يا صاح… ليست كشمير مجرد وادٍ أخضر بين الجبال، بل كتابٌ ممزق الصفحات، كل دولة قرأت منه سطرًا، ثم ادّعت أنها تملك القصة كاملة.
دخلتُ سرينجار وكأنني داخل إلى قصيدةٍ كُتبت على ماءٍ بارد، تتدلى فوقها جبال الهيمالايا كتيجانٍ من صمتٍ أبيض. الأشجار باسقة، والأنهار تنحدر كأنها تسبّح، والهواء يحمل رائحة خشبٍ مبتلّ ومطرٍ قديم. حتى الطيور هناك لا تصرخ… بل تُنشد.
لكن ما إن يطيل المسافر النظر حتى يكتشف أن الفردوس أحيانًا يُخفِي تحت عباءته أكثر الأرض خوفًا.
كنتُ أمشي قرب بحيرة Dal Lake، فإذا بزورقٍ خشبي يعبر الماء بهدوء، وخلفه مباشرة يقف جندي ببندقية، ثم مركبة مصفحة، ثم حاجز تفتيش. مشهدٌ لا تفهمه أول الأمر: كيف اجتمع الياسمين والبارود في لوحةٍ واحدة؟
وهنا تبدأ كشمير الحقيقية… لا تلك التي في صور السياح.
أهل كشمير… ماذا يريدون أصلًا؟
وهنا الخطأ الذي يقع فيه كثير من العرب والهنود والباكستانيين: كل طرف يتحدث عن كشمير… لكن قليلًا من يسأل الكشميري نفسه.
جلستُ مع رجلٍ كشميري يبيع الشاي قرب نهر Jhelum River، وكان صوته هادئًا كمن تعب من تكرار الحكاية.
قال: “الهند تقول نحن هنود… وباكستان تقول نحن باكستانيون… أما نحن، فكثيرٌ منا لا يشعر أنه سُئل أصلًا.”
وهذه الجملة تختصر قرنًا كاملًا.
فالكشميريون ليسوا رأيًا واحدًا:
بعضهم يرى أن الدين والهوية الإسلامية تقرّبهم من باكستان.
وبعضهم يرى أن الهند، رغم القبضة الأمنية، تملك اقتصادًا وفرصًا أكبر.
وبعضهم لا يريد الهند ولا باكستان، بل يريد “كشمير للكشميريين”.
وهناك أقليات هندوسية وسيخية تخشى أي انفصال قد يحولهم إلى أقلية قلقة.
إذن القضية ليست أبيض وأسود كما يظن المتحمسون خلف الشاشات.
كشمير الهندية… وكشمير الباكستانية
ثم عبرتُ في الحديث إلى المقارنة التي يتجادل حولها الناس كثيرًا، وكل طرف يعرض نصف الصورة فقط.
كشمير الهندية
الجزء الهندي، وخاصة Srinagar، أكثر عمرانًا وسياحةً وجامعاتٍ وخدمات. الطرقات أفضل نسبيًا. الفنادق أكثر. الاقتصاد أقوى. السياحة العالمية حاضرة. والهند ضخت أموالًا هائلة لإثبات أن “كشمير مزدهرة تحت الحكم الهندي”.
لكن… خلف هذه الصورة:
وجود عسكري كثيف.
نقاط تفتيش.
مراقبة أمنية.
توتر سياسي مزمن.
وانقطاعات إنترنت حدثت مرارًا في السنوات الماضية.
كأن الدولة تقول: “سنمنحكم التنمية… لكن تحت عين البندقية.”
كشمير الباكستانية
أما “آزاد كشمير” الباكستانية، فهي أقل كثافة عمرانية، وأكثر هدوءًا من ناحية الوجود العسكري داخل المدن، لكن اقتصادها أضعف بكثير، وفرص العمل أقل، وتعتمد بدرجة كبيرة على دعم إسلام آباد والتحويلات الخارجية.
الطبيعة هناك مذهلة أيضًا: أنهار، وغابات، ووديان عميقة، خصوصًا قرب Neelum Valley.
لكن باكستان أيضًا تستخدم كشمير كجزء من هويتها السياسية، تمامًا كما تفعل الهند بطريقتها الخاصة.
وهنا الحقيقة التي يهرب منها الطرفان: كشمير ليست فقط أرضًا متنازعًا عليها… بل أصبحت رمزًا قوميًّا لكل دولة، حتى صار التراجع عنها أشبه بالهزيمة النفسية.
الصين… اللاعب الذي لا يظهر كثيرًا
وأما الصين… فهنا يدخل “التنين الصامت”.
كثيرون يظنون النزاع بين الهند وباكستان فقط، لكن الصين تراقب من أعلى الجبال.
في شرق كشمير تقع منطقة Aksai Chin التي تسيطر عليها الصين منذ حرب الستينيات مع الهند.
ولماذا تهتم الصين؟ ليس حبًا بكشمير.
بل لأن المنطقة:
ممر استراتيجي.
تربط غرب الصين بطرق عسكرية وتجارية.
وتدخل ضمن مشروع “الحزام والطريق”.
ثم إن الصين تحب أن يبقى خصمها الهندي مشغولًا على حدوده.
إذن… الهند ترى كشمير أمنًا قوميًّا. وباكستان تراها قضية هوية. والصين تراها شريان نفوذ.
أما الكشميري العادي… فيريد غالبًا أن يعود إلى بيته دون أن يُسأل عند كل حاجز.
لماذا تبدو سرينجار مدينة عسكرية؟
وهنا أكثر ما يصدم المسافر.
أنت في مدينة لو وُضعت في أوروبا لتحولت إلى أشهر مصيفٍ في الأرض:
بحيرات هادئة.
جبال شاهقة.
قوارب خشبية.
حدائق مغولية.
ضباب صباحي يشبه الأساطير.
ومع ذلك… ترى:
جنودًا فوق الجسور.
كاميرات.
نقاط تفتيش.
مركبات مدرعة.
وأسلاكًا شائكة قرب أماكن شديدة الجمال.
والسبب ليس خوفًا من الناس وحدهم… بل خوف الدولة من “الرمز”.
فالهند تعرف أن خسارة كشمير ليست خسارة أرض فقط، بل ضربة لفكرة الهند نفسها كدولة متعددة الأديان. ولهذا تتعامل مع سرينجار كأنها جوهرة ثمينة… لكنها قابلة للكسر في أي لحظة.
المشهد الذي لا يُنسى
وفي ليلةٍ باردة، جلستُ على ضفاف البحيرة، وكان الأذان يخرج من مسجدٍ بعيد، يتردد بين الجبال كأنه صوت قادم من القرن الخامس الهجري.
مرت بجانبي عائلة كشميرية تضحك… ثم مرت دورية عسكرية… ثم عاد الصمت.
عندها فهمت شيئًا لم تقله نشرات الأخبار:
أن كشمير ليست جنةً ضائعة فقط… بل جنةٌ خائفة.
وأن أجمل الأماكن على الأرض… قد تكون أكثرها تعبًا من السياسة.
لكن هنا يجب أن تتوقف قليلًا، ولا تنخدع بالعاطفة وحدها.
فكثير من الروايات العربية تميل تلقائيًا لرؤية القضية من زاوية دينية فقط، بينما الواقع أعقد:
فيه مصالح مياه.
وصراع حدود.
ومخاوف ديموغرافية.
وتنافس صيني هندي.
وتاريخ استعماري بريطاني ترك حدودًا ملغومة.
وأخطر خطأ في فهم كشمير… أن تظن أن شعبها كتلة واحدة، أو أن طرفًا واحدًا يملك الحقيقة كاملة.
فكشمير يا صاح… ليست قصة انتصار أحد.
بل قصة أرضٍ جميلة… دفعت ثمن موقعها أكثر مما ينبغي.
تجوال في جنّة الهملايا وعبير حقول اودية كشمير
ولمّا بلغتُ بلاد كشمير بعد طول الأسفار، ورأيتُ ما حول سريناجار من الجبال والأنهار، علمتُ أن كثيرًا مما يُقال عن هذه البلاد ليس من المبالغات التي يصنعها الشعراء، بل هو وصفٌ يعجز عنه اللسان وإن أطال.
يا جماعة…إن بعض البلاد لا تحتاج من الرحّال أن يرفع صوته بالدهشة، بل يكفيه أن يقف ساكتًا، ثم ينظر.وكشمير من تلك البلاد.
فإن الجبال التي تحيط بسريناجار ليست جبالًا خضرًا كما تظهر للعابرين في الصور، بل هي من سلاسل الهملايا العظيمة، ترتفع قممٌ منها فوق خمسة آلاف وستة آلاف متر، كأنها جدرانٌ من حجرٍ وثلج تحرس الوادي منذ أزمانٍ سحيقة.
ورأيتُ شمال كشمير جبل “هارموخ”، وله في النفوس مهابة، يرتفع فوق خمسة آلاف متر، وكان أهل تلك البلاد قديمًا يرونه جبلًا تحيط به الأساطير، ويهابون الاقتراب من بعض شعابه.وفي الجنوب الشرقي تمتد جبال “بير بنجال” ملتويةً كأنها سورٌ عظيم يفصل الوادي عن سائر بلاد الهند، وكانت الثلوج إذا نزلت عليها عزلت كشمير شهورًا طويلة عن العالم.
وكنتُ إذا سرتُ حول سريناجار شعرتُ أن الوادي مولودٌ بين حضنين من الجبال، فلا يدري المرء أالجمال في الأرض أم في طريقة احتضان الجبال لها.
ومن العجائب أن كشمير في أصلها وادٍ مائي عظيم، وأن هذه الأنهار التي يراها الناس اليوم هي التي صنعت الحياة في هذه البلاد منذ آلاف السنين.فمنها نهر “جيلم” الذي يسميه أهل كشمير “ويه تراث”، وطوله يقارب سبعمئة وعشرين كيلومترًا، ينبع من “فيريناغ”، ثم يمر بسريناجار هادئًا كأن الماء فيه يسير على مهل، ثم يخرج متجهًا نحو بلاد باكستان.ورأيتُ على ضفتيه القوارب الخشبية القديمة، فخال لي أن الزمن في تلك البلاد أبطأ من سائر الدنيا.
ومنها أيضًا نهر السند الكشميري، وهو من روافد نهر السند العظيم، تنحدر مياهه من الجبال الثلجية شرق الوادي، باردةً كأنها خرجت لتوها من قلب الجليد.وأما وادي “ليدر” في بهلجام، فإنه من أعجب أودية كشمير، حتى إن بعض الرحّالة يفضلونه على غيره، لأن الماء فيه لا يجري فقط، بل كأن له صوتًا وحياةً مستقلة بين الصخور والأشجار.
ثم علمتُ أن كشمير لم تكن عبر تاريخها موضع جمالٍ فقط، بل كانت مطمعًا للملوك والإمبراطوريات.فقد مرّت بها البوذية والهندوسية، ثم دخلها الإسلام قديمًا على أيدي التجار والمتصوفة أكثر مما دخلها بالسيوف، ولذلك ترى التدين هناك ممتزجًا بالروحانية والهدوء وحب الأرض.
ثم تعاقب عليها الملوك المسلمون والمغول، حتى قال الإمبراطور جهانغير:“إن كانت هناك جنة على الأرض… فهي هنا.”ثم دخلت بعد ذلك تحت سلطان السيخ، ثم الإنجليز، حتى وقع تقسيم الهند وباكستان سنة 1947م، فصارت كشمير منذ ذلك اليوم بين حدود السياسة والسلاح.
جولة في متنزهات كشمير الطبيعية ووصف لجنّاتها…
يرويها رحال الخبر وبما رآه وشاهده ..
في سرينجار Srinagar البداية.. حيث لا تبدأ الرحلة من الطريق… بل من النافذة ومما نراه .
هناك، حيث تستيقظ المدينة بين ضباب الفجر والأذان بالتكبير وصوت الخق "الله أكبر الله أكبر " "لا إله الا الله …
وهو ينساب فوق سرينجار وبحيرة دال Dal Lake، هنا تشعر أن كشمير ليست مكانًا، بل مزاجٌ طويل من الماء والصنوبر والجبال الصامتة.
كنا نخرج من سرينجار كل صباح في جولات يومية، وكأننا نفتح بابًا جديدًا من رواية قديمة، وكل طريقٍ هنا لا يقودك إلى “وجهة”… بل إلى طبقة أخرى من الجمال.
بحيرة دال… قلب سرينجار المائي
في بحيرة دال ترى كشمير كما تخيلها المغول قبل قرون.
قوارب “الشيكارا” الخشبية تنساب بهدوء، والباعة يمرون فوق الماء كأنهم جزء من الحلم، يحملون الزهور والكرك والزعفران.
ومن حول البحيرة تمتد حدائق المغول:
Shalimar Baghشاليمار باغ
Nishat Bagh نيشات باغ
Pari Mahal بيري محل
وهنا تبدأ بفهم سر تعلق الأباطرة بكشمير…
فالمكان لا يصرخ بجماله، بل يتسلل إليك بهدوء.
وعلى تلةٍ تشرف على البحيرة يقف The LaLiT Grand Palace Srinagar — الذي يسميه كثير من الزوار “تلة التاج” يقف شامخا مطلّا على البحيرة كقصرٍ قديم ومنطقة لمراقبة الوادي من الأعلى، بأشجاره الشاهقة وحدائق تجعل الفندق أقرب إلى إقامةٍ ملكية مغولية منه إلى فندق حديث.
أما منطقة جبال جولمارج… حين تتحول الجبال إلى مسرحٍ أبيض
تبعد Gulmarg نحو 50 كيلومترًا عن سرينجار، والطريق إليها يستغرق قرابة الساعتين بحسب الازدحام ونقاط التفتيش.
ومعنى "جولمارج" مكون من كلمتين "جول" ورد.. ومارج اي مروج وحقول ، فهي حقول الورد..
وفي سبتمبر يظهر الورد بشكل جميل وبديع..
وكلما ارتفعت السيارة بدأ الهواء يبرد، وبدأت أشجار الصنوبر تزداد كثافة، حتى تشعر أنك تدخل غابةً أوروبية كمروج سويسرا قد ضاعت هنا في الهيمالايا.
هنا التنوع الطبيعي المميز في جنّة الكشمير، كالمراعي الخضراء صيفًا
والثلوج الكثيفة شتاءً
مع خيول منتشرة
وتلفريك جندولا جولمارج Gulmarg Gondola الذي يصعد بكم نحو قمم “أفروات” القريبة من حدود باكستان.
أما منتجع خيبر الخشبي بجبال الهملايا، The Khyber Himalayan Resort & Spa ، فليس مجرد فندق…
إنه نافذة على السحب نفسها.
تجلس في البهو الخشبي والنار مشتعلة، وخلف الزجاج جبال الهيمالايا لوحة مرسومة ببديع خلق الله جلّ في علاه .
لأنه هنا وهنا بالذات تتجلّى عظمة الرحمن في ماخلق..
وتبدأ بملاحظة شيء غريب في جبال كشمير:
فالفخامة ليست في الذهب والرخام… بل في “المشهد”.
واتجهما في يوم آخر لمنطقة لاتقلّ جمالا وروعة انها بهلجام… الوادي الذي يشبه بداية العالم
تبعد بهلجام Pahalgam قرابة 90–100 كيلومتر عن سرينجار، والطريق إليها من أجمل طرق كشمير.
في الطريق تمر على:
حقول الزعفران قرب بامبور Pampore
وبساتين التفاح
وسط القرى الخشبية
ويسير معنا نهر “ليدر” الذي رافقنا بصوته البارد طوال الطريق.
بهلجام ليست مدينة بالمعنى المعتاد…
بل وادٍ طويل بين الجبال، فيه أكواخ وصنوبر ومياه جليدية.
ومن أجمل مناطقها:
Aru Valley وادي آرو
Betaab Valley وادي بيتاب
Chandanwari وجندنواري
أما الإقامة:
فهناك راديسون Radisson Golf Resort Pahalgam ، بإطلالاته الهادئة على المروج ، وفندق جنّة بهلجام
وHeevan Pahalgam وسط الأشجار والنهر،
فهنا تشعر أن الليل نفسه أهدأ من بقية العالم.
كما في يوم آخر كانت لنا جولة لمنطقة سونمارج… أرض الذهب والأنهار الجليدية
تبعد سونمارج Sonamarg حوالي 80 كيلومترًا شمال شرق سرينجار.
والطريق إلى سونمارج مختلف…
أكثر وعورة وبسبب الطرق الجديدة والتحويلات المزعجة، وأكثر هيبة.
فالجبال هنا أقرب، والأنهار أعنف، واللون الأخضر يمتزج بالرمادي الجليدي.
تمر على:
نهر السند الكشميري
بين القرى الصغيرة
وشلالات تنحدر من الصخور مباشرة
ومن أشهر مواقعها: Thajiwas Glacier النهر الجليدي ثجواز،
حيث الثلوج تبقى حتى الصيف.
أما منتجع فور بوينت Four Points by Sheraton Sonmarg Resort ذو الخمس نجوم، فيقف بين الجبال كاستراحة رحّالة قديمة، لكنه بترف حديث.
كما كان في منطقة دودڤتري…وتعني " بياض الحليب "…
فكشمير التي لم تفسدها الشهرة مازالت تتمتع بتوع فريد من مناطق الحذب السياحي…
حيث تبعد دودبتري Doodhpathri نحو 45–50 كيلومترًا من سرينجار.
وهذه من أكثر المناطق التي يفاجأ بها المسافر العربي.
لا فنادق ضخمة…
ولا ازدحام سياحي هائل…
بل مروج واسعة وأنهار باردة وأطفال كشميريون يركضون قرب الخيول.
اسمها يعني تقريبًا “وادي الحليب”، بسبب بياض المياه المتدفقة فوق الصخور.
وهنا ترى كشمير الأقرب للطبيعة الخام…
كأن المكان لم يكتمل تمدنه بعد.
وربما نسيت أن أذكر…
هناك أماكن لا تُكتب في الجداول لكنها تبقى في الذاكرة:
مثل "حضرة بلشرين "Hazratbal Shrine والمطل على البحيرة..
ومعبد بوذي Shankaracharya Temple فوق الجبل..
أما أسواق سرينجار القديمة
والتي تبيع السجاد اليدوي والبشمينا والصوف الكشميري المميز قرب محلات الشاي والكرك
والزعفران والجوز والعسل الجبلي منتشرة في كل مكان.
والجنود المنتشرين في الطرقات، كتذكيرٍ دائم بأن هذه الجنة تحمل جرحًا سياسيًا قديمًا.
وهنا المفارقة التي لا ينتبه لها كثيرون:
كشمير ليست “جنة هادئة” كما تظهر في الصور فقط…
بل جنة تعيش تحت حراسة البنادق والأسلاك والتاريخ المتنازع عليه.
ولهذا ربما تبدو أجمل… وأحزن… في الوقت نفسه.
ولعل أخطر خطأ يرتكبه السائح هو أن يحاول “استهلاك” كشمير بسرعة.
هذه البلاد لا تُزار بعجلة…
بل تُعاش ببطء، مع كوب شاي، وصمت طويل، وطريق جبلي لا تعرف ماذا ينتظرك بعد منعطفه التالي.
فوارق جوهرية بين كشمير الهندية والباكستانية
واليوم تنقسم كشمير بين الهند وباكستان والصين، غير أن أشهر جهاتها عند السائحين هو القسم الهندي حول سريناجار وجولمرج وباهلغام، وأما القسم الباكستاني فيمتد نحو مظفر آباد ووادي نيلوم وسكردو ووادي هونزا حتى تخوم الصين.
ولقد رأيتُ أن الناس يسألون كثيرًا عن الفرق بين كشمير الهندية والباكستانية، وهما في الحقيقة شقيقتان من أمٍ واحدة، غير أن لكل واحدةٍ منهما حياة مختلفة.
فالجبال هي الجبال، والمطر هو المطر، والبرد هو البرد، ولكن السياسة وطريقة العمران والتطوير فرّقت بينهما.
أما كشمير الهندية فقد وجدتها أرتب في الطرق والخدمات والفنادق والأسواق، ولا سيما حول سريناجار وجولمرج وباهلغام، حتى إن السياحة هناك صارت جزءًا من اقتصاد البلاد، فرأيتُ المقاهي والجلسات على البحيرات والأسواق والحركة الدائمة.
وأما كشمير الباكستانية فوجدتها أقرب إلى الطبيعة الخام والهدوء، حتى إني رأيتها أجمل من جهة البكارة وقلة تدخل المدنية.وفيها قرى معلقة بين الأنهار والجبال، ومناطق مثل سكردو ووادي هونزا، يشعر فيها الرحّال كأنه عاد خمسين سنة إلى الوراء.وهذا عند بعض الرحّالة ميزة لا نقص.
غير أن كثيرًا من الناس يظنون أن كثرة الفنادق والتطوير تعني الجمال، وليس الأمر كذلك دائمًا.فإن بعض البلاد إذا كثرت فيها الزحمة فقدت شيئًا من روحها، بينما القرى البسيطة تمنح الرحّال شعور الاكتشاف الحقيقي.
لكن الرحلات العائلية والنساء خصوصًا يميلون غالبًا إلى الراحة والنظافة الحديثة وسهولة التنقل، ولذلك يفضل كثير منهم كشمير الهندية.أما من كان مولعًا بالمغامرة والطبيعة البكر وشعور الأدرينالين وهو يسري في العروق، فإن كشمير الباكستانية مطلبه ومقصده.
ورغم أن أغلب أهل كشمير مسلمون، فإن الزائر يرى في القسم الهندي وجودًا عسكريًا وأمنيًا شديدًا؛ نقاط تفتيش ومدرعات وتفتيش متكرر في الطرق والمطار والأسواق، حتى يشعر المرء أحيانًا أن الحياة اليومية محاصرة بالحذر الأمني.وليس من العدل أن يُقال إن البلاد مضطربة دائمًا، ولا من الصدق أن تُصوّر وكأنها بلا تعقيد.
ومن أعجب ما رأيته أن كثيرًا من شرائح الاتصال العالمية لا تعمل هناك، حتى إن بعض الشبكات الهندية نفسها تضع قيودًا على العمل داخل كشمير، فلا يكاد ينتفع المسافر إلا بشريحة محلية.وأما مطار سريناجار ففيه من التفتيش ما يطول؛ تمر فيه على نقاط متعددة، وقد يمكث المسافر ساعة أو أكثر بين التفتيش وختم الحقائب والأسئلة الأمنية.
ثم نظرتُ في أهل كشمير أنفسهم، فرأيتُ قومًا فيهم شبه من الترك والفرس والعرب؛ طوال القامة، في شعورهم السواد والبني، ووجوههم بيضاء، وأنوفهم دقيقة، وفي بعضهم عيون ملونة.وقد رأيتُ كثيرًا من الرحّالة ينبهرون بأهل كشمير كما ينبهرون بطبيعتها، لا لجمال الصورة فقط، بل لطريقة عيشهم وسط البرد والعزلة.
ووجدتُ فيهم محافظةً على قيم المجتمع والنظافة والتوازن بين المدنية والفلاحة، حتى كأن الإسلام قد صاغ حياتهم بين المسجد والحقل والأسرة.
وأغلب سكان وادي كشمير مسلمون، تبلغ نسبتهم في بعض المناطق خمسةً وتسعين بالمئة، مع وجود أقليات من الهندوس والسيخ والشيعة والبوذيين.وفي جامو تزيد الهندوسية، وفي لاداخ تغلب البوذية، وأما كشمير الباكستانية فأكثر أهلها من المسلمين السنة مع وجود شيعة وإسماعيليين خصوصًا قرب هونزا وسكردو.
ورأيتُ أن العلاقة بين الطوائف ليست كما تصورها الأخبار دائمًا؛ ففي الأسواق والقرى يتعامل المسلم والسيخي والهندوسي في التجارة والزراعة معًا، وإن بقيت آثار السياسة والنزاع بادية في بعض النفوس.
ومن عاداتهم الملازمة كثرة ارتياد المساجد والزوايا الصوفية، حتى إن بعضهم يخرج لصلاة الفجر وسط الثلوج قبل طلوع الضوء.وتتحول صلاة الجمعة في بعض القرى إلى مجلسٍ اجتماعي يلتقي فيه الناس.
ومن غرائب ما رأيتُ عندهم “الكانغري”، وهي سلة من خوص أو فخار توضع فيها الجمرات، ثم يحملها الرجل أو المرأة تحت الثياب الثقيلة للتدفئة، حتى كأنها مدفأة متنقلة تسير مع الإنسان في الطرقات والأسواق.
وأما بيوتهم فتُبنى من الخشب والحجر، ولها أسقف مائلة لتحمل الثلوج، وفي بعض القرى يجعلون الطابق السفلي للحيوانات والنار، ويسكن أهل البيت في الأعلى طلبًا للدفء.
وفي الشتاء تنقلب الحياة كلها؛ تنقطع الطرق، وتعزل الثلوج القرى، ويعتمد الناس على الحطب والشاي والطعام المخزن.وأما الصيف فهو موسم الأعراس والزراعة والسياحة والخروج إلى المروج والأنهار.
ومن أشهر أطعمتهم “الوازوان”، وهي وليمة عظيمة فيها أصناف كثيرة من اللحم والأرز، و”روجان جوش”، و”غوشتابا”، وشراب “الكاهوا” المصنوع من الشاي الأخضر والزعفران والهيل واللوز، وكذلك الشاي الوردي المالح الذي يستغربه كثير من الخليجيين.
وللزواج عندهم طقوس طويلة تمتد أيامًا، وفيها لباس مطرز واجتماع للأهل، وما تزال الأسرة مترابطة، للكبير فيها احترام، وللنساء حضور في البيت والزراعة والحرف.
ورأيتُ في رجال القرى غيرةً وحمية على نسائهم وعائلاتهم، مع محافظة على الستر والخصوصية.غير أن من الخطأ أن يتخيل المرء أن الحياة هناك بقيت كما كانت قبل خمسين سنة، فإن السياحة والهجرة وضيق الاقتصاد غيرت كثيرًا من أحوال الناس.
ولهم ألعاب قديمة مثل سباقات القوارب في بحيرة دال، ولعبة “الكبادي”، والمصارعة الشعبية، وصيد الأسماك والرعي.ومن عجائبهم أن الرجل أو المرأة قد يمشون ساعات في طرق جبلية وعرة وكأن الأمر يسير، حتى ترى الطفل يقود القطيع بين الثلوج والمرأة تصعد بالحطب فوق الجبال، بينما السائح يلهث بعد دقائق.
وقد شهدتُ مرةً مشاحنة بين أهل الخيل وأصحاب سيارات الدفع الرباعي، إذ إن كل فريق منهم يريد اجتذاب السائح إلى طريقته، حتى كادت ترتفع الأصوات إلى ما يشبه المعركة، ثم تدخل كبار السن فهدأ الأمر سريعًا، فعلمتُ أن في أهل كشمير تسامحًا يمنع كثيرًا من النزاعات أن تستفحل.
ولقد زرتُ كشمير ثلاث مرات، وفي كل مرة أكتشف وجهًا جديدًا لها.وما تزال تلك البلاد تتجدد في نظري، وتزداد عمرانًا ورقيًا، حتى علمتُ أن كشمير لا تُفهم من زيارة عابرة ولا من صورة سياحية، بل من طول المقام وتعدد الرحلات.
حين تمشي في أزقة Srinagar، وتدخل القرى الممتدة بين النهر والجبل، تكتشف أن كشمير لا تشبه كثيرًا الصورة الطائفية الحادة التي اعتادها بعض أهل الخليج والعراق ولبنان في أذهانهم.
هناك شيء مختلف هنا…
ليس لأن الخلاف العقدي غير موجود، بل لأن الجبل والبرد والعزلة الطويلة والتاريخ المشترك صنعت عند الناس نوعًا آخر من العلاقة؛ علاقة تقوم على “العيش” أكثر من “الانتصار”.
وأنا أطوف بين القرى، استوقفني مشهد لا تراه بسهولة في أماكن عربية كثيرة: جامع باسم “الفاروق” وبجواره ملحق تعليمي يحمل اسم “جعفر الصادق”. ثم مسجد “أبو بكر” في منطقة يغلب عليها الشيعة. وكأن المكان يقول لك: “الخلاف موجود… لكنه ليس مركز الحياة اليومية.”
وهنا يجب الحذر من التعميم السريع.
فمن الخطأ أن نقول: “لا توجد طائفية.” كما أنه خطأ آخر أن نظن أن كل بيئة شيعية نسخة من قم أو جنوب العراق أو الضاحية الجنوبية.
لماذا تبدو شيعة كشمير أقل حدة طائفيًا؟
أحد الأسباب المهمة أن شيعة كشمير تاريخيًا أقلية داخل مجتمع سني واسع، بخلاف إيران مثلًا حيث التشيع هو هوية الدولة المركزية.
وهذا يغيّر السلوك الاجتماعي كثيرًا.
فالطائفة حين تكون:
أقلية… تميل غالبًا للتكيّف والتعايش.
أما حين تصبح دولةً وهويةً سياسيةً وسلطةً مركزية… فقد تتحول العقيدة إلى مشروع نفوذ وصراع.
وهذه ليست قاعدة مطلقة، لكنها نمط يتكرر تاريخيًا.
شيعة كشمير عاشوا قرونًا وسط:
صوفية سنية.
طرق نقشبندية وقادرية.
بيئة جبلية زراعية.
اختلاط عائلي وتجاري.
وعدو خارجي/سياسي أكبر من الخلاف الداخلي.
فصار الانتماء “الكشميري” أحيانًا يسبق الانتماء المذهبي في الحياة اليومية.
لكن… لماذا تظهر صور إيران وحزب الله؟
وهنا المفارقة التي حيّرت كثيرًا من الزوار.
تدخل قرية هادئة، وأهلها طيبون متسامحون في تعاملهم… ثم ترى:
صورة الخميني
أو علي خامنئي،
أو أعلام حزب اللات.
فيظن البعض فورًا أن المجتمع “متطرف طائفيًا”.
لكن القراءة الأدق تحتاج تفكيكًا أعمق.
في كثير من الحالات، هذه الرموز لا تُقرأ محليًا فقط كرموز مذهبية، بل أيضًا:
كرموز “مقاومة”.
أو تحدٍ للقوى الكبرى.
أو تعبير سياسي ضد إسرائيل أو الغرب.
أو حتى نوع من الانتماء العاطفي للعالم الشيعي الأوسع.
أي أن الصورة لا تعني بالضرورة أن كل حامل لها يحمل مشروعًا طائفيًا عدائيًا تجاه السنة المحليين.
وهنا يقع كثير من الخليجيين في إسقاط تجربتهم الخاصة على كل مكان.
الفرق عن العراق وإيران
الفرق الجوهري أن التشيع في:
ايران مرتبط بالدولة القومية نفسها.
وفي أجزاء من العراق مرتبط بتاريخ دموي طويل:
مثل سقوط دول، والقمع، وتوالي الحروب، مع احتلال، وتداعي ذلك بنشأة الميليشيات، وصراع على السلطة.
أما كشمير، فالصراع المركزي هناك ليس “شيعيًا سنيًا” بالدرجة الأولى، بل:
صراع هوية وسيادة وحدود مع الهند.
وقلق أمني دائم.
وشعور جمعي بالحصار العسكري والسياسي.
ولهذا تجد أحيانًا السني والشيعي الكشميري أقرب لبعضهما من قرب كلٍ منهما لخطابات المنطقة العربية المتشنجة.
لكن لا ينبغي تلميع الصورة أكثر من اللازم
هنا يجب أن نتوقف عن الرومانسية أيضًا.
فكشمير ليست مدينة فاضلة.
نعم، مستوى السباب الطائفي العلني أقل مما يراه بعض الخليجيين في بيئات أخرى. لكن:
توجد حساسيات مذهبية.
وتوترات عاشورائية أحيانًا.
وتأثيرات إيرانية فكرية واضحة عند بعض الجماعات.
كما توجد جماعات سنية متشددة أيضًا.
إلا أن المجتمع الكشميري بطبيعته الريفية والصوفية والتجارية ما زال وحتى الآن يمنع الانفجار الكامل الذي شهدته مناطق أخرى.
المشهد الذي لخص لي كشمير
في إحدى القرى الجبلية، دخلت مسجدًا صغيرًا وقت المطر، كان الإمام سنيًا.
وبجوارهم مطعما دخل الامام وكان خادم المطعم رجلٌ شيعي يرتب الطعام والشاي للضيوف.وفي السوق يختلط السنّي بالشيعي لا احد يرفض الآخر ولاوجود للافتات لمساجدهم فان وجد مسجدا للسنّة او للشيعة يتم تأدية الصلاة فيها بلا اي نوايا ولا حرج..
لا أحد كان يناقش من الأحق بالخلافة؟ ولا من المخطئ في التاريخ؟
كان البرد والطبيعة والسياحة في الارض للفلاحة والعمل أقوى من الجدل.
وهنا فهمت شيئًا مهمًا ، أن المجتمعات حين تنشغل بالبقاء والحياة اليومية والطبيعة القاسية… يقلّ عندها الترف الطائفي الذي يغذي بعض مدن السياسة والإعلام.
لكن لا نخطئ الفهم ، ولا قراءة الهدوء الظاهر ،كونه لا يعني غياب المشاريع الكبرى تحت السطح.
فإيران حاضرة ثقافيًا ورمزيًا.
والهند تراقب بحذر وتستغل الوضع لـ "فرّق تسد".
لأنه وكما هو معروف فالهوية الدينية جزء من لعبة النفوذ في الدول .
إلا أن الكشميري العادي وفي كثير من الأحيان يبدو أقرب إلى إنسان يريد النجاة والرزق والكرامة… أكثر من رغبته في خوض حرب مذهبية لا تنتهي.
وربما لهذا… ما زالت كشمير، رغم كل ما فيها، تحتفظ بشيء من إنسانيتها التي فقدتها أماكن أكثر ثراءً وأقل جمالًا.
وفي ختام رحلتي علمتُ أن السياسة قد قسمت كشمير، لكن الجبال والماء والضباب لم تنقسم.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق