضرة الفنجان يدور الكلام حول مختلف شؤون الحياة. يقال إن القهوة هي المشروب الثاني في العالم بعد الماء. وأنصار الشاي يدّعون العكس. ولكن الطرفين يتفقان على أن الفنجان الصغير سواء أكان فيه قهوة أم شاي هو الواحة التي نسترخي حولها لنفكر ونتأمل ونتكلم..

تختلف طرق إعداد القهوة والشاي وتتنوع بتنوع شعوب الأرض وثقافاتها. ولكن العالم بأسره يُجمع على إيلاء القهوة والشاي مكانة خاصة من بين كل ما يستهلكه، ويحافظ على تقاليد التعامل مع هذين المشروبين إعداداً واستهلاكاً, ويورثها من جيل إلى جيل في الصندوق الذي يضم خبراته ومزاجه ونمط حياته.

فكيف بدأت حضارة القهوة والشاي؟ ومن أين؟ وما هي أبرز معالمها؟ وما هي المضار والفوائد التي يدور الحديث عنها بين الحين والآخر؟ الجواب في هذه .الرحلة التي أعدها فريق تحرير القافلة… 

القهوة.. هدية العرب إلى العالم


كما هو الحال بالنسبة إلى كل الاختراعات والاكتشافات الكبرى في تاريخ الإنسانية، لا بد وأن يبدأ تاريخ القهوة بحكاية أسطورية.

تقول الأسطورة، أنه في قديم الزمان عاش في جبال الحبشة راعي ماعز يُدعى كلدي، ولاحظ هذا الراعي أن ماشيته تصبح أكثر نشاطاً وحيوية حتى أنها لا تنام عندما تأكل ثمار نوع معين من الأشجار البرّية.. ونقل هذا الراعي ملاحظته إلى شخص كان يشكو إليه عدم قدرته على السهر ليلاً، فكان ذلك الاكتشاف الأول لثمار شجرة البن وأثرها المنبه والمنشط على من يتناولها.

ولكن تاريخ القهوة المدوّن يبدأ في ديار العرب. فقد كان الطبيب العربي الرازي (852 – 932هـ) أول من ذكر «البن» و «البنشام» في كتابه الطبي «الحاوي»، والمقصود بهاتين الكلمتين ثمرة البن والمشروب. ولكن كتاب الرازي ضاع بمرور الزمن، وبقيت لنا شهادة على ذلك عند الذين نقلوا عنه. أما أقدم نص في العالم وصل إلينا، ويتحدث عن القهوة فهو كتاب «القانون في الطب» للعالم الشهير ابن سينا (980 – 1037هـ)، والذي يتضمن في فصله الخامس جدولاً بنحو 760 دواءً من بينها «البن» و «البنشام».

المؤكد أن البن كان ينبت برياً في الحبشة وبعض أجزاء اليمن حتى القرن الثاني عشر الميلادي، وفي وقت غير محدد بدقة في ذلك الزمن اكتشف اليمنيون أن عملية تحميس بذور البن وسحقها تسمح لها بتحرير أفضل لنكهتها وطعمها في الماء المغلي. وفي القرن الرابع عشر الميلادي سُجِّل في اليمن أول استعمال غير طبي للبن. ومن المرجح أن زراعته بدأت آنذاك لتلبية الحاجة المتزايدة إليه.

بعد ذلك بنحو مئة عام، وتحديداً في مطلع القرن السادس عشر كان شرب القهوة قد راج على نطاق واسع في الحجاز، وانتقل على أيدي الحجاج إلى القاهرة ودمشق، وانتشرت فوراً ظاهرة تخصيص أماكن عامة لشرب القهوة صارت تعرف بـ «المقاهي».

شكّل الأثر المنبه للقهوة وما كان يدور على ألسنة العامة من مبالغات حول تأثيراتها الجانبية مسألة أثارت حذر العلماء، فأفتى بعضهم في مكة المكرمة عام 1511م (917هـ) بتحريمها، وإقفال دور تعاطيها. ولكن التحريم لم يدم أكثر من عام، إذ أن الأبحاث المتأنية التي قام بها العلماء لاحقاً في الحجاز والقاهرة أكدت لهم أن مساوئ القهوة ليست على مستوى من الخطورة يوجب تحريمها، فأصدر السلطان قانصوه الغوري الذي واجه الإشكال نفسه في مصر مرسوماً يمنع بعض أشكال شرب القهوة والدوران بها في الأسواق، ولكنه لم يمنع تعاطيها بالكامل.

في العام 1554م، وصل إلى اسطنبول رجلا أعمال سوريان أحدهما يُدعى حكم من حلب والثاني شمس من دمشق، وافتتحا أول مقهى «كهفي خانة»، روعيت فيه مظاهر الأبهة والفخامة. وعلى الرغم من الجدل الذي دار في اسطنبول أيضاً حول شرعية هذه الأماكن ومحاربتها أحياناً من دون هوادة، انتشرت المقاهي هناك انتشار النار في الهشيم. إذ يشير المؤرخ الفرنسي مورادجيا دوسون إلى أنه بحلول العام 1570م كان عدد المقاهي في اسطنبول قد وصل إلى نحو ستمائة مقهى!

حتى آنذاك، كانت القهوة من سمات الحياة اليومية في العالم الإسلامي فقط. أما أوروبا فراحت تكتشفها على مراحل من خلال محورين.

المحور الأول كان من خلال اتصال التجار الهولنديين بالشرق. ففي العام 1609م، سُجّل أول اتصال أوروبي بالبن وتجاره من خلال «شركة الهند الشرقية» الشهيرة في مرفأ يمني أعطى اسمه لاحقاً للبن «المخا». وبعد ذلك بسبع سنوات حصل التاجر الهولندي بيتر فان در بروك على بضع غرسات بن صغيرة من اليمن ونقلها إلى أمستردام لزراعتها وإكثارها.

وفي عام 1658م بدأ الهولنديون بزراعة البن في سيلان (سري لانكا) بهدف بيعه في الأسواق الإسلامية وليس لاستهلاكهم الذاتي.

أما المحور الثاني فكان من اسطنبول باتجاه أوروبا. إذ حمل قره محمد، سفير السلطان العثماني محمد الرابع، عادة شرب القهوة إلى ڤيينا حيث أطلع عليها الأرستقراطية النمساوية سنة 1665م. وبعد ذلك بأربع سنوات قام سفير عثماني آخر هو سليمان آغا بتعريف الباريسيين على القهوة وطريقة تحضيرها وشربها. ولم ينقض القرن السابع عشر الميلادي إلا وكانت المقاهي قد قامت في كل العواصم الأوروبية، وراج المشروب الأسود الجديد لدى جميع الطبقات، وصار جزءاً من الحياة اليومية. حتى أن الموسيقار جوهانس سيباستيان باخ ألّف سنة 1734م «أغنية القهوة».

في العام 1780م، أصبحت فرنسا المنتج العالمي الأول للبن بفضل زراعتها له في جزر الأنتيل. وفي العام 1839م وضع الروائي الفرنسي بلزاك الذي كان مفرطاً في شرب القهوة كتابه الشهير «المنبهات الحديثة».

وتحركت زراعة البن من بعض المواقع إلى أخرى. ففي سنة 1727م قام لصوص بسرقة بعض شتلات البن من غوايانا الفرنسية ونقلوها إلى البرازيل البرتغالية حيث زرعوها هناك. وفي سنة 1900م صارت البرازيل تنتج وحدها نحو 90 في المئة من محصول البن عالمياً.

وشهد عالم القهوة في القرن العشرين ابتكارات تصنيعية عديدة، من أبرزها اختراع البن السريع الذوبان في الولايات المتحدة سنة 1901م على يد مهندس ياباني يُدعى سارتوري كاتو. واخترعت سيدة ألمانية تُدعى ميليتا بانز المصفي الورقي للقهوة والشاي سنة 1908م. وفي سنة 1948م اخترع إيطالي يُدعى أشيلي غاجيا كان يعمل مستخدماً في أحد مقاهي ميلانو أول آلة حقيقية لصنع قهوة «الاكسبرسو».

والشاي.. من الصين
يختلف تاريخ الشاي عن تاريخ القهوة. فهو أقدم عهداً بكثير من القهوة، ومسيرة انتشاره كانت أبطأ.

إن الشاي الذي نشربه اليوم لا يختلف كثيراً عن ذاك الذي شربه الإمبراطور الصيني شين-نونغ سنة 2737 ق. م. إذ تقول الأسطورة – وهنا أيضاً توجد أسطورة – إن الإمبراطور كان يغلي الماء قبل شربه لأنه لاحظ أن الذين يشربون الماء المغلي يمرضون أقل من الذين يشربون مياه الآبار. وذات مرة حملت الريح بضع وريقات شاي وأسقطتها في الوعاء. ولما لاحظ الإمبراطور تغيّر لون الماء ورائحته، دفعه الفضول إلى تذوقه. فكان بذلك أول من شرب الشاي في التاريخ. لم يصلنا من ذلك الزمن أي نص مكتوب يتحدث عن الشاي، ولكن صينيين عاشوا بعد ذلك بقرون عديدة نسبوا إلى هذا الإمبراطور اكتشافه للعديد من صفات الشاي على الصعيد الطبي كمنبه وملطف للمزاج ومطهّر.

في القرون الأولى من عمر الشاي في الصين كانت نبتته تسمى «تو» (t’u)، ولكن في وقت ما من حكم سلالة هان (206 ق.م. – 24م) تغيّرت هذه التسمية لتصبح «تشا» (t’cha). ومن المرجح أن هاتين الكلمتين هما أصلا تسمية الشاي بالإنجليزية «تي» وبالعربية «شاي»، أو «شاهي» كما هو رائج في الحجاز، أما في المغرب فيسمى «أتاي».

ومن الصين انتقل الشاي إلى اليابان في القرن السابع الميلادي. وفي العام 1484م أطلق الشوغون يوشيماسا عادة شرب الشاي يومياً. وفي القرن التالي وضع ريكيو سن تقاليد طقوس شرب الشاي التي لا تزال تمارس حتى يومنا هذا.

بقي الشاي محاصراً في شرق آسيا حتى القرن العاشر الميلادي، حينما عرفه العرب عنهم. ولكن لم يصلنا أي دليل على أنه راج في بلاد العرب آنذاك لدواعٍ غير طبية. أما الأوروبيون فلم يسمعوا بالشاي إلا بعد العرب بنحو ستة قرون، من رحالتهم الشهير ماركوبولو. وأقدم ذكر للشاي في أوروبا يعود إلى العام 1559م في كتاب وضعه أحد البنادقة بعنوان «مغامرات الرحالة في الماضي والحاضر».

وفي مطلع القرن التالي حملت إحدى السفن التجارية الهولندية شحنة صغيرة من أوراق الشاي من ماكاو إلى أمستردام، فكان ذلك أول دخول للشاي إلى الغرب.

بشكل عام، يمكن القول أن وصول الشاي والقهوة إلى أوروبا تم في عصر واحد، وبفارق سنوات معدودة بين هذا وذاك. غير أنه كان للشاي مساره المختلف. فقد وصل الشاي إلى إنجلترا بعد القهوة بعشر سنوات تماماً. وكان ظهوره في بادئ الأمر خجولاً، وأول ما بيع منه كان في مقهى توماس غارواي سنة 1660م. أما وصول الشاي إلى البلاط الإنجليزي فقد حصل بعد ذلك بسنتين عندما تزوج الملك تشارلز الثاني من الأميرة كاترينا دي براغانزا ابنة ملك البرتغال.

حملت الأميرة البرتغالية من بلادها «أفخم جهاز عروس» عرفته الأسر المالكة في أوروبا آنذاك. ومن ضمنه صندوقاً يضم كمية كبيرة من أوراق الشاي، لتنطلق في البلاط الإنجليزي ومن بعده في كل قصور الأرستقراطية عادة شرب الشاي. واستطراداً، نشير إلى أنه يعود إلى هذه الأميرة الفضل في تعريف الإنجليز على السكر الذي حملت معها أكياساً منه لاستخدامه في تحلية الشاي.

تعتبر إنجلترا البلد الأوروبي الوحيد الذي انتصر فيه الشاي على القهوة. ولكن ذلك لم يحصل فوراً بل بعد قرن من الزمن. ففي القرن الثامن عشر الميلادي حصل أمران منفصلان عن بعضهما ولكنهما تضافرا في تأمين الغلبة للشاي حتى النصف الثاني من القرن العشرين.

فقد راح الأرستقراطيون يتذمرون من المقاهي ويهجرونها لأن القروش القليلة في جيب الفلاح أو العامل أو أي كان، صارت تسمح له بدخول المقهى والجلوس بجوارهم.. وسمح لهم المشروب الجديد في تدعيم تمايزهم عن العامة التي تشرب القهوة.

ربط الإنجليز تناول الشاي بالمناسبات الاجتماعية أكثر من أي شعب آخر. حتى أن كلمة «تي» بالإنجليزية أخذت منذ سنواتها الأولى هناك إضافة إلى معنى النبات والمشروب، معنى أية مناسبة اجتماعية يقدم فيها الشاي. وعادة شرب «شاي العصر» تعود إلى سيدة من الأرستقراطية تدعى آن أوف بدفورد (1788 – 1861م) التي أسست نظام لقاءات اجتماعية يومية عند الخامسة عصراً يقدم فيها الشاي والبسكويت المرافق. وبحلول سنة 1880م كان اختراع آن أوف بدفورد قد أصبح عادة يومية عند جميع السيدات من مختلف الطبقات، وانتقل أيضاً إلى الرجال في الأندية الخاصة والمنازل على حدٍ سواء، رغم المعارضة الأولية التي واجهها هذا التقليد، لما كان يشاع عنه آنذاك أنه مناسبة اجتماعية للقيام بأمور غير أخلاقية.

وبشكل عام، يمكن القول إن الشاي بقي منتصراً على القهوة وإن بصعوبة حتى القرن العشرين في ثلاثة أماكن: الشرق الأقصى، وبعض البلاد العربية، وإنجلترا. ويرد علماء الاجتماع هذا الاختلاف إلى تمايز في الهوية الخاصة بكل من هذين المشروبين. بدليل أن المجتمعات التي انتصرت للشاي هي عموماً مجتمعات محافظة، تميل إلى الهدوء والبطء في حركتها ويهمها التأمل أكثر من الكلام الذي هو من السمات المزاجية المصاحبة للقهوة الحادة المذاق ذات اللون الأسود والمحتوى الكثيف.

القهوة والشاي من الحقول إلى الفناجين
في الحقول

يوجد في العالم فصيلين رئيسين من أشجار البن. أفضلهما وأشهرهما ما يزرع اليوم في البرازيل وجنوب شرق آسيا وجنوب الجزيرة العربية، ويعود أصله كله إلى الشتلات التي استحوذ عليها الأوروبيون من اليمن، ولذلك يحمل هذا الفصيل اسم Coffea Arabica.

يبلغ ارتفاع أشجار هذا الفصيل نحو عشرة أمتار، وتزهر مرتين أو ثلاث مرات في العام، وتنضج ثمارها بعد ثمانية أشهر على الإزهار. أي أن الشجرة تحمل دفعة واحدة ثماراً متفاوتة النضوج.

تشبه ثمرة البن إلى حد ما الكرز، وتتألف من قشرة سميكة، وبذرة بيضاوية منقسمة إلى شطرين يخترق كل واحد منهما تجويف عامودي، وفيها يكون لون القشر أحمر عند النضوج، ولون البذور أخضر شاحباً.

والفصيل الثاني يدعى Rubusta (Coffea Canephora Pierre) ويمكن لأشجاره أن تبلغ 15 متراً في ارتفاعها، وتحمل ثماراً أكثر عدداً من الأولى ولكن أصغر حجماً. وينتشر هذا النوع في غرب إفريقيا الاستوائية بشكل خاص.

أما الشاي الذي يوجد منه في العالم نحو ثلاثة آلاف نكهة مختلفة، فيعود إلى شجرة واحدة.

تنبت شجرة الشاي في المناطق الاستوائية وشبه الاستوائية بدءاً من مستوى البحر وحتى ارتفاع 8000 قدم. غير أن أفضل أنواعها هو ما ينبت في المرتفعات حيث ينمو ببطء كما هو الحال في منطقة دارجيلنغ في شمال شرق الهند، التي تنتج واحداً من أغلى أنواع الشاي في العالم.

ويأتي 70 في المئة من الشاي الذي يستهلكه العالم حالياً من الهند وإندونيسيا وسيريلانكا وكينيا والأرجنتين ومالاوي والصين.

يبلغ ارتفاع شجرة الشاي حوالي المتر ونصف المتر تقريباً، وهي دائمة الخضرة، تحمل وريقات يتراوح طولها ما بين خمسة وعشرة سنتيمترات، ولا تقطف أوراقها إلا بعد عامين على غرسها، فمن الشاي نستهلك الأوراق، ومن القهوة الثمار.

الطريق الطويل إلى الفنجان الصغير
ونبدأ بالشاي لأنه أقل تعقيداً، فبعد قطاف الشاي تنثر أوراقه على حصر من القش لتذبل وتجف قليلاً. وهنا تسلك هذه الأوراق الذابلة واحداً من طريقين: الأول ويمر بتخميرها قليلاً قبل تجفيفها وتحميسها لإنتاج الشاي الأسود. والثاني يتجه إلى التجفيف والتحميس الفوري من دون تخمير لإنتاج الشاي الأخضر.

وبوصول أوراق الشاي مفرومة وموضبة في علب أو أكياس إلى منازلنا، فإن المبدأ الأساس في تحضير المشروب هو واحد أينما كان في العالم. ويقوم على صب الماء المغلي على الشاي لاستخلاص ما فيه من مواد ونكهة، وإضافة ما يشاءه المستهلك من عطور ومواد تحلية.

أما التفاصيل فتتضمن بعض الزخارف التي لا بد من أخذها بالحسبان. فجودة مشروب الشاي ترتبط بالوقت الذي يستغرقه نقعه في الماء الساخن، والذي لا يجب أن يقصر أو يطول عن اللازم. والمعدل الوسطي للوقت الذي يتطلبه نقع الشاي هو حوالي الدقيقة الواحدة. أما إكثار كمية الشاي بهدف الإسراع بنقعه فإنه لا يعطي النتيجة المثالية، لأن الشاي يحرر محتوياته على مراحل، ومعنى هذا أن ربع دقيقة مثلاً لا تكفي لتحرير كافة محتوياته، بل بعضها فقط، حتى ولو أصبح لون المشروب داكناً.

ويمتاز الشاي عن القهوة بأنه سريع الالتقاط للروائح، فالعاملون في قطافه يولون النظافة أهمية قصوى. فهم يعتنون بغسل أيديهم، ويلبسون القفازات، ولا يستعملون أي نوع من العطور، وأكثر من ذلك فهم يتجنبون تناول الأطعمة ذات الرائحة القوية كي لا يلتقطها المحصول. وفي منازلنا يعرف الكثيرون أن الشاي يجب أن يحضر من مياه الشرب. والأفضل استعمال المياه المعبأة في قناني من ينابيعها من دون معالجة كيميائية، لأن وجود الكلور المعقم في مياه الشفة الجارية يظهر بوضوح في مشروب الشاي ويفسد نكهته.

حساسية الشاي في التقاط الروائح وإظهارها هو ما جعله المشروب الأكثر قابلية للتعطير، إما بالزهور التي تمزج به خلال عملية إعداده مثل الياسمين والبنفسج وزهر الليمون، وإما بالعطور التي تضاف إليه خلال التحضير مثل النعناع وعود العنبر والقرنفل وغير ذلك.

أما القهوة..
تحتاج الإحاطة بكل أشكال تحضير مشروب القهوة إلى مجلد ضخم. ولذا سنكتفي هنا بالحديث عن بعض الأسس المشتركة والإشارة إلى سعة العالم الخاص بتحضير القهوة.

تبدأ مسيرة القهوة من الحقل إلى الفنجان بفصل نواة الثمر عن قشرها. والإثنان يستهلكان بالطريقة نفسها. فهناك قهوة البذور الشائعة عالمياً، وقهوة القشور التي راجت في الماضي ولا تزال رائجة في بعض أماكن جنوب الجزيرة العربية والبرازيل.

المبدأ الأساس في تحضير فنجان قهوة يقوم على تحميس بذور البن، وطحنها، واستخراج محتويات المسحوق ونكهته بالماء المغلي. ولكن كيف؟

بألف طريقة وطريقة للحصول على ألف مذاق ومذاق. فلكل شعب من شعوب الأرض طريقته الخاصة في صنع القهوة، وتختلف هذه الطرق ما بين مدينة وأخرى. وتترافق عدة طرق أحياناً في المكان الواحد أو المقهى الواحد.

تبدأ الاختلافات في المذاق والأذواق عند تحميس بذور البن في وعاء معدني فوق نار خفيفة. ففي الجزيرة العربية هناك ميل إلى التحميس الخفيف جداً بحيث يبقى لون المشروب مائلاً إلى الصفرة. وهناك أيضاً التحميس المتوسط الذي يحوّل لون البذور من الأخضر الشاحب إلى البني الفاتح ويسمى «الأشقر». وهناك التحميس القوي الذي يحوّل البذور إلى لون بني داكن أقرب إلى السواد.

وبعد التحميس تطحن البذور، وللناس هنا أيضاً مذاهب مختلفة. فالمسحوق الخشن قليلاً هو لقهوة «الاكسبرسو»، والناعم كالدقيق للقهوة «العربية»..

في الماضي، وخاصة في عالم القهوة العربية، كان تحضير مشروب القهوة يبدأ بتحميس البن وينتهي بشربه في جلسة واحدة يقوم بكل مراحلها شخص واحد حسب تقاليده وذوقه وذوق جماعته. أما اليوم فصار البن جاهزاً للمرحلة الأخيرة أي الغليان، وفي أشكال ترضي مختلف الأذواق. وما علينا إلا أن نتطلع إلى التنوع الكبير في أنواع البن المعروضة أمامنا في المتاجر لندرك مدى تشعب عالم تحضير القهوة. ويزداد هذا التشعب بانتقال النوع الواحد من البن المسحوق إلى بيوتنا أو مقاهينا.

أبسط أشكال تحضير القهوة الخالية من أي تقليد هو تحضير القهوة السريعة الذوبان. ملعقة في فنجان فارغ وما يشاء المرء من السكر ثم صبّ الماء المغلي فوق المزيج وينتهي الأمر. وبسبب هذه البساطة على الأرجح، راج هذا النوع من القهوة في أماكن العمل في العصر الحديث.

أما أكثر أشكال تحضير القهوة شيوعاً في البلاد العربية (وصولاً إلى أوروبا الشمالية والشرقية) فهو الغلي على الطريقة المسماة بـ «التركية»، حيث يُغلى الماء ثم يضاف إليه مقدار معين من البن المحمس والمطحون، ومن ثم ما يشاءه الشارب من السكر. وتحرك القهوة عند غليانها مرات عديدة كي تذوب الثنوة (القشدة) التي تظهر على سطحها، وتترك في دلتها أو ركوتها لنحو دقيقتين كي تترسب الحثالة في أسفلها، ومن ثم تصب في الفناجين.

ومن طرق تحضير القهوة التي شاعت عالمياً في القرن العشرين «الاكسبرسو». وهذا النوع رائج في المقاهي لأنه يعتمد على آلة كبيرة الحجم نسبياً غير مرغوبة في المنازل، وهو يقوم على وضع مسحوق البن في مصفى معدني، ووضع المصفى في الآلة التي تضخ، تحت ضغط البخار، الماء المغلي، الذي يمر عبر المصفى مستخلصاً في طريقه خواص البن ونكهته.

أما أعرق طرق تحضير القهوة وأكثرها إمعاناً في التقاليد وأطولها وقتاً فهي بلا شك 

طريقة تحضير القهوة العربية.

تستحيل الإحاطة هنا بكل طرق تحضير القهوة العربية وتقاليدها. ولكننا نكتفي بالإشارة إلى أن شخصاً واحداً يتولى دفعة واحدة تحميس البن ودقّه وغلي القهوة في جلسة طويلة جداً للحصول على القهوة لمرة واحدة.

ودق بذور القهوة في المهباش يعتبر بحد ذاته عملاً قائماً بذاته. ويفترض وجود موهبة فنية عند القائم به، لأن المهباش الخشبي ليس مجرد أداة لدق بذور القهوة فقط، بل ارتقى بمرور الزمن إلى مستوى الآلة الموسيقية بسبب الإيقاع الصوتي الجميل للمدقة على الجرن الخشبي. ولذا يتخذ دق البن في المهباش بُعداً جمالياً يفرض على القائم به أن يكون فناناً ذا سمع مرهف، وليس مجرد صاحب زند مفتول لا يتعب من الدقّ.

ويكفي لتأكيد حجم التعقيدات التحضيرية أن نشير إلى أن القهوة العربية تُغلى عدة مرات في دلال مختلفة الأحجام من الأكبر إلى الأصغر. وعدد الدلال التي يحتاجها تحضير القهوة هو ثلاث على أقل تقدير، وقد يصل إلى ثمان عند المهتمين والذواقة.

وتزداد طقوس القهوة العربية تعقيداً عندما نصل إلى تعطيرها بالهال، وفي أية مرحلة من مراحل طبخها، ومتى يستعمل الهال، مسحوقاً أو حبات كاملة.. أما آداب تقديم القهوة فتبدأ بالكمية التي يجب أن تكون قليلة في الفنجان، كي يشرب الضيف عدة مرات، وليس دفعة واحدة، الأمر الذي قد يساء فهمه على أنه رغبة في أن ينصرف من المجلس بسرعة، ولا تنتهي عند طريقة تناول الضيف الفنجان ومن أين يجب أن يمسك به.

ولضيق المجال هنا، نحيل الذين يريدون التوسع في معرفة تقاليد القهوة العربية إلى كتاب كامل وضعه محمود مفلح البكر سنة 1995م، ويقع في 250 صفحة حول عالم «القهوة العربية» الذي لا يحد.

أدوات القهوة والشاي
يُروى أن ملك فرنسا لويس الخامس عشر كان يحضّر قهوته بنفسه، فيحمس بذور البن في مقلاة مصنوعة من الفضة، ويطحنها في مطحنة من الذهب. ولكن في عالم صناعة أدوات القهوة والشاي، هناك مادة انتصرت عالمياً واكتسحت الذهب والفضة في طريقها: البورسلين.

كان الصينيون واليابانيون القدامى يشربون الشاي في فناجين من السيراميك المغطى بطبقة زجاجية. وعندما وصلت القهوة إلى اسطنبول كانت صناعة السيراميك المطلي بالزجاج مزدهرة في مدينة إزنيك. وبفناجين من هذا السيراميك الفاخر شرب العثمانيون ومعاصروهم في القرن السادس عشر القهوة. ولأن الفنجان كان آنذاك من دون «أذن» يمسك بها، كان يوضع في إطار معدني مزخرف وسميك يحمي الأصابع من حرارة المشروب.

في مطلع القرن السادس عشر الميلادي عاد التجار الأسبان والبرتغاليون من رحلاتهم الشرقية بعينات من البورسلين. ولكن هذه المادة لم تستطع أن تنافس السيراميك إلا في القرن التالي عندما كثر استيرادها وبدأت أوروبا بإنتاجها مما خفض ثمنها. ومنذ القرن الثامن عشر انتصر البورسلين على كل ما عداه في صناعة أدوات شرب الشاي والقهوة، إذ بدا مادة مثالية بسبب بياضه الجميل، وقابليته للرسم عليه، وسهولة تنظيفه، وحفظه للحرارة أكثر من الزجاج والمعدن. وفيما أضاف الأوروبيون إلى الفنجان مسكة على شكل «أذن» بعدما أصبح الفنجان رقيقاً يحرق الأصابع، أبقى العرب على فنجانهم التقليدي من دون إضافة يمسك بها، ولكنهم أبقوا أيضاً على سماكته التي تحمي الأصابع من الحرارة وهو ما يعرف عند العامة باسم «فنجان الشفة» لأنه صغير الحجم ويتسع لرشفة قهوة واحدة..

ولكن قبل وصول القهوة أو الشاي إلى الفنجان هناك مجموعة أدوات تصنع عالمهما. فإذا كانت آلة تحميس البن مقلاة نحاسية ذات ذراع طويلة، أو اسطوانية الشكل تدار فوق النار، فإن أدوات غلي القهوة والشاي تحوّلت إلى فن قائم بحد ذاته. أبسط أدوات غلي الشاي هو الإبريق المعدني الذي لم يتغير كثيراً منذ قرون. وأكثرها تعقيداً وأبهة هو السموار الذي يؤمن خزاناً من الماء الساخن تحت إبريق الشاي.

أبسط أوعية غلي البن هي التي تسمى في بلاد الشام «الركوة»، وفي مصر «الكنكة»، وفي اسطنبول «كزفي»، والتي كانت ولا تزال تصنع من النحاس، الذي بدأ الستانلس ستيل غير القابل للصدأ ويتطلب عناية أقل ينافسه.

أما أشهر أدوات غلي القهوة فهي ولا شك الدلة العربية على اختلاف أشكالها.

الدلة
تعتبر الدلة بحق تحفة صناعة أدوات القهوة. نجد منها اليوم أشكالاً مختلفة يرتبط بعضها بأسماء الحرفيين النحّاسين الذين صمموها، ويرتبط بعضها بأسماء مدن أو مناطق اشتهر نحاسوها بصناعة الدلال وفق مواصفات محددة.

تعود الدلال الأولى إلى القرن السادس عشر الميلادي على الأرجح، ولكنها لم تبلغ اكتمالها الفني إلا في القرن التاسع عشر، بدليل أن صنّاع الدلال المشهورين الذين نسبت إليهم بعض الدلال
لا يعودون إلى قبل ذلك.

ومن أشهر أنواع الدلال:
-1 الصالحانية، وتتميز بفوهة واسعة وخصر ممتلئ وقاعدة رحبة. يقال أن مبتكرها هو محمد آغا الصالحاني في القرن التاسع عشر في دمشق.
-2 البغدادية أو الرسلانية، وهي صغيرة القاعدة وفوهتها متناسبة السعة مع قاعدتها، وغطاؤها أشبه بقبة يرتفع منها عامود طويل نسبياً. يُنسب ابتكارها إلى أبو حسن رسلان الذي درس الصنعة عند معلم من عائلة المهدي التونسية في دمشق. ومن المرجح أنه كان متقناً في صناعة نموذج معروف آنذاك في العراق، فأعطاه اسمه. وراج هذا الطراز في الخليج العربي بشكل خاص.
-3 الحسوي، نسبة إلى منطقة الأحساء، ويشبه البغدادي من حيث القاعدة والفوهة، إلا أن الخصر أكثر تحدباً، وعامودها أقصر.
-4 الاسطنبولي، نشأ في العاصمة العثمانية ومنها انتقل إلى البلاد العربية. يتميز الاسطنبولي بقاعدة عريضة أشبه بتطابق صحنين، ونصف الدلة الأعلى أشبه باسطوانة صغيرة القطر، والحس الزخرفي فيها طاغ.

وبشكل عام يمكن القول أن الدلة وصلت في تطورها الفني إلى مستويات شكلية ذات جمال يجعل منها أداة زينة إضافة إلى مهمتها الوظيفية. فنراها كبيرة الحجم وكأنها مجسم لتزيين واجهة متجر أو ساحة عامة، وصغيرة على شكل حلي من الفضة والذهب.

وقبل أن نختتم هذا الجانب من الموضوع، نشير إلى أن العرب أولوا أدوات القهوة من الأهمية الرمزية ما لم تحظ به في الحضارات الأخرى. فلو أخذنا المهباش مثلاً لوجدنا أنه يصبح عند بعض القبائل رمز كرامة صاحبه وسيادته. ومن الحكايات المعبّرة في المجال يُروى أن كليب الشريدة شيخ منطقة الكورة في بادية الشام عندما أعلن عصيانه عام 1923م على إمارة شرقي الأردن وقضى الجيش على حركته واستولى على مهباشه، كان أول ما طالب به لتسوية الأمور أن يعيد قائد الجيش المهباش الذي أخذه، فأعيد بأمر شخصي من الأمير.

باب ماجاء في الشعر في القهوة..
قال برهان الدين المبلط المتوفي سنة 948هـ:
ياعائباً لسواد قهوتنا التي
فيها شفاءُ النفسِ من أمراضِها
أو ما يراها وهي في فنجانها
تحكي سوادَ العينِ وسطَ بياضها

كما قال أيضاً:
أرى قهوةَ البنِّ في عصرنا
على شربِها الناس قد أجمعوا
فصارت لشُرَّابِها عادةً
وليست تضرُّ ولا تنفعُ

وقال أحدهم:
رُبَّ سوداءَ في الكؤوس تجلّت
تهَبُ الروحَ نفحةً من حياةِ
عندما ذقتُها تحققت منها
أن ماء الحياة في الظُلُمات

وقال مامية الرومي:
أنا المعشوقة السمرا
وأُجلى في الفناجينِ
وعودُ الهندِ لي عطرٌ
وذكري شاع في الصينِ

وقال بعضهم:
سَقَتْني قهوةً في جنحِ ليلٍ
وفي يدها خضابٌ كالمدادِ
فقهوتها وكفّاها وليلي
سوادٌ في سوادٍ في سوادِ

وقال أحدهم:
عرّج على القهوة في حانها
فاللُّطف قد حَفَّ بندمانها
فإنها لا همّ يبقى إذا
قابلك الساقي بفنجانها

وبعضهم هجا القهوة والمقاهي:
أقول لأصحابي: عن القهوة انتهوا
ولا تجلسوا في مجلسٍ هي فيهِ
فليست بمكروهٍ ولا بمحرم
ولكن غدت مشروبَ كلّ سفيهِ

ولبعض الأدباء وقد حمل فنجان قهوة لصديق قد سهر جزءاً من الليل:
رأيتك ساهراً والليلُ يجري
على عجلٍ كمن ركبَ الجوادا
ومن يعصِرْ قريحتَهُ بليلٍ
يحنّ لقهوةٍ «سكَّرْ زيادة»

باب ماجاء الشعر في الشاي..
وفنجانٍ يُباع بمُلْكِ كسرى
لذيذِ الطعمِ والنعناعُ فيهِ
علِقتُ به وحبي فيه يربو
لِشبهِ الطعمِ فيه طعمَ فيهِ

ومما قاله أحد شعراء الأحساء عند زيارته لبعض أصدقائه وقت الأصيل وقد مالت الشمس إلى الغروب:
رُبَّ ساقٍ ماهرٍ في صنعتهْ
قربت آلته من غرّتهْ
عرض الشاهي بوقتٍ شمسُهُ
وهب الشاهي لها من حُمرتِهْ
قال صف لي كأسنا في صحنهِ
قلتُ: هذا قمرٌ في هالتهْ

وقال محمد أفندي جادالله:
أينكر إكسيرٌ ويودي به النكر
وفي الشاي آياتٌ يَحار بها الفكر
تأمّلْ تجدْ ما قيل فيه بعينه
بهاً بيّناً كالشمس يظهرها الظهرُ

وقال أحدهم:
وسوداءَ قبل الطبخ حمراءَ بعده
بدت بين أحبابٍ كرامٍ نجائبِ
وأعني بها الشايَ المباحَ شرابُه
فشربُك ينفي عنك همّ النوائبِ
ثلاثة أقداح وإن شئت رابعاً
فهذا نصاب الشاي عند المذاهبِ

وقال غيره:
نعنِع الكأس إن أردت سقاءنا
لا خير في كأسٍ بلا نعناع
وإذا أردت قرابتي ومودتي
زدني على ثلثيها برباع

المقاهي
عندما قام السوريان حكم وشمس بافتتاح أول مقهى في اسطنبول سنة 1554م، لم يعرفا آنذاك أنهما كانا بصدد تأسيس صناعة جديدة ستكتسح بسرعة كل مدن العالم وعواصمه، وستستمر في النمو والانتشار على مدى قرون عدة من دون أية عودة إلى الوراء، حتى بات يمكن القول إنها أكبر صناعة في التاريخ من دون منازع.

==============================

المقاهي وبداية نشأتها

في القرن السابع عشر، عرفت العواصم الأوروبية مقاهيها الأولى متأخرة نحو قرن عن البلاد العثمانية وأكثر من قرن ونصف القرن عن الحجاز والقاهرة ودمشق. ومعظم مؤسسي المقاهي في أوروبا كانوا من رعايا الدولة العثمانية. ومن أشهر التواريخ في هذه المسيرة ما يأتي:

1650م: افتتاح أول مقهى في أوكسفورد في بريطانيا على يد يهودي لبناني يدعى جاكوب.
1670م: افتتاح مقهى «هوب» في أمستردام، والذي
لا يزال قائماً حتى اليوم كأقدم مقهى في أوروبا.
1672م: أرمني يُدعى باسكال يبيع القهوة لأول مرة في باريس في أحد أجنحة معرض سان جيرمان.
1673م: هولندي يدعى جان دانتز يفتتح أول مقهى في بريمن بألمانيا.
1683م: أول مقهى في البندقية.
1685م: افتتاح أول مقهى في ڤيينا على يد أرمني يدعى يوهانس ديوداتو. وفي السنة نفسها تأسس في لندن مقهى «لويد» الذي تحوّل هو نفسه لاحقاً إلى أكبر شركة تأمين في العالم.
1689م: افتتاح أول مقهى في أمريكا: «المقهى اللندني» في بوسطن.

واليوم..
صارت المقاهي من معالم كافة مدن العالم. تتكاثر في الشوارع الأكثر حيوية ونشاطاً، وربما كان وجود هذه المقاهي هو ما يغذي حيوية هذا الشارع أو ذاك. ولو أخذنا فرنسا مثلاً، لأشرنا إلى أنه بحلول نهاية القرن العشرين كان عدد المقاهي فيها قد وصل إلى 70 ألف مقهى، يرتادها يومياً خمسة ملايين نسمة، ويرتفع هذا العدد في بعض أيام المواسم السياحية إلى عشرين مليوناً.!

جاذبية لا تقاوم
لا بد للمرء أن يتساءل عن سبب رواج المقاهي وتفشيها أينما كان رغم الاختلافات الثقافية والحضارية في أصقاع الأرض كافة.

الواقع أن للمقاهي ميزات أمّنت لها انتصارها التاريخي هذا. من هذه المميزات ما هو مشترك في ما بينها، ومنها ما هو خاص بمجموعات محددة منها.

فالمقهى عموماً هو منطقة وسطى بين المنزل ومكان العمل، يحمل الكثير من حسنات الاثنين من دون ضغوطهما. وهو مفتوح للجميع مقابل دراهم قليلة بغضّ النظر عن مستوى مرتاديه واهتمامات كل واحد منهم. كما أنه من الأماكن العامة التي لا يثير ارتيادها أية أسئلة على الصعد الأخلاقية.

يُقصد المقهى لألف سبب وسبب. للاستراحة خلال التجوال في الأسواق، للاستراحة من ضغط العمل، لتمضية بعض أوقات الفراغ، للقاء بعض الأصدقاء، للاجتماع بضيف يتعذر استقباله في البيت لسبب من الأسباب، للترويح عن النفس..

ومهما كان شكل فنجان القهوة أو الشاي في المقهى، فلا بد من أن يرافقه الكلام.. الكثير من الكلام. فالمقهى هو لشرب القهوة أو الشاي والكلام.. الكلام في الشؤون العامة أو الخاصة، في الثقافة، في أخبار المجتمع، وحتى في العمل.. والكلام في المقهى غالباً ما يكون ودياً، من دون تكلفة ولا رسميات حتى ولو كان بحثاً في شؤون العمل ما بين رئيس ومرؤوس.

وفي كثير من المدن هناك مقاهٍ يطغى على زبائنها لون مهني أو اجتماعي محدد. ففي القاهرة ودمشق مثلاً هناك مقاه شبه متخصصة في استقبال بعض أصحاب المهن المحددة مثل مقهى النحاسين، أو مقهى النجارين.. وهناك مقاهٍ نالت شهرتها من الأدباء والفنانين الذين كانوا يرتادونها مثل مقهى «الفيشاوي» في خان الخليلي بالقاهرة، و«الهورس شو» في بيروت خلال الستينيات من القرن الماضي. ومع ذلك فلا شيء يمنع النجّار أو الدهّان من دخول مقهى الفيشاوي والجلوس بجوار نجيب محفوظ. وإذا كان مقهى «الديرية» في ساحة المرجة في دمشق مخصصاً لاستضافة الوافدين إلى العاصمة من أبناء منطقة دير الزور البعيدة، فلا شيء يمنع وجود مهندس ألماني أو رجل أعمال فرنسي بين الزبائن. فالمقهى مؤسسة ديموقراطية، رحبة الصدر، لا تشترط على الداخل غير جواز سفر بسيط: فلوس قليلة تكفي لتسديد ثمن فنجان القهوة، ومقابل هذه الفلوس القليلة ينعم الزبون بالقهوة أوالشاي الذي يأتيه من دون عناء تحضيره ولا عناء غسل الآنية لاحقاً، وكأنه سيّد من عليّة القوم..

ومما عزز قوة المقاهي بشكل عام هو أنها ومنذ القدم، راحت تقدم إلى زبائنها مشروبات أخرى غير القهوة التي تحمل اسمها مثل الشاي والكاكاو والمرطبات المختلفة، وأخيراً الأطعمة الخفيفة والحلويات، مما زاد في عدد مرتاديها لأهداف مختلفة. ولكن يبقى فنجان القهوة عموماً هو العامود الفقري للمقهى، لأي مقهى في العالم.

ولعل أفضل ما يلخص انتصار فكرة المقهى يأتي من الشرق الأقصى ومن اليابان تحديداً. فقد عرف اليابانيون القهوة سنة 1724م. ولكنهم بقوا على ميلهم التقليدي المعروف للشاي ولا مبالين تجاه المشروب الجديد، بحيث أنه في العام 1888م لم يكن في طوكيو كلها غير مقهيين اثنين «كاميساكان» أي بيت القهوة والشاي. وحتى مطلع النصف الثاني من القرن العشرين بقي عدد المقاهي محدود نسبياً، ومعظمه كان لخدمة السياح الأجانب. ولقلة المقاهي وعدد مرتاديها كان معدل ثمن فنجان القهوة في المقاهي اليابانية آنذاك نحو خمسة دولارات للفنجان الواحد! ولكن ما الذي حصل بعد ذلك؟

في مطلع الثمانينيات من القرن العشرين، انطلقت في اليابان شبكة مقاهٍ جديدة تحت اسم «دوتور»، معلنة أن من أهدافها بيع القهوة بأقل من نصف ثمنها عند المنافسين (1.8 دولار). وخلال سنوات قليلة وصل عدد مقاهي هذه الشبكة إلى خمسمائة مقهى، وراحت تفتح خمسة مقاهٍ جديدة كل شهر. وكأنه كان هناك احتقان تاريخي نتيجة الإحجام عن القهوة وارتياد المقاهي، وانفجر هذا الاحتقان دفعة واحدة، إذ بات اليوم في طوكيو وحدها 16 ألف «كوهي»، في حين ينتشر نحو 100 ألف مقهى آخر في أرجاء اليابان. وتقدر «شركة القهوة اليابانية» حجم صناعة القهوة في اليابان حالياً بنحو تريليون ين (10 بلايين دولار)!.

من الذين انتبهوا إلى انفجار هذا الاحتقان ورغبوا في الاستفادة منه، كان هناك شركة «ستاربكس» الأميركية التي أطلت برأسها في اليابان سنة 1995م. وألقى رئيس فرعها الياباني يوجي تسونادا خطاباً ترويجياً آنذاك تركز على موضوعين: نمط الحياة الجديدة في البلاد، والخبرة الكبيرة التي تتمتع بها شركته في صناعة قهوة «الاكسبرس». ولكن، وإن بدا هذا الكلام أشبه بخطاب مسؤول علاقات عامة، فيجب الاعتراف أن تغير أنماط الحياة، والأجواء المشحونة بتجارب جديدة والخبرات في صناعة القهوة كانت ولا تزال ترتبط بثقافة المقهى من الحجاز في القرن السادس عشر إلى أوروبا في القرن الثامن وصولاً إلى ما أصبح عليه العالم اليوم.

الطب والقهوة والشاي
كان ملك السويد غوستاف الثالث (1746 – 1792م)، يصرّ على أن القهوة مشروب سام. ولإثبات صحة رأيه أمر بتقديم القهوة يومياً إلى أحد المجرمين المحكومين بالإعدام حتى يموت. ولكي يتخذ الاختبار صفة علمية، أمر الملك بتقديم الشاي إلى مجرم آخر، وعيّن طبيبين لمراقبتهما ومعرفة من سيموت أولاً. ولكن الذي حصل هو أن الطبيبين ماتا لاحقاً، كما اغتيل الملك قبل وفاة أي من المحكومين بالإعدام اللذين عاشا طويلاً، إلى أن مات شارب الشاي أولاً عن عمر يناهز الثلاثة وثمانين عاماً..

والواقع أن مضار القهوة والشاي وفوائدهما كانت موضع اهتمام الأطباء والباحثين منذ ما قبل ابن سينا وحتى اليوم. وفي هذا المجال تسجل الدراسات كل يوم نتائج جديدة تصبّ تارة في خانة تشجيع استهلاك هذا المشروب، أو تحذر من الإفراط في استهلاك ذاك. ونبدأ بالحديث عن المادة التي يعرفها الجميع: الكافيين، لأن ما نسميه أدبياً عادة شرب القهوة والشاي، يسميه الطب «الإدمان على الكافيين».

كان الشاعر الألماني الشهير غوته هاوي علوم أيضاً، وهو أول من تولدت عنده القناعة بأن القهوة تتضمن مادة كيميائية يمكنها إذا ما تناولها أحد في شكلها الصافي أن تؤدي به إلى اضطرابات خطيرة. وفي أحد الأيام من سنة 1819م التقى الشاعر الكبير بعالم كيمياء شاب يُدعى فردليب فرديناند رونج في الخامسة والعشرين من عمره. وبعدما أثار الشاب إعجاب الشاعر الكبير بسعة علمه، أعطاه هذا الأخير حفنة من بذور القهوة طالباً إليه تحليلها واستخراج ما فيها من مواد كيميائية خاصة بها. وخلال فترة وجيزة تمكن رونج من اكتشاف الكافيين وعزله. وفي سنة 1827م، تمكن عالم آخر يُدعى أودري من اكتشاف مادة مشابهة في الشاي أسماها «تايين» ظناً منه أنها تختلف عن الكافيين، ولكن باحثاً ثالثاً يُدعى جوبات أكد لاحقاً أن الكافيين والتايين مادة واحدة.

الكافيين الصافي مسحوق بلوري أبيض اللون وسام، يذوب في الماء المغلي. وهو موجود في نباتات أخرى غير الشاي والقهوة، ويدخل في صناعة مشروبات غيرهما، مثل الكاكاو والكولا.

عند تناول أي مشروب يحتوي على الكافيين، فإن هذه المادة تنتقل فوراً وبسرعة إلى الدم الذي يوزعها على كافة أنحاء الجسم. ويبلغ معدل الكافيين ذروته في الدم بعد مدة تتراوح ما بين 30 و 60 دقيقة على تناول المشروب. وبعد 12 ساعة، يكون الجسم قد استهلك كل الكافيين وتخلّص منه. والمعروف أن استهلاك كمية قليلة من الكافيين، تؤدي إلى زيادة نشاط الجهاز العصبي، مع ما يستتبع ذلك من شعور بالحيوية والقوة، وإنعاش للذاكرة، وطرد للخمول والنعاس، وتسكين بعض أنواع الصداع. كما أن تناول القهوة صباحاً ينشّط الجهاز الهضمي ويساعد على طرد البراز.

ولكننا نشير للذين لا يؤمنون بسميّة الكافيين إلى أن استهلاك نصف غرام منه يومياً (أي محتوى خمسة فناجين متوسطة) يؤدي إلى شعور بالكآبة والحساسية المفرطة. أما استهلاك غرام واحد من الكافيين (أي ضعف هذه الكمية) من قبل شخص غير معتاد على شرب القهوة أو الشاي، فيؤدي به ليس فقط إلى فقدان النعاس، بل أيضاً إلى طنين في الأذن، هلوسة صورية في العين، ارتفاع في الحرارة، وسرعة خفقان القلب. أما الجرعة القاتلة بالنسبة لشخص يزن 80 كيلوغراماً فهي في حدود 10 غرامات تقريباً.

من ناحية أخرى، فإن التوقف المفاجئ عن تناول الكافيين بعد الاعتياد عليه، يؤدي إلى أوجاع في الرأس، والتوتر العصبي وصعوبة التركيز.

وتؤكد الاستطلاعات أن تسعة أعشار سكان العالم معتادون على الاستهلاك اليومي للكافيين. وإذا كان ثلاثة أرباع الكافيين الذي يستهلكه الإنجليز يصلهم عن طريق الشاي والباقي عن طريق القهوة، فإن 85 في المئة من الأمريكيين يشربون القهوة مرة في اليوم على الأقل. وترتفع هذه النسبة في أوروبا الشمالية لتصل إلى 92 في المئة في السويد وفنلندا.

ونختم الحديث عن هذا الجانب العلمي بلمسة متفائلة. فالشاي يتضمن إضافة إلى الكافيين مجموعة مواد أخرى ينسب إليها الأطباء قدرات علاجية عديدة، منها أن تناول الشاي بانتظام يؤدي إلى تخفيض نسبة الكوليسترول في الدم بنسبة عشرة في المئة. كما أن فائدته معروفة في مجال المساعدة على هضم الأطعمة الثقيلة على المعدة. ولذا يحرص الكثيرون على اختتام وجبة الغداء بفنجان شاي.

وأكدت دراسة أجريت في هولندا العام الماضي وتناولت 4807 أشخاص، أن أولئك الذين يتناولون 13 أونصة من الشاي يومياً (حوالي 400 غرام)، يصابون بنصف عدد النوبات القلبية التي يصاب بها أولئك الذين لا يشربون الشاي.

وتقول دراسة أخرى أجريت في اليابان إن تناول عشرة أكواب صغيرة من الشاي الأخضر يومياً يؤخر معدّل سن الإصابة بالسرطان حوالي 9 سنوات عند النساء و3 سنوات عند الرجال. وتذهب دراسة أجريت في كندا إلى أن تناول ثلاثة أقداح من الشاي يومياً يخفض نسبة الإصابة بسرطان البروستات عند الرجال بنسبة 30 في المئة تقريباً.

وإذا كان بعض نتائج مثل هذه الدراسات يبقى موضع نقاش في صفوف الأطباء، فإن هناك ما يشبه الإجماع على أن الفلورايد الموجود في الشاي يأتي مصاحَباً بمجموعة مواد قاتلة للبكتيريا التي تلتصق بالأسنان، وتساعد الفلورايد على محاربة التسوس.

——————————

محطات في تاريخ القهوة

850م، أول دليل على القهوة في أسطورة الرجل الأثيوبي
1100م، زراعة البن في جنوب الجزيرة العربية
1300م، تقريباً، أول استعمال غير طبي للقهوة في اليمن
1510م، انتشار شرب القهوة في الحجاز
1554م، افتتاح أول مقهى في اسطنبول
1609م، أول اتصّال أوروبي بالبن في مرفأ «المخا» اليمني
1650م، افتتاح أول مقهى في أوكسفورد على يد يهودي لبناني
1658م، الهولنديون يزرعون البن في سيلان (سري لانكا)
-1665 1685م، انتشار المقاهي في أمستردام، باريس، البندقية وڤيينا
1715م، الفرنسيون يبدأون بزراعة البن في جزر الأنتيل
1734م، الموسيقار باخ يؤلف «أغنية القهوة»
1819م، الألماني روتج يكتشف في البن مادة الكافيين وخصائصها
1839م، الروائي الفرنسي بلزاك يؤلف كتابه «المنبهات الحديثة»
1900م، البرازيل تنتج لوحدها 90% من البن في العالم
1901م، اختراع البن سريع الذوبان في الولايات المتحدة
1970م، انتشار القهوة في اليابان!

===============================

محطات في تاريخ الشاي

2737ق.م.، الإمبراطور الصيني شين نونغ يكتشف الشاي صدفة
222م، أقدم نص صيني وصل إلينا ويتضمن ذكراً للشاي
805م، وصول الشاي إلى اليابان للاستعمال الطبي
1484م، الشوغون يوشيماسا يطلق في اليابان عادة شرب الشاي
1559م، أول ذكر للشاي في أوروبا في كتاب «مغامرات الرحّالة في الماضي والحاضر»
1657م، بداية بيع الشاي في إنجلترا
1662م، الأميرة البرتغالية كاترين دي براغانزا تعرّف البلاط الإنجليزي على الشاي
1768م، شركة الهند الشرقية تشحن إلى إنجلترا 10 ملايين رطل إنجليزي من الشاي
1840م، الدوقة آن أوف بدفورد تؤسس عادة شرب الشاي عصراً في إنجلترا
1849م، تاجر الشاي هنري شارلز هارود يشتري محلاً للبقالة، ليتحول لاحقاً إلى واحد من أشهر المتاجر الكبرى في العالم
1890م، توماس ليبتون يدخل تجارة الشاي بهدف بيعه بسعر تنافسي في المتاجر الثلاثمائة التي كان يملكها
1904م، ظهور الشاي في الكيس (من قماش الموسلين) وبداية تصنيعه على يد أميركي يُدعى توماس سوليفان

—————————————-

أغلى أنواع القهوة ثمناً
يعتقد البعض أن جودة القهوة التي نشربها تعود إلى أشكال التحميس والتحضير. ولكن الاختلافات الكبيرة ما بين أنواع البن تبدأ في الشتلات نفسها والظروف المحيطة بنموها مثل التربة والمناخ ووقت القطاف وغير ذلك.

والشائع عالمياً أن أفضل أنواع البن هو ذلك الذي يقطف في الجبل الأزرق في جمايكا. ولكن في العام 1994م، وبعد ثلاثة عشر عاماً من البحث، عثر تاجر يُدعى مارك مونتانوس في أوروبا على سمسار هولندي عرض عليه كمية ضئيلة من البن الأخضر من نوع «كوبي لواك» الأندونيسي النادر جداً، والذي لم يسمع به إلا قلة من الخبراء في العالم. واشترى مونتانوس 35 كيلوغراماً من هذا النوع بسبعة آلاف دولار أمريكي، ليعيد بيعه بالمفرق وبسعر الكلفة تقريباً أي بحوالي 200 دولار للكيلو الواحد.

—————————

الكاكاو المفترى عليه
والافتراء حصل في هذا الملف الذي لم يتسّع كفاية لإعطاء الكاكاو المجال الذي يستحقه من الاهتمام.

فهو الأخ الثالث للقهوة والشاي، يلتقي معهما في صفات عديدة أبرزها لذة الطعم كمشروب، واحتوائه على الكافيين كواحد من أبرز عناصره.

ومثل القهوة والشاي، يشرب الكاكاو ساخناً بعد تذويب كمية صغيرة منه بالماء الساخن، ومثلهما يُحلّى بالسكر لمن يشاء.. وكما تعطر القهوة بالهال، والشاي بالنعناع مثلاً، للكاكاو عطره الخاص: الفانيليا ذات الرائحة العطرة الزكية. ولتلطيف مرارة مذاقه يميل البعض إلى خلطه بالحليب أو النشويات إضافة إلى السكر.

تعود أصول الكاكاو إلى هنود أميركا الوسطى الذين اتصل بهم الأوروبيون عند اكتشافهم لأمريكا. ومن هناك نقلة المستكشفون الأسبان إلى بلادهم في مطلع القرن السادس عشر الميلادي لينتشر استهلاكه لاحقاً في أنحاء العالم.

وإذا كان الكاكاو لم يتمكن من منافسة القهوة والشاي كمشروب ساخن، واكتفى بالبقاء في المرتبة الثالثة وعلى مسافة ملحوظة من المشروبين السابقين، فإنه يتمتع بميزة خاصة أمّنت له رواجاً عالمياً لا يُقاوم، وهي أنه يؤكل صلباً على شكل قطع صغيرة بنية اللون تحمل إسماً واحداً في كل لغات العالم وثقافاته: الشوكولاتة.. التي تحولت إلى صناعة عالمية لا يخلو من منتجاتها أصغر دكان في أي مكان على وجه الأرض.

——————————

مُعَلّم المقهى
في مطلع القرن العشرين وضع الموسيقار الشهير سيّد درويش أغنية خاصة تكريماً لعمال المقاهي، الذين يُنادَون بألقاب مختلفة بين بلد وآخر منها: غارسون بالفرنسية، ستيوارد بالإنجليزية، نادل بالعربية وحتى مُعلِّم إذا كان عامل المقهى كبيراً في السن.

يرحّب بالزبون، يتلقى أوامره، يدونها على ورقة أو يحفظها غيباً، ينقل الأوامر إلى المطبخ، لا ينتظر انتهاء القهوة بل يركض مجدداً صوب زبون يريد تسديد الحساب للانصراف، يدس الفلوس في جيبه وهو يهرع إلى زبون جديد دخل لتوه، وفي هذه الأثناء يكون المطبخ قد جهّز الطلب السابق، وفيما هو متجه إليه لحمله إلى الزبون، من المحتمل أن يسمع لوماً من أحد الزبائن لم تعجبه قهوته.. فعامل المقهى يمضي يومه وهو في حركة لا تهدأ بين الزبائن والطاولات.
حتى النصف الثاني من القرن التاسع عشر، كان هؤلاء يؤدون أعمالهم بملابسهم العادية. ولكن في عهد نابليون الثالث صدر في فرنسا تشريعاً يفرض على عمال المقاهي توحيد ملابسهم لتسهيل تمييزهم عن الزبائن. وكانت هذه الملابس آنذاك عبارة عن بذلة سوداء وقميص أبيض ومئزر أبيض طويل من الخصر إلى الأرض. ولكن تم التخلص من المئزر لاحقاً. وأبقي على الزي الموحد، مع ميل واضح في العصر الحديث إلى استعمال الألوان الزاهية في ملابس هؤلاء.

أما أبرز الصفات التي يجب أن يتميز بها عامل المقهى فهي: النشاط، الصبر، الرصانة، كتمان الأسرار، ومعرفة أذواق الزبائن وعاداتهم.

———————–

كتب حول القهوة والشاي

ألف باء القهوة
كتاب صغير وأنيق من تأليف آلان ستيلا، أصدرته دار فلاماريون في باريس سنة 1998م.

يقع الكتاب في 120 صفحة، ورتبت موضوعاته بالتسلسل الأبجدي كما لو كان قاموساً حول القهوة وتاريخها وصناعتها وأدواتها وزراعتها.. الخ. كما يحمل على غلافه الداخلي الأول جدولاً بالمقاهي التي تقدم أفضل قهوة في العالم، وعلى غلافه الداخلي الأخير خارطة تظهر انتشار زراعة البن في العالم.

ويزدان الكتاب بمجموعة ممتازة من الصور الفوتوغرافية القديمة والحديثة المكملة للموضوع، والتي ترافق كل بند من بنود هذا القاموس الجميل. وفي إطار السلسلة نفسها، أصدرت الدار كتاباً مماثلاً عن الشاي.

عالم الكافيين
كتاب ضخم من 384 صفحة ومرجع ثقافي وعلمي ممتاز للقهوة والشاي والكاكاو. لم يترك شاردة ولا واردة في طبيعة هذه المشروبات وتاريخها منذ ظهور استعمالاتها الأولى في المشرق العربي والشرق الأقصى وأميركا الوسطى، ومسارات انتشارها ما بين مختلف الحضارات وصولاً إلى آخر ما توصل إليه العلم حول آثار مادة الكافيين الموجودة في هذه المشروبات والتي تجمع ما بينها.

من تأليف بينيت واينبرغ وبوني هيلر، صدر عن دار روتلدج سنة 2001م.

القهوة العربية في الموروث والأدب الشعبي
يقتصر هذا الكتاب على عالم القهوة العربية وأدواتها وتقاليد تحضيرها وضيافتها وقيمتها الاجتماعية.. ومع أنه لم يتطرق إلى القهوة في العالم عموماً، ولا حتى إلى ما هي عليه في المدن والحياة الحديثة، فالكتاب يقع في 254 صفحة ليتسع لغوص معمق في أنواع الدِلال وصفات كل طراز منها، واختلاف تقاليد تحضير القهوة وتقديمها ما بين قبيلة وأخرى، وتنوع أشكال التمثل بالقهوة وأدواتها ما بين بادية وأخرى.. كما يتضمن مقتطفات شعرية عديدة، معظمها بالعامية..

من تأليف مفلح البكر، صدر عن مكتبة بيسان في بيروت سنة 1995م.

أدبيات الشاي والقهوة والدخان
كتاب لطيف من تأليف محمد طاهر بن عبدالقادر الكردي المكي، صدر عن الدار السعودية للنشر في جدة سنة 1950م وأعيد طبعه سنة 1967م.

يتضمن تعريفاً مختصراً بالقهوة والشاي، ومجموعة من القصائد القصيرة وأبيات الشعر التي قيلت فيهما، ومعظمها يعود إلى القرون الثلاثة الأخيرة، ويقع في 176 صفحة.

القهوة والشاي في الإنترنت..
يوجد على شبكة الإنترنت أكثر من ثلاثين مليون موقعاً للقهوة ونحو ثمانية ملايين موقعاً للشاي، الأمر الذي يؤكد اتسّاع عالم موضوع هذا الملف..

نقلا من

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق