الرسائل الخاصة

الثلاثاء، 31 أغسطس 2010

تونس والجزء الثاني لمدن الساحل الشرقي مع رحال الخبر 2010م

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات والشكر له على إتمام الخيرات وبه نستعين على قضاء الحاجات ونتوكل عليه في أمرنا كله آجله وعاجله ما علمنا منه وما لم نعلم ولا اله إلا الله الواحد المعبود في كل ارض والصلاة والسلام على خير الخلق نبينا محمد ابن عبد الله صلاة ربي وسلامه عليه وعلى اله الطيبين الطاهرين وصحابته الغرّ الميامين رضوان ربي عليهم أجمعين ثم أما بعد...
فها نحن نطلّ عليكم بالجزء الثاني من رحلتنا لتونس الخضراء وسنتكلم بأذن الله عن الجزء الشرقي من تونس وهو المحدد في الخريطة المرفقة أسفل هنا:


المنطقة الشرقية من تونس التي ستشملها هذه الحلقة والمحاطة باطار ।

وسنبدأ بالمدن الأكثر كثافة وعددا وهي المنطقة الساحلية للجزء الشرقي من تونس والتي تشمل المدن التالية: (نابل – الحمامات- القيروان – سوسة- المنستير – المهدية – صفاقس - الجم) وهي مدن وما بينهما من قرى ومناطق ستكمل ما بدأنا من روائع تونس والتي تشمل على مزايا كثيرة سياحية وتاريخية وتجارية خاصة وأن منها كانت البداية لفتح تونس كالمنستير وسأكمل السرد الترحالي من لحظة خروجنا جنوب العاصمة باتجاه نابل فإلى البداية ।

البداية المتكررة لاستكمال الرحلة

في نهاية مقطعنا الأول لتونس العاصمة والأربع الباهية والتي ذكرنا فيها مجمل ما تم استكشافه هناك ، انتهت حلقتنا الأولى وفي بداية يوم جديد أتممنا القصة لرواية رحلة لا تقلّ أهمية ولا روعة عن سابقتها فنحن اليوم نستكمل على خطى الترحال قصة مشوار جميل سنتكلم ونروي ونشاهد لقطات غير مسبوقة بالوصف لمنطقة الساحل وأول تلك المناطق مدينة نابل الساحلية والتي سلكنا للوصول إليها الطريق السريع الخارج من تونس جنوباً .



بداية الطريق السريع والذي يشمل على اتجاهات عديدة منها نابل والحمامات وسوسة وبقية مدن الساحل

الطريق الذي لا يملّ باستمرار الخضرة والقرى الكثيرة بمآذنها الشامخة.

[
بوابة رسوم الطريق السريع بمبلغ 1।5 دينار تونسي .

منذ أن استلمنا الطريق السريع وتوالت عندها المناظر الخضراء لأراضي شاسعة وقد حالفنا الحظ بوصولنا هنا في الربيع حيث الأزهار المتفتحة وشذا الياسمين الفوّاح وبراعم زهور البرتقال التي يجمعها القرويون ليصنعوا منها زيوت عطرية تستخدم لتعطير المنازل والفرش .
أخذنا الطريق السريع ذي المسارين لكل اتجاه وأول ما واجهنا تلك البوابة التي عندها يتم دفع رسوم الطريق التي تبلغ 1.5 دينار تونسي ولمسافة تقريبا 40 كيلومتر وهي المسافة بين تونس ونابل ولم نكن نستلم الطريق إلا وقد انحرفنا عنه باتجاه الشرق حيث اتجاهنا الى مدينة نابل والطريق السريع يكمل مشواره الى المنستير جنوباً ، وبعد خروجنا من الطريق السريع كان للطريق الريفي روعة أكثر ورؤية أجمل لمناظر غاية في الجمال حيث المزارع والغابات والقرى المتناثرة يميناً ويساراً ، ولاشك أن مرورنا على الكثير من تلك القرى التي تدخل السرور الى أنفسنا برؤية مآذنها الشامخة والتي بنيت بالطريقة المغربية المربعة الشكل .

إحدى تلك القرى الكثيرة التي مررنا بها

توالت رؤية قوارير خارج بيوت القرويين وهي مملوءة بزيت زهور البرتقال والياسمين العطري لبيعها

كم كانت تلك المناظر ممتعة فيما بين القرى والمدن لتستحق تونس اسمها الخضراء

مركز مدينة نابل ورمز لمنتوجها الذي تفخر به وهو البرتقال

وصلنا مدينة نابل وهي من المدن التي تتعدد فيها المناحي السياحية والاقتصادية فبالإضافة لكونها منطقة ريفية وما تتمتع به من خيرات وفيرة لمنتج البرتقال فهي أيضا تزخر بالمزارع الوفيرة لأشجار الزيتون ولكونها ساحلية فهي ذات توجه لصيد الأسماك وبالإضافة لوجود سوقها السياحي العريق وخاصة يوم الجمعة حيث يكتظ بأفواج من التونسيين والسياح على السواء لشراء المنتجات من الفخاريات المطلية بالسيراميك والملون بألوان زاهية أو اقتناء أنواع من السجاد الفاخر اليدوي والذي يجلب من القيروان أو تطاوين ، كما أن القوارير المملوءة بالزيوت العطرية المنتشرة هنا لها أيضا سوقها الرائج فهي إنتاج محلي ومرغوب داخليا وخارجيا ..

وللأسف فالزوايا والأضرحة تنتشر في أنحاء كثيرة من مدن تونس كما هو الحال هنا

ومجرد زيارة لوسط نابل ستعرف كم هي مدن تونس جميلة وودودة للكل فما وجدنا منهم إلا كل خير ومحبة وتعاون فالشعب التونسي مضياف ومحب وودود فهو بلا شك يحمل الكثير من معاني العروبة وقيم الإسلام العظيم في لقاءه مع الغريب أو ابتسامته مع أخيه العربي ولمسنا ذاك بكل تجرد فهم أهل طينة مطواعة ولينة وأهل تسامح وود لمسناها وعايشناها خلال رحلتنا التي لم نرى منهم أي سوء ولله الحمد والمنة وأدام الله على الخير جمعهم وزادهم بالعلم والإيمان ما هم به من خير .
ولا مانع من أن نذكر بعض من أشياء سيئة رأيناها والتي تتمثل بكثرة الأضرحة المقامة على طرق وزوايا وهي تشوه معاني الإسلام وتقلل من حقيقة التوكل على الله باللجوء إليها او الدعاء عندها ولو أننا لم نرى الكثير من التونسيين يلجأ إليها ولكنها مازالت تصان وتحمى من قبل الدولة .

بوابة السوق البلدي الرئيس في وسط نابل

دخلنا إلى السوق الشعبي في وسط نابل من بوابة رخامية لسوق كبير للمشاة فقط وقد توالت على جوانبه العديد من المحال التجارية والتي تعرض بضائعها المنوعة من فخاريات مكسية بالسيراميك الملون والزاهي وغيرها من الجلديات أو السجاد اليدوي والبعض يعرض أنواع من النخيل الصغيرة والتي تشكل اختيارا للسياح الأوربيون لما لشكلها العربي الجميل ، ولو أنها غير مثمرة فهي من أنواع نخيل الزينة ، كما أن القفص التونسي الشهير للطيور ذي الشكل المربع ويعلوه قبة دائرية وبتشكيل فريد لأسلاك حديدية مزخرفة م بعض قطع الخشب يعدو أحد المقتنيات الخاصة لمن يزور تونس فهو ذو خصوصية تونسية متفردة .

من وسط السوق والطريق الخاص بعرض البضائع وكمية السواح والتونسيين على السواء

كمية من القطع التذكارية والتراثية تعرض وسط تشكيلة ممتعة للمتسوقين بالإضافة للقفص التونسي للطيور

[
وكم ترتاح النفس برؤية المساجد لهذا البلد المسلم في كل زاوية أدامها الله .

وهذه مدرسة ابتدائية منزوية في أحد أزقة البلدة

تتوالى عروض شيقة من قبل التجار وبألوان جميلة



كما للسجاد هنا مكان وخاصة اليدوي منه مثلما تشتغل هذه السيدة المحجبة في نسج قطعة فريدة

التسوق أو المسير بالأسواق الشعبية له متعة مزدوجة فبالإضافة لما يقتنى منها فهي تضفي لنا معرفة وملامسة لحياة الناس وهي تشكل في يومياتي الترحالية أساساً اغترف منه وانهل الكثير من المعاني التي لا أراها في غير السوق ويكفي انك ترى التنوع الكبير من متسوقين وبائعين وعروض لحاجيات منها أساسية والآخر مكمل والبعض نوادر لتشكل بهذه المرئيات تصوراً للواقع وتبني عليه معرفة شبة كاملة لحياة الناس اليومية.

ولبائع الحلوى بالمكسرات ومعها التمر التونسي الشهير (الدقل) مكان أيضاً بالسوق

كما ذكرت أن التسوق يعتبر أساساً في مراحل سفري واعتبره هدفاً بحد ذاته لما يعطيني من كمية ضخمة من المعاني التي تستقى مباشرة من الرؤية والتبصّر في أحوال الناس .
وتتوالى المشاهد ومنها معرفة حوائج الناس لما يطلبون ويشترون فالعرض هنا كشف لما اخفي عن أعيننا فمجرد النظر يعرف ما يرغبه الناس وما يقتنونه وطريقة تعاملهم وحجم مواردهم ولو نسبياً وغيرها الكثير من الأمور التي اكتبها في زيارتي للأسواق وخاصة الشعبية منها .


أواني من الصاج صنعت للتقطير وتستعمل لاستخراج الزيوت العطرية من الياسمين وزهور البرتقال

وضمن مشاهداتي رؤية تلك الأواني التي صنعت من الصاج المجلفن والتي تستخدم لتقطير زيوت زهور الياسمين وزهور البرتقال أو غيرها من الزهور والنباتات العطرية المتواجدة لبيعها في السوق وهي طريقة بسيطة فالآنية من دورين الأول والذي يوضع به كمية من الماء بالإضافة للزهور وثم يوضع على نار حتى يغلى ثم يغطى بغطاء يفصل البخار عن كمية من الماء البارد الذي يكثف البخار الصاعد لينساب مقطراً ومحملا بالزيوت العطرية التي تجمع لتكون زيوت عطرية مركزة تباع هنا أيضاً أو كما رأيناها على مدخل المدينة على شكل قوارير زجاجية .
وللمطاعم هنا مكان بالسوق وهي تستقبل السياح سواء بأطباق شهية من الكسكسي أو المشاوي إن كان للجوع مكان أو بالمرطبات وعصائر البرتقال النابلي الأصيل ، ولدى المطاعم هنا وفي كثير من تونس أيضا عادة وضع طبق به كمية من البرتقال الطازج وهو طبق للمشهيات ويضاف كخدمة في نهاية الطعام والذي يعد كإكرام للزبون(الحريف) .
[

وضعت صحون ملئت بالبرتقال على موائد المطاعم وهي عادة هنا كطبق مقبلات



تنوع فريد بالوان الطيف لكميات من الفخاريات المطلية بالسيراميك الملون


تتوالى بالسوق كمية من الفخاريات والتي تجذب العين لما لها من الوان صارخة
[

العربات التي تجرها الخيول أو الحمير مازالت تعمل في مدن تونس وهي تعكس الحال هناك।


شاطيء نابل الرملي الرائع

مدينة الحمامات :

وها نحن نخرج من نابل من على الطريق الساحلي لنجد أمام مدينة الحمامات القديمة والتي بنيت على رأس لسان بحري وقد احتمت بالبحر شرقا وبجبل غربي (جبل سيدي معمر) وبغاباته الكثيفة ذات المياه والأشجار المعمرة والتي استخدمت في العهد العثماني لبناء السفن والمدن نتيجة تحريم البابوية في روما لبيع الأخشاب للمسلمين وهي نتيجة لتعرض روما لاجتياح من قبل الأتراك العثمانيون والتي وصلت في بعضها لروما وأحرقت جزءاً منها .
وما يميز رأس المدينة الغربي تلك القلعة (قصبة الحمامات ) والتي أنشئت عام 839م وتوالت التجديدات والترميمات بين الحفصيين والأتراك ليكون ما عليه الآن من رمز لفترة الحكم الإسلامي للمنطقة .

قصبة الحمامات أسست عام 839م وكانت رباط وتحولت وتطورت إلى محمية وثكنات بتوالي الحكام عليها

[

إحدى المدافع التي وضعها الحكام العثمانيون 1600م (علي مصطفى) كمركز دفاعي جيد للقصبة

ولمدينة الحمامات تاريخ كبير وخاصة ما تحمله من مطمع للكثير من دول الجوار وهي اسبانيا وروما وصقلية وقراصنة اوربا الذين عاثوا الفساد فيها فقد مرّت عليها سنوات هجّرت بيوتها بسبب الضيق والحصار ولبعض تصرفات الحكام من فرض الضرائب أو لنهبها من قبل القراصنة الايطاليين وتعرضها لهجمات اسبانية ذات مطامع استعمارية .
ولكن ظلت الحمامات باقية على ما هي عليه منذ الفتح الإسلامي وحتى اليوم بمساجدها وبيوتها وأهلها ..

[

منظر من فوق القلعة (قصبة الحمامات) ومسجد ابيض يطل على شاطيء الحمامات

تبعد الحمامات عن تونس مسافة 60كيلومتر وتشرف على خليج الحمامات الممتد جنوبها والآن يعتبر مركزا سياحياً كبيرا ففيه ياسمين الحمامات والتي توسعت منشآت السياحة فيه كالفنادق وطورت الشواطئ لتستقبل الملايين من الزوار الذين يفدون لتلك المنطقة لما تتمتع به من جمال جوها المريح وهواءها العليل .

أزقة مدينة الحمامات القديمة بطرقها الضيقة

إنشاء المدينة وسبب تسمية الحمامات :

والحمامات مدينة قديمة ويطلق البحارة الأوربيون عليها أسم (بلد محمد) وهي اسم اختلف في سبب تسميته فالحمامات كما تقول الرواية الأولى أنها سميت بسبب كثرة الحمام الزاجل الذي يسير من الحمامات إلى الجبال المجاورة ، ولكن تؤكد المصادر التاريخية أن سبب التسمية يعود للحمامات الرومانية المتواجدة قبل اتخاذها مسكنا من قبل الاغالبة الذين اتخذوها موقعاً للرباط وحامية لاستكشاف الغزاة وحماية وربط بين تونس والمدن الجنوبية آنذاك


أحدى مداخل مدينة حمامات الياسمين الجديدة والتي تقع جنوب الحمامت القديمة

مدينة الحمامات ما يميزها شاطئها الواسع فهو يمتد من الشمال إلى الجنوب على شكل هلال برماله البيضاء وبحره الصافي وما تمثله البنية السياحية الجاذبة لهذا الشاطئ من منتجعات وفنادق ومقاهي كلها تطل على فسحة كبيرة من الفضاء المشترك للجميع فلا استغلال خاص ولا حدود مزعجة فترتاح العين لتلك الامتدادات البحرية الصافية.
[

منظر لأحد شوارع المدينة السياحية

وجلّ الاهتمام السياحي للمنطقة كان في جنوب الحمامات وهي تشكل المنطقة المنظمة والمطورة ببنية تحتية متكاملة من منشآت سكنية ومجمعات تسويقية وخدمات ترفيهية ومطاعم ومقاهي منتشرة في تلك المنطقة مما جعلها تكتسب ذلك الاسم الشهير (حمامات تونس) أو (الحمامات) وبالإضافة كونها تحتل مركزاً للعلاجات الطبيعية لمراكز التدليك والعلاج بالبخار والمياه المعدنية المنتشرة في منتجعات وفنادق المنطقة.


من داخل أحد المجمعات الترفيهية والتسويق داخل الحمامت الجديدة

الحمامات كونها قريبة من تونس العاصمة بما يقارب من 70 كيلومتر جنوباً أضاف لها الميزة للزيارة لسهولة الوصول سواء بالسيارات أو بالقطار ولن يجد السائر بالسيارة من تونس انقطاع المساكن إلا قليلا فقط وذلك للترابط الكثيف في المنطقة الشرقية من تونس ونابل وثم الحمامات وكذلك لو نزلنا جنوباً فتتوالى القرى والمناطق السكنية بكثافة وتترابط مدن شهيرة مع بعضها كالنفيضة وهرقل وقنطاوي وسوسة والمنستير والمهدية.
[

من داخل أحد المجمعات الترفيهية والتسويق داخل الحمامت الجديدة
في أثناء تجوالنا للمنطقة وبالسيارة الخاصة التي استأجرناها والتي تمكننا من التوقف حيثما نشاء وبخيارنا وهذه ميزة التأجير ، وهنا بشاطئ الحمامات كان لنا نزهة قصيرة مع الأصحاب أحمد البلالي وهبدان الهبدان وقهوة طيبة وتمرات سكريّة شهية من صنع الهبدان الذي كان دائماً يحرص على تواجد القهوة إثناء تجوالنا في هذه الرحلة الممتعة.

وكانت لنا جلسة مع رفقاء الرحلة وهذا احدهم وهو الأخ أحمد البلالي


شاطيء رملي ساحر في منطقة ياسمين الحمامات

توقفنا عند أحد الأمكنة وعلى الشاطئ مباشرة وتحت المظلات المصنوعة من سعف النخيل نتبادل الأحاديث الودية ونكسب أعيننا بروعة المكان مع خيرة الأصحاب مع ارتشاف أطايب النعم ، ونحن نتقلب بنعم الله الواحد الأحد في نعم متعددة لا تعد منها الصحة والأمان وفراغ الشغل ولفيف الأخوة وفوق كل ذلك وذاك نعمة الإسلام العظيمة التي جعلتنا نؤمن بتلك النعم وننسبها لرب كل شيء ومليكه الله المعطي الكريم الجواد مالك الملك لا اله إلا هو سبحانه تقدست أسمائه وتعالى وصفه ذي الجلال والإكرام।


ولقطة أخرى للرفيق الثاني المصاحب لرحلتنا الأخ هبدان الهبدان صاحب القهوة اللذيذة التي لم تنقطع

صورة أردت أن استعرض بعض عضلاتي التصويرية للأخ البلالي الذي كان يمتعنا بسواليفه التي لا تمل طوال الرحلة

بعد جلسة طيبة استمتعنا فيها بقضاء وقت جميل أخذنا أنفسنا للتحرك إلى منطقة أخرى فجدولنا لا يسمح بالتوقف الكثير ، أكملنا المسير غرباً فبعد الخروج من الساحل والتوجه غرباً لمدينة المدن التونسية والتي كانت بذرة للفتح الإسلامي المبارك ألا وهي مدينة القيروان المدينة العظيمة بتاريخها والمدينة العريقة بما تحمل من أثار إسلامية مرموقة سجلت أسمى الأثر وشهدت بدايات الفتح وانتشار الإسلام لقارة أفريقا كلها ।

الطريق الى القيروان :

المسافة بين الحمامات والقيروان تقريباً 50 كيلومتر باتجاه الغرب ، وهي تبعد عن العاصمة تونس مسافة 160كيلومتر تقريبا ، وتعد منطقة القيروان وما حولها منطقة قاحلة تقريباً فهي صحراء منعزلة اتخذت لغاية عسكرية تمنع الأعداء للنيل من قلب الدولة ولكون العرب الفاتحين الأول قادرين على التكيف بتلك البقاع الصحراوية وهذا ما ميز القيروان عن غيرها ومنعتها من الغزو ولاشك أن القيروان كانت توصف بالمقولة المشهورة (رابعة الثلاث" بعد مكة والمدينـة المنورة والقدسالشريف) هكذا كان يطلق الفقهاء على مدينة القيروان وهي أقـدم وأول مـدينة إسلاميةبالمغرب العربي اختطها القائد العربي "عقبة بن نافـع" لتكون قاعدة لنشر الإسلام في كل قارة أفريقيا بل وأوربا التي دخلها الإسلام من تونس فشملت صقلية ومالطا وكان فتح الأندلس بذرة من بذور فتح تونس وقاعدة الفتوحات لما بعدها.
في الطريق إلى القيروان رأينا بالطريق مجموعة يبيعون أشياء بأكياس لم نعرف ما هي...

توقفنا بالطريق عند أحد الباعة المتجولين والذين تكرر رؤيتنا لهم ، واستغربنا ماهية المباع فكان توقفنا أمام البائع الذي وضع أمامه شوال (كيس الحبوب) وعرضه للبيع لنرى وكأنها حصى بين أعشاب ونزلنا لنعرف ماهية تلك الحصوات لأننا لم نفهم منه ما يقصد لصعوبة فهمنا كلماته ، وما أن نزلنا حتى توضح لنا أن تلك الحصوات عبارة عن حلزون (قواقع برية) وهي نوع من الكائنات التي تعيش في قوقعة وتتكاثر وقت الربيع وبعد نزول المطر وتقتات على الطحالب وأوراق النباتات الصغيرة ، وهي هنا وجبة شهية وقد توقف أحد المارّة والذي تعوّد شراء مثلها هو وزوجته وقد عرفوا أننا غرباء فبعد تحيتنا وإلقاء السلام شرحوا لنا عن تلك الحلزونات وكيفية أكلها بكل طيب نفس وهذا ما يميز أهل تونس حقيقة نجدها في كل مكان ، فالحلزون كما وضحوا أنه يكثر بالمناطق الرعوية والكثيفة العشب وقت الربيع ويجمعه القرويون لعرضه للمارّة بسعر زهيد ، والطريقة التي يذكرونها في تناوله هو أن يضعونه في صحون مفتوحة ويزودونه بالخبز لمدة يومين بحيث يأكل ويخرج كل بقايا الطحالب من جوفه فيستطاب بعدها طعمه ويقولون أن طعمه يشابه الأصداف البحرية وهي طعام موسمي يتواجد في كل ربيع .
وحين اقترابنا منها عرفنا أنها أنواع من الحلزون البري الذي يكثر في وقت الربيع وهم يأكلونه هنا

مدينة القيروان "عاصمةالأغالبة":

ذكرت أنفاً أن القيروان أنشئت بعيـدا عن العمـران ، فكانت بذلك آمنة من هجوم الأعداء كونها عاصمة وقاعدة عسكرية للمسلمين الأوائل، ولكن بعد بناء المساجدوالمساكـن لاحقاً شدّ الناس المطايا إلى القـيروان من كل بلد وعظم قدرهـا ومكانتها ، ولحمايتها أسست لها أسوار بأربعة عشر بابـا. وكان سوقها متصـلا بالمسجد من جهـة القبلة، وممتدا إلى باب باسم "باب الربيع.




[

صورة لجامع عقبة بن نافع الذي يتوسط المدينة

إن إقامة الأسوار العالية لمدينة القيروان جعلها تتطور على مدى التـاريخ لتكون قلعـة حصينـة تصدّ عنهاحجـارتها المرصـوصـة هجمات الغـزاة ، وإن سلمت أسوارها من قرون عدّة من التخريب فإنها لم تسلم من أطماع الألمانفي الحرب العالميـة الثانية، إذ هدموا قسما منها لاستعماله لبناء مدرجللطائرات.
تقع القيروان في تونس علىبُعد 160 كم جنوبا من العاصمة تونس. وكلمة القيروان كلمة فارسية دخلت إلى العربية، وتعنيمكان السلاح ومحط الجيش أو استراحة القافلة وموضع اجتماع الناس في الحرب. قام بإنشاءالقيروان عقبة بن نافع رضي الله عنه عام 50هـ، ولقد لعبت القيروان دوراً أساسياً فيتغيير مجرى تاريخ الحوض الغربي من البحر الأبيض المتوسط وفي تحويل إفريقية (تونس)والمغرب من أرض مسيحية لهجته اللاتينية، إلى أرض لغتها العربية ودينهاالإسلام.


خريطة مكتوبة على قطع السيراميك في مدخل المدينة ويمثل احيائها وأهم معالمها

وتعتبر القيروان من أقدم وأهم المدن الإسلامية، بل هى المدينة الإسلامية الأولى في منطقة المغرب ويعتبر إنشاءمدينة القيروان بداية تاريخ الحضارة العربية الإسلامية في المغرب العربي، فلقد كانت مدينة القيروان تلعب دورين هامين في آن واحد، هما: الجهاد والدعوة، فبينما كانت الجيوش تخرج منها للغزو والفتح، كان الفقهاء يخرجون منها لينتشروا بين البلاد يعلِّمون العربية وينشرون الإسلام.
ولقد استطاعت القيروان أن تفرز طوال أربعة قرون متتالية مدرسة متعدّدة الخصائص أبقت على ذكرها خالداً وحافظت على مجدها التليد، وكانت المدينة آنذاك سوقاً للمعرفة يغترف من مناهلها الواردون على أحواضها والمتعطّشون لمعارفها،فطبقت شهرتها الآفاق وعمّ ذكرها كامل أرجاء المغرب الإسلامي.
وانتصب بها منذ أواخرالقرن الثالث هجري (التاسع ميلادي) بيت للحكمة محاك لمثيل ببغداد في التبحّر فيمجالات العلوم الطبية والفلكية والهندسية والترجمة وركّزت مقومات النهضة الفكريةوالعلمية بالبلاد.
وقد ظلت عاصمة للبلادوأحد أكثر مراكز الثقافة العربية الإسلامية تألقاً بالمغرب الإسلامي طيلة خمسة قرون من السابع إلى الثاني عشرللميلاد.
المعالم المهمة لمدينة القيروان

إن قيمة معالمالقيروان وأصالتها وثراء كنوزها الأثرية وتنوعها تجعل منهاأيضا متحفاً حياً للفنون والحضارة العربية الإسلامية، وما تتسم به معالم المدينة من أشكال معمارية فاخرة ومن تنوع في رصيدها الزخرفي ينم ويشهد في آن واحد على الدور الذي قامت به في تأسيس الفن الإسلامي ونضجه ونشره ، منأهم المعالم نذكر:

فسقية الاغالبة:

تعد (بركة) فسقية الأغالبة من أشهر المؤسسات المائية في الحضارة الإسلامية وقد أقامها الأمير أبو إبراهيم أحمدبن الأغلب سنة 248هـ/862م بعد عامين من العمل المتواصل وتأنق في مظهرها وإبراز تفاصيلها الهندسية بما يتناسب مع مظهر عاصمته القيروان.

[
فسقية الأغالبة (بركة) وهي مستودع مائي مهم لمنطقة القيروان الصحراوية

وتعتمد هذه البركة على ثلاثة عناصر أساسية:
- حوض للترسيب يبلغ قطره 34م وحمولته 3000م3 يستند على دعائم داخلية (17) وأخرى خارجية (26).وهذا الحوض على اسمه حوض الترسيب حيث مهمتة يرسب الشوائب الآتية من السيول بحيث تتجمع فيه ويفيض الماء الصافي للحوض الكبير.
- الحوض الكبير وهو يتصلبالحوض الأول عن طريق فتحة تسمى السرح ويمتاز بأبعاده المترامية حيث يبلغ قطره 127،7م وعمقه 4،8م ويحتوي على 64 دعامة داخلية و 118 دعامةخارجية.
- صهريج مسقوف بأقباء طوليّة تخزن فيه المياه التي ستتخذ للشراب। وتبلغ حمولته حوالي 900م3 وبذلك تفوق سعة مجموع البرك 57000م3 । وربما اتّخذ بعض أمراء الأغالبة هذه المنشآت المائية للنزهة والترفيه إذ تذكر المصادر أن زيادة الله الثالث قد صنع سنة 295هـ/908م مركبا أنزله للبركة للتنزه فيه. كما أجرى المعز لدين الله الفاطمي سنة 348هـ/959م قناةتصب في البركة بعد أن تملأ مواجل عاصمته صبرة المنصورية.
إن هذه البركة الكبيرة بأبعادها الشاسعة، هي إسهام تذكاري لمجد المدينة الصامدة، وعطاء الجانب المختل من حياتها والمعبر عن معركتها القديمة ضد القحط، وتعتبر هذه العمارة التي كانت وليدة الحاجة نموذجا فريدا من نوعه يمتاز بصلابته وتناسق أحجامه.
أن الزائر لهذه البرك والذي يعرف عن برك زبيدة المتواجدة بالسعودية حاليا وقد زرتها قبل بضع سنين لهي تتشابه كثيراً بالمواصفات ولكن مع تغيير بالشكل وإن كانت بركة الربذة(مدينة اثرية في طريق المدينة القصيم) أقرب وصفاً لهذه البرك .



البرك اثنتان وقد تم ترميمهما على الطراز الأول لتشكل نموذج هندسي فريد


منظر لمنارة جامع القيروان من الجهة الغربية

المعلم الثاني جامع القيروان (جامع عقبة بن نافع)

الجامع الأكبر في مدينة القيروان والذي يرجع تاريخه إلى العام 836م ويعد محرابه و أرضيته ذات البريق المعدني وكذلك منبره ومقصورته من روائع تحف الفن الإسلامي.
يعد هذا المسجد الجامع بالقيروان أبرز ما جاءت به العمارة القيروانية في الحضارة الإسلامية بالمغرب العربي، وقد أسس سنة 50 هـ ، ويعود الفضل لزيادة الله الأول في رسم ملامحه وتخطيطه النهائي 220 - 226هـ ، وهو يشتمل على 17 بلاطة وثمانية أساكيب، ويستمد تخطيطه من الجامع الأموي مع الاقتداء بمثال جامع الرسول بالمدينة.
ويتميَّز جامع القيروان، بالإضافة إلى معماره وتركيبه الهندسي،بالمحافظة على أغلب أثاثه الأصلي الذي يرجع إلى فتراته الأولى،وحسبنا للتدليل على ذلك أن نذكر المنبر الخشبي 284هـ وهوأقدم المنابر الإسلامية التي سلمت من تقلُّب الأزمات، وهومصنوع من خشب الساج، ويشتمل على ما يربو عن 106 لوحة تحمل زخارف بنائية وهندسية بديعة، تعبر عن تمازج التأثيرات البيزنطية وتوحيدهها في روح إسلامية.







أحد الأبواب الجانبية الجنوبية للجامع


الباحة الخارجية لجامع عقبة بن نافع بالقيروان
الباحة الخارجية ويرى بئر الماء وسطها وهي خزان أيضاً لتجميع مياه الأمطار
الأروقة المطلة على الباحة الخارجية بأعمدتها وأقواسها
من داخل جامع عقبة بن تافع
المنبر الأقدم على مستوى العالم الإسلامي والذي مازال موجوداً بجامع عقبة بن نافع بالقيروان

بئربروطة:
تعتبر من أهــم وأقدم الآبار بالقيــروان ولم يذكر اسم بئر روطة إلا في القرن الخامس الهجري وهي من محدثات الأمير هرثمة بن الأعين وقد أنشأها حوالي سنة (180هـ/796 م ) في مدة إقامته بالقيروان حفربها بئر واسعة الفم لها سفرة رخام، غزيرة الماء بالقرب من "سوق الأحد" واعتمادا على ذكر مـــوقع البئر "سـوق الأحــد " الذي أثبتت الدراسات وجوده وتعرف هذه البئر الآن باسم بئر "بروطة" وقد أعيد بنائها أيام الحكم .المرادي إذ تدل النقوش المثبتة حاليا أن أشغال البناء تمت بهذه البئر سنة 1101 م

الابواب القديمة بالقيروان صورة لتراث عريق

جولة في أحياء القيروان القديمة

الزربيةالقيروانية
وبعيدا عن رائحة التاريخ والحضارة، التي تتأكد من خلال المدينة العتيقة، والأسوار التي تم ترميمها بإتقان، ومن خلال العدد الكبير من المساجد والأضرحة وغيرها من معالم القيروان وإلى جانب ذلك بأنها مدينة فنون وصناعة تقليدية، حذقها السكان جيدا، وحافظوا على طابعها المميز، بما فيه من طرافة وأصالة. وأول غرائب هذه المدينة"صناعة الزربية" ،وهي صناعة منزلية نسائية قديمة،حيث أن الزربية نوع من السجاد المصنوع من الصوف الرفيع تمتاز بألوانها الطبيعية المتميزة ، وهناك أنواع أخرى منها :العلوشة و المرقوم ، و بعض هذه الأنواع تصدر إلىالخارج.

النساجون وهم ينسجون الأقمشة القيروانية الصوقية والقطنية

كما تشتهر مدينة القيروان الأواني النحاسية كما تتميز القيروان بصناعة الأثاث الخشبي كالفراش التقليدي الذي يلقب بـ (حانوت الحجام) مصنوع من الخشب المنحوت و المدهون ، كما تتميز بصناعة الحلي و بالفضة.

جامع الأبواب الثلاثة:

مسـجد " الأبواب الثلاثة " يعتبر إحدى المعالم القديمة بالقـــيروان وقد شيده سنة 866 ميلادي الفقيه محمد بن خـيرون الأندلسي الذي قدم مـن قرطبة ولهذا المسجد واجهة رائعة زينت بالخط العربي وبزخارف بارزة .




جامع ابن خيرون الاندلسي أو ما يطلق عليه اسم (الابواب الثلاثة)

ظريح أبو زمعة البلوي : المعروف (بسيدي الصحبي)
أقيم على قبر أحد الصحابة وهو ابي زمعة عبيد بن ارقم البلوي ضريح يطلق عليه سيدي الصحبي، وهو أحد صحابة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، وهو شهد معه صلح الحديبية وبيعة الرضوان قدم من شبه الجزيرة العربية ليستقر في القيروان في عهد الخليفة عثمان بن عفان ودخل مصر مع الصحاب عمر بن العاص ثم سار مع من دخلوا إلى أفريقية مع القائد معاوية بن حديج ، واستشهد أثر معركة مع الجيوش البيزنطية في عين جلوله التي تبعد نحو 30 كيلا غرب القيروان وأتي به هنا ليدفن في عام 34هـ 656م وبقال أن الصحابي كان يحتفظ بثلاث شعرات من لحية الرسول عليه السلام، مما يفسر تسميته بحلاق الرسول ، ولم يكن القبر ضريحاً كما هو الآن إلا بعد مرور ألف عام من وفاته وفي عهد المراديون من السلاطين العثمانيون وفي عهد حموده باشا المرادي وهو أول من بنى قبة أندلسية على قبر الصحاب وذلك عام 1085هـ وتبعه الأمير محمد بن مراد عام 1094هـ الصحن والمدرسة والصومعة وبعدها صارت مزاراً مع الأسف مع ما تحمل من بدع ظاهرة وواضحة .
وللبعد التوعوي لدرء مثل هذه البدع وخاصة في عدم وجود منهج سلفي يذب عنهم الخرافات والبدع والمتمثلة في وجود هذا الضريح وجعله مزاراً للدعاء والصلاة عنده كنوع من التوسل بواسطته كونه احد المقربين لرسول الله صلى الله عليه وسلم كان هذا المقر مستمراً في شركيات منهي عنها ألا وهي التوسل بالقبور والتوجه لها عند الدعاء مع انه وروي عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أنه قال :" لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد"وفي الصحيح أيضا عنه : إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد ، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد ، فإني أنهاكم عن ذلك .


ومن باب معرفة الشيء كعادتي في زيارة المعابد والأماكن البدعية لفتح العين عليها ونقل الممارسات التي تكون فيها وهي طريقة أجدها مناسبة لمن يتحرج من الدخول إليها من العلماء أو الدعاة فيكون بدخولهم تأييد لما يحدث بداخلها ولكن كوني رحّال انقا ما أرى فلا أجد حرج بل أنها فرصة لكشف المستور وتصور لأهل العلم ليعملوا على إصلاح تلك الظواهر المنتشرة في بلدان الإسلام .

إن الضريح المسمى بالسيد الصحبي والذي يقع ضمن المنطقة الخارجية لسور القيروان وهو ضريح كباقي الأضرحة التي تقام عادة ببناء القبب عليها وكذلك إقامة المصليات بجانبها والتي تتطور المصليات لتكون مساجد وهي من تلك المساجد التي فيها شبهة الحرمة من الصلاة فيها كونها مقامة على أضرحة وليس الضريح بني بعدها وهي مسألة فيها نظر لدى أهل العلم وليس هذا مكانها .
ودخولنا للمبنى الملاصق للمسجد وقد روعي ببناء الضريح بجعله مزاراً مهماً لما رأيت من تصميم كالممرات بعد البوابة الرئيسة التي فيها بهو صغير يفضي إلى ممر مفتوح من المنتصف على السماء ومغطى من الجانبين بخمسة أعمدة مزخرفة من كل جانب من اليمين واليسار وعلى الأعمدة سقف من أعمدة مصنوعة من خشب الأرز المزخرف وثم ينتهي الممر ذي الأعمدة ببوابة تفضي هي أيضاً إلى صحن واسع به الغرفة التي تحوي على قبر الصحابي وغرفتين أخريين أحداهما تحوي على عدة شعرات من لحية الرسول صلى الله عليه وسلم كما يقال والله أعلم ، والثالثة غرفة صغيرة بها سرير وهي معدّة للعلاج لمن بهم صرع أو مس من شيطان فيعالجوا بالقرآن وغيرها ।


الصحن الاساسي لضريح السيد الصحبي أحد صحابة رسول الله

المبنى يحمل فنّا معمارياً تونسياً فريداً من نوعه والاهتمام به من قبيل كونه معلماً يأتيه الحجاج الذين يعتقدون بقدسية المكان كون أحد صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم دفن فيه وهو اعتقاد حسب مفهومهم يكفي ليكون المكان أقدس البقاع في تونس كلها وهو سر الاعتناء الكبير في عمارة المكان وتزيينه بالخزف التونسي الملون والذي ملآ جدران المبنى وكذلك خشب الأرز النادر الذي سقّف به المبنى ولا أروع بناء من تصميم القبة التي حوت القبر وهي قد شكلت ببلوراتها اللامعة فنّاً لافتاً للأنظار ، وإذ أنا أصف الجمال لا يعني إقراري بما يحصل داخله من بدع غير مقبولة ولكن وصفاً متجرداً للمكان ، وأما الوصف لما يحصل داخلاً فهو وصف آخر فقد رأيت العجب من زوار أكثرهم نساء وهن متنوعات المشارب منهن المتحجبات ومنهن المتبرجات ومنهن الصغار والكبار وبعض الرجال ، وهناك بعض السدنة الذين يقومون بمهام الزيارة ويرشدون المساكين لآداب الزيارة وبعض الأدعية التي لم نسمعها من سيرة خير البشر نبينا محمد عليه الصلاة والسلام ।


الضريح والقبر بداخله وحوله المتوسلين والطالبين من القبور ما لا يستطيعون نصر أنفسهم (اللهم ارحم صاحب القبر واغفر له )

أن من الطقوس التي يفعلها زوار الضريح حسبما عرفت وخاصة النساء منهم فهي عادة انعقاد الزيجات الجديدة عند الضريح وكذلك إتمام عمليات الختان للصبية هنا ، وهناك عادة إهداء أول سجادة ينسجنها فتيات القيروان في بداية إتقان هن للنسج ويطلق على تلك السجادة (الزربيّة) وقد ذكرتها في الصفحات السابقة।


الغرفة التي فيها بعض آثار من لحية الرسول صلى الله عليه وسلم والله اعلم

أن الزائر لمنطقة القيروان يجد وهو ما رأيته من بعض المحال التي تبيع المأكولات الشعبية والتي تختص بعضها للقيروان نفسها ولا بأس أن أتكلم عن تلك المأكولات ولو قليلاً .

المأكولات القيروانية



المقروض القيرواني

ومما اشتهرت به القيروان نوع من الحلويات، ويسمى "المقروض" لا يفهم سرّ نكهته وحلاوته المميزة إلا أهالي القيروان وهو نوع من المعمول المصنوع من سميد القمح الصلب بعد عجنه و حشوه بالتمر. ويكثر تداوله في شهر رمضان المبارك. ويقولون تندراً : (ليس لأي زائر للمدينة أن يصرف نظرا عن المقروض، وإلا بقي في نفسه شيء من حرمان).


فتيرة (خبزغناي) الفطائر
هي أكلة مفضلة في القيروان ، تتناول في فطور الصباح،عملية صنعها سهلة جدا العجين متكونة من القمح المبلل بالماء الساخن يضاف عليه القليل من الملح والخميرة ، كما أن للخبز هنا أنواع عدّة منها الأبيض والأحمر والمزخرف بمربعات او ببعض البذور في أعلاه كالحبة السوداء وغيرها ولعل ما عرفت من بعض الأنواع التي تشتهر فيه القيروان هو( خبزشواية - خبز ميدة - خبز القمح - خبز شعير - خبز طابونة).

كسكروت كفتاجي

تشتهر مدينةالقيروان أيضاً بالكفتاجي، وهو فلفل حار مع بيض طازج و طماطم يقع خلطهم و تقطيعهم إلى قطع صغيرة ثم يضاف إليه بطاطا مقلية.


إطلالة أخيرة قبل الخروج من القيروان لجامع عقبة بن نافع

ومن هنا بدأت زيارتنا لمدينة التاريخ والبذرة الإسلامية التي نشرت من خلالها الخير لأصقاع القارة كلها وهذا فضل من الله ، ومن هنا نودع المدينة بإطلالة على أروع ما فيها جامع عقبة بن نافع ذلك الجامع المهيب بروعة بنائه وبإجلال قدره المكاني والزماني لعل أن نوفق بزيارة أخرى نستمد منه الكثير من القيم والعبر .

الخروج من القيروان وبمحاذاة السور الشمالي للمدينة القديمة والتي أنشأ فيها مقبرة قديمة ولا يعدم وجود ضريح هنا أو هناك وهو عادة مستمرة ولها من يرعاها ويستفيد منها .
سلكنا الطريق الشرقي من مدينة القيروان والمتجه إلى مدينة سوسة الساحلية ولتي لا تبعد سوى 40 كيلاً تقريباً وكان مسيرنا ليلاً وكان بالطريق بعض نقاط الأمن التي أوقفتنا للتأكد من أوراقنا وهي نقاط مستمرة في كل تونس وبشكل مكثف ويصل إلى حدّ الإزعاج .

إطلالة من أعلى الفندق لمدينة سوسة وساحلها الشمالي

وصلنا إلى سوسة ليلاً واتخذنا فندقاً مطلاً على البحر وهو فندق بالاس ذو أربع نجوم وبمبلغ 180ديناراً الفندق له إطلالة جميلة على البحر ولكن الأجمل هو إطلالته المميزة لمدينة سوسة فهو عالي بحيث يشرف على المنطقة التاريخية والعتيقة لمنطقة سوسة القديمة ومنه كانت هذه اللقطات.
[

وهنا إطلالة أخرى ولكن لمنطقة المدينة العتيقة وأسوارها

إن موقع سوسة في الوسط الشرقي للبلاد التونسية. وهي مركز منطقة الساحل التونسي. وتعرف بـ"جوهرة الساحل". والساحل التونسي على الوجه الشرقي منطقة تمتد على طول حوالي 170 كم بين بوفيشة والشابة وعرض 25 كم تقريبا بين سوسة وسيدي الهاني.
وسوسة مدينة ساحلية تشرف على شواطئ البحر الأبيض المتوسط. سواحلها رملية ملائمة للنشاط التجاري البحري ولنشاط صيد الأسماك وللنشاط السياحي. وتتكون تضاريسها من سهول وربى قليلة الارتفاع وأراضيها.
تقع سوسة على مسافات غير كبيرة من المدن التونسية الهامة: فتقع 140 كم جنوب تونس العاصمة و50 كم شرق القيروان 20 كم غرب المنستير و 120 كم شمال صفاقس.
[

صورة مقربة لسور وقلعة المدينة العتيق لسوسة

في صباح يوم جميل نزلنا من الفندق لنتجول حول المدينة ومنها المنطقة المسورة وهي سوسة القديمة والتي مازال سورها شامخاً ومبانيها التي تعطيها الانطباع الخاص بها كالمسجد الجامع وقلعة الرباط وقلعة المنار وغيرها من المساجد والأزقة والدور السكنية والأسواق.

بوابة الحصن المسى المنارة والذي يقع في قمة اعلي مكان في المدينة العتيقة

تاريخ تسمية المدينة :

مدينة سوسة أسسها الفينيقيون في الألف الأولى قبل الميلاد وتغير اسمها مرات: من حضرموت إلى جوستنيا إلى سوسة.
فأسم حضرموت وهو الاسم الذي عرفت به قديما.ويبدو أن الفينيقيين قد أطلقوا عليها هذا الاسم لما لاحظوا التشابه بين سواحلها وسواحل منطقة حضرموت الموجودة في اليمن والتي لا زالت تحمل هذا الاسم إلى الآن.
أما أسم جوستينا وهو يعود إلى اسم الإمبراطور البيزنطي الذي احتلها.
أما الأسم الحالي سوسة فهو الاسم الذي استعمله المسلمون. ويبدو أنه من أصل بربري ويدل على كثرة السكان بالمنطقة ونجد عدة أماكن ببلاد المغرب تحمل هذا الاسم وما يقاربه مثل منطقة السوس بالمغرب الأقصى.
وبقيت سوسة متميزة عبر العصور وهي في الوقت الحاضر مركز إداري وصناعي وتجاري وسياحي وثقافي نشيط لها مكانة متميزة على الصعيدين الداخلي والخارجي.
كما ان أسم سوسة كمدينة له شبه بمدينة سوسة الإيرانية وسوسة الليبية .


باب قديم لأحد بيوت سوسة العتيقة بطرازه الأثري

لكل منطقة طعم وصورة تتميز بها كما أن لسوسة ما يميزها سواء كانت أبواب أو أسواق أو أزقة كما لا نستثني القلاع والجوامع ، ولا تتكون الصورة إلا بالمرور والملامسة لكل هذا وذاك من تلكم الآثار الرائعة التي تخبرنا عن فترات لامعة وضعت المنطقة في مصاف المدن التاريخية العريقة .

مطرقة باب من ابواب المدينة شدّني لتصويره فأخذت له تلك الزاوية


ومطرقة اخرى جميلة على شكل يد


وهنا مطرقة لباب على شكل حلقة وهي الأشهر في تونس

تاريخ مدينة سوسة اسلاميا:

إن ما تميزت به مدينة سوسة الساحلية وعلى مر العصور الإسلامية من ناحية التأثير الإسلامي هي: تواجد الكتاتيب وهي المؤسسات التعليمية الأولى ودورها تحفيظ القرآن الكريم ومبادئ اللغة العربية والفقهية. وكل ذلك كان في مساجد المدينة وخاصة المسجد الكبير في قلب المدينة الذي أسس منذ القرن2 هـ وبناه الأغالبة وبقي منارة تعليمية بارزة يقدم إليه الطلاب من كامل بلاد المغرب والأندلس. أما المساجد الصغيرة ومنها مسجد أبو فتاتة وهو أقدم مسجد بمدينة سوسة أسس في العهد الأغلبي. وكذلك أبنية الرباط وهي عبارة عن أماكن للعبادة ومراقبة السواحل خوفا من إغارة البيزنطيين على السواحل الإسلامية وتتباعد الأربطة بحوالي 5 كيلومترات عن بعضها البعض وتنتشر على طول سواحل بلاد المغرب. كانت الأربطة تعج بالعلماء والعباد من الرجال وكانوا يداومون على قراءة القرآن والحديث النبوي ويكثرون من التنقل ويضيفون إلى ذلك مراقبة الشواطئ ليلا نهارا. ويتكاثف الحضور إلى هذه الأماكن في شهر رمضان. وقد زالت هذه الأربطة في العهد الفاطمي।

من اعلى منارة لحصن قديم يطلّ على سوسة كاملة ويشرف على معالمها المميزة

ومن قلعة الرباط التي تمثل رمزاً لسوسة المدينة الحصينة والمنيعة كانت لي طلّة من على برجها الدائري الذي يشرف على الجامع الكبير وأجزاء من ميناء المدينة ومرقب مهم للتنبيه من أي غزو أو هجوم في تلكم الأثناء ولكنه اليوم يشكل معلماً للرؤية الشاملة للمنطقة ، كما أنه بني قبل عام 821م ويعود سبب تأسيسه للفترة التي سبقت فتح صقلية والاستعداد لتحصين المناطق العسكرية والمدنية لتحول دون الإدارة عليها .
إن مبنى الرباط هنا في سوسة بني بعد الرباط المبني في المنستير ويشبهه إلى حد ما ولكونه مبنى عسكري بالأصل فقد روعي فيه الاستخدام الدفاعي ومساقط الزيوت والقار الحار وكذلك الفتحات التي تضخ بكميات من أسهم المدافعين المحميين داخله، وهو متوسط الحجم يصل طول أحد أضلاعه نحو 38 متراً كما أنه مربع الشكل وله بوابة واحدة جنوبية كما أن له برجاً عالياً واحداً وهو الذي تسلقته ومنه كانت اللقطة أعلى.

صحن رباط سوسة ويرة الغرف بكلا الطابقين والرواق السفلي

مبنى الرباط مكوّن من طابقين وباحة تتوسط المبنى كما انه بالدور الأول يحتوي على غرف تحيط بجميع جدران المبنى ويتقدمها رواق كما ترون بالصورة أعلى.
وأما الطابق الثاني فبه غرف للسكن ومصلى صغير في الناحية الجنوبية للرباط ، كما أنه يوجد بوسط الباحة مخزن لمياه الأمطار وهو تكرار للكثير من القلاع والمساجد في تونس ولعل تكرارها مأخوذ من البناء الشامي للقلاع واستخدام هذه الميزة لحفظ مياه الأمطار للضرورات في حال الحصار أو الحرب.


ومن التاريخ إلى السوق ومنها هذه اللقطة حول أحد باعة الحلازين (حلزون) وهي طازجة ويعتبر هذا موسم لها موسم الربيع ؟


بائع الزيتون والمخللات والفلافل التونسية المميزة

كما أن المخللات والزيتون المتنوع وهي من غلال ارض تونس المبروكة لها مكان وحضور وقبول للشراء فمنها المخلل والمقطع والأسود والأخضر والبني والملون بلونين وبجانبه الفلفل التونسي الحارّ والذي يطلب بكثرة لاستخدامه في الهريسة أو مع الطبخ والمقبلات أيضاً.

سوق الخضار داخل السوق الكبير في وسط سوسة القديمة

والسوق العام يتوسط المدينة العتيقة بأقسامة المتنوعة فهناك الخضار الطازجة والتي تجلب من المزارع مباشرة صبيحة كل يوم وقسم الأسماك البحرية وقسم النواشف والخضر المجففة كالتمر والتين والزيتون والفلافل المجففة والبهارات وأقسام اللحوم كالعلوش(الغنم) أو البقر والدجاج وفي بعض الأحيان الحاشي (صغير الإبل) .

بائع البهارات في سوق سوسة القديم داخل اسوار المدينة العتيقة

السوق مادة دسمة تثير الكثير من المشهيات لدي وقيها من الفعاليات التي تشبع النفس والعين وبعض الأحيان البطن، إن التجول بالسوق مسافة بسيطة يعطينا كمية كبيرة من المعلومات الاجتماعية والاقتصادية والحالة العامة للبلد ففيها يسير الناس على سجيتهم وهم يطلبون الخير ومنهم شاري وبائع ومنهم ليس هذا ولا ذاك ويختلط الجميع ليكون نسيجاً تونسياً فريدا تستجمع منه وفرة من المعاني والتصور .
وحان وقت الخروج والانتقال إلى منطقة لا تقل عن سوسة بآثارها ومكانتها التاريخية وهي ساحلية أيضاً ولمسافة 20 كيلومتر فقط باتجاه الشرق وعلى الساحل مباشرة كانت لنا جولة أخرى هذا اليوم لمدينة المنستير فإلى هناك .

ولايةالمنستير

تقع مدينة المنستير فيالوسط الغربي للبلاد التونسية وعلى مشارف البحر الأبيض المتوسط وهي تبعد عن العاصمةتونس ب 160 كلم، والمنستير أصلها من اللاتينية "مونستيريوم" أو اليونانية "مونستيريون" هي روسبينا القديمة التي أسسها الفنيقي ونسكان صور في القرن الرابع قبل الميلاد وتعني كلمة "روبينا" التي هي من أصل بوني الرأس أو بالتحديد شبه الجزيرة. وكانت روسبينا تمتد على أكثر من 8 هكتارات من موقع استراتيجي بعيد عن الغزوات. وقد ساعدت روسبينا البطل القرطاجي حنبعل في حربه ضد الرومان في القرن الثالث قبل الميلاد المنستير .
كانت المنستير أول مدينة عربية إسلامية تبنى في افريقية و في شمال أفريقيا كانت تضم تونس الحالية وجزءا من الجزائر وقد أصبحت سنة 665 ميلادية (السنة 45 من الهجرة) معقلا خارجيا لحماية العاصمة القيروان.
.

رباط المنستير كما يبدو بصورة بانورامية

رباط المنستير:
أسس هرثمة بن الأعين،والي الخليفة هارون الرشيد، الرباط الكبير بالمنستير سنة 796 ميلادي (سنة 180 هجري) وأصبح رباط المنستير أكثر المعالم الدفاعية ضخامة بفضل التوسعات والتحصيانات التي أدخلت عليه بين القرن 15 والقرن 18 ،فقد كان في البداية رباعيّ الأضلاع، متألّفا من أربعة مبان تفتح على صحنين داخليّين.
وبالإضافة إلى الحجرات الصغيرة المخصّصة للمجاهدين المتعبّدين الذين كانوا يضطلعون بوظائفهم العسكريّة ويعكفون في نفس الوقت على الصلاة والتأمل،يحتوي الرباط على مسجدين.
ويمكن الصعود في مدرج حلزوني الشكل، به حوالي مائة درجة،,وهو شبيه بذلك البرج الذي ارتقيت في مدينة سوسة،وللوصول إلى برج المراقبة الذي كان يتمّ منه تبادل الإشارات الضوئية، في الليل، مع أبراج الرباطات المجاورة كبرج سوسة والمهدية ،كما أنه مكان يتيح للزائر إذا صعد عليه التمتّع بمشهد رائع على مدينة المنستير وشاطئها وهو ما فعلته وأخذت بعض الصور منه كما يأتي لاحقاً.


إحدى بوابتين من أبواب رباط المنستير من الجهة الجنوبية الغربية

من داخل رباط المنستير ويرى برج المراقبة الفريد والشبية ببرج سوسة والمهدية وغيرهم اربطه الساحل

من على برج رباط المنستير وإطلالة على مدينة المنستير

إطلالة أخرى من برج المراقبة للساحل الجنوبي للمنستير

كما أن هنا إطلالة للساحل الشمالي ومنطقة المارينا السياحية
"يرى في اللقطة أعلى منطقة المارينا" وهي المحطة السياحية الواقعة شرق مدينة المنستير ويقع شمالها منتزهات الكرنيش والفالاز ومحمية بين البر وجزيرتي سيدي الغدامسي و الوسطانية وممكن ترون الجزيرتين في افق الصورة التي أعلى .


صورة أخرى للرباط ووداعية لمنطقة المنستير

ومن المنستير وبعد أخذ جولة في رباطها وساحلها وبعض متنزهاتها الجميلة والممتدة على مسافة كبيرة أخذنا بعضنا وانتقلنا لمنطقة أخرى لا تقل أهمية وتكملة لمدن الساحل والتي تحتوي على الكثير من المواقع الأثرية والسواحل الفريدة والمنتجعات التي تستثمر موقعها الفريد لتحتل مكان على خارطة السياحة العالمية .
فإلى المهدية المدينة الساحلية المميزة.
المهديةالمدينة البحرية

يستخدم الصيادين الساحل بكثرة ويبنون مرفأ خشبي بسيط يسهل حمل شباكهم وصيدهم

المهدية مدينة الوفاء و التشبث بالعادات والتقاليد كما يطلق عليها ولكن هل يكون ذلك لأن المهدية هي في منأى عن الطرقات الكبرى؟ قد يكون هذا فإن المهدية هنا ما تزال على حالها لا تعرض على المارين إلا جدرانا بيضاء وأبواب زرقاء وما تزال غرفها كما كانت من قبل في تصميمها العربي الفريد حيث تلتف حول باحة البيت(الحوش) غرفها في استحياء وخفية عن كل من هو خارج الدار، ولا تبدي زينتها مثل سقوفها الخشبية وابهة خزفهاالبديع الملون إلا لأهلها والأقرباء والمحظوظين من الزوار، وداخل هذه الديار ما يزال الناس يعيشون.ولا يقبلون بالشقق الضيقة إلا من عدم الكفاية .



أحد سواحل المهدية المتعددة السواحل بخلجانها الرائعة

ما تتميز به المهدية كونها ذات بحرين

تعيش المدينة ذات البحرين على إيقاع أمواج بحريها، فإن تهب الريح من الشمال أو من الجنوبيعني انه في الإمكان أو ليس في الإمكان ان يركب الراغب في الصيد البحر، كما يعني إن وجهة الراغب في السباحة يجب أن تكون هذا الشاطئ او ذاك.
والمهدية هي أيضا أكبر موانئ الصيد البحري في تونس وصناعة المصبرات فيها لم تنفك تعلب سردين المهدية الشهير الذي لا أشهى ولا ألذ منه.
أما السياحة قليلة هنا مع أن شواطئ المهدية المترامية الأطراف وذات الرمل الأصفر الذي يداعب أقدام البساتين التي تبسط خضرتها حتى مشارف الماء المالح تحتوي على المقومات ولكن لعل حفاظها على التقاليد هو ما جعلها بعيدة من مثيلاتها مدن الساحل الأخرى .

كما أنه فاتنا التجول في موقع مهم وهو يهم كل سائح وذلك بالاطلاع وحضور سوق الجمعة، السوق الأسبوعي التي تقبل عليها النساء ليبعن كسوتهن القديمة ولعلنا نزوره في لقاءات أخرى .

منارة المهدية البحرية على رأس أحد الجزر لأرشاد السفن

طرقات للتفسح ولكن عبر مقابر قديمة وقلاع تركية على رأس ذو بحرين

أن الإطلاع على بعض العادات الجميلة هنا في المهدية لهو شيء فريد وخاصة تجهيز العرائس وصنع الحشايا الصوفية بل ان الطقوس المتبعة في المهدية خلال الأعراس وحفلات الحناء والطهور ما تزال تنتظم حول أعرافها الصارمة والتي لا محيد عنها فهذه الحفلات لازالت تحتل مكانة وتنظيم فاخر وبهيج.
ولعل المهدية هي إحدى المدن التونسية القليلة التي ما تزال مختلف مكونات الكسوة التقليدية تنسج وتطرز فيها استجابة لطلبات العادات والتقاليد التي مازالت مستمرة هنا. وليس للموضة حظ في المهدية، فالرضيع يدثر عند ولادته في الرداء التقليدي وهذا الرداء ذاته هو ما تلتحفه المرأة وهي عروس شابة، وهو أيضا كفنها عندما يحين اجلها.
وإذا كنت من هواة التجول في الأزقة باكرا وقدمت إلى المهدية فسترى تلك القيم والعادات الجميلة ظاهرة في أزقتها لترى نساء ماشيات لحضور حفلة حناء أو تجهيز عرس ،بل إن أهل المهدية يتشبثون بالتقاليد حتى في مأكلهم ومن إمارات ذلك انهم يفاخرون بأن أشهى وأفوح وأنعم كسكسي بسمك يمكن للمرء ان يتذوقه هو كسكسي بالحوت مهدوي، وحاولت أن اتذوق ذلك الطبق المشهور ولكن لم نوفق إلا بطبق كسكسي بالعلوش .



أحدى الأربطة المتصلة مع أخواتها في طول الساحل




بيوت على البحر مباشرة في جهة أخرى للساحل



من ساحة القاهرة لمدينة المهدية



وأخيرا وجدنا طبق كسكسي مهداوي ولكن ليس بالحوت إنما بالعلوش

ومن تلك المدينة الهادئة والمطلة على البحرين الشرقي والشمالي وحيث القيمة الفريدة التي تتمتع بها من تقاليد وعادات وصناعة بحرية مميزة كانت النهاية والرحيل منها لا إلى ساحل آخر ولكن إلى جهة الغرب حيث هناك موعدنا مع منطقة تاريخية رومانية وهي مدينة الجم.

مدينة الجم ذات المسرح الروماني الكبير


[

المسرح الروماني الكبير بمدينة الجم من صورة علوية (مأخوذة من بطاقة بريدية)

أن مدينة الجم وما تتميز به من ذلك البناء الحجري الضخم المكون من طوابق عدة وهو قد بني منذ ما يقارب 1800 عام منذ العهود الرومانية وهو شبيه للمسرح الروماني الكونسليوم في مدينة روما عاصمة الرومان والذي يتسع كونسليوم روما لعدد 43 ألف متفرج .



المسرح والملعب الروماني الكبير الذي يتسع لـ30 ألف متفرج في آن واحد

أن مسرح الجم هذا لهو محل إعجاب معماري فريد وخاصة أنه الأكبر بناء في أفريقيا الشمالية القديمة والأضخم فمجرد التعرف على أطواله وأبعاده ستعرف كم هو ضخم وكم هو مكلف ويدل على بهرجة ومكانة الساكنين ومدى حجم تجارتهم وقوتهم .

إن طول محوري المسرح الطويل 149م والصغير 124م كما أن ارتفاعه 35 متراً ومحيطه 427م وهو كما قلت يتسع لـ30 ألف متفرج ولا يكبره إلا مسرح روما الذي محيطه 527م ويتسع لـ43 ألف متفرج.

كما أن للمسرح خاصية الأقبية المزودة بدهاليز تجمع الأسود والحيوانات والمصارعين وكذلك السجناء لكي يكون خروجهم للساحة عن طريق رفعهم ومفاجاة الجمهور بحيث يتحكمون في من يكون على الساحة وهي طريقة ذكية تتسم بالمفاجأة والتغيير وتنوع الاستعراض حسب النوع المراد خروجه فقد يكون حيوانات ضارية أو عمليات الإعدام للسجناء وغيرها من الاستعراضات الدموية .




المسرح من الداخل ويرى ساحة الأستعراض ذات المصاعد الميكانيكية لرفع الأسود والمصارعين

من خلال رؤيتي لهذا المعلم الضخم الذي لاشك أنه كان باهظ الثمن والتكاليف لإنشائه ، وهذا يدل دلالة واضحة مدى الإمكانيات التي حازوها أصحاب الأرض وكم يملكون من مقدرات تجعلهم يتباهون بمثل هذه الأبنية الضخمة ويكفي أن نعرف مستوى معيشتهم والتي كانت في معظمها تجارة الزيتون والتحكم بالمنطقة التي تحوي على الكثير من المقدرات الكبيرة من زراعة وأخشاب وتبادل تجاري فيما بينها وبين دول البحر الأبيض المتوسط وأفريقيا .



رؤية للمسرح من زاوية أخرى .

كانت زيارتي للمعلم الكبير بالجم فرصة ممتعة للقاء زملاء العمل وهو مدير إحدى مدارس التعليم الابتدائي وكان برحلة تعليمية مع طلابه وقد ابتدءونا بالسلام حين رأوا سحنتنا العربية وملامحنا مع وجود الأوربيون من حولنا وتجمع الطلاب وهم يتهامسون فيما بينهم ويؤشرون علينا مع بعض الابتسامات على محياهم وكان لابد أن ندخل معهم ونشاركهم وتم ذلك حين رددنا السلام وصارت الابتسامات انشراحاً وكأننا نعرف بعضنا منذ الأزل.



صورة جماعية لطلاب المدرسة الابتدائية الذين قابلناهم مع مديرهم الأستاذ ناصر

جميلة تلك المشاعر الودودة وتلك الابتسامات التي حملت الكثير من المعاني وهم ينظرون إلينا ونبادلهم النظر وأكمل اللقاء مدير المدرسة مع بعض المعلمات والمعلمين وهم يلقون التحية وصار اللقاء وسط المسرح ،أنها لحظة أعمتنا عن كل إحراج فقد صرنا وسط المسرح والمسرح يتميز بتردد الصوت(صدى) وكنا نتبادل الضحكات والكلمات الترحيبية وبعض الذكريات التي عرفنا أن المدير كان يعمل معلماً في مدينة الرياض وكان له أصدقاء وفرح أشد الفرح حين علم أننا من نفس الدولة وأصرّ على أن نشاركه يومه بالنزول إلى بيته والتعرف على أهله وأحبائه ولكننا استطعنا بعد مناوشات كلامية التملص من دعوته وجعلت جلبتنا من جميع زوار المسرح يقفون مبهورين من تلك الضجة التي افتعلتاها بدون قصد ولكننا نحن العرب لا نعرف لقواعد الاتيكيت وزناً ولا لما حولنا حساً فقد صرنا بلا قصد وكأننا نمثل بالمسرح ومن حولنا الجمهور من السياح يراقب والبعض انتهزها فرصة للتصوير لهذه الجمهرة الغريبة .


[

أطفال بعمر الزهور عرفوا كيف يصلون بابتسامتهم قلوبنا وكيف جعلونا نعيش لحظات مليئة بالود والمحبة



وودعناهم مع دعائنا لهم ودعاؤهم لنا بالخير ومثلما التقينا بابتسامة كانت تلك الابتسامة هي ما ودعونا بها.

وبعد وداعهم وأخذ جوال المدير للأتصال عليه لاحقاً ومنها إلى مدينة صفاقس فلننتقل معكم إلى هناك.

صفاقس "عاصمةالجنوب"

مدينة صفاقس تعتبر ثاني أكبر المدن في تونس،وتقع على الساحل الشرقي شمالي خليج قابس، وذلك إلى الجنوب من سوسة بنحو 120 كم وتحيط بها مزارع الزيتون الفسيحة قد جذبت صفاقس كثيرًا من السكان منالقرى المجاورة مثل قرية شرف وقلوس واللوزة وغيرها كما جذبت عائلات معروفة من سوسة والقيروان والمهدية ومن خارج تونس من كل من الجزائر والمغرب وليبيا بسبب تلك المزارع .

يروج بعض الباحثين أنها ترجع في نشأتها إلى الرومان الذين استعمروا تونس قرونًا طويلة لقد احتلتها فرنسا سنة(1299 هـ، 1881 م)كما تعرضت للهجوم البريطاني في أثناء الحرب العالميةالثانية،وذلك سنة(1361 هـ ،1942 م)فاحتلتها بريطانيا سنة(1362 هـ ،1943م).

وفي سنة 1910 م تم مد الخط الحديدي من " قفصة" وهي مدينة في الجهة الغربية من تونس وهذا الخط الذي يصل إلى صفاقس ، ويخدم الخط تصديرالفوسفات حيث رأيناه مجموعاً بكميات هائلة على الساحل وكأنه جبالاً بيضاء.
كما انه تم تطوير ميناءصفاقس بعد الحرب العالمية الثانية بتوسيعه وتعميقه ، ويتميز هذا الميناء بأن حركةالمد والجزر تساعد على دخول وخروج السفن.






الكميات الضخمة من الفوسفات المتراكمة وكأنها جبالاً على ساحل صفاقس





.



وكميات أخرى للفوسفات

زيارة للمدينة:

تتكون مدينة صفاقس منالمدينة القديمة الموجودة داخل الأسوار التي تتميز بكثافة سكانية عالية وتتميز بأزقتها الضيقة والبيوت ذات الطابق الواحد.
-
أما المباني العصرية فقد شيدت بين المدينة القديمة والبحر وهي تتسم بتركيز النشاطات الخدمية كالأسواق والمباني الحكومية والطرق المتسعة وغيرها والتي اتسعت بشكل كبير جداً .


وما تتميز صفاقس به من الأنشطة الفريدة مايأتي:

ـ نحت الحجارة :وتستعمل حجارة الكلس في الفن المعماري التونسي بصفة كبيرة و تكون منقوشة و ذات لون سكري أو وردي و تسمى "كذّال" تجلب من دار شعبان (نابل). و توصف في إعداد الأقواس و أطر الأبواب والنوافذ و كذلك تيجان الأعمدة مثل ما هو موجود بكثرة في منازل مدينة صفاقس وتصدر إلى مدن تونس .

ـ كما تصدر الفوسفات من أضخم معمل في تونس بدأ إنتاجه 1952م والذي يجلب من مدينة قفصة وأيضًا الإسفنج.

- تتميز صفاقس بأهمية النشاط الصناعي التقليدي مثل صناعة الصابون والصباغة وصناعات الجلد والأحذية الجاهزة

ـ يتميز سكان مدينة صفاقس بنشاطهم حتى أن منطقة صفاقس تعتمد على الزراعة بصورة كبيرة، حيث ان ثلاثة أرباعسكان مدينة صفاقس يمتلكون مزارع زيتون لذلك فهي تشتهر بالزيتون الذي يأتي إليه التجار من كل مكان لرخص ثمنه بها وقامت عليه صناعة زيت الزيتون الذي يعد من أهمصادراتها بالإضافة إلى معاصر الزيتون




إحدى بوابات المدينة العتيقة والتي حافظت على شكلها مع ارتباطها بالجديد



ويقع سور صفاقس الآن وسط المدينة نظراً للأتساع الكبير للمدينة

كما لا يفوتنا أن نذكر جزر قرقنة وهي مجموعة جزر مقابلة لساحل صفاقس و هي تابعة إداريا لمدينة صفاقس

إن ارخبيل قرقنة بمساحته 300 كم مربع و يتكونارخبيل قرقنة من 8 جزر فقط اثنان مأهولتان بالسكان وانها من أجمل الجزر التونسية بطبيعتها و واحاتها البحرية




قرقنّة المعروفة بنخيلها الوارف تقع على بعد 400 كلم من العاصمة. يعتاش أهلها البالغ عددهم حوالى الثلاثة آلاف نسمة من زراعة الكروم والزياتين (شجرالزيتون) ومن مهن تقليدية كصيد السمك... وسواها. وهي "كثيرة الكروم والأعناب وغلات الكمون والينسون" كما يشير الإدريسي. كما أنها أحرزت شهادة على ازدهار الفلاحة وزراعة الزيتون والعنب منذ القرن الخامس.
كما أن ارتيادُ غياهب البحروركوب أمواجه العاتية لتأمين أسباب الرزق من المحيط؛ دفعا بأهلها إلى المغامرة فيلججه بحثاً عن كنائز مدفونة وأسماك أو حيتان وفق التسمية التونسية الشعبية.




ومن هنا ننتهي من ذكر رحلتنا بجزئها الثاني من مدينة صفاقس وسيكون لنا لقاء بالجزء الثالث الاكبر حظاً للقراءة وفيه التعرف على مناطق ذات العجب العجاب من تكوينات طبيعية للسكان وكيف اتخذوا من الأرض مستقراً ودوراً يسكنونها تحت الأرض وكذلك نزور العكس من ذلك لسكان اتخذوا الجبال وقمما مسكناً ومغارات يضعون فيها غلالهم وبطريقة فذة ابتكروها وكانت عجباً ..

انتظرونا للجزء الثالث والله ولي التوفيق.
أخوكم رحال الخبر – وائل الدغفق